الفصل الحادي عشر

3045 Words
يا ساعتي الرملية يتسرب منكِ زمني كتسرب رمالك ولا أبالي، فكيف أبالي بعمري بدونك وكيف أبالي بزمن خالي، ففي بعدك أنا معزول عن الحياة التحديات دائما ما تقابلنا في بداية كل طريق، دائما ما تكون مرحلة وستمر إذا ما استطعنا تخطيها، وهو تخطى بالماضي تحديات لا حصر لها، ومع مرور الوقت ظن أن طريقه لقيادة تلك العائلة أصبح ممهدا وسالكا ليتفاجأ أن تحديات طريقه كانت تقف على مسافات متباعدة لم تستطع عيناه الصقريتان ولا حنكته المعروفة أن تلتقطها، تحرك وقد تثاقل كتفاه وجلس على أريكة ضخمة في جانب المجلس يقول بهمّ "لا أصدق أن بعد كل ما فعلته تأتي فتاة صغيرة تهددني، هل رأيت يا نعمة كيف تحدثْن على المكاتيب؟ كيف يريدن فضها كأنها ليست عرفنا لسنوات، عرفنا الذي جمع بين آبائهم وآباء آبائهم" اقتربت نعمة وجلست بجواره تفرد كفها على ظهره بحنان وكفها الأخرى فردتها فوق كفه وقالت "الزمن تغير يا جعفر وأنت كجمل ع**د مصر أن يحمل على ظهره آثام الماضي، مصر أن يجذبها لعالم لم يعد يقبل بوجودها، إلى متى كنت تريدهن أن ي**تن؟" قال بغضب "أنا لم أظلم واحدة منهن، كل واحدة منهن تزوجت عزايزيا يحملها في عينيه، أزوجهن في داري وتحت عيني وإذا علمت أن رجلا أحزن زوجته أتعامل معه بما يجب قبل أن تفكر إحداهن أن تشتكي حتى، ماذا يردن أكثر من ذلك؟" شدت نعمة كفها على يد جعفر وقالت "يردن حرية الاختيار وهذا حقهن، أنت فعلا تزوجهن بنفسك لكنك لا تضمن لإحداهن السعادة، فكيف ستسعدهن إذا كنت لا تضمن أن تحب الفتاة منهن زوجها؟ لا تضمن إن أحبته أن يبادلها الحب ولا تضمن ألا يتزوج عليها وي**ر قلبها وكبرياءها لأنه تزوجها فقط من أجل أحكام العائلة، هل تظن أن الزواج إذا فرض فرضا وتم كصفقة سيكون أساسا سليما لبدء حياة سليمة؟ أرجوك يا جعفر انظر للأمر من زاوية أخرى" قال بصوت معترض "أي زاوية يا نعمة وهل تظنين أنهن يعرفن أين مصلحتهن؟ يثورن إذا تزوج الرجل وهذا شرع الله ويأتين ليقفن في وجهي وهذا ما لم يفعله أعتى الرجال، أنا الآن موضوع بين المطرقة والسندان وهذا موقف لم أُضع به من قبل" انفعلت نعمة وهي تقول "وهل شرع الله للرجال فقط؟ يا جعفر أين قلبك وعقلك من هذا الأمر؟ أنت لست الشيخ رشيد بقسوته، هل نسيت أن هذه المكاتيب وهذه الأعراف كانت ستفرق بيننا في الماضي؟ بل إنها فرقت بيننا لخمس سنوات ولكن الله كان رحيما بنا حين توفت والدة منير وهي تلده وإلا كنت لتكون متزوجا غيري" قال بخشونة غير مقصودة وهو يرفع كفها لشفتيه يلثمها "لم أكن لأفعلها، كان قلبي سيقف من الرفض" قالت بحزن "أرأيت؟ كان قلبك سيقف لكن ل**نك لم يتحرك من الخوف، أتعرف يا شيخ أظن أن ما فعلته الفتيات بك هو ما كان عليك أن تفعله بالشيخ رشيد في الماضي لكنك تخاذلت، لذلك يجب أن تدعمهن لا أن تسير على نهج من سبقوك معصوب الأعين تخطو فوق قلوب وأرواح فتيات قد يكن بهن واحدة مثلي تعشق زوجها وواحدة مثل ابنتك ستتزوج رجلا لا تطيق رؤيته" وضع جبهته على كفها بتعب وقال "أنا متعب يا نعمة، متعب ولا أستطيع اتخاذ قرار، الأمر ليس بالسهولة التي تظنينها، الأمر أكبر مني ومنك" اقتربت نعمة منه أكثر فداعبت أنفه رائحتها المريحة لأعصابه وقالت "لا تفكر كثيرا يا جعفر، على أي حال أنت لن تقبل بأن تثار فضيحة ضخمة للعائلة، كل ما حولك الآن يدعوك للرضوخ للحق فلا تجادل" هز رأسه بعنف وهو يقف ويتحرك تجاه النافذة والأصوات بالخارج تزداد حدة ويقول "مستحيل، لقد أقسمت ألا تتزوج فتاة منا من خارج العائلة هذا أمر مفروغ منه، تلك الفتاة ظُلمت رغم أنها كانت تحت كنفي وسأعوضها عن هذا فالشيخ لا يقبل بالظلم لكن لمصلحة العائلة يجب أن تظل ميتة، اذهبي إليها وأخبريها أنه ليس تفاوضا بل أمرا، أنا سأفض المكاتيب ولكن بشروطي وليس لها اختيار، عليها أن ترضخ فقط" **ت ملأ المجلس فاستدار جعفر ليجد نعمة تجلس مكانها وتضع يدها على قلبها فقال بفزع وهو يقترب منها "هل أنت بخير؟ ما به قلبك؟" نظرت له بأعين أذابت عظامه فرفع كفها وهبط برأسه يقبل موضع قلبها وهو يسمعها تقول "هل ما سمعته حقيقة؟ أنت ستفض المكاتيب؟" كان وجهه مهموما لأبعد حد كأنه يدرك أنه أخذ قرارا ليس بالهين إطلاقا وقال "نعم يا نعمة سأفعلها لكن لتعلمي أن لي شرطين لن أتنازل عنهما" وكأنها لا تهتم أهدته نظرة مضيئة مطمْئِنة ومطمئنّة فقال "الأول أن تختفي تلك الفتاة ما دام أصبح لها حياتها ولا تحتاج لأي مساعدة فلترحل الآن عن أرض العزايزة ولا تفكر أن تعود أو أن تخبر أحدا بما أخبرتني به" سقط قلب نعمة من الشفقة على الفتاة التي ستُنبذ للمرة الثانية وتطرد من رحاب عائلة لم تقدم لها إلا الألم، أكمل قائلا "والشرط الثاني أني سأفض المكاتيب لكن لا تفكر إحداهن أني سأزوجها لرجل غريب" عبست نعمة فشرح قائلا "المكاتيب ستنفض بحيث لن نحدد من سيتزوج مِن مَن بل سيكون الأمر مفتوحا وشباب العائلة كُثُر من يريد فتاة فسيطلب يدها مني شخصيا ولها حق القبول أو الرفض ولكن لن أدخل بيننا غريبا، فيكفي زوجة ابنك التي يجب أن تخرج من بيننا في أسرع وقت" قالت نعمة بفزع "جعفر ماذا تقصد؟" رد عليها بصوت قاطع "أقصد أني سأقيم مجلس الرجال الآن لأحفظ ماء وجهي، وسأتحمل قدوم الفتيات بدون علم أسرهن وسأدير الأمر بطريقتي، رغم أن الأمر ليس بالهين أبدا لكن مقابل ذلك سيرضخن لشروطي وسيتكتمن على حقيقة وجودهن هنا" وقفت نعمة وقالت "وحورية؟" رد جعفر بغضب "الأمر صعب يا نعمة، أنا حاليا لا أدرك ماذا سأواجه من رجال العائلة ولا كيف سأدير الأمر وإن ذكر اسمها في وسط ما يحدث ستكون إهانة لي ولزوجها وللعائلة بأكملها، ستكون هي من عبثت بعقول الفتيات وسيصبح فض المكاتيب مستحيلا، يجب أن يظهر الأمر وكأن القرار قراري بدون تدخل أو ضغط" تجهم وجه نعمة ليُطرق الباب بأدب فاستدار جعفر يقول "ادخل" دخل أحد رجاله يقول "يا شيخ، رجال العائلة يتوافدون والكل يسأل عنك وعن الشيخ عبد الرحمن والسيد منير" رد عليه جعفر "انصبوا الصوان وأعدوا الولائم بأسرع وقت