خطاي إليك منحورة ودمها مسفوك على دربي، مؤلمة متعبة مغدورة وأنا من أعطيتك حبي، ورهنت العمر لأجلك فأضحت معك سعادتي مبتورة، فما بين قلبي و قلبك حقائق مبهمة مغمورة
سيارة عائلية ضخمة لا تذكر إحداهن متى كانت آخر مرة ركبت بها أو خرجت من القصر، فحسين أصبح يهتم بالسيارات المصطفة خلف القصر حتى كادوا أن ينسوها ومرت الأيام ومع كل فقد تقف سيارة بجوار الأخرى تنعي فقيدها، لم يفرط بشر بأي سيارة تخص من رحلوا، سيارات جده وأخواله تصطف في حداد لم يقطعه أحد وبجوارهم تلك السيارة التي اشتراها جدهم منذ سنوات قبل أن يستقل كل فرد بذاته ويطلب سيارة مستقلة، نظرت سمراء للرجل الغريب الذي يقود السيارة وعقلها يعيد ما حدث منذ قليل
حيرة شديدة وفزع ملأ الاجواء حين صرخت تولين بأسمائهن بصوت جعل الجميع يقفز من مكانه متسائلا عما يحدث ليجدنها تقف في بهو القصر وتقول "من منكن مازالت تملك أدنى تردد فيما عرضته عليكن فلتأتِ معي الآن لأثبت لها أنها ضحية لا أكثر" كان كلامها واضحا لا يقبل الشك وبدون تفكير وبقلوب متألمة وفكر ضائع تبعنها للخارج، حتى بلقيس التي تتحرك بصعوبة ساقَها جرحها البالغ الذي لم يبرأ بعد لتجاورهن، ليجدن شابا وسيما تخطى عقده الثالث ولولا أنه أول لقاء لهن معه لأقسمت سمراء أنه من العائلة فهو شديد الشبه بأحدهم وأخذ وسامة الآخر، كالمغيبة كانت تتحرك سمراء لا تفقه ما يدور حولها وحتى الآن تحاول أن تحكم عقلها، ولكن كان للفضول والغموض الغلبة، السيارة الضخمة جمعتهن وانطلق بهن الغريب، حتى كنزي كانت تعاني من حالة ذهول وهي تشاهد صاحب المطعم يقود بهن سيارةً إلى المجهول، حاولت أسمهان أن تنتظر للنهاية لترى إلى أين سيصل بهن الأمر لكنها لم تستطع، فقالت بغضب "تولين، من هذا؟" التفت رائف لتولين التي تجلس بجواره في المقدمة فوقعت عيناه على عينيها الحزينتين المرتبكتين لكنها قالت بثبات "صديق قديم" نظرة مجروحة ألقاها رائف بوجهها قبل أن يشيح بوجهه ويركز على الطريق، فقالت أسمهان بإصرار ويدها تربت على كتف بلقيس المتهالكة برفق "وإلى أين يأخذنا صديقك القديم؟ علينا أن نفهم" رفع رائف هاتفه وأرسل رسالة لرجاله متجاهلا ما يدور مكتفيا بجرحه وألمه، فقالت تولين "ستعرفين كل شيء حينما نصل" انفعلت سمراء وقالت "نصل إلى أين؟ أخبرينا بأي شيء" أغمضت تولين عينيها بأسى وقالت "الكلام الآن لن يفيد، من فضلكن انتظرن حتى نصل وبعدها لن تحتجن للاستفسار عن أي شيء" أنّات بلقيس المتألمة رافقتها شهقات عزيزة المجروحة الخائفة وتولين كالذاهبة لتنفيذ حكم إعدام بالنفس، ذاهبة لحرب مشاعر تخطت حدود الواقع، مشاعر تضعها في خانة لا تعريف لها ولا وصف، الهواء في السيارة أصبح لا يكفي القابعين بداخلها فشدة التوتر جعلت الأنفاس لا تهدأ في صدورهم ما بين شهيق وزفير، فتحت سمراء النافذة المجاورة لها وعيناها تسرحان في الليل الذي يسدل ثوبه ويخيم على الدنيا، فناجى قلبها ليلها أيا ساكنا في مكامن نبضي أنا منك أتألم
استنشقت أسمهان الهواء البارد على أمل أن ينطفئ لهيب ص*رها، فزاد وتأجج لتشيح بوجهها تراقب كيف تطوي السيارة الطريق وهي تشعر أنها ليست مستعدة لأي صدمات إطلاقا فالصدمة القادمة إذا وُجدت ستضع كلمة النهاية، أما كنزي شعرت أن الأمور تأزمت لحد لم تعد تستطيع السيطرة عليه فهي الآن تحتاج لأخويها فما يحدث مخيف والأمور تتصاعد للأسوأ بسرعة غير طبيعية، أيا كان ما يحدث في مصر على مؤيد أن يلقيه خلف ظهره ويأتي إليها، فقررت أن تهاتفه في أقرب فرصة سانحة وتطلب منه أن يأتي لينشلها وتلك المجنونة من هذا الجنون
