دخلت حورية غرفة غفران التي أصبحت كمقر سري لهن وتفكيرها مرهق، تشعر بهول القادم ولا تخشى سوى من رد فعل منير فهي لن تنسى أبدا تلك المرة التي سقط فيها بين يديها، لن تنسى أنه تجاه عائلته حساس وشعوره بالمسؤولية والانتماء عالٍ جدا، رافض لرؤية شيء سوى أنهم الأهم، زفرت أنفاسها بيأس وأغلقت الباب لتجد غفران تجلس أمام حاسوبها المحمول وحين اقتربت منها قالت "لقد أرسلت تولين موعد عودتها إلى القاهرة وأخبرت به جميع الفتيات، مطار القاهرة غدا ليلا سيستقبل فتيات العزايزة، فتيات قدمن كل مكان، من أكثر من عشرة دول، تقريبا جميع المغتربات هذا غير القادمات من محافظات أخرى وحتى المقيمات في أرض العزايزة لا أستطيع تخمين العدد، الأمر مخيف، انظري لكم رسائل التأكيد بميعاد الوصول، ساعات فقط الفرق ما بين الطائرات، فالقادمات مبكرا سينتظرن المتأخرات وسيخرجن من المطار معا، وهناك من اضطررن للسفر لدول أخرى وحجز تذكرة إلى مطار القاهرة لكي لا يتأخرن، أنا مرتعبة" تدخلت تبارك في الحوار وقالت وهي تنظر لهاتفها "نحتاج لأحد لينظم خروجهن من المطار، يوجد أكثر من فتاة تُعتبر هاربة من أهلها، الأمر خطير، حورية، هل أنت واثقة مما سيحدث؟ أخشى من رد فعل أبي إنه لا يتفاهم، أرجوكِ، هؤلاء الفتيات تركن كل شيء خلف ظهورهن وغامرن بالهروب والقدوم لأنك أعطيتهن الأمل" نظرت لهما حورية نظرات يشوبها الخوف وقالت "سأحاول بكل استطاعتي أن تسير الأمور كما خططنا لها، لكن كل خوفي من عبد الرحمن فهو أكبر خطر علينا وبإمكانه إفساد الأمر، أظن أننا سنحتاج لتدخل منار" قالت تبارك بفزع "أمي! كيف؟" ردت عليها حورية وهي تطلب رقم سما "سنحتاج إلى منار وأمي نعمة ولكن سنخبرهما بما يحدث في آخر لحظة وليس الآن، فلو علمتا الآن فوالدك وجدك بنظرة في أعينهما سيعلمان كل شيء" حركت تبارك يدها بالهواء كأنها تحتاج لهواء أكثر لتتنفس وقالت "أخشى من أبي، أرجوك يا حورية، أبي لن يرحمنا" قالت لها حورية بضيق "أرجوك أنتِ، توقفي عن بث التوتر والخوف في قلبي" جاءها صوت سما الناعم من سماعة الهاتف تقول "مرحبا حورية، كيف حالك؟ هل من جديد؟" قالت حورية بتركيز "نعم، الفتيات قادمات غدا وأحتاج لحافلة ضخمة ومكيفة لإخراجهن من المطار، فأنا لن أستطيع أن أتحرك من هنا، وأريد أن يذهب أحد لاستقبالهن" فقالت سما بحماس "هل يمكنني القدوم معهن؟" قالت حورية بيأس "سما، أنا حاليا لا أعرف كيف سنخرجهن من المطار أو أين سيبقين حتى أُخرِج عبد الرحمن أخا منير من أرض العزايزة، الأمر معقد وأنا هنا مكبلة" ردت عليها سما بتفكير "أمر الحافلة سهل، يستطيع سلطان أن يحضرها، وسارة وملاك مؤكد ستذهبان لاستقبال كنزي وحور ويمكنهما استقبال بقية الفتيات، وأيضا من الممكن قدوم الفتيات إلى الحارة حتى تعطيهن أنتِ إشارة الانطلاق لأرض العزايزة، منزل سارة وسلطان فيه أكثر من شقة مغلقة ولدينا شقة حور ويمكنني أن أطلب من سيد وطاهر البقاء في شقة واحدة وأضم شقتي لاستقبالهن أيضا، لكن أخبريني كم فتاة هُنّ تقريبا؟" نظرت حورية لشاشة الحاسوب الذي تحمله غفران وقالت بعقل غائب "ربما حوالي وسنحتاج حافلتين وليس واحدة"
ابقي هنا معي، أما انتهي زمن الفراق؟ كوني ترياقا لروحي فلقد أهلكها السهاد، كوني البلسم وارفقي بمن تجرع في النوى علقما
حين تذهب السكرة وتأتي الفكرة لا يحضرنا سوى ال**ت فلا يكون الكلام مُجدٍ، فالصدمة لا تكمن في اللحظات الأولى بل إنها تكمن في أول لحظة سكون تنتابنا بعدها، تكمن في أول لحظة تعقلٍ تجذبك لأرض ثابتة وتعيد عرض الأمر عليك مجددا ولكن بعقل حاضر وواعي، فتأخذ الصدمة حينها شكلها الخام الصافي وتتذوق لأول مرة طعمها الذي لم تكن تعلم شيئا عنه، طعما أمرّ من الحنظل، فتتهدم الآمال أمام عينيك بشكل واضح مؤلم، موجع ومهلك