ومن يسأل عني أخبره أني أمرت باجتماع عاجل ولن أخرج إلا عند حضور الجميع ولا أريد أن أرى أحدا سوى عبدالرحمن ومنير، أريد أن أراهما فور وصولهما" قال الرجل "أمرك يا شيخ" ثم انسحب فالتفت جعفر لنعمة وقال "سآمر الرجال أن يوصلوكِ لمنزل هاشم القديم، أريدك أن تخبري جميع الفتيات بما أخبرتك به وبالنسبة للطلاق لن أمانع مادامت قد استحالت العشرة وكل واحدة منهن لديها أدلة قاطعة وأسباب قوية من الصعب الجدال فيها" اقتربت نعمة من جعفر كأنها تشعر بأي دوامة يلقي بنفسه وتلمست ص*ره بحنان فضمها بقوة يتمنى لو أنه يتلاشى بين ضلوعها ويصير جزءا منها تاركا كل هذه الهموم خلفه، قالت بهمس لامس شغاف قلبه "ربي وقلبي معك، كن على يقين أن طريق الحق وضّاءً بيّناً فلا تخشَ في الحق لومة لائم يا جعفر" قبل جبهتها وحرك شفتيه فوق جبينها وقد فاضت أحاسيسه وهو يهمس "أريد منير وعبد الرحمن، يجب أن أتحدث معهما قبل بداية الاجتماع، فلن يكون مقنع أبدا أني أخذت قرارات لا يعلم عنها ولداي ولا يوافقانني بها" هزت رأسها بتفهم فنادى الشيخ على أحد رجاله ليجهز سيارته وسيارة رجال تتبعها لمنزل هاشم وهو يشعر أنه في امتحان صعب ما بين الوقت وال*قول الملاذ كلمة تعريفها تحدده عقولنا وقلوبنا، لا تعريف موحد لها سوى أنها حيث الأمان، حيث سن*دأ وتبرأ روحنا الجريحة من الآلام، حين نسكن ونلقي كل وجع خلف ظهورنا، حين نعدو إذا قست علينا الأيام ولم ترحم ضعفنا وضياعنا، وآخر ما كانت تتوقعه أن يكون حضن تلك الصغيرة ملاذها، أن تضمها باحتياج شديد كما تفعل الآن وكلها أمل أن تتلاشى في ذلك الحضن وتختفي من أمامه ومن أمام عينيه، حين نطق اسم رائف بكل هذا الغضب والكره كانت تريد أن ترد عليه، أن تصرخ به ليتك كنت هو، ليتك تفهمني مثلما يفعل، لكنها **تت تضم تولين لص*رها وتشيح بوجهها بعيدا عنه كأنها تخبره أن ثورته ليس لها بداخلها صدى ولكن هذا التجاهل قد أوقد مراجل جنونه فصاح بصوت كاد يهدم الجدران "ماذا؟ هل فقدت الذاكرة مجددا ولا تعرفين عمن أتحدث؟ أتكلم عن ذلك الو*د الذي كان يحوم حول القصر منذ عدت، ذلك الذي كان يمسك بيدك ويسحبك خلفه وأنت تتبعين خطاه، ذلك اللعين الذي عدت معه إلى مصر" لم تلتفت له وظلت تشيح بوجهها ناظرة للجدار بجمود فصرخ "تولين" كانت تقاوم انفجارها هي أيضا، تحاول أن تتشبث بعقلها وتستحضر ألم الجرح الغائر في رأسها لكن للأسف كل ما كانت تشعر به هو ألم ص*رها، ألم جارف يدفعها للجنون، لكنها ستقاوم و**تها أهلك فاقد الصبر الذي يناظرها بحرقة لا تخفى على عين بشَر، صاح كوحش هادر "اعترفي بما تخفينه وأخبريني كيف بقي هو بجوارك وليس أنا، أخبريني هل سنوات معاناتي هذه كانت هباء؟خدعة؟ وهم؟ يا الله كيف استطعت فعل هذا بي؟ كيف؟" لم تعد تحتمل، أقسمت أن تقاوم لكن دور الضحية الذي يؤديه أمامها جعلها على حافة الانهيار، بمنتهى الهدوء تحركت تسحب تولين التي كانت تبكي وترتجف بين ذراعيها خوفا من منظر والدها واتجهت لباب الغرفة فوجدت الفتيات يحتشدن على المدخل، ولا واحدة منهن خطت للداخل وصرخته المرعبة نفضتها هي والصغيرة معا قائلا "لم يعد هناك أسرار، كل شيء سأعرفه الآن" كان قلبه كأنه عصفور أصابه سهم غدر فصار ينتفض، هل كانت كارما كاذبة؟ أم تولين هي من كذبت أم هو من يسهل خداعه فيكذب عليه الجميع؟ جدران الغرفة تطبق على أنفاسه ليتفاجأ بها تستدير إليه بعنف لتقول "اخفض صوتك، لنخرج الصغيرة وبعدها سنرى من منا المخدوع" قوة جبارة يتخللها ألم جعلها تضيق عينيها وهي تستدير وتنخفض على ركبتيها تبتسم للصغيرة وتقول "ليس هناك جنيات تبكي، الجنية إذا وجدت الألم تفر هاربة ولا تبقى لأن دموعها أغلى من أن تنسكب على وجنتيها، اذهبي لإخوتك والعبوا سويا فوالدك غاضب لأنه خسر اللعبة، لا تحزني فوالدك ليس لديه روح رياضية ولا يتقبل الهزيمة بع**ي تماما، أليس كونك جنية شيئا رائعا؟" نظرت الفتاة لوالدها الذي بدا مخيفا جدا لأول مرة في سنوات عمرها التي قاربت الخمس، ثم نظرت لتولين وهزت رأسها بالموافقة فأهدتها تولين نظرة فخر وهي تمسح وجنتيها وتقول "اذهبي إذاً إلى إخوتك، لا تبكي" ضمتها الفتاة وقالت بارتجاف "هل سترحلين وتتركينني؟" توسعت أعين تولين بصدمة لم تعادل صدمة المراقب للمشهد وقالت "ولماذا سأفعل؟" همست الصغيرة "لأن أبي يصرخ بك ويحزنك" عضت تولين شفتها السفلى بقهر وهي تود لو تنفجر بالبكاء وقالت "أنا أحبك يا تولين ولن أتخلى عنك أعدك، لا أريدك أن تخافي أبدا فنحن حين نحب نتمسك بمن نحبهم مهما حدث ومهما حزنا، الحب أقوى من أي شيء وحب الجنيات فيه سحر يجعله لا ينتهي" كانت أعين الفتاة تلمع بفرح فدفعتها تولين للخارج لتتحرك الصغيرة بهدوء واطمئنان فتتلقفها يد عزيزة لتأخذها إلى الغرفة التي اجتمع بها الأطفال. تتحرك وجسدها يرتجف وبداخلها يقين أن المواجهة لن تمر بسلام، فالوحش الثائر لا يدرك أن الفراشة الناعمة تستطيع أن تعبر إلى أنفه الذي ينفث منها النار ف*نشر ألمها وتلقيه على الأرض بلا حول ولا قوة بمجرد خروج الصغيرة من الغرفة التفتت تولين لبشر وهي كالمغيبة، لم تكن لتشعر بجرحها فالمسكن القوي الذي حقنت به لم يختفِ مفعوله بعد، نظرت له بتحدي قائلة "أخبرني مجددا كيف خدعتك" كان الحديث صعبا والمشهد الذي رآه بينها وبين ابنته يحرك بداخله شعورا غريبا، كان بص*ره ألف قلب تسارعوا في النبض فقامت من حركتهم المنفعلة حرب مشاعر شعواء، لم يدرِ لما **ت بعدما كان يصرخ بجنون لكنها لم ت**ت وقالت "لماذا **تّ الآن؟ أخبرني مجددا كيف خدعتك وكيف عانيت من خداعي، فلتخبرني يا عمي بسنوات معاناتك كما أسميتها" صرخ بها "أنا لست عمك" صاحت به بقوة "أنت من سن عمي، إذا ً أنت عمي هذا أمر محسوم ووقوفي أمامك الآن لأسمع صراخك الغير مبرر ليس إلا احتراما مني لفرق السن بيننا، إذاً ماذا كنت تقول؟" صفعة أطاحت بكبريائه فسقط بين قدميها وهو كتمثال مل الألم فاستسلم يشاهد مِيْتته الجديدة وهي تحرك رأسها بسخرية وتقول "أتتهمني بخداعك؟ وبالهرب منك؟" لم يُجِب فاقتربت تض*ب ص*ره بقبضتها ض*بة جعلته يعود للخلف خطوتين وهي تقول "نعم، فأنت لم تُلقَ في صندوق شحن غارقا في دمائك **لعة ليس لها ثمن ولا صاحب، لستَ من عطف عليه الآخرون بالعلاج لشهور حتى تقف على قدميك، لستَ من وجد نفسه تائها في بلاد الله وإخوتك يتزوجون ويكملون حياتهم كأنك لم تكن، الإنسان الذي كان يجمع لي من النجوم عقودا ويهديني إياها تزوج وزوجته حُبلى كأن من رحلت ليست سوى كلبة ،كلبة حين اختفت أراحت كل من حولها، ليس لك الحق أن تحاسبني فأنا لم أحاسبك أبدا، أنا من تخليت عن حقي فيك حين قررت أني لن أعود و لن أعطيك الحق أن تحاسبني أو تتهمني بشيء في خيالك المريض، ارحل يا بشر وكأنك لم ترني، اعبر ودعني بسلام فلست بقادرة على ما تنتويه" لم يكن بيده قرار إلا الخوض فيما تجهله فصرخ بعنف لم يكن يقصد به سوى أن يخرج ما يعتمل بص*ره "أنت لا تفهمين ما حدث، أنت لا تدركين كيف سارت الأمور حينها، ليتك عدتِ، الأمر ليس كما تظنين فلقد خدعتْني" صرخت به وهي تضم قبضتيها وتض*ب قدمها بالأرض "الجميع ي**عك، الجميع يؤلمك وأنت بريء، لماذا كنت تريدني أن أعود؟ ماذا كان سيحدث وبماذا كنت ستبرر؟ أخبرني، لقد كانت حاملا زوجتك وحامل وأنا ميتة ليس لي وجود أو مكان، ماذا كنت تريد أن أعود وأقول لكم؟ أنا مازلت حية أرجوكم أعيدوني بينكم، أرجوكم لا تتخلوا عني، ثم بأمر المكاتيب اللعينة أصبح زوجة ثانية لسيادتك، لا لا لم أكن لأفعلها حتى لو كان الثمن أن أتوارى تحت الثرى فعلا، لم أكن لأفعلها يا بن عمتي لأن ما يجري في عروقي دماء العزايزة بكل ما بها من عزة وكبرياء، لقد أخذت قراري وانتهيت منك للأبد" كانت كمن يمسك رمحا طويلا وكل كلمه تخرج من فيها تدفع به إلى قلبها أكثر ولم تكن تعرف أن الرمح عبر جسده قبل أن يصل إليها، كان كالعاجز ماذا يقول هل يعترف أن ابنته ابنه ليلة لا يذكرها؟ كانت عيناه ترجوانها أن ترحمه لكنها كانت كمن سيفارق، لقد شعر أنها تلقي حملها لأنها تريد أن ترحل أن تهرب وهو لم يكن ليتركها، تحرك يغلق الباب بعنف في وجه الفتيات ووقف خلفه يقول بصوت قاطع وقلبه ينتفض "ستسمعينني" نظرت تولين للباب بفزع وقالت "لن أسمع شيئا، افتح الباب" قال لها "بل سنتحدث والباب مغلق وما سيقال بيننا لن يغادر هذه الغرفة، ولتعلمي أني لم أكن لأقول هذا الكلام أبدا لكن من حقك أن تعلمي كل شيء، عليك أن تعرفي حتى ولو لم تصدقي لعلني أرتاح إذا أخبرتك، لعلني أجد بعض الهدوء داخلي، لعلني أستطيع أن أقترب" كان يتكلم ويده على قلبه كأنه يتألم وهي للأسف كانت كصدى لألمه وهذا الشعور كان يمزقها، قالت برفض وشفتاها مزمومتان بقسوة "مهما قلت ومهما فعلت أنا لا أريد أن أعرف، ولم يعد بإمكانك أن تقترب وقد افترقت دروبنا من سنوات، ا**ت وافتح الباب أريد أن أخرج فأنا معك أختنق، أموت" اقترب منها وعيونه كبركة دماء تنذر بهطول أمطار دموعه وقال "وأنا أموت، أقسم لك أني أعيش الجحيم، ألا تشعرين؟ أنا معذب ولا أجد لحالي خلاصا، تزوجت كارما بعد ضغط أعلم