اندفعت سمراء تفتح باب الغرفة على إثر صراخ تولين الهستيري لتقف كحائل بين بشر وتولين وهي تقول "بشر كفى، إنها متعبة ارحمها" كان مفجوعا ورائحة قلبه المحترق تزيد من اختناقه وحطام نفسه، لم يستطع أن يتزحزح خطوة للخلف مبتعدا ولا للأمام مقتربا، لم يستطع أن يفعل أي شيء سوى الوقوف يشاهد دموعها كأنه أصبح غير سويٍّ إطلاقا ولا يكتفي بعذابه ولا بجلد الذات، مد يده يريد الوصول إليها فانتفض جسدها مبتعدا تقول ببكاء "اخرج من هنا" ليقاطعهم صوت قوي يقول "ماذا يحدث هنا؟" التفت الثلاثة لصوت نعمة الذي قالت لبشر "خذ إخوتك يا بن العزايزي واتجهوا للبيت الكبير فالشيخ يقيم اجتماعا هاما ويجب أن تكونوا هناك الآن" تصلب جسد بشر ونظر لتولين بلهفة فأدارت وجهها باشمئزاز فقال "وهل سنتركهن هنا؟ ألا يجب أن نرحل سويا؟" قالت نعمة وهي تستشعر ما يدور "أخواتك سيعدن معي" سقط قلبه أخواته فقط وهي؟ كان السؤال على طرف شفتيه فلم يستطع سوى أن يقول "سأنتظركن في الأسفل لنتحرك سويا" تحرك بشر خارج الغرفة لتتوافد الفتيات بداخلها تباعا ويغلقن الباب
نصف ساعة مرت والشباب يقفون أمام المنزل ب**ت، العيون فقط من تتكلم كل واحد يحترق من التوتر والانتظار والأدهى أنهم لا يدركون شيئا، لا يدركون ما يحدث حولهم، لا يدركون سبب الاجتماع ولا سبب وجود الفتيات في منزل هاشم، ضائعين في همومهم لينفتح الباب وتطل كنزي تخرج حقيبتها فأسرع مؤيد يسحبها من يدها ويدخلها السيارة، ومن خلفها سمراء التي كانت تسبل أهدابها تمنع بكاء يخنقها من بعد أن علمت أن قرار الشيخ يأمر بأن ترحل تولين ويقطعوا علاقتهم بها وإلى الأبد، تسبل أهدابها تدعي القوة وهي تعلم أنها أمامه تماما ومن خلفها أسمهان تحمل ابنها تنظر بقوة للواقفين رغم أن دمعتها العالقة برموشها تظهر للعيان، فخرجت نعمة تأمر رجال الشيخ بأخذ الحقائب تحت أعين المراقبين ومن خلفها غفران التي كان وجهها محمرا بشدة فخلعت قلب عاصي الذي كان يقاوم رغبته في القفز إليها وسحبها إلى أحضانه شارحا لها ما حدث، تمسك بيد تبارك التي كانت متأثرة مما حدث فخ*فت أنظار وقلب نزار الصامت الحزين الذي تبعها بعينيه تركب السيارة برفقة عمتها وجدتها، خرجت عزيزة المنهارة ليجن جنون الذي لم يعد يستطيع التحكم في جنونه أكثر، وخلفها بلقيس ليهتز قلب صفي بص*ره بعنف وهو يرى وجهها الذابل فينتفض بألم، ثم أطلت تولين تمسك بيد تولين الكبيرة ومن خلفها أحمد وقمر لتبدأ ملحمة وداع ودموع والمتابعون المذهولون لا يعلمون من سيرحل، لم يكن وداعا بقدر ما كان ثمنا يُدفع لما هم مقبلون عليه، تحركت الفتيات نحو سيارة الشيخ متجاهلات الواقفين والذين لم يتمكنوا من الاقتراب في حضرة الشيخة، انتظرها بشر أن تتحرك خلفهن لكنها وقفت تنظر لابنته بقوة ثم انحنت تهمس لها ببضع كلمات ثم وضعت شيئا بكفها الصغير لتبكي الطفلة بشدة فتضمها بقوة ثم تسحبها عزيزة للخلف وهي تتجه لسيارة مؤيد
اقترب بشر يقول بفزع حاول أن يداريه "إلى أين؟" لم تجبه وهي تغلق الباب فحاول فتحه لكنها أقفلته من الداخل فقال له مؤيد "من فضلك لقد تأخرنا ابتعد عن السيارة" صرخ به بشر "حين تنزل سأتحرك، إلى أين ستأخذها؟" قال مؤيد ببرود "لن أجيب على سؤالك الغريب، تحرك من أمامي" هاج بشر واقترب أسد والشباب ليتحرك رجال مؤيد ويحتد الموقف فتدخل رجل من رجال الشيخ وقال "هذه أوامر الشيخ جعفر، لا تعترضوهم ودعوهم يرحلوا وإلا نحن من سيتصدى لكم" بصدمة وغضب قال بشر "بماذا أمر الشيخ؟ أن ترحل معه؟ هذا لن يحدث" تحرك مؤيد بسيارته وانسحب رجاله خلفه حين وقف رجال الشيخ لتمر السيارة أمام عينيه وهي تحملها راحلة من بين يديه مجددا، ظل يصرخ ويصارع ولكن الشباب حاولوا ألا يدعونه يرتكب عملا أ**ق يحاسبهم عليه الشيخ وهم لا يفهمون ما يحدث على بعد خطوات وقف طاهر بجوار حورية التي قالت له بصوت يكاد يخرج من دهاليز مخاوفها ولكن لقد ص*ر الأمر " أنا عائدة معك "