تجلس الفتيات في غرفة نوم ذكورية جامدة، الجدران والأثاث بلون رمادي باهت كأنه لون الغيوم في يوم شتاء قاسي، كئيبة كأن من يسكنها جسد بلا روح، يتوسط الغرفة سرير كبير تغفو فوقه بلقيس المتعبة وبجوارها عزيزة التي ظلت تبكي حتى كادت تفقد الوعي، بينما تجلس سمراء بجمود فوق أريكة متقوقعة على نفسها كأنها جنين يخشى من المخاض الذي يقترب، وتجلس قبالتها أسمهان وقد أرجعت رأسها للخلف وأسبلت أهدابها رغم أنها واعية جدا لكل ما يدور حولها لكنها مرهقة لدرجة لم تبلغها من قبل، تستمع لهمس كنزي المتوتر ولطرق أصابع تولين فوق الحاسوب المحمول الذي استعارته من ذلك الصديق الذي لا تعرف حتى الآن إلى أي مدى تعمقت صداقتهما التي لا تشعر بوجودها لدى تولين ذلك الرجل رجل يدافع عن حبيبته التي يعشقها بجنون، قد تكون ذات نصيب مؤلم في الحب لكنها أنثى أحبت وتدرك جيدا كيف تكون نظرات العشاق، هزت رأسها بحركة تكاد لا تكون مرئية وهي تسمع كنزي تقول لتولين "حين علم مؤيد بعودتي المفاجئة جُن جنونه، أشعر أنني أحمله ما لا يطيق، رغم أني شرحت له أني سأكون بأمان معك لكنه وخوفه المرضي لم يتركا لي الفرصة، ماذا أفعل الآن؟" تركت تولين الحاسوب ونظرت لها وقالت "لم يكن عليك إخباره فأنت تعلمين أن مؤيد لا يرتاح إن شعر أنك ستتحركين حركة بعيدا عن عينيه، صدقيني لو لم أكن متأكدة أنك ستكونين بأمان لم أكن لأغامر بعودتك ولكنني أعلم أنك بمجرد دخولك أرض العزايزة ستصبحين في أأمن مكان في مصر بأكملها، فهناك لا تمر ذبابة غريبة إلا وتُدهس بأرجلهم" حركت كنزي رأسها بحركة قوية لتنثر شعرها الأحمر القصير بملل وهي تقول "أعلم وهذا بالضبط ما كنت أهمّ بقوله حين قاطعنا شاهين، فاضطر مؤيد لإنهاء المكالمة سريعا بعدما أمرني ألا أخطو خطوة واحدة بدون علمه، يظن أننا مازلنا في القصر، آه لو يعلم ما حدث" وقفت تولين تقول لها بهدوء "ثقي بي، كل شيء سيكون بخير وأنت ستكونين بأمان حتى تنتهي مهزلة عائلتك" قالت كنزي بانفعال "أنا لا أخشى على نفسي، صدقيني ما يشغل عقلي حاليا هو أنت، أنت فقط وكل ما يحدث معك، هل يمكنك أن تخبريني؟ أليس صديقك الصدوق هذا من كنتِ تهربين منه في مصر؟ فكيف ظهر هنا ولجئتِ إليه؟ هلّا شرحتِ لي؟" أخذت تولين نفسا عميقا وقالت بصوت متحشرج "القصة طويلة، طويلة جدا" نظرت كنزي للغرفة من حولها وقالت "ليس وراءنا شيء كما ترين، الكل غارق بدوامته، خذي مني وقتي كما تشائين" سارت تولين نحو الشرفة التي يهتز بابها محدثا صوتا خافتا ووقفت أمامها تماما تقول "إنه " قاطع كلامها طرق على باب الغرفة وصوت رائف العميق ينادي "تولين، أريد أن أكلمك" التفتت تولين تنظر لكنزي بقلة حيلة و اليأس والإحباط يملآن كيانها، فقالت كنزي بإصرار "اذهبي إليه وأنا سأنتظرك هنا لتخبريني بالقصة الطويلة" تحركت تولين نحو الباب وهي تهمس "حسنا، ولكن هاتفي سارة أو ملاك واعرفي ماذا ستفعلان" هزت كنزي رأسها بطاعة ورفعت هاتفها لتتواصل مع الفتيات وتعلم آخر الأخبار، فيما تحركت تولين بصالة استقبال متوسطة المساحة تبحث عنه بعينيها ليأتيها صوته من الخلف "أنا هنا" استدارت تولين فوجدته يقف في المطبخ المفتوح على الصالة وأمامه أكياس كثيرة ينظر بداخلها، فاقتربت بتوتر تضم يديها خلف ظهرها وتقول "ما كل هذا؟" حرك رائف رأسه بحيرة وقال "طعام وبعض الفاكهة والعصائر" ابتسمت بألفة وقالت "أنت تعطي الموضوع أكبر من حجمه، نحن بخير ولا نحتاج شيئا" لم ينظر إليها وكله يهفو إليها وقال "نحن بشر وجميعنا نحتاج للطعام، ولكنني لا أعرف ماذا تحببن، خذي الطعام لأخواتك وهذا علاج بلقيس، وكُلِي جيدا لأننا سنخرج" ردت عليه باستغراب "إلى أين؟" أخيرا رفع عينيه لها وقال "رجالي يراقبون القصر وبمجرد خروج الشباب منه سنتسلل إليه مثل أيامنا الخوالي ونحضر أوراق الفتيات والأطفال، خادمة أسمهان ستساعدنا ولن تقابلنا عوائق بإذن الله" قالت بتوتر "ولكن" قال باستفهام "ولكن ماذا؟" تحركت نحو الأكياس وقالت "أظننا سنحتاج لسمراء أو أسمهان معنا من أجل الأطفال، أخشى أن نفزعهم" قال رائف وهو يسحب أحد الأكياس من يدها ويدفع نحوها كيسا آخر "لا، سنخرج سويا وننطلق بدراجتي القديمة نحو القصر" قالت بفزع "دراجتك! كيف؟ لا، هذا مستحيل" كانت تتحدث بتوتر وهي تفتح الكيس الورقي الذي دفعه نحوها لتجد به قالبا صغيرا من الحلوى فوقه قطعة شوكولا على شكل تاج كُتِب عليها باللون الذهبي (ملكتي) وجملة خطت بلون أبيض وبخط جميل "مرحبا بعودة روحي، مرحبا بعودتك" تاهت في تفاصيل القالب الصغير وجرحها المتقيح الذي تشعر بألمه يجعل الأرض تميد تحت قدميها، أدمعت عيناها بشدة حتى ما عادت تستطيع منع دموعها أكثر فانحدرت فوق وجنتيها وهي كما التمثال، شعرت بكرسي يقترب منها وسمعت همسه وهو يقول "اجلسي" بدون شعور جلست فوق الكرسي وشعرت بمل*قة تتخلل أصابعها وصوته مجددا يقول "لقد أعددته لكِ وحدكِ بأفخر أنواع الشوكولا، سيعجبك" حركت يدها لتقترب بمعلقتها من القالب واقتطعت قطعة كبيرة ثم قربتها من شفتيها لتلوكها فلم تشعر بحلاوتها لكنها ابتسمت بألم، لمح رائف ابتسامتها فأنار وجهه وقال "كنت أعلم أنه سيعجبك" رفعت عينيها لعينيه للحظات لتقطع هذا التواصل كنزي وهي تخرج من الغرفة وتقول "حور، سلطان يقول إنه جهز كل شيء لكنه لن يتحرك نحو المطار قبل أن يفهم ماذا يحدث" تركت تولين المل*قة وقالت "أنا قادمة" ثم انسحبت بسرعة نحو الغرفة تاركة خلفها رائف الذي رفع مل*قته واقتطع قطعة من القالب وقربها من فمه ببطء وكأنه يتساءل عما جعلها تبتسم فلم يجد إجابة بين حلاوته الشديدة التي تلاشت في لحظة مثلها تماما
أوقف مأمون سيارته في باحة القصر والأفكار تتقاذفه يمينا ويسارا وبجواره سجى التي تحمل نوراي على أقدامها وتقول "ألم يخبرك أسد بشيء؟" قال مأمون "لا، طلب مني فقط أن أُحضرك معي لتبقي مع الأطفال" قالت بذهول "أبقى مع الاطفال؟ أين الفتيات إذاً، هل حدث شيء؟" قال مأمون وهو يترجل من السيارة "سنعلم كل شيء حين ندخل، أسرعي" ترجلت سجى وهي تقول بحنق "جواد، أسرع" ترجل جواد وهو يرتدي حقيبة ظهره وقال "سأصعد لتوتا قبل أن يلمحني عمي بشر" قالت سجى بحنق "خذ أختك معك وخلال دقائق سأكون عندك" أمسك جواد بيد الصغيرة وقال بحماس "هيا يا نورا، أسرعي، لندخل قبل أن يرانا الوحش" أسرعت الصغيرة تعدو بخطوات بسيطة بجوار
اقترب مأمون من سجى وأمسك بكفها بقوة قائلا "موازينهم جميعا مقلوبة رأسا على عقب منذ عودة تولين، وبشر يموت بالبطيء، أرجو ألا يكون قد حدث خلف هذا الباب ما أخشاه" قالت سجى بتوجس "وما الذي تخشاه؟" أحكم قبضته على كفها وقال "الضياع يا سجى، شعوري حين اختفيتِ وظللتُ أبحث عنك لعامين، حين ظللت أنا وآثامي لعامين نقف كل يوم كضحية وجلاد، وعش*ي لك سيّاف يقطع عنقي لتلتئم شراييني مع شروق الشمس، فأسير بين الناس ممزق القلب ولا يعلم ما بي سوى الله، أحيانا أتساءل كيف عدنا وفي الليل أستيقظ وأوقظك لأبدأ معك يومي من قبل كل البشر كأنني أعوض ما فاتني" بابتسامة مشرقة مغرمة متيمة أطبقت كفها على كفه وقالت "أمر المؤمن كله، ما عدتُ أذكر آلام الماضي، كل الوجع قد رحل وبقيت أنت، ما الفائدة أن نتذكر جرحا لم يترك أي أثر؟ في النهاية لا حياة تسير بدون عواقب" رفع كفها لشفتيه وهمس "لا أريد أن أتذكر الجراح والآلام، أريد أن أحبك" ابتسمت له بحب ليقاطعهما صراخ أسد المفزع "ماذا تفعلان؟ نحن نحترق في الداخل وأنتما هنا تتبادلان أحاديث الغرام" صرخ به مأمون "أخفض صوتك يا حيوان وانتقِ ألفاظك، سجى اصعدي للأولاد" قالت بعبوس "أريد أن أعلم أين ذهبت بلقيس والفتيات" قال لها أسد بحرقة "هربن، تركن القصر وهربن" قالت بلقيس بفزع "ماذا تقول؟" دفعها مأمون وهو يقول "سجى، اصعدي أنت الآن وسأفهم ما يحدث وأخبرك" تحركت سجى وهي تشعر بالرعب، فيبدو أن ما حدث خطير، هربن؟ من؟ فتيات العزايزة؟ لا تصدق، أخرجت هاتفها تحاول الوصول لإحداهن لكن للأسف جميع الهواتف مغلقة همت بوضع هاتفها بالحقيبة لكنها توقفت حين تص*ر اسم فتون الشاشة