لا أحد يعرف كم مر من الوقت قبل أن تقف السيارة ويقول رائف بصوت مختنق كأن صوته يأبى أن يخرج "هذا هو المكان" نظرت سمراء للحراسة المكثفة والمكان الفاخر وقالت "ماذا يحدث في هذا المكان؟ وكيف سندخله؟" قالت تولين "بشر والشباب في الداخل، وطريقة دخولنا سيتكفل بها صديقي " التفتت إلى رائف وقالت برجاء "أليس كذلك؟" حرك رائف رأسه باستسلام وقال "سأكتفل بكل ما يخصك حتى ولو أبيتِ أنت ذلك، هيا بنا" ترجلت تولين وفتحت الباب الخلفي لتترجل سمراء تسحب كف بلقيس ببطء فيما تساعدها أسمهان أيضا لتترجل وهي تتأوه وتقول "أنا خائفة" فجاءهن صوت عزيزة المنهارة تقول "وأنا أيضا، قلبي مقبوض وكأنه يرتعش في ص*ري" تدخلت كنزي تحاول دعمهن أو إيقاف الكارثة التي تلوح بالأفق وقالت "حور، أظن أنه لا داعي لوجودنا هنا، دعينا نرحل" نظرت لها أسمهان بقوة وقالت "نرحل إلى أين؟ لن يحدث قبل أن نرى ما يحدث خلف الأبواب المغلقة" انتهى رائف من مكالمة سريعة وقال "هيا بنا" لمحت تولين عددا كبيرا من الرجال يحملون السلاح ويسبقونهم إلى مدخل النادي فارضين سيطرتهم على المكان فاتحين أمامهم الباب الخارجي ليدخلوا بدون أي عوائق وعيونهم تتأمل المكان بترقب وتحفز وخوف، خطوات بطيئة ضعيفة كأنها تخطو وتتراجع وباب زجاجي ضخم لاح في نهاية الممر وعيون تولين ما بين رائف الجامد والباب كطفلة تخشى إلى أي نار ستعبر، التفتت لأخواتها لتجد عيون الجميع معلقة بالباب، وخلال لحظة وأخرى أصبحن يقفن أمامه لتشعر تولين أن رائف قد ابتعد فالتفتت بحثا عنه لتجده وقد توقف قبلها بخطوات، همست بخفوت لم يصل مسامع أحد ولكن عينيه قرأتا همسها "رائف" تيار عشق سرى في جسده وهو يجبر قدميه أن تتقدما نحوها فقالت "ألن تدخل معي؟" غامت عيناه بحزن قاتم وقال "لا خطر عليكن بعد هذا الباب، سأنتظرك هنا ورجالي سيكونون معك" نظرت له بحزن
وقالت "لا أريد أن أكون بمفردي" فقال بصوت ملتاع "أنت لست بمفردك، أخواتك معك وأنا أنتظرك هنا" رفرفت بأهدابها لتمنع سقوط الدموع ومدت يدها تمسك طرف كمّ سترته الرياضية وهمست "لن تختفي وتخذلني ثانية وتتخلى عني، أليس كذلك؟" شهق رائف بعنف ودقات قلبه الهادرة ما عادت تخضع لسيطرة وقال "لم أفعلها بالسابق لأفعلها الآن، أنا كنت وسأظل ظلك" كان جسدها ينتفض ورغم أنها بدت كأنها تؤجل المحتوم إلا أنها تعلم أن لا مفر من المواجهة لتكتمل الصورة وتصبح أسوأ ما يكون، دفعها رائف للأمام بلطف لتلتفت له وأخواتها يعبرن من الباب وتقول "أحتاجك" لم يكن يستطيع أن يظهر أمام إخوتها الآن، لم يكن يريد تعقيدا للأمور قبل أن يحل تعقيد أمورهما معا لكن كلمتها كانت قاطعة، فتحركت تجره من كم سترته وهو لم يخيب ظنها أبدا حين انقاد خلفها، فقصتهما معقدة من البداية وأساسها وضع في مهب الريح، فما المشكلة إن زاد الأمر سوءا؟ ما دامت راضية فهو معها ولتأخذه إلى حيث الكوارث لا تنتهي لا يهم، أما هي فكانت تتخبط وتناشد رائف القديم، رائف السند والأمان، ورغم أنها باتت تعلم أن هناك رائف آخر يطالبها بما لا تستطيع لكنها الآن كغريق يتشبث بقشة، وتخشى أن يكون ما ينتظرها أقوى من الماضي
تقدمت سمراء الفتيات وقلبها يتأرجح كرقّاص الساعة وبرودة شديدة سرت في جسدها وهي تلمح مجموعة من الفتيات يرتدين أثواب فاضحة ويرقصن بحماس، بينما يقف أسد متجردا من قميصه وبجواره يقف ليل وإحداهن تتمايل أمامه، شعرت بطعنة تمر إلى ص*رها فالتفتت لتنظر لأسمهان التي كانت تراقب منذر الذي كان يقف وأمامه أخرى تجذب رابطة عنقه فتجمدت حتى صارت كجبل جليد فاقد لكل شعور، جبل تصدّع من الصدمات لكنه يظل متماسكا، أما عزيزة فكانت من عبرت عن انهيارها بطريقة مفزعة، بكاء حاد جعلها تتنفس بصعوبة وكلها ينوح وصورته أسوأ ما يمكن أن تراه، لم تظن يوما أنها سترى مخاوفها تتجسد أمامها بهذه الدقة كما ترى الآن، فاجعة لم تكن في الحسبان ولكن من كانت على شفير الهاوية حقا هي بلقيس التي شعرت أنها كشجرة تُبتر من الجذور وهي ترى تلك التي تدفع بصفي للخلف بقوة أعادته جالسا فوق الأريكة لتجلس على أقدامه، رغم الجرح والألم والدمار الذي يملؤها تركت يد أسمهان وكانت أول من خرجت من حالة الجمود وتحركت لتشق الطريق نحو زوجها