وتدور الدنيا من حولي وأنا مصرٌّ ألا أدور داخلها، أقف بكل ثباتي وأشتاق لك فتأتي رياح النوى وتطيح بي، تفتتني إلى ذرات غبار تشتتني في كل اتجاه لأعود بعدها بلا هوية ولا وطن
منطلق بالسيارة يكاد لا يرى أمامه من شدة الصدمة، والطريق تحت إطارات السيارة يكاد يصرخ بجزع من سرعته التي من المؤكد ستكون سبب حادثة تزهق روحه التي لم يعد يدري لماذا يحدث لها كل هذا، لمح طرف الظرف الملقى بجواره على المقعد المقابل والورقتين الملقتين فوقه وهز رأسه بعنف يحاول أن يفهم ما يدور، عقله يحلل ويربط ويفكر ثم يعود لنقطة الصفر خائبا وهذا ما لم يحدث له أبدا فهو معروف بحدة ذكائه وسرعة بديهته، لعل السبب أن ما وصل إليه عقله مرعب لدرجة جعلته يعود لمنزله تاركا خلفه من ملكت روحه لكي يتحقق من حقيقة ما يدور حوله ويتمنى لو أنها كذبة جديدة، يتمنى لو ظل الماضي الب*ع الذي قاومه وانتصر عليه هو الحقيقة، أوقف السيارة أمام منزله الذي غاب عنه لأيام طويلة وكان يعد مفاجأة لابنته وسيعود إليها ليعوضها عن الغياب لتتهدم خططته وتحترق أمانيه، فتح الباب بقوة جعلت نفيسة تخرج من غرفة رحيل بفزع تقول "بسم الله الرحمن الرحيم، رائف متى عدت؟" لم يرد عليها وهو ينطلق لغرفة المكتب ويفتح الخزنة التي يحفظ بها كل أوراقه السوداء وطلاسم ماضيه ويخرجها بجنون، اقتربت نفيسة منه وهي تضع يدها فوق ص*رها "خيرا يا بني، عمَّ تبحث؟ أخبرني وسأبحث معك" صرخ بها رائف فاقدا للصبر "اتركيني بمفردي من فضلك، لا أريد أن أرى أحدا" شعرت نفيسة أن هناك كارثة وحلت فحولت الرجل الهادئ اللطيف الذي تعمل لديه منذ سنوات لكائن عصبي مشتعل فقالت وهي تخرج من الغرفة "حسنا، سأغلق الباب فرحيل قادمة برفقة الآنسة ياسمين لأخذ بعض أشيائها ولا أريدها أن تراك بهذه الحالة" سكن جسده للحظة ثم أكمل ما يفعله متجاهلا الباب الذي أُغلق عليه متمنيا أن يجد ما ينقذه من هذه الصدمة
أوقفت ياسمين سيارتها الصغيرة أمام منزل رائف فلمحت سيارة سوداء تقف أمام المنزل فخفق قلبها بعنف والتفتت لرحيل الجالسة بجوارها تمسك بيدها حقيبة كبيرة بها بضعة قصص للأطفال اشترتاها معا للتو بعد جولة رائعة عمقت علاقة صداقتهما التي سعت إليها ياسمين جاهدة وقالت "هل عاد والدك؟" اقتربت رحيل من زجاج السيارة وقالت "لا أظنه قد عاد دون أن يخبرني، لعلها سيارة أحد رجاله، لم أرها من قبل" لاح الحزن على ملامحها الجميلة والشوق بقلبها يقيم أعاصيره وقالت مدعية المرح "سيعود بالسلامة قريبا لا تقلقي، دعينا نأخذ ملابسك من نفيسة ونعود سريعا فقد تأخرنا وعمك عصام لن يسامحنا إذا فوتنا الغداء" ابتسمت رحيل برقة وهي تترجل من السيارة وتسرع لتمسك بيد ياسمين ويتقدما نحو المنزل لتتفاجآ بالباب المفتوح ونفيسة تقف محتارة فقالت ياسمين "كيف حالك يا نفيسة؟ هل جهزتِ ملابس رحيل؟" التفتت نفيسة وقالت "كنت أظن أن أمامكما بعض الوقت لتصلا" فسرت ياسمين "كنا بالقرب من هنا فلم يأخذ الطريق منا وقتا، هل انتهيتِ من جمع الأشياء أم أساعدك؟" نظرت لها نفيسة بتوتر وقالت "جمعت كل الأشياء التي طلبتها مني دعيها فقط تتأكد أن لا شيء ناقص" توتر نفيسة جعل ياسمين تقول لرحيل بابتسامة "هيا يا باربي تأكدي أن حقيبتك جاهزة" ابتسمت رحيل بسعادة من هذا الاسم اللطيف الذي أطلقته عليها رضوى ابنة العم عصام لأنها تشبه لعبتها المفضلة ذات الأعين الزرقاء والشعر الذهبي والبياض الناصع وتحركت نحو غرفتها فانتهزت ياسمين الفرصة واقتربت من نفيسة تقول "هل أنت بخير؟ أشعر أنك متوترة، هل حدث شيء؟" نظرت نفيسة لباب المكتب البعيد نسبيا عن مكان وقوفهما والمغلق بإحكام وقالت "لقد وصل رائف قبل دقائق لكن حالته غريبة، أظنه يواجه مشكلة ما، لعلها تخص العمل فقد أسرع نحو المكتب وفتح الخزانة وأخرج منها أوراقا كثيرة وظل ينظر لها بعصبية وحين سألته عما يبحث لعلي أساعده صرخ بعنف وقال إنه لا يريد رؤية أحد، ومن وقتها وباب غرفته مغلق" نظرت ياسمين للباب بخوف نهش قلبها وقالت "أنا متأكدة أن العمل يسير على أفضل حال، سأذهب لأرى ماذا يحدث معه" أمسكت نفيسة ذراعها وقالت "لا أنصحك يا بنتي ،إنه كالثور الهائج ولا أريد لرحيل أن تراه هكذا كما أخشى أن يؤذيك بكلمة فهذه أول مرة أراه بهذا الشكل" قالت ياسمين بثقة "اطمئني، لعلي أفهم ما يدور، ابقي أنت مع رحيل لا تدعيها تخرج أو خذيها وانتظراني في السيارة لعله لا يريدها أن تعلم بوصوله الآن" ظهر الرفض على وجه نفيسة وتحركت نحو غرفة رحيل فيما تحركت ياسمين نحو غرفة المكتب وخطاها المرتعشة لا تبدي شيئا من ارتعاش قلبها، طرقت الباب بهدوء وانتظرت ولكنها لم تتلقَ ردا ففتحت الباب ودخلت
كان رائف ينظر للأوراق باستهجان وجملة واحدة تخترق ذهنه ويرددها قائلا "الأمر لا يستدعي تكذيبا من البداية فكل شيء واضح" ألقى الأوراق من يده وعقله مازال ينكر الحقيقة التي بين يديه رفع هاتفه وطلب رقما حذره عصام كثيرا من اللجوء إليه لكنه في مصر لا يملك معارف يستطيعون أن يأتوا له بالمعلومات التي يريدها وقال "أريد خدمة جديدة" ليقاطعه صوت ناعم يقول "سيد رائف" أزاح رائف الهاتف بفزع ينظر لياسمين بعبوس ثم أعاد الهاتف وقال "سأطلبك بعد قليل" أغلق الهاتف وقال بغضب "ماذا تفعلين هنا؟" ارتبكت ياسمين وقالت والكلمات تهرب من ل**نها "جئت مع رحيل" أسرع رائف يغلق باب المكتب وهو يقول "هل علمت أنني هنا؟" هزت رأسها بعنف وقالت "اطمئن لم نخبرها، سآخذها وأرحل فورا لكن عندما أخبرتني نفيسة عن حالتك أردت أن أطمئن أنك بخير" قال لها بغضب "لم يكن عليك دخول المكتب، خذي رحيل وأعيديها لمنزل عصام حالا فأنا لن أسمح لها بالخروج معك" ابتعدت ياسمين للخلف وقالت "اليوم حفل عيد ميلاد رحمة بنة عصام ورحيل أرادت أحد أثوابها فجئنا لأخذه" قال بغضب محاولا خفض صوته "كان يمكنني إرساله له فابنتي ليست بحاجة لخدماتك ولا أنا بحاجة لوجودك هنا" كانت قسوته مدمرة لكبريائها لكن قلبها استشعر أنه يعاني فقالت بارتجاف "هل أنت بخير؟ ماذا حدث لتصبح على هذا الحال؟" نظر لها رائف بغضب "لا يخصك ما حدث لي، حياتي بأكملها لا تخصك في شيء، ابتعدي عني وعن ابنتي وتوقفي عن الدوران حولي، هل تظنين أنني لا أفهم ما تفعلينه؟ أيتها الساذجة أنت تدورين حول رجل يقرأ الوجوه من على بعد مئة ميل فهل سيستعصي عليّ إدراك ما تبوح به عيناك من حب ليس له مكان في حياتي؟ حاولت تجاهلك والتعامل معك برسمية وأنت مصرة على ضلالك، عام وراء الآخر يمر وعصام يخبرني بعروض الزواج المبهرة التي ترفضينها وأنا أدرك أسباب رفضك وأحاول بكل الطرق إخبارك أن ما تريدينه مستحيلا لكنك كمراهقة تحب لأول مرة ألغيتِ عقلك وأوصلت الحال بيننا لإهدار كرامتك، بربك كفى" كانت كمن يتعرض للجلد، كمن أطاحه إعصار مدمر فتت خلاياه وهشمه حتى صار حطاما، كانت ترتجف وهو يرتجف فأخذت خطوة للخلف فيما وضع رائف كفه على وجهه واستدار نحو المكتب يوليها ظهره الذي تتحرك عضلاته بعنف ظاهر لعينيها وظلا على وضعهما للحظات، لا هي قادرة على استيعاب ما يحدث ولا هو قادر على المواصلة وقد أدرك ما فعله بها، استدار ينظر لها بإرهاق يتخلله شيء حزين م**ور وقال بصوت نادم "ياسمين أنا آسف، لم أقصد ما قلته صدقيني أنا فقط أمر بمشكلة صعبة وأنت جئت بوقت "