دخل مأمون غرفة المكتب ليجد بشر يجلس خلفه ويتحدث في الهاتف بعصبية قائلا "ماذا يعني هذا؟ هل انشقت الأرض وابتلعتهن؟ لا، ليس حادث ا****ف أنا متأكد ولن أطلب دعما رسميا من السفارة فأنا لست ضعيفا أو قليل الحيلة وسأجدهن بمفردي، وحذارِ أن يعلم أحد بالأمر فستكون أنت المسؤول أمامي" أغلق بشر الهاتف بعنف ونظر لعاصي قائلا "لم تسجل إحداهن دخولا إلى أي مشفى أو فندق ولم يستخدمن بطاقاتهن المصرفية إطلاقا" رد عليه صفي "هذا الوضع مقلق أكثر، مؤكد بلقيس تتألم ولم يذهبن بها لمشفى حتى الآن، بشر أرجوك تصرف" كان كالذي يدور في دوامة ليس لها قرار والضغط عليه يزيد، فدخل أسد يقول بعصبية "هل هناك أخبار؟" رد عليه منذر بتوتر "ليس بعد" تحرك عاصي وهو يشعر أنه يكاد يختنق وقال "لم نترك مكانا واحدا لم نبحث به، أخشى أن يكون قد أصابهن مكروه" رد عليه أسد بثورة "أقسم لو حدث لهن شيء وعلمتُ أن لسمراء يدا في الموضوع سأقتلها" زمجر ليل الواقف بجوار بشر يكاد يموت من القلق لكنه يخفي لوعته خلف جمود يعلم أنه لن يستطيع المحافظة عليه أكثر من هذا وقال "فكر فقط أن تذكر اسمها ثانية بالسوء وسأهشم وجهك الوسيم هذا" انتفض بشر واقفا يض*ب على المكتب بعنف وهو يقول "اخرسوا لا أريد أن أسمع صوتَ واحدٍ منكم، وحتى نجدهن من يتحدث بكلمة واحدة سأقطع ل**نه فأنا لم أعد أحتمل هذا الوضع" كان يموت، كل ما فيه يفقد الحياة، تحرك مأمون ناحية المكتب وقال "بشر، اهدأ وأخبرني ماذا حدث وبإذن الله محلولة" **ت الجميع إلا بشر الذي قال لمأمون "اجلس يا مأمون" جلس مأمون ينظر في الوجوه الواجمة حوله وتساءل "هل هربت الفتيات حقا؟" جاءه صوت بشر القاطع "نعم، وأريد أن تستخدم علاقات عمي جواد رحمه الله وتعرف مكانهن وبسرية تامة فأنت تعرف وضعنا الحساس" نظر له مأمون باهتمام وقال "حسنا، اعتبره قد حدث، لكن أليس هناك شيء قد يساعدنا في البحث أو يسهل علينا المهمة؟" تهاوى بشر جالسا وهو يقبض كفه بعنف وقال "نعم، كان معهن رجل ومؤكد كاميرات النادي التقطت وجه" سأله مأمون بذهول "أي نادي؟" أخذ بشر أنفاسه وبدأ يقص عليه الأمر من البداية، أخذ يقص عليه رحلة الوجع من أول خطوة
ليس بيدي الأمر أكبر مني ،خُلقتُ حرةً لا أقبل القيود لا أقبل سوى بالطريق السوي ورغم أن قلبي ملك لك إلا أن روحي الأبية دائمة الثورة وعقلي دائم الرفض لكل ما يخالف شرع ربي
كانت السيارة تنهب الطريق نحو المصنع وعيون منير تكاد تخترق الجالسة بجواره ب**ت ليس من عادتها، **ت يريبه ويجعل وساوسه في أوجها، حالها منذ أيام يقلقه وعقله يأخذه إلى أفكار غريبة، ثم يتغلب التعقل بداخله ويفكر لعلها مشغولة بأمور المصنع التي تُعتبر هي من تديره بعد أن تأكد وعبد الرحمن من أنها وزوجة حيان عقليتان عمليتان لأبعد حد وتستطيعان بمفردهما إدارة المصنع وعلى أكمل وجه، نغزه قلبه فقال "حورية، هل أنت بخير؟" جذبها صوته من جنون أفكارها فالتفتت إليه وقالت "الحمد لله أنا بخير، لماذا تسأل؟" رد عليها "بسبب شرودك أغلب الوقت، هل هناك ما تخفينه عني؟" توترت بشدة وقالت "ماذا تقصد؟" عبر منير بوابة المصنع يحيي بحركة من يده أفراد الأمن وهو يقول "أخشى أن يكون العمل قد أرهقك وخصوصا أننا توسعنا كثيرا في الفترة الأخيرة، أنا وعبد الرحمن نشعر بالراحة لوجودك في المصنع، لكن إذا كان هذا سيتعبك ويجعل بالك مشغولا دوما سأتصرف وأجد من يساعدك أو من يحل مكانك إذا شعرتِ أنك لم تعودي قادرة على المواصلة" هزت حورية رأسها بنفي وقالت "منير صدقني أنا بخير وورد تساعدني كثيرا بل إنها تسيطر على جميع حسابات المصنع، وحيان كما تعلم نصب نفسه رئيسا للعمال ويراقب كل شاردة وواردة، وما شاء الله الخير القادم مبشر جدا، الكلام الذي تقوله ليس له أساس فأنا سعيدة بخطة عمل المصنع وروح التعاون والدعم التي بين جدرانه" تفرس منير في ملامحها التي تسكن قلبه وقال " إذاً ما الأمر؟ أشعر أن هناك شيئا لا أعرفه، هناك ما يشغل عقلك" رفعت حورية يدها الرقيقة وتخللت أصابعها شعيرات ذقنه المشذّبة وقالت "أنا بخير يا حبيبي، لكن الوضع في المنزل يوترني ولا أريد مضايقتك ولا تذكيرك بما تحاول تناسيه ولكن حالة غفران تدمي قلبي، اعذرني يا منير وسامحني وتفهمني دائما أرجوك" رفع منير كفه يحيط كفها بحنان وعيونه تشعر أن هناك شيئا غريبا لكنه لا يستطيع الوصول له وقال "حورية، أعلم أن كل ما يحدث حولك يخالف معتقداتك وتفكيرك لكن لا تنسي أن أمر رفضك لبيئتي قد أنهيناه منذ زمن، لا أريد أن يبدر منك أي تصرف غير مسؤول نتيجة تعاطفك مع غفران، أريد منك فقط أن تبقي بجوارها وتحاولي تهوين وطأة ما يحدث عليها ومساعدتها