تفاجأ الشباب بهجوم هذا الكم من الراقصات حولهم، فصرخ عاصي بغضب "لسنا هنا لنحتفل، ارحلن من هنا" تقدمت نحوه فتاة سمراء شديدة الجمال وقالت "السيد فيلو أمر بأن تكون الحفلة على شرف حضوركم، لا تقلق، سيكون الاحتفال على طريقتكم كيفما كانت، نحن بالخدمة دائما" فقال أسد "دعنا نرحل يا عاصي وسنخبر بشر أننا غادرنا، ومن الممكن أن يجده نزار ويشرح له ما حدث" هم بالتحرك لتقف فتاة في طريقه وتقول "أيها الوسيم، حفلنا لم يبدأ بعد، أنا أراقبك منذ وصولي" عاد أسد للخلف فاصطدم بليل الذي قال من بين أسنانه "أخرجني من هذه الورطة كما أدخلتني بها" اقتربت ثالثة لتقول بميوعة "أسمعني ما الذي تقوله أيها الضخم" وظلت تتمايل بشكل مقزز لتتحرك أخرى لتقترب من منذر الذي هم بالهروب وتجذبه من رابطة عنقه بعنف وهي تقول "إلى أين؟" حاول منذر تخليص نفسه ليصرخ صفي بغضب "أوقفن هذه المهزلة، وافسحن المجال و دعونا نرحل" ليتفاجأ بخامسة تدفعه للخلف بقوة فيقع على الأريكة وهي تقول "لن يرحل أحد إلا بأمر السيد" ثم تجلس على قدمه فدفعها للخلف بقوة تجاه عاصي الذي كان يحاول مهاتفة بشر، فتحرك عاصي مبتعدا بسرعة لتقع الفتاة على الأرض أمام أقدام بلقيس التي وقفت كالتمثال وهي تحتضن جرحها بيديها وتنظر لصفي الذي قال بذهول "بلقيس" استدار الشباب ليجد كل واحد منهم نفسه متلبسا بجريمة لم يرتكبها، اقترب صفي نحو بلقيس يقول بارتباك "كيف تتحركين من سريرك وجرحك لم يبرأ بعد؟" مد يده ليمسكها فابتعدت وهي تبكي وتنظر له باشمئزاز، فقال برفض "بلقيس لا، انظري لي، أقسم لك لم يحدث شيء مما تظنينه" ظلت واقفة تنظر له بأعين من**رة، ليجد كل واحد منهم نظرات حبيبته تحمل من الاتهام والجرح والتقزز ما يكفي ليدركوا حجم الورطة التي سقطوا بها، تراجع أسد خلف ليل ليداري نفسه ووجه عزيزة لم يتص*ر المشهد بعد لتطل وهي تبكي بانهيار، انتفض مقتربا منها قائلا "عزيزة، أنت لا تفهمين ما يحدث" كانت لا تسمعه ولا تفقه شيئا مما يقول ولا ترى سوى النساء من حوله وعقلها يرفض أي تبرير فقط يدرك أن أسد مازال على ضلاله القديم، تقدم عاصي صارخا "كيف وصلتن إلى هنا؟" قالت سمراء بصوت ميت خرج من جوفها وهي تضم بلقيس التي كانت ترتعش من البكاء "لا يهم كيف وصلنا، المهم أننا هنا ورأينا بأعيننا ما يحدث" اقترب أسد من عزيزة المنهارة والتي تحني رأسها ببكاء شديد وقال "أقسم لك لم يحدث شيء، القميص متسخ وأخذنه مني ….أقصد ذهب للتنظيف ولا أعلم " لم تستطع ال**ود أكثر فتحركت للخارج ليظل ليل واقفا يراقب نظرات الاتهام التي توجهها له ثم قال "نظراتك هذه ليست اتهاما، أليس كذلك؟" أجابت بقوة جاءت من عمق مشاعر تتحطم "لا أحتاج لاتهامك، فما أراه إثباتا لا تتخلله شكوك" ض*بة قاضية ثانية يتلقاها خلال ساعات جعلته فاقدا للمنطق وهو يصرخ بغضب ثائر "هل تظنينني سأخون؟ هل ترينني خائنا؟" صرخت به ودموعها المتحجرة تجري على وجنتيها "يكفيني ما رأيته، لم يعد هناك مكان للظنون فلقد انتهى الأمر" تقدم يصرخ بعنف "أي أمر هذا الذي انتهى؟" لم تجبه سمراء وهي تعطيه ظهرها فتقدم يمسك رسغها بعنف فنظرت له باحتقار ليقف بينهما عاصي صارخا به "اتركها" نظر ليل لسمراء نظرة رجل ينتظر من حبيبته ألا تخذله لكنها جذبت يدها بعنف وانسحبت للخارج تحت أنظار عينيه اللتين امتلأتا بدموعٍ أبت كرامته المُهانة أن تُف*جا عنها ورغم ذلك لم يتوقف بل تبعها بمجرد أن التفت عاصي، تحركت أسمهان نحو منذر الذي كانت عيناه معلقتين بها وكان ينتظر أن تنتصر بصيرتها على بصرها وتدرك أبعاد الموقف، لكن ما قالته وهي تسحب ربطة عنقه المحلولة بأطراف أصابعها شل أقدامه "أتمنى أن تكون قد استمتعت بخيانتي هذه المرة لأنها ستكون الأخيرة، فأنا سألقيك إليهنّ حيث اخترت أن تكون" فقال بيأس "أسمهان أرجوك انظري حولك جيدا و ستدركين أننا لم نكن نفعل ما يشين" بكبرياء الأنثى قالت "نظرت جيدا يا بن عمي وتأملت بما يكفي، أتعلم؟ منذ سنوات وأنا أخشى هذه النهاية لكن الخطأ من البداية كان خطئي وأنا من سيصححه" نظرت لأختها وقالت "بلقيس هيا بنا" وقف صفي أمامها وقال "أسمهان ابتعدي عن زوجتي، ارحلي كيفما شئت، زوجتي لن تتحرك سوى معي" فقالت أسمهان بقوة أسقطت قلب صفي وعقله "ابتعد عن أختي حالا، ابتعد واسلم من غضبي الآن يا صفي فأختي لم تعد لك" صرخ بها عاصي "أسمهان" التفتت له وقالت بحرقة "صدقني منذ دخولي وأنا أحاول ألا تسقط عيني على عينك يا عمي، لا أصدق حقا، دعه يتحرك من طريقي" قال صفي ويداه تمتدان لبلقيس التي ترتجف "أنا لن أترك زوجتي" فقالت أسمهان بغضب "إذاً أنت من أردت هذا" نظرت لرجال رائف وقالت "أبعدوه عنها" فقال منذر بعدم تصديق "أسمهان" كان اسمها من شفتيه سما قاتلا جعلها تستكين للموت وتسبل أهدابها لكن صرخة بلقيس المتألمة سحبتها لوعيها فتحركت تسحب أختها بمساعدة كنزي لتخرج من هذا الوكر وهي تشعر أنها ما عادت سوى بقايا أنثى، صراخ صفي كان يلاحقهن وهو يتلوى بين أيدي رجال رائف وأعين عاصي ومنذر تشاهدن ما يحدث وهما يشعران بالسقوط في هوة سحيقة
تقدمت تولين التي اكتفت بالمشاهدة وكفها مازال يقبض على سترة رائف وقالت "أكل قصص الحب تؤدي لنفس الطريق؟ ألهذه الدرجة مشاعرنا رخيصة ؟" لم يكن الوقت مناسبا أبدا لهذا السؤال لهذه المشاعر، لكنها لم تستطع أن ت**ت وقالت بغضب "ولا واحدة منهن تستحق أن يحدث لها هذا كما لم أستحق أنا أبدا ما حدث لي" اقترب عاصي منها غافلا عن رائف الواقف خلفها تماما ليجد يدها معلقة بكمّ سترته فلمس وجنتها بحنان قائلا "حبيبتي، ما يحدث مجرد سوء تفاهم و بمجرد قدوم بشر سنرحل وسنشرح للفتيات الأمر، اهدئي" هزت تولين رأسها بنفي وقالت بغضب "لا سوء تفاهم فيما رأينه، الأمر واضح يا عمي" صرخ صفي المحتجز بين أذرع رجال رائف "تولين، توقفي عن قول هذا الكلام، لم يحدث شيء، أقسم إننا لم نكن نعلم ما ينتظرنا، بلقيس مريضة لا تتركيها تظن أنني خنتها، أخبريها أني بريء أرجوك" نزلت دمعة من عين تولين على كف عاصي وأسبلت أهدابها لترفعهم ثانية بسرعة وهي تسمع صوته المبحوح يقول "نزار شغّل السيارة وأوقفها أمام المدخل، أسرع" أمالت رأسها لتلمحه يقترب من بعيد وهو يحمل أنثى شقراء بين يديه وذراعاها حول عنقه، **ت وسكون ملأ الكون للحظة، ليتلاشى كل ال**ت ويظل صوت انفجارات براكين عشق كانت خاملة، براكين كانت تشعر بها لكنها لا تدري لها مكان، حمم بركانية سائلة ذائبة تكوي النياط والوتين وتحرق النبض وتحيل القلب لرماد، نيران كتبت النهاية للمرة الألف وهي في الماضي من أبت أن تصدقها، نيران لم تكن تعلم أنها ليست نيرانها بمفردها، لكنها نيران ذلك الذي أرهقته الصفعات المتتالية، أرهقه الحب والعشق والجوى، أرهقته هي في الماضي ووقت الرحيل وعند العودة، تصلب جسد بشر حين رآها تنظر له بأعين مجروحة ودموعها تتساقط لتزيد من الآهات العالقة بحنجرته، بلع ريقه المر كمرار السنين وعيونه المهزومة تناظر معشوقته ببسالة، فدائما ما كان المهزوم الشجاع الذي يستسلم للأوجاع دون أدنى مقاومة، عيناه لم تفارقانها وهو يقترب حاملا كارما بين يديه ويقول وان**ار نفسه أمامها لا يضاهيه ان**ار "تولين" تحفز رائف الواقف خلفها فاستدارت له تولين بكليتها ولأول مرة منذ زمن طويل، زمن يكاد يقدره بملايين السنوات سمعها تقول "بشر" لم يكن مجرد اسم خرج من بين شفتيها بل كان اعترافا منها أنها مازالت عالقة به، مازالت مغيبة، ما زالت رغم الألم والمآسي سجينة الوهم لذلك تستحق ذلك السيف الذي يشطر قلبها ويعبر تاركا إياها ملقاة على جانب دربه، اسمه من بين شفتيها أيقظ جنونه فأصبحت عيناه تتحركان بطريقة غريبة كأنه يستكشفها مجددا، يبحث عن الخلل ...