**ت بتفكير لتقول هي "جئت بوقت متأخر، أعلم وأنا لا ألومك على كل ما قلته، أنت محق وأنا من أوصلت نفسي لهذا الموقف وجعلت من نفسي أضحوكة وأنا أدور حولك لسنوات وأظنك لا تعلم، أحاول الولوج لعالمك بكل طريقة رغم أنك لا تسمح لي، أحاول أن أرى في مشاعري القوية تجاهك طريقا رغم أنك كما قلت كنت تثبت لي أن كل ما أريده هو المستحيل ولا شيء سواه، لذلك أنا لن أكون جبانة وأنكر أن كل ما تقوله صحيحا لكنني على الأقل كنت أسعى خلف واقع ملموس، انظر لنفسك وأنت تسعى خلف وهم وسراب، كنت أستحق الصفعة التي وجهتها لي بكلامك لكنك تستحق ألف صفعة لتستيقظ وتعلم أن زوجتك رحلت وما رحل لا يعود، شكرا لأنك كنت بالوضوح الذي تمنيته منك كثيرا رغم أنه جاء متأخرا لكنني موقنة أنه جاء في الوقت المناسب قبل أن أخسر كل شيء، وأتمنى أن تستيقظ قريبا لترى بوضوح ما يحدث حولك، أنت إنسان وحيد لا تستطيع أن تحب ولا تريد أن تحب، أنت إنسان ضائع يا رائف وابنتك أكثر شخص سيظلم معك" تحركت نحو الباب وخرجت وهي تغلقه بعنف ورائف مازال يقف كتمثال عبره سهام كلامها فش*هه صوت سيارتها وهي تنطلق سحبه من جموده ليصرخ بعنف وهو يزيح بيديه كل ما يعلو المكتب "أنا لست وحيدا فهي معي، لا أريد غيرها، مهما كانت الحقائق مؤلمة وصادمة فأنا أدمنت الألم وتحصنت من الصدمات وزهدت كل شيء إلا هي، ا****ة ا****ة" كان كإعصار يدمر كل شيء، دمر ما تبقى ثم جلس على الأطلال يبكي
وفي السيارة كانت ياسمين تقود بأعين جسورة تحارب الدموع وفي لحظة لم تحسب حسابها رفعت هاتفها وبعد رنين متواصل قالت "أمي، أنا موافقة على الزواج من إسلام" أغلقت الهاتف بدون أي تفكير في القنبلة التي ألقتها بوجه أمها لتنخرط في بكاء حاد أفزع رحيل التي بكت بقوة لكن ياسمين كانت غارقة في بؤسها فلم تشعر بها
وصلت نعمة والفتيات إلى البيت الكبير بعد مجهود مضني ف*جال الشيخ يحاولون تنظيم مدخل البلدة من شدة الزحام لكن الأمر يبدو شبه مستحيل مع هذا العدد المهول من الحضور، لكن انسلالهم من الزحام كان أسهل فقد أعلن رجال الشيخ أن الشيخة تمر ومعها فتيات ليس من المناسب أن يعلقن بزحام يعج بالرجال فأسرع الجميع يفسح الطريق وها هن يعدن لهذا المنزل بعد ساعات تنقصهن واحدة منهن ضحت بحياتها وهويتها في سبيل حريتهن، اختفت لسنوات وعادت لأيام لتقلب حياتهن رأسا على عقب، دخلت الشيخة نعمة تسلم على الكبير والصغير، ترحب بجميع من في المنزل حتى وصلت لمجلسها فالتفتت للفتيات وقالت "الشيخ أمر باجتماع وسيعلن ما أخبرتكن به، أريد منكن أن تقسمن أنفسكن لأكثر من مهمة علينا إنجازها، أولها وأهمها متابعة المطبخ والحرص على إكرام هذا الجمع، الشيخ أمر بإقامة الولائم ومن المؤكد قد زاد عدد العاملات في المطبخ لكن يجب أن يكون هناك عين تراقب كل شيء حتى رجوع منار فهي من كانت تصلح لهذا الأمر" قالت غفران بصوت مكتوم "أظن أنني أستطيع متابعة الأمر ومعي تبارك، لا تقلقي سأحاول أن أفعل مثلما كانت تفعل منار" قالت عزيزة "أنا أيضا يمكنني المساعدة، أجيد كثيرا ما يتعلق بأمور المطبخ والضيافة" قالت نعمة "حسنا، اذهبن للمطبخ وقسّمن المتابعة بينكن ما بين ضيافة النساء والإشراف على الطعام، وضيافة مجلس الشيخ" انسحبت الثلاث فتيات فقالت نعمة "الأطفال، لا أريدهم أن يتأثروا بما يحدث، أشعر أنهم متوترون وأريد أن تهتم بهم إحداكن وسأرسل معها خادمة لتلبية طلباتها" قالت سمراء "أظن بلقيس الأفضل لهذه المهمة فهي تحتاج للراحة على أي حال" هزت بلقيس رأسها بطاعة وقال "أظن هذا، إذاً سآخذهم لغرفة الأدهم إنها أفضل لهم" قالت نعمة "لا بأس وسأرسل خلفك خادمتي حالا" تحركت بلقيس وأمامها الأطفال ترأسهم تولين التي كانت عابسة تبكي ب**ت، تابعت سمراء تولين التي تسير كالضائعة وهزت رأسها برفض غاضب ثم التفتت لنعمة وقالت "ونحن ماذا سنفعل؟"