أن تتقبل الأمر، حاولي قدر ما تستطيعين مؤازرتها لكن لا لأي جنون، أحذرك حورية" بلعت غصةً مرة وارتجف جسدها بخوف وقالت "صدقني سأفعل كل ما يمكنني فعله لمساعدتها" حرك شفتيه لاثما باطن كفها وقال "أنا أثق بهذا، أنا أثق بك" قالت له بتأثر وما تخطط له يجعلها كورقة في مهب ريح "وأنا أحبك" ابتسم منير بسمة أنارت وجهه وأزاحت همه وقال "ليس أكثر مني، أنا أحبك قبل أن تقعي في غرامي بسنوات" أسبلت أهدابها بتأثر وقالت "لكنني دائما أسرع منك فالمسافة التي قطعتها في حبي بمفردك لحقتك بها بل وسبقتك بخطوات، فماذا يفعل قلبك الرقيق أمام قلبي الشرس؟ ففي الحب الغلبة للأقوى" خرجت من شفتي منير ضحكة قوية رائقة مزهوة فخورة تربت على ألم روحه فيما يحدث حوله جعلت عينيها تشع قلوبا كمراهقة تنظر له بانشداه، فقالت بتعجب "ما كل هذا الضحك؟ هل ذكرتُ لك طرفة؟" قبل منير كفها مجددا وقال "بل قانونك في الحب هو نفس قانوني في أماكن أخرى" سحبت حورية يدها بقوة وكورت قبضتها ثم لكمته في ص*ره وهي تقول "أيها الوقح الفاقد لأدنى ذرات الأدب، رجل فاقد للحياء فعلا" ترجلت حورية من السيارة فيما قهقه منير وهي مستمرة بتمتماتها الممتعضة، ظل يتتبعها حتى اختفت داخل المصعد بعد أن رمقته بنظرة حانقة، فتلاشت ابتسامته وهمس بخفوت "قلبي يحدثني أنك تخفين عني الكثير، لكن صبرا يا حوريتي صبرا "
كانت ورد تجلس على مقعدها خلف المكتب، تنظر للملف أمامها بتدقيق والقلم يتلاعب بين أصابعها دليل أنها تغوص بعمق فيما تقرأ، مرت لحظات وهي على نفس الوضعية قبل أن تزفر بإرهاق وتلقي الملف فوق المكتب، وترجع ظهرها للخلف تمسد على بروز بطنها الذي ظهر بشكل ملفت وتفكر فيما حدث بالأمس، حين كانت تجلس على أرجل حيان وهو يحيط خصرها بشغف ليقاطع جلستهما رنين هاتفها برقم عميل جديد كان عليها تلقي اتصاله فمؤكد لم يهاتفها في هذا الوقت من فراغ، كانت عيناها على شاشة الهاتف الذي يهتز ويداها تحاولان سحب حيان من لحظة الحب الذي جعلته يكبلها بين ذراعيه، انقطع الاتصال وحيان لم يفلتها فكادت أن تغمض عينيها وتستكين بين ذراعيه ليعود الهاتف يلح بالاتصال، وحيان كغريق لا يسمع ولا يشعر فلم يكن أمامها سوى قطع تواصلهما فجأة لتجيب على الاتصال، وكم أدركت هول ما فعلت حين قفزت نحو المنضدة لتجيب على الهاتف لتجد أن العميل يعتذر عن الاتصال بهذا الوقت معللا ذلك أنه تواصل مع حورية ولكن هاتفها مشغول، وهو يحتاج لنسخة ال*قد بشكل ضروري لترسله له على أحد التطبيقات، أرسلت له نسخة ال*قد وهي تشعر أن الغرفة تكاد تشتعل من غضب المارد الذي كان يلقيها بنظرات حارقة، وبمجرد أن انتهت مما تفعل انسحب من الغرفة مغلقا خلفه الباب بقوة أفزعت ابنهما الذي ظلت تهدهده حتى غفا، ورغم مرور الساعات وانتظارها له لم يعد في الصباح ليخبرها بكلمات جامدة "استعدي لنذهب للمصنع، منير طلب مني ألا نتأخر" ب**ت متحاشية إغضابه ارتدت ملابسها وها هي تجلس في مكتبها منذ ساعة ولا أثر له ولا مكالمة، زمت شفتيها بقهر وقالت وهي تجمع شعرها بملقط فوق رأسها "إذا كنت داء قلبي يا حيان فمن يداويني" وكأنها نادته، فُتح الباب بقوة لتجده يقف أمامها بعبوس يحمل بيده كيسا ورقيا تيقنت أنه إفطارها، وضعه أمامها وقال "إفطارك، هيا كلي" قالت بتوتر "أين إفطارك؟ ألن تأكل معي؟" أجابها بجمود "أفطرت مع العمال" حركت كتفها بحزن وقالت "حسنا، حين أشعر بالجوع سآكل" ض*ب على المكتب وقال "بل الآن وأمام عيني وبسرعة لأنني أريد أن أنصرف لعملي" اختنقت بالبكاء من أسلوبه لكنها تماسكت فهي تعلم أنها لو بكت سيجن جنونه وسحبت الكيس لتفتحه ببطء وتسحب منه الشطائر الساخنة، وقربت إحداهما لشفتيها بدون نفس وقضمت قطعة صغيرة وأخذت تلوكها ولكن القطعة أبت أن تنزلق لحلقومها فجاءها صوته النزق قائلا "كلي مثل الناس" تركت الشطيرة وقالت بارتجاف "لا أستطيع ابتلاعها، لا أريد أن آكل" نظر لها وقال "توقفي عن هذه الطفولية وكلي" لم تستطع التماسك ففرت دموعها هاربة ليصرخ بها "لماذا البكاء الآن؟" بكت بشدة ليقف ويسحب عددا كبيرا من المناديل الورقية من العلبة