لا إنه ليس خللا، إنه يبحث عن المخفي الذي عُميت عيناه عنه لكن كما يبدو فات الأوان فقد تحركت مبتعدة عنه، فقال بشر بلهفة " أنت " لم تدعه ليكمل بل أسرعت تقول بابتسامة تسخر من ذاتها وألمها "سأتركك لتكمل سهرتك، آسفة للمقاطعة" من بين غياهب اللاوعي اخترق صوتها عقل كارما فحركت رأسها ليظهر وجهها منهيا المعركة، فقال عاصي بذهول "كارما!" دققت تولين في ملامح كارما ودموعها مرت من فوق ابتسامة عريضة ولكن أقدامها تهاوت فانزلقت ولم تشعر بأصابعها التي مازالت تتشبث بكمّ سترة رائف إلا حين اندفع ليسندها لتقف من جديد وقال بلهفة "هل أنت بخير؟" توجهت له النظرات لأول مرة والتساؤلات فيها كانت كفيلة بجعله يقف كصقر مستعد للانقضاض على من يقترب منه ليأتيه همسها الضعيف "لنرحل" فمدّ لها كفه تحت أنظار بشر وعيناه بعينيه كند وخ**، فوضعت تولين يدها بيده وانسحبت وأعين بشر تكاد تخرج من محاجرها وقد احمر وجهه بشدة وبرزت عروق عنقه وجبهته وسال خيط من الدم من أنفه، فسقط جالسا على ركبتيه لتسقط كارما من بين يديه وصوت منذر الغاصب يصل لمسامعه وهو يصرخ "من هذا؟"
أسرعت عزيزة نحو السيارة وفتحت بابها وركبت وأغلقته خلفها ثم أغلقت القفل كي لا يستطيع أسد الوصول إليها وضمت نفسها وظلت تبكي بحرقة وهي تهمس "كنت أعلم ،كنت أعلم" وقف أسد أمام نافذة السيارة يحاول فتح الباب لكنه لم يستطع، فض*ب الزجاج بعنف وقال "عزيزة افتحي الباب، سأخبرك بما حدث، اخرجي من السيارة اللعينة ودعينا نتحدث، توقفي عن البكاء فلم يحدث شيء" لم تلتفت له بل ظلت تتحرك للأمام والخلف وتبكي بحرقة وهي تهمس "كنت أعلم" جُن جنون أسد فعاد يحاول فتح الباب بعنف أكبر وحين لم يتمكن ض*ب إطار السيارة بقدمه بعنف ونظر لها من خلال الزجاج وصرخ بصوت هادر "افتحي الباب أو سأ**ر الزجاج يا عزيزة وأخرجك لتقفي أمامي حتى لو أدميتُ يدي وقطعتُ شراييني" لم تهتم بتهديده فقد وصلت لمرحلة لا تهتم فيها بما سيحدث لاحقا، كل مخاوفها صارت واقعا ولم يعد لديها ما تخشاه، انتظر أسد أن ترضخ لتهديده أو تخشى جنونه لكن تجاهلها وانعزالها داخل قوقعة انهيارها أفقده ما تبقى لديه من تعقل، فنظر حوله بانهيار وقلبه يتمزق ويتلوى لأجلها لتقع عيناه على حجر يستخدم في تنظيم وقوف السيارات فتحرك نحوه وانحنى ليحمله ثم عاد نحو السيارة وصرخ بحرقة "عزيزة، افتحي الباب" لم تلتفت له فنظر للزجاج يقيم الوضع ليتأكد أنه لن يصيبها أذى وبكل غضبه وعنفه ض*ب الحجر بالزجاج وهو يصرخ "ابتعدي" قفزت عزيزة مبتعدة بفزع وهي ترى الزجاج يتطاير ويد أسد تمتد ليفتح القفل ثم الباب ويقف لينظر لها بضياع ويقول "أعطني يدك" وضعت عزيزة يديها على أذنيها وصرخت به "أيها الخائن، ابتعد عني، أنا أكرهك" ض*ب أسد بيده على جانب السيارة بعنف جعلها تهتز وقال "تكرهينني !" هزت رأسها بالإيجاب وقالت "نعم أكرهك أكرهك أكرهك" مد يده ليجذبها فصرخت بعنف ليشعر بأيدي تكبله وتسحبه للخلف وليل يقول له "الفتاة منهارة، أنت ترعبها" تملص أسد من أيدي ليل والتفت ليجد سمراء تقف أمامه بأعين دامعة وتقول له بغضب "ابتعد عنها" صرخ أسد بها "أنت السبب، مؤكد أنك من خططتِ لكل هذا، مؤكد أنكِ من سممتِ أفكارها بالماضي وتريدين أن تفرقي بيننا الآن، تريدينها أن تصبح مثلك، موهومة تجري وراء المستحيل، لكن ليكن بعلمك عزيزة ليست أنت وأنا لستُ بليل، أنا وهي سنتزوج برضاكم أو غصبا عنكم فأنا لن أقف لأشاهدها تتسرب من بين يديّ، فهي لن تكن أبدا أنانية مثلك" جاءه صوت ليل الهادر الذي صرخ به بعنف "أسد يكفي" هز أسد رأسه وقال "لا لا يكفي، سمراء أنانية ولا تريد لأختها أن تفرح لتظل مثلها مُحرّم عليها الفرح" دمعة هاربة فرت من مقلة سمراء فتسببت في جنون وحشها المجروح لتطيح قبضته بفك أسد وهو يصرخ "اخرس" كان الغضب يعمي الأعين والحزن كغمامة تملأ القلوب فاشتبك الاثنان لتقترب أسمهان تُسنِد بلقيس وتتفاجآ بالوضع المزري، فتفتح أسمهان الباب الخلفي وتساعد بلقيس للصعود ثم تدفع سمراء التي كانت كجثة هامدة بدون روح لتجاورها فتصعد كنزي الصامتة معهن وتتحرك عزيزة من الكرسي الأمامي للخلف لتغلق الباب وتنضم إليهن فيشاهدن المعركة الدائرة عبر الزجاج