قالت نعمة "ستقسمان نفسيكما بين المنزل وبيت الضيافة، أوامر الشيخ يجب أن يعلم بها الكل، ويجب ألا يذكر اسم حورية لأي سبب فالشيخ أمر برحيلها وإن ذكر اسمها سيكون الطلاق الحل الوحيد" قالت أسمهان "لكن هذا أمر صعب جدا، حورية كانت تحركنا جميعنا بإشارة منها ونحن نحتاجها، أظن أن فكرة رحيلها في هذا الوقت تؤكد ما يحاول الشيخ نفيه" ردت نعمة بحكمة "الشيخ سيتحمل مسؤولية وجود الفتيات هنا، سيخبر الجميع أنه من طلب من حورية أن تجمعهن لكنه يخشى أن يكون قد تسرب أمر فض المكاتيب وعليه أن يكون مستعدا، وإذا ذكر اسم حورية بأي سوء سيتحتم على منير أن يطلقها في المجلس ردا لكرامة أبيه والعائلة" قالت سمراء بغضب "إذا لتبقَ معنا حتى نرى ما سيحدث، ليس من العدل أن تدعيها ترحل خوفا من أمر لم يحدث بعد" قال نعمة بتعاطف "الشيخ لا يخاف من شيء لكنه أيضا يريد أن يكون سابقا للجميع بخطوة، فإذا اتهمه أحد أن زوجة ابنه لعبت بعقول الفتيات سيكون رده أنه لم ينتظر أن يتهمه أحد وأمر بخروجها من أرض العزايزة وطلب من ابنه أن يطلقها في المجلس ردا لكرامة الجميع" قالت أسمهان بغضب "وهل من الطبيعي أن تدفع ثمن هذه الحرب اثنتان لا ذنب لهما بما يحدث؟ الأولى تخلت عن هويتها وفقدت الأمل في أن تعيش يوما باسمها الحقيقي وسط عائلتها، والثانية خسرت زوجها لأنها فكرت أن تساعدنا" قالت نعمة بحزن "يا بنتي لكل حرب ضحايا، ويعلم الله أن حورية كابنتي تماما وخفت عليها مما سيحدث، فلو طلقها منير لم أكن لأدعها ترى هذا الموقف، كان سي**رها ولم تكن لتحتمل" قالت سمراء "وتولين؟" تن*دت نعمة بإرهاق وقالت "نصيبها أن تظل بعيدة، ربما هذا أفضل لها، لا أحد يعلم حكمة الله فيما حدث لها من البداية، أدعو الله أن يسدد خطاها ويسوقها لخير أقدارها" **ت عم المكان ولا كلام يصف التمزق والتشتت الذي يملؤهن، فقالت نعمة "أسرعا وافعلا ما طلبته منكما، حذّرا الفتيات ألا يذكر اسم حورية ولو بالخطأ، أي رسائل على هواتفهن فلتمحَ فورا، فلتساعداها كما ساعدتكن" نظرت أسمهان لسمراء بقوة وقالت "أعدك سنحاول لأجلها لأنها تستحق ونحن مدينات لها"
دخلت إحدى الخادمات تقول "يا شيخة نساء العائلة يريدن رؤيتك" أشارت نعمة للفتيات فانسحبن وقالت للخادمة "أرسلي خادمة لغرفة الأدهم وأخبريها أن ترافق الاطفال، وأحضري ضيافة المجلس وادخلي للنساء" هزت الخادمة رأسها بطاعة وهمت بالخروج لتسألها نعمة "ماذا يفعل الشيخ الآن؟" ردت الخادمة "المجلس يعج بالضيوف لكنه بغرفته ينتظر الشيخ عبد الرحمن و السيد منير" تحركت نعمة تجلس في ص*ر المجلس وتستعد لثرثرة النساء وأسئلتهن التي لن تنتهي وهي تفكر أن عبد الرحمن لن يكون رد فعله جيدا أبدا بينما هذا يحدث كانت السيارة تنهب الطريق عائدة نحو البيت الكبير وعقله يكاد يقف من شدة الضغط والتفكير، لا يدري ماذا سيحدث، اليوم من بدايته به شيء غير مريح، بداية بتعب زوجته المفاجئ والذي أسقط قلبه بقدمه وجعله ينطلق بها على طريق السفر خوفا من أن يكون حملا جديدا وهي لا تدري به، وبالكاد وصل لنصف الطريق ليجد رجلا من رجاله يخبره بحافلتين وسيارات ليس لها عدد تدخل البيت الكبير لكن هذا أمام تعب منار لم يكن شيئا فلم يهتم وهو يكمل الطريق للمشفى وحين وصل لم يجد طبيبتها فأمر أن يُجرى لها فحصا شاملا وقبل أن تخضع لأي شيء جاءه هاتف من والده يأمره بالعودة فورا لأن هناك اجتماعا سيقام على أرض العزايزة ولابد من وجوده، وضعه والده بين نارين منار وهو وبعد تفكير وحرب أهلكته أمر بأخذ عينة من دمها ثم عاد، نظر لمنار النائمة على الكرسي المقابل له ومد يده يرفع النقاب ليطمئن أنها نائمة بسلام لا تتألم ثم عاد ليركز في الطريق ولم يملك سوى أن يهاتف منير لعله يعلم شيئا