الموضوعة على جانب المكتب واستدار حول المكتب يمسح وجهها بطريقة عشوائية كأنه طفل يعبث في ملامح دميته وهي تحرك رأسها يمينا ويسارا كأنها تحاول إنقاذ وجهها لكنه استمر فيما يفعل حتى ضحكت وقالت "كفى أرجوك" حين شعر أنها توقفت عن البكاء تحرك نحو السلة متخلصا من المناديل وجلس مجددا على المقعد المقابل لها قائلا "الآن كلي" قالت "ليس قبل أن أعرف ماذا بك" أشاح بوجهه بكبرياء وقال "لا شيء، أنهي طعامك و دعيني أرحل" أزاحت الكيس نحوه وهي تقول "ليس قبل أن أعرف ماذا فعلتُ لكل هذا" التفت لها بأعين متهمة وقال "أحقا لا تعلمين؟" عضت ورد شفتها بتوتر وقالت بخفوت "حيان، لقد كان عليّ أن أجيب، إنه العميل الجديد وكان يريد " قال لها بغضب مقاطعا "تقصدين ذلك العميل الجديد الذي لم تعجبني نظراته نحوك وطلبت منك ألا يكون بينكما أي عمل مباشر" نظرت له ورد بيأس وقالت "أنت لا يعجبك أي رجل أتعامل معه يا حيان، نظراتهم جميعا لا تعجبك وتأمرني بعدم التعامل المباشر معهم وألقي بالأمر لحورية التي تفهمت الوضع، لكن للأسف بالأمس كان هاتفها مشغولا فاضطر أن يهاتفني" قال لها بغضب "أنا حر، أنت زوجتي وأنا أعلم ما يدور برؤوس الرجال، و أخشى عليك من أعينهم، هل تحاسبينني على خوفي عليك؟ هل أصبح خوفي وغيرتي مشكلة الآن؟" كان يتكلم كطفل يخاف الإقصاء، سيبقى الخوف شبحا يغيم على حياتهما وهي تعلم، هي تملك مخاوفها وهو يملك الكثير منها ولا يملكان سوى أن ينظر إحداهما للآخر كل صباح ويقول له بعينيه اطمئن أنا هنا، تحركت ورد ودارت حول المكتب ووقفت أمامه تقول "أنا لا اقصد ولكنك تركتني طوال الليل أنتظرك وبحلقي غصة أنني لم أغفُ بين ذراعيك، أنا حزينة أنك كلما واجهنا موقف مثل هذا تبتعد" نظر لأقدامه اللتين تهتزان بعنف وقال "كنت غاضبا للغاية" تعلم أنه يقصد كنت خائفا للغاية لذلك قالت "وأنا أيضا أخاف حين تبتعد عني، لم يحدث شيء لكل هذا، رأسي يؤلمني لأنني لم أستطع أن أغفو لدقائق حتى، حتى لو كنت غاضبا جدا، اقترب وعانقني وستعلم أنه لا داعي لغضبك أبدا" فردت ذراعيها في دعوة ص**حة للعناق وهي تبتسم باهتزاز فرفع عينيه لها وقال بهدوء "حقا؟" حركت رأسها بتأكيد فوقف كطفل وفرد ذراعيه وضمها لص*ره في عناق سيظل الدواء لهما أمام كل المخاوف، دفنت رأسها في ص*ره فوق قلبه كأنها تربت على موضع ألمه فأغمض عينيه بسكون وكأنه كان مشتعلا وانطفأ وليس باليد حيلة، فكلما نظر لها ولجمالها وقوتها حين ترأس اجتماعا وذكائها في إدارة المصنع يشعر أنها أكثر مما يستحق، يخشى من فقدها كلما وجد رجلا وسيما ينظر لها، كلما شعر أنها تستحق أن تكون بجوار رجل أفضل منه، يموت من الخوف ويخشى عليها من الكون بأكمله، أما هي فاستكانت بين ذراعيه تنثر مخاوفها فوق ص*ره، مخاوفها من الماضي الذي يربطهما، من المستقبل الذي يجمعهما رغم كل الفروق، ومن حيان نفسه وحربه الدائرة، بدا كل شيء في هذه اللحظة مموها إلا عشقها له ولذراعيه اللتين تحتويانها فحاربت كل أشباحها وقالت "اطمئن أنا هنا، وسأظل هنا فلا مكان ولا وطن ولا حبيب لي غيرك، اطمئن" طرقات متعجلة تبعها دخول حورية ال**بس تقول "رجال م***فون" لتتجمد أمام المشهد ويحمر وجهها بشدة وهي تقول "آسفة كنت أعتقد أقصد ،آسفة" قفز حيان مبتعدا عن ورد بوجه أحمر عابس فابتسمت ورد بحرج وهي تقول لحورية "تفضلي يا حورية، حيان سيرحل" أشاحت حورية بعينيها بحرج وقالت "لا، سأنتظرك في مكتبي" جاءها صوت حيان القاطع "هي لن تفكر ولن تتحرك قبل أن تفطر فادخلي" رفعت حورية عينيها بتعجب وتحركت إلى داخل الغرفة وهي ترى حيان يقول بلهجة شديدة التحذير "أنهي طعامك حالا، خمس دقائق وسآتي لأتأكد" هزت ورد رأسها بطاعة فانتفخت أوداجه وخرج من الغرفة دون أن يلقي على حورية ولو نظرة عابرة، فتحركت حورية خلفه لتغلق الباب وقالت "لك الله يا ورد، زوجك مخيف، أنا حورية لا أهاب أحدا سوى حيان البدري، أتذكرين ذلك اليوم حين علم أنني سأرفع لأجلك قضية خلع؟ يا الله، مازالت نظراته وصراخه عالقين بذاكرتي" ابتسمت ورد وهي تدور لتجلس على مقعدها وسحبت شطيرة وقضمت نصفها تقول برقة "حيان كالحمل الوديع" جلست حورية على المقعد المقابل لها وقالت "ما بهما عيناك تطلقان فراشات في الجو؟ من البداية شعرتُ أنني جئت بوقت غير مناسب" ضحكت ورد وقالت "لا تقلقي، فهذا آخر ما يمكننا فعله في الأماكن المفتوحة" توسعت أعين حورية وقالت بسخط "هل اليوم هو اليوم العالمي للوقاحة ولا أعلم؟" قهقهت ورد وقالت "دعينا من الوقاحة، هل هناك من جديد؟" نظرت لها حورية بملامح جدية متوترة وقالت "نعم، الأمر سار كما خططت له تماما، جمعنا عددا مهولا من الفتيات وموعد وصولهن إلى مطار القاهرة سيكون مساءً، منير يشعر أنني أخفي عنه شيئا، وأنا مرتعبة من اللحظة التي سيُعلن بها كل شيء، يخشى أن ألعب بعقل غفران، لا يدرك أي مصيبة قد فعلت" مدت ورد يدها عبر المكتب وأمسكت بكف حورية وقالت "لا تقلقي، مؤكد سيتفهم ما فعلتِه وسينير الله بصيرته ويسامحك، قلبي معك وليت بيدي شيئا لأفعله لك" التقطت حورية أنفاسها بهدوء وقالت "بصراحة أحتاج إليك في خدمة" قالت لها ورد باهتمام "اؤمريني" قالت حورية "أحتاج أن أعود إلى المنزل الكبير ولكن بدون علم منير، بمجرد أن يذهب الشيخ جعفر وعبد الرحمن في جولتهما التفقدية للمزرعة ستخبرني تبارك، وحينها سأنطلق نحو البيت الكبير بسرية تامة و أريدك أن تخبري الكل أننا في اجتماع مغلق، ساعة أو ساعتان على الأكثر" قالت ورد بعدم فهم "ولكن لماذا؟ ثم هل سيتركني حيان خلف باب مغلق لساعتين؟" قالت حورية "الأمر لا يحتمل التأخير، عليّ أن أخبر أمي نعمة ومنار بما يحدث وهذا شبه مستحيل في وجود الشيخ وعبد الرحمن، نحتاج لمساعدتهما، ورد أنت فتاة وتعلمين ماذا يعني أن تُغتصب حريتك وأحلامك، هل ستساعدينني؟" ردت عليها ورد "أكيد سأفعل ولكن حيان!" قالت حورية "سأحتاجه ليأخذني لأرض العزايزة ويعيدني، لن أأمن لأحد غير زوجك فهو رجل ثقة" توسعت أعين ورد وهي تستقبل اعتراف حورية وشعرت بالفخر وبالزهو، وشعرت بالارتباك لكنها قالت "مستحيل، أنت لا تعرفين حيان، سيخبر منير، هو لا يحب أن تخفي المرأة عن زوجها شيئا" شددت حورية فوق قبضة ورد وقالت "أليس حملك الوديع؟ أرجوك يا ورد، أعلم أنك تستطيعين فعلها" همت ورد بالرد ليقاطعهما دخول حيان المفاجئ يقول بغضب وهو ينظر للمكتب "الشطائر مازالت كما هي" وقفت حورية وهي تنظر لورد برجاء ثم أفلتت يدها وهي تقول "آسفة لقد أخرتك على تناول الفطور" تحركت ورد حتى وقفت بجوار حيان وأمسكت بكفه وقالت "سأفطر أنا وحيان معا" شعرت حورية أن ورد تتبع خطة ما فساعدتها قائلة "من الجيد أنه أتى لتأكلي معه، فليس لك كلام سوى عنه" شعر حيان أن رأسه من السعادة تستطيل حتى كادت تض*ب السقف، أغلقت حورية الباب خلفها، لتستدير ورد فتقف أمامه مباشرة ثم تشب على أطراف أصابعها مرفرفة بأهدابها هامسةً بصوت مهلك لكل ذرة في جسده "حياني" اختل النبض وضاع ال*قل ولم يملك سوى أن يقول بذهول "امم" اقتربت وقبلت طرف شفتيه بخفة أصابته بالدوار وقالت "أريد منك أن تفعل شيئا لأجلي، فأنا أعلم أن زوجي رجل ثقة" فهمس بضياع "كلي لك"
لا تمحُ المسافات بيننا دعها تمتد فقد أصبحت أخشى أن تطأ قدم الماضي أرضي، دعنا هكذا على حدود لا نتخطاها حتى لو كانت حدودنا وجعا لا ينضب
نظراتها الحانقة تمنحها منظرا طفوليا، عبوسها متعة وضحكتها رحلة، حين تقف تمشي تتكلم تفكر أو تبكي
تخ*فه، أسيرها هو ولا يعلم ما نهاية الأسر ولا يريد أن يعلم فبعض الحقائق يفضل أن تبقى مجهولة، فهو رجل نصيبه من الحقائق مدمر، فمنذ زمن وكل حقيقة يكتشفها تخط على روحه أثرا من ألم لا يُمحى، كل ضوء يضيء طريقه المظلم يدفع ثمنه غاليا، وهو متيقن أنه في رحلة عمره سدد ديونه وما عاد أمامه الآن سوى أن يختار إما أن يظل حبيس الظلم أو أن يفوز لأول مرة في حياته، التفت إليها ليجدها عابسةً تثني ذراعيها فوق ص*رها وتمط شفتيها بحنق، فقال مازحا "وجهك سينكمش من شدة عبوسك" أشاحت تولين بوجهها بتوتر وهي لا تصدق أنه يمازحها لكنه لم ي**ت بل قال "ستصيرين كعجوز بلغت من العمر أرذله ولن تجدي من يستطيع أن ينظر إليك سواي" انفعلت من هدوئه وقالت بغضب "من أين تأتي بهذا البرود؟ هل لد*ك مزاج للمزاح؟ من فضلك قُدْ ب**ت" اتسعت ابتسامة رائف أكثر وقال "حسنا، ولكن ألم تكن فكرة ركبونا الدراجة أفضل؟" كان كيل تولين قد فاض فاستدارت تقول له "رائف توقف عن استفزازي، دراجة ماذا التي كنا سنركبها؟ هل تتخيل الموقف؟" رفع حاجبه وقال "طبعا أتخيل" زمت شفتيها بقوة ونظرت له بغضب حارق فرفع كفه يقول "حسنا اهدئي أنا أمزح، لا داعي لكل هذه العصبية، رغم أنني لن أنكر أني أعشق كل ما يذكرني بالماضي، فسنواتي التي قضيتها بجانبك كانت أكثر مراحل حياتي سكونا" **تت بحذر تخشى أن تتفوه بما يجرحه، تخشى عليه لن تنكر ففي النهاية مازال بقلبها مشاعر عالقة للجميع استكانت لحظة وقد ض*ب عقلها سؤال فقالت بحيرة "رائف، هل تملك عائلة؟" ظل ينظر للطريق أمامه حتى ظنت أنه لم يستمع لما قالته لكنه استدار فجأة يقول بوجه مبتسم غامض "لديّ أنت" مشكلة، ما يضعها ويضع نفسه به مشكلة، تشعر أنها تسير بأرض ملغمة وحرصها يفرض عليها ال**ت ال**ت ولا سواه، رأت القصر وأدركت كيف سيدخلون حين توقف رائف قبل سور القصر ببضعة أمتار وقال "سننزل هنا ثم نتسلق إلى غرفتك ومنها ستستطيعين التحرك كما تشائين، تلك الخادمة أكدت لي أن الطابق خالٍ تماما، الشباب خرجوا مع مأمون والخدم أنهوا عملهم" قالت تولين بحيرة "والأطفال؟" رد عليها وهو يترجل من السيارة "لنجد الأوراق أولا وتحضري حقائب صغيرة للفتيات ونخرجها وبعدها نحضر الأطفال، أنا متأكد أن الأمر بسيط ولدينا وقت كافي فالقصر مراقب ورجالي بكل مكان" ترجلت تولين من السيارة وهي تقول "أخشى أنني لن أستطيع فعلها" قال رائف بتعجب "لماذا ألم يكن هذا ما تريدينه؟" قالت وهي تفرك كفيها ببعضهما "بلى، هذا ما أريده أشعر أن خلاصي من خلاصهن" نظر لها رائف بقوة وقال "بل تشعرين أنك لأول مرة منذ سنوات تقلبين الأدوار وتقودين اللعبة، تتحكمين في سير الأحداث، تأخذين قراراتك بعقل ليس مجبورا أن يكون المظلوم مجددا، تحاولين الانتقام ولكن بطريقة لا تزيد من عذابك، لا تحملك فوق أثقالك، تبحثين عن الخلاص ولا تدركين أين الطريق، تقودين حربا ضد جبهة تحتل بداخلك مكانة كبيرة، أخشى عليك من صراعك لكنني معك للنهاية" نظرت وشعورها نحوه يعاني حالةً من الفوران شعور غريب تجاه ذلك الرجل الذي يقرأ دواخلها كأنها كف يده، ألم هدوء ولوعة، همست بيقين "لا أحد يبقى للنهاية، الجميع يرحل" قال لها بأعين تفيض بالثقة "أنا سأبقى" شعرت أن الكلمة كض*بة خنجر مر من قلبها ونفذ إلى الجهة الأخرى تاركة بداخلها ثقبا خاليا من أي شيء، وإلحاح مشاعرها تجاه آخر أصبح مفزعا فهذه الجملة كل ما تمنته، كل ما أرادت أن تسمعه من آخر أصبح لا يبارح فكرها محتلةٌ هي محتلة، تحركت وقالت بتوتر تداريه بعصبية "لنسرع، الوقت يمر ونحن ارتبطنا بموعد الطائرة" لم يجد ما يقوله فهو يتقدم لتبتعد، يحاصرها فتجد في حصاره أي مفترق لتمر منه حتى أصبح يشعر بإحباط شديد من عدم إدراكه أي طريق يسلكه نحوها ورغم ذلك لو تطلب الأمر أن يسلك ألف طريق وعر سيفعل، تحرك خلفها حتى وصلا لتلك النقطة التي كانت مركز هروبهما الدائم كل ليلة، مركز حكايات غريبة لا يعلم أحدٌ منهما كيف بدأت وهل كانت بدايتها شيئا طبيعيا، التفتت تولين لرائف وقالت "أما زلتَ تتقن التسلل للداخل؟" حرك رأسه بنوع من الشجن وقال "ليس مثل السابق بالطبع لكن أستطيع وأنت؟" نظرت للسور ولملابسها المحتشمة وقالت "أشعر أن الأمر لم يعد يليق بي لكنني أستطيع" رد عليها "هذا جيد النساء أولا" أمالت رأسها تتخيل كيف سيكون منظرها من الخلف ثم تراجعت وقالت "اسمح لي أن أخالف القاعدة ليكون الرجال أولا" لاحت ابتسامة شاردة على شفتيه وقال " أصبحتِ تجيدين خرق القواعد وهذا يقلقني" لم تعر حديثه أي اهتمام ظاهر لكنها تتمعن في كل كلمة ينطقها، هذا الرجل مرآتها لكنها لا تريد أن ترى انعكاسها في مرآة، فنحن نحتاج أن يكون انعكاسنا بشر فلمعة المرآة لا ترضي الكثيرين، يظلون ينظرون لها لساعات وفي النهاية نظرة إعجاب من أعين شخص ما تكون كفيلة بالإقناع يا لهول ما يحدث بداخلها، ممزقة مشتتة وكل ما تتمناه تجده ولكن حيث لا تريد