خرجت تولين مع رائف لتجد نافذة الباب المقابل لباب السائق م**ورة، والفتيات مجتمعات في السيارة وفي عين كل واحدة منهن جرح أعمق من جرح الأخرى، التفتت لأسد وليل اللذين أطلقا جنونهما فأصبحا وحشين يقتتلان وبينهما نزار يحاول فض تشابكهما، جذب رائف تولين بخوف نحو السيارة ليسمع منذر يصرخ "أنت، توقف، إلى أين أنت ذاهب بها؟" لم يلتفت له وهو يتحرك نحو السيارة ويفتح الباب المغلق على الفتيات ويدفعها للداخل بلطف ثم يغلق الباب، ويدور حول السيارة ليركب خلف عجلة القيادة ومنذر يعدو نحوه وخلفه بشر يخطو بخطوات غير متوازنة يسنده عاصي، لكن رائف لم يلتفت بل عاد بالسيارة للخلف مسافة لا تذكر ليستطيع الدوران بها، وفعلا دارت السيارة فأصبح رائف أمام باب النادي تماما مارا بالفتيات تحت أنظار منذر وعاصي وبشر الذي كانت عيناه معلقتين بتلك التي تفرد أصابعها على زجاج السيارة كأنها تودعه ودموعها تسيل فرفع يده بالهواء كأنه سيقبض على طيفها لتختفي السيارة من أمامه بسرعة، انتبه أسد لصوت تحرك السيارة وعدا خلفها يصرخ لكنه لم يستطع سوى أن يعيد صراخه أكثر من مرة من هول ما يعتريه فقد رحلت السيارة تحمل الفتيات وبرفقتهن رجل غريب تاركةً لهم جحيم الفكر والأفكار
أشعار حزني سألقيها اليوم ولا شيء سيمنعني، لا ألم ولا وجع، وعزائي الوحيد أنك ستسمعين صدى آهاتي
انطلق رائف بالسيارة وظل ينهب الطريق وكل همه ألا يتبعه أحد، عيناه ما بين الطريق وتلك المتقوقعة على المقعد خلفه تبكي ب**ت وهي تفرك يديها بقوة، تائه لا يدري هل ما حدث سيفيده أم سيجعلها تبتعد عنه أكثر، فلا توقع معها قد يصيب ولا أمنية قد تتحقق طالما بشر يقف بينهما، هز رأسه بيأس وهو يتأكد من خلو الطريق خلفه وصوت بكاء الفتيات يخنقه، فقطع ال**ت قائلا "والآن إلى أين؟" رفعت تولين رأسها لتلتقي عيناهما في المرآة فكانت كأنما تشكو له همها ب**ت ثم ردت قائلة "لا أعلم" تدخلت أسمهان قائلة "إلى القصر طبعا" ردت عليها سمراء وعيناها شاردتان للخارج "لا أظن أنه يمكننا العودة للقصر الآن، وخصوصا بلقيس فصفي لن يتركها ونحن نريد أن نرحل" قالت عزيزة بصوت ضعيف "نرحل إلى أين؟" التفتت سمراء لتولين وقالت "إلى أرض العزايزة" نظرت لها تولين وقالت "أأنت واثقة من قرارك؟" قالت سمراء "لا، لست واثقة من شيء، أشعر أنني أتخبط ولكنك وعدتِني وإخوتك أنك ستنهين الأمر، أرجو ألا تخذلينا فلا ينقصنا خذلان جديد" نظرت لها تولين بأعين ضبابية وقالت "أعدك أنني سأفعل كل ما أستطيع وأكثر" قالت عزيزة "كيف سنسافر وأوراقنا في القصر؟" ردت أسمهان "أظن أن عودتنا إلى القصر الآن الحل الأمثل لكي لا نلفت النظر أو نثير الشك حولنا، وكل منا ستجهز أوراقها وحقيبتها بسرية تامة ونحجز التذاكر وقبل موعد الطائرة نفاجئ الجميع بهروبنا" قالت بلقيس بصوت مكتوم " صفي لن يتركني، أنا لا أريد أن أعود، دعونا نرحل اليوم، أنا لا أريد أن أراه" قالت تولين بمواساة "بلقيس اهدئي، أنت هكذا تضرين نفسك، أولا، أحتاج أن أتواصل مع صديقة لي بشأن عودتنا فتاريخ عودتنا متوقف عليه الكثير، وبعدها أتواصل مع مؤيد لأتأكد أن كنزي تستطيع العودة معنا ثم نخطط كيف سنأتي بأوراقنا من القصر" قالت أسمهان بغضب "ا****ة على رجال العزايزة رجل رجل، الخونة، سأتصرف ليس علينا أن نذهب للقصر، كل شيء سيأتي إلينا حتى الأطفال، سنحتاج فقط مكانا نظل به حتى أرتب كل شيء" قالت كنزي "حسنا، دعونا نذهب لأي فندق ونستريح فأنا على حافة الانهيار مما يحدث حولي" قالت سمراء "نعم، دعونا نستريح قليلا فهذا أسلم حل الآن" زفرت تولين بإرهاق فقال رائف المراقب ب**ت لما يحدث "بمجرد أن تستخدم أي واحدة منكن بطاقتها المصرفية لدخول فندق سيصلون إليكن" التفتت له أسمهان كأنها تناست وجوده ودققت النظر به، ثم التفتت لتولين وقالت بانفعال "لم تخبرينا، من هذا؟" قالت تولين بإرهاق "لقد أخبرتك، إنه صديق قديم وشخص أثق به وأعتقد أن ما يقوله صحيح" تدخلت سمراء و أصابعها تفرك جبهتها بألم وقد بدأت عيناها تتورمان "إذا ماذا ستفعل؟" قال رائف "سنسافر اليوم" قالت بلقيس بفزع "كيف؟ والأطفال؟" نظر رائف لأسمهان وقال "كيف كنت تخططين لإخراج الاطفال والأوراق من القصر؟" قالت أسمهان "أظن أن جليسة الأطفال آنا قد تساعدني وترتب لنا حقائبنا إذا تطلب الأمر، المشكلة أن الأمر يحتاج لترتيب لتستطيع إخراجهم من القصر" قال رائف "دعيها تجهز كل شيء وأنا سأقوم بالباقي، سأرى الآن متى ستقلع أول طائرة متجهة إلى القاهرة، وبعدها سآخذكن إلى شقتي لتسترحن وحالما نأتي بالأطفال والأوراق سنرحل" نظرت الفتيات إلى بعضهن بحيرة فقال رائف "تولين، أريد أن أحدثك" أوقف رائف السيارة على جانب الطريق وترجل منها واستدار يفتح لها الباب لتترجل هي الأخرى ثم أغلقه، وسار مبتعدا وهي إلى جواره فتوقف فجأة لتتوقف ليسألها "لماذا أشعر أنك تسحبين الفتيات لأمر كبير؟ ماذا يحدث؟" أشاحت بوجهها بتوتر وقالت "لا تأتِ الآن لتحاسبني، لا أظن أن معرفتك بما يحدث ستريحك، ولست مطالبا بمساعدتنا، إذا كان الأمر فوق طاقتك أخبرني وأنا سأتصرف" رفع رأسه بغضب ينظر للسماء ويتنفس بعنف للحظات ثم أحنى رأسه ناظرا لها وقال "أنا لن أتركك، لكنني أيضا خائف عليك وجهلي لما يدور ليس في صالح أحد الآن، طالما طريقنا واحد وهدفنا واحد عليك إخباري بما يحدث" قالت باستفهام "طريقنا واحد وهدفنا واحد؟!" نظر لها وعيناه ترجوانها إدراك ورطته فيها وقال "طريقك وطريقي إلى مصر، وهدفك العودة وهدفي أن تعودي معي" عضت تولين شفتها السفلى بقسوة وقالت "لا تعقّد الحكاية أكثر من ذلك، أنا عائدة لحياتي" أحكم السيطرة على غضبه وقال "ألست في حياتك جزءا مهما؟" همست تولين بإرهاق "رائف أرجوك" نظر لها بلهفة فأكملت تقول "أرجوك، أنقذْ نفسك من دوامتي، لا تفعل بنفسك ولا بي هذا، لقد عدت وكنت أظن أنك ستبقى كما أنت، لكن من الواضح أنك ككل شيء بحياتي أخذت شكلا جديدا ودورا جديدا لم يعد يناسبني، لذلك أرجوك توقف عن الضغط عليّ، أنا حقا أحتاجك أحتاج رائف لكنني لا أجده فيك، ومَن أمامي الآن شخص ليس له في حياتي مكان ولا تعريف، أرجوك إذا استطعت أن تعيد رائف القديم سأكون شاكرة لك فأنا أحتاجه بشدة، أحتاج أن أخبره بالكثير وأن ألقي عليه الكثير مما أثقل كاهلي، وإن لم تستطع فابتعد لأجلك و لأجلي فقد اعتدتُ الألم ولا أريد أن أراك تتألم بسببي" لم يعد يستطع التحمل حقا، فزفر بتعب وقال "أشعر بتعبك لذلك لن أفتح دفاتر الماضي وأذكرك بما يثبت لك أنك لن تجدي في كل هذا العالم من يحبك مثلي، إذا كنت متخبطة متألمة أو حتى نسيتِ ما مضى فأنا الآن بجوارك لأنهي كل شيء، تولين أنا لست قلبا يحبك فحسب بل عين سهرت لتحرسك، أنت منيرتي" سحبت تولين نفسا عميقا وتراجعت خطوة للخلف قائلة "لا أستطيع أن أعطيك ما تريد، صدقني" هز رائف رأسه وقال "لن أصدق سوى قلبي" هزت تولين رأسها بيأس وانسحبت منهية النقاش لتركب السيارة وسؤال واحد يتردد في عقلها بقوة تجعلها تغمض عينيها من شدة الألم ألا وهو (لماذا لم يكن رائف هو بشر؟ لماذا لم تتحقق أمنية طفولتها حين تمنت أن يكون الاثنان شخصا واحدا؟ فقد كانت تظن أن بشر يلعب معها لعبة مشوقة، لماذا يذهب قلبنا لمن يدميه ويعذبه؟) بكت كأن دموعها لم تجف أو تنتهي بعد بينما كان رائف كمارد غاضب يحاول أن يخفي جنون غضبه عن عيونها فركل حصا الأرض بعنف وهو يهمس "لماذا؟"
اندفع أسد إلى داخل القصر ووجهه الذي يتزين بكدمات زرقاء لا يُظهر أبدا اشتعال روحه ولوعته، ومن خلفه يندفع صفي كالمجنون بع** منذر الذي يدخل خلفهما يجر أقدامه جرا بخطوات مهزومة م**ورة كقلبه تماما وخلفه ليل يسحب بشر الذي لا يقوى على الوقوف على قدميه، ينقصهم عاصي الذي ذهب مع كارما إلى المشفى بدلا من بشر الذي أحاله ارتفاع الضغط واحتراق القلب إلى خرقة بالية لا يقوى على رفع رأسه حتى، أجلس ليل بشر على أريكة في مدخل القصر وهو يرى أسد وصفي يصعدان السلم بسرعة بحثا عن الفتيات ومنذر تهاوى جالسا على درجاته، والعاملات في المنزل خرجن لمشاهدة ما يحدث فقال نزار الذي دخل يحمل بيده كيسا بلاستيكيا "لقد أحضرت الإبرة لبشر" مد ليل يده وسحب منه الكيس وقال "سأحقنه بها" نظر له نزار بشك وقال "أأنت تعرف كيف تُحقن؟ هل فعلتها من قبل؟" قال له ليل وصوته الخارج من بين شفتيه كان ثقيلا كأنه يقتطعه من روحه "لا تقلق، اجلب لي فقط قطنا طبيا ومعقما" التفت نزار للعاملات اللاتي يقفن لمشاهدة ما يحدث وقال "لماذا تقفن هكذا؟ تحركن إلى الداخل حالا، ولتحضر لي إحداكن قطنا طبيا ومعقما" اندفعت العاملات نحو المطبخ بينما نظر ليل لما بيده محاولا الانشغال به لكي لا يتحول لوحش كاسر يهدم جدران القصر حتى يجدها، ثم يظل يصرخ بها مخرجا قهره وحين ينتهي يضمها بقوة لتربت على جراحه ويأخذها ويرحل