بعد ساعة كان الشيخ جعفر يجلس في غرفته وأمامه ولداه، أحدهما يرتجف خوفا والآخر يرتجف غضبا وعيونهما تنظر لوالدهما باستفهام وكل عقل يعمل في اتجاه لا يقترب من اتجاه الآخر، أحدهما يتمنى لو سارع والده في الإفصاح عما بجعبته والآخر يتمنى لو أن والده يؤجل الإفصاح عما برأسه حتى يستعد له، نظر لهما جعفر وشيء من الإصرار يملأ نظراته وقال "لا وقت لشرح الأمر بتفاصيله، لكن في الأسفل تحتشد العائلة في اجتماع لن يغيب عنه فرد وأريدكما أن تقفا بجواري فيما أنتويه" قال عبد الرحمن بعصبية "نحن رهن إشارتك يا أبي لكنني أريد أن أفهم، هل كنت تخطط لهذا الأمر بدون علمي؟ أخبرني على الأقل لأدرك حجم ما تتحدث عنه، أذكر آخر مرة أمرت باجتماع مماثل من سنوات كان لأجل تأديب الشباب الذين يتهربون من الزواج ويأجلونه بدون أسباب، ماذا حدث هذه المرة؟" قال جعفر بثبات "ما حدث أنني شعرت أنني متهاون في حق فتيات العائلة وأن ما يحدث لهن لا يوافق شرع الله فقررت فض المكاتيب" قال عبد الرحمن بذهول "ماذا؟ أبي أأنت تدرك ما أنت بصدد فعله؟ هل تقصد فض المكاتيب حقا؟ لماذا؟" لم يجب الشيخ فورا كأنه يرتب أفكاره فالتفت عبد الرحمن لمنير وقال له بغضب "لماذا أنت صامت؟ هل كنت تعلم؟" نظر منير لعبد الرحمن بارتباك لينقذه صوت والده الذي قال "ومن أين سيعلم؟ إذا كنت أنوي إخبار أحد من المؤكد كنت لتكون أول واحد فكما تعلم منير لا يفهم في أمور العائلة مثلك لكنني اتخذت قراري في سرية تامة وبعد تفكير" صاح عبد الرحمن قائلا "اعذرني يا أبي ولكنني لست مقتنعا بهذا الحديث، ما تقوله لا يُصدق فأنت تتكلم عن فض المكاتيب كأنه أمر عادي من السهل أن نفعله، المكاتيب عرفنا وتقاليدنا التي نتبعها منذ زمن ووضعنا ومكانتنا لا يسمحان لنا أن نخالف العرف، أنت تعلم يا أبي أن المكاتيب هي من تجعلك تحكم العائلة بقبضة يدك وتحركها كيفما شئت، بدونها ستتشتت العائلة وسيتفرق الجمع وكل واحد سيختار زوجة غريبة ويستقل بحياته بعيدا إلا من رحم ربي، وحينها لن يبقى من العزايزة سوى بو**ي أثر هذا إن وجد" رد عليه جعفر بغضب "المكاتيب لم تمنع رجال العائلة من الزواج من خارجها والسفر والبعد، أنا أبحث عن مصلحة الفتيات" رد عبد الرحمن بغضب مهول وقال "من يتزوج من خارج العائلة يكون له زوجة منا وأولاد منها يحملون اسمه ليعود ويدرك قيمة العائلة، ومن سافروا قد أخذوا معهم زوجاتهم وأولادهم وهذا أكبر دليل على احترامهم لكيان العائلة، يا أبي أنت هكذا تفرقنا "
رد عليه منير قائلا "اهدأ يا أخي أبي محق، المكاتيب إجحاف في حق الفتيات وتقليل من شأنهن، وأقرب مثال غفران أختك رغم أنها بنت الشيخ أسقطتها المكاتيب بيد رجل متزوج تزوج عليها وهي بأمس الحاجة له كأنه وراحته أهم من معاناتها والآن يستعد للزواج منها وزوجته لديها طفلان وحبلى بالثالث" نظر له عبد الرحمن بغضب وقال "الآن فهمت ما سيحدث، غفران! أكل هذا من أجلها؟ تريدون إسقاط عرف العائلة من أجل مدللتكم؟ لن يحدث أبدا، من المؤكد أنها قد بكت ورجت وأنتما لم تستطيعا رفض طلب لها، أقسم أن أعلمها الأدب ولتعلم أن ما تسعى له لن يحدث" تحرك عبد الرحمن تجاه الباب فض*ب جعفر عصاه بالأرض وقال "إلى أين أنت ذاهب؟" قال عبد الرحمن بغضب "ذاهب لتربية ابنتك كما يجب فليست هذه الصغيرة من ستتلاعب بعقولنا" هدر جعفر بغضب "هل تقصد أنني لم أعد أملك عقلا لتتلاعب بي أختك؟" وقف عبد الرحمن وأخفض رأسه وقال "حاشا لله يا أبي، أنت شيخنا وتاج رؤوسنا لكن ما تريده ليس بالهين وبمجرد ذكر اسمها أدركت أنك تفعل هذا لأجلها فهذا ليس تفكيرك أبدا" قال جعفر بقوة "لقد قررت يا عبد الرحمن وانتهى وسأبرر لك رغم أني لست مطالبا بتبرير ما أراه في صالح أبنائي، أولا الزواج بالمكاتيب يخالف شرع الله فالزواج إيجاب وقبول وليس فرض وإجبار ونحن حدنا عن الشرع كثيرا حين تمسكنا بعرف واهي، ثانيا الطلاق شرعه الله إذا استحالت العشرة فمن أكون أنا لأمنع ما أمر به الله والعياذ بالله، ثالثا بناتي من حقهن أن يكنّ أغلى من مجرد تابعات فكل رجل لعائلتك يظن أن المكاتيب أهدته تابعة ليتزوجها في أي وقت وهو يصول ويجول كيفما يحلو له فيؤخر الزواج ويتزوج بأخرى كأن فتيات الكون بثمن وبناتنا برخص التراب وقد أبخسناهن قيمتهن، هذا لن يحدث بعد الآن" **ت عبد الرحمن أمام حديث والده للحظة ثم قال "والعهد؟" قال جعفر بانفعال "وأنا على العهد، لن أضع يدي بيد غريب ولن أزوج بناتي لأغراب"
قال عبد الرحمن بهدوء "إذاً؟" تن*د جعفر وهو يقول "بناتنا لشبابنا لكن من يريد منهن واحدة فليطلبها كما يفعل البشر ومن حقها أن ترفضه أو تقبل به" حرك عبد الرحمن رأسه بعدم تصديق وقال "أنت هكذا لا تحسبها سوى بقلبك يا أبي، أرجوك فكر فما تقوله ليس بالمقنع، في الخارج رجال ينتظرون زوجاتهم وشباب تربطهم المكاتيب، وبعد ما ستفعله ستثور ثائرة الجميع" تدخل منير الصامت بوجل وقال "لا أظن أن كلام والدي به ما يعيب بل على الع**، أظن أن هذا ما كان يجب أن يحدث منذ زمن وأظن أن كل أب عاقل سيسعد حين يجد الشيخ يهتم بمشاعر كل فتاة وكل امرأة في العائلة فلا يحصر اهتمامه بالمال والمصالح، المشيخة ليست قائدا بلا قلب ولكنها قلب يقود الجميع" قال عبد الرحمن برفض "شعاراتك هذه لن تجعل الأفواه في الخارج ت**ت، اخرج وأخبرهم أن من تريد الطلاق ستتطلق ومن ترفض الزواج لن تتزوج وليس هناك شاب ملزم بابنة عمه وانظر لما سيحدث" قال منير "فليحدث ما يحدث فهذا شرع الله ومن يعترض فليجد له من دون الله نصيرا" هزت الكلمات قلب عبد الرحمن الذي التفت لوالده وقال "حسنا، ما المطلوب منا الآن يا أبي؟" قال جعفر "أريدكما بجواري لدعمي وتسهيل ما سيحدث، وقوفكما بجواري سيجعلنا كما السد وأي تشتت بيننا سيكون كثغرة يعبر منها الرفض والثورة، ولا تنسَ يا بني (ومن يتقي الله يجعل له مخرجا)" نظر عبد الرحمن قليلا لوالده وقال "أنا معك يا أبي لكن لتعلم أن الأمر ليس بالسهل وخصوصا على الأزواج" قال جعفر "أنا أعلم لكن شرع الله لا جدال به وهذا سلاحي والله معنا" قال منير "يا أبي أنت على حق فلا تخشَ شيئا فكل رجل في الأسفل يملك عقلا سيتيقن أنك لا تفعل سوى الصواب، توكل على الله" نظر جعفر لعبد الرحمن وقال "انزل وقابل ضيوفنا يا شيخ وتأكد أنهم أُكرموا، دقائق وسنتبعك أنا وأخوك" تحرك عبد الرحمن بعدم رضا و لكنه بمجرد نزوله للرجال وقف بثبات وتماسك يحسد عليهما فيما تحرك منير ليجلس بجواره والده فأتى صوته هادما لثباته وهو يقول "لقد أمرت حورية أن ترحل عن أرض العزايزة وهي الآن في طريقها إلى القاهرة" كأنما روحه وصلت الحلقوم وأصبح الموت مؤكدا فاستدار لوالده بفزع يقول بعتاب شديد "لماذا يا أبي؟" ليأتيه الرد بكل مخاوفه التي كان يخشاها
كم جميل أن تكون آخر محطاتي، خط النهاية في صراعي المتعب، كنقطة ليس من بعدها سطر جديد ولكنها نقطة ثابتة وضعت حدا لمعاناتي وكقبس من نور في غابة روحي يرشدني في طريقي للخلاص
المشهد يتكرر، كل شيء كأنه يعاد بحذافيره، الفرق فقط أن هناك توتر وعبوس شديد يملأ كل الوجوه بلا منازع، ليس حزنا بائسا إنما غضب ساحق وترقب مهلك لفهم ما يدور، يذكرون جميعا آخر اجتماع حضروه هنا ويذكرون ما حدث، يذكرون كيف جاؤوا وكيف رحلوا وليس بقلب واحد منهم ذرة أمل أن يكون الأمر أفضل مما سبق، كان بشر على حافة الانهيار، جيوش قهره تحتشد أمام قلاعه المهزومة المغلقة حول قلبه الذي سُبي في حربها منذ سنوات، تكاد دقات قلبه الهادرة أن تكون أقوى من دقات الزمن ال**برة وهو يجلس بالصوان بجوار أسد الذي كان محط الأنظار، فوجوده كان صدمة للجميع فالشيخ لم يعلن عن عودته لكنف العائلة بعد لكن **ته وجموده رده الوحيد على نظراتهم المستنكرة، قال عاصي بتوتر "هل يشعر أحد غيري أن الأمر ليس طبيعيا؟ أن يصادف هروب الفتيات اجتماع عائلي بهذا الشكل؟ أشعر أن الأمور مرتبطة ببعضها، قلبي يحدثني أن هذا الاجتماع سيكون كارثة بكل المقاييس" رد عليه بشر بان**ار كان أكبر من أن يداريه "وهل ينقصنا كوارث؟ لقد رحلت مجددا مع رجل غريب لا نعرفه، لقد رحلت وألقتني خلفها رحلت أمام أعيننا جميعا كأنها تعودت على الرحيل، قلبي كجمر مشتعل يتأجج في جوفي، إلى متى سأظل أعيش في هذا الجحيم؟ ألم يئن لي أن أرتاح؟ منذ فراقها الأول ظننتُ أنني راحل أخيرا لتعود في آخر لحظة وتمنحني أنفاسا تزيد من ألمي"
أغمض ليل عينيه وقلبه يعتصر في ص*ره الواسع بينما قال عاصي بقوة "كفى يا بشر، ارحم نفسك، أنت لا ترى منظر وجهك، نحن لسنا بمفردنا فاهدأ قليلا واطمئن، نزار أخبرني أن ذلك الرجل يعاملها باهتمام كأنها أخته تماما وأظنك لاحظت العلاقة القوية التي تربطها بالفتاة، إنها بأمان، لننتهي من هذا المجلس ونذهب إليها فلن أتركها حتى أقنعها أن تعود معنا" نظر بشر لعاصي برجاء فأكد عاصي قائلا "من قال إننا سنتركها يا بشر؟ الوضع فقط لم يحتمل تدخلنا لكن لتنتهي من كل هذا وأول شيء سنفعله هو أن نذهب إليها" قال بشر بأعين شاردة "أخشى أن تكون هي من تريد تركنا، أخشى من جرحها فأنا متيقن أنها مجروحة من الوريد للوريد" لم يجد عاصي ما يقوله سوى أن ربت على كتف أخيه بقوة يحاول أن يمده بالصبر وقال له مستغلا الضجيج الذي يعلو حولهما والزحام "كن قويا فأنت محط الأنظار، لا تنحنِ أو تظهر ان**ارك ورغم ألمك ارفع رأسك ودع الكون يراك صلبا كما عهدتك، لا تنس أنك لنا الظهر والسند والحمى" أخذ بشر نفسا عميقا لكن لسبب يجهله شعر بقلبه يصد الأنفاس كأنه يرفض أن يتظاهر بالقوة هو أيضا ورفع رأسه يواجه نظرات الجميع بقوة واهية لكنه حمد الله أن لا غيره يدرك ذلك وقال لعاصي "أين الشباب؟" قال عاصي بحيرة "صفي أظنه مازال في السيارة فحين رأى بلقيس انهار بقوة ولم أرد أن يراه أحد بهذا الشكل، أمرته أن يبقى حتى يهدأ ومنذر معه، أما أسد ونزار سأبحث عنهما"
تحرك عاصي مبتعدا وسط الزحام و**ت بشر لدقائق قبل أن تمتد يده وتربت على ذراع ليل العضلي ويقول بل**ن العارف " وقف عن **تك، أنت تضغط على نفسك لدرجة ستجعلك تنفجر بجنون، أرح ص*رك من أثقاله قليلا، ثباتك هذا آخر ما قد ي**عني، لا أعرف متى ستتحدث أو إلى أين تظن **تك سيأخذك لكن صدقني أنت هكذا تضر نفسك قبلها" لم يظن بشر أنه سيتلقى إجابة ليصطدم بعد لحظات به يقول "الكلام لغيرها ليس حلا، فلا ثقل يعادل رؤية المسافات بيننا تتعاظم، أنا لست صامتا بل أنتظر بصبر تعلمته من حياتي التي كانت تهديني الصدمات تباعا، أنتظرها أن تهدأ لأنني أحتاج أن أثور" لم يجد بشر ردا لما يراه، لم يجد سوى انبهارا بقوة هذا الغريب الذي يحمل نفس الدماء فربت على ذراعه مجددا بنفس القوة ولكن هذه المرة كان قد أخذ قراره بال**ت