لحظات ونزل أسد السلم بسرعة يقول "لم يعدن، لسنَ هنا" رفع منذر رأسه وويلات خطاياه تتمثل أمامه لتقتص منه وقال "إلى أين سيذهبن؟ لعلهن ذهبن إلى منزل مؤمن وسجى، ليس هناك مكان آخر يذهبن إليه، ومن ذلك الرجل الذي كان مع تولين؟ لقد كانت متمسكة بكم سترته كالطفلة المتمسكة بوالدها" قال صفي الذي كان ينزل بعصبية "زوجتي متعبة، إلى أين أخذنها؟" قال أسد بجنون "علينا أن نبدأ بالبحث عنهن، لننقسم، ليذهب كل واحد منا بطريق أو نستعن بالشرطة أو بشركة أمن لتساعدنا، لا يمكننا الوقوف مكتوفي الأيدي" انحنى ليل على ذراع بشر ليحقنه بالدواء وهو يقول "كيف علمن أين كنا؟ وكيف علمن بما سيحدث معنا؟" قال نزار "من الممكن أن يكون فيلو من أخبر سمراء أو أسمهان" صرخ أسد "ذلك المنحط سأقتله" فقال نزار "يكفي ما فعله به بشر" قال بشر بصوت مرهق جدا "أنا متأكد أنه لم يخبرهن" صرخ صفي "من إذاً؟ وهل كنت تعلم بما سيحدث هناك؟ وكارما؟أنا لا أفهم شيئا ليخبرني أحدكم بما يحدث، أين زوجتي؟" تنفس بشر بصعوبة بالغة وصداع رأسه يكاد يحطّم صدغه ثم وقف وهو يقول "سنبدأ بالبحث وسأستعين بأكثر من جهة لمساعدتنا، أهم شيء الآن أن نسرع فكل دقيقة تمر وهن في الخارج لا ندري ماذا يحدث لهن تقتلني، فليهاتف أحدكم مأمون ويطلب منه الحضور فورا وليحضر سجى لتهتم بالأطفال" ثم نظر لأسد وقال "وأنت ارتدِ قميصا وتوقف عن الصراخ فلا أريد للأطفال أن يفزعوا أو يشعروا بما يحدث" صعد بشر السلالم نحو غرفتها قاصدا إياها بدون تفكير كأنه قاصدا صاحبتها، دخل وأغلق الباب ثم تحرك بخطوات ثقيلة ناحية السرير وجلس على طرفه ببطء وعبقها الذي يملأ الغرفة يشق ص*ره ثم وبدون أي مقدمات بكى بكى وجعه معها، بكى على حاله وحالها وعلى ما يحدث، بكى كل شيء وكفها التي تمسك بيد آخر تشعل مراجل غيرة مميتة تكوي قلبه للمرة التي لا يذكر لها عددا، تحرك واقفا وانحنى يربت على وسادتها ويمرر يده على السرير كأنه ينادي صاحبته لتسيل دموعه على الوسادة التي ابتلعتهم ب**ت، لم يعد يستطيع أن يدرك أين موضع الألم فيه فهو على كل حال يتألم، وهي بجواره وهي بعيدة وكفها تمسك بيد آخر عند هذه النقطة حرك يده بعنف ليطيح بالأشياء فوق الكومود المجاور للسرير فتتناثر على الأرض سارقة منه النبض، مسح دموعه وانحنى على ركبته يجمع أشياءها الناعمة مثلها برقة، سماعة الهاتف خاصتها وبعض السكاكر و دبوس شعر باللون الأصفر وكتاب رفعه ونظر إليه ليجد العنوان موجعا لقلبه ككل ما في هذه الغرفة، أسند ظهره للسرير وفتح الصفحات يقلبها واحدة تلو الأخرى ولا يعرف عن ماذا يبحث، لكن شعور أن صغيرته أصبحت تقتني الكتب والروايات كان كفراشة مضيئة رفرفت بص*ره الذي كان كأرض المعركة، وقعت عيناه على مقطع قد ظللته بقلمها فبدأ يقرأ ويتلقى أسهم الكلمات لتعبر جسده
( أقاوم حبّك بضراوة، أقاوم تخليك عني بعنف أحياناً وبضعف أحياناً أخرى، أقاوم رغبتك في أن تتركني لأنه لا قُدرة لي على أن أتقبّل تركك إياي)
لم تكن كلمات بقدر ما كانت طعنات، بقدر ما كان ض*بات وكأن الان**ار خليله والحسرة رفيقه، وجليسه الألم ولا شيء سواه، وكأن لا خلاص له من عذابه إلا بها أو بالموت وكلما خطا نحوها يكتشف أن الموت أرحم الموت أرحم
لو أن لي قضية لن تكون سواك، لو أن لي هدفا سيكون أنت، لو أن لي وطنا فحيث عينيك، لقد ارتقيت ووصلت في نفسي إلى حيث لم أصل بنفسي في نفسي فأصبحت الأهم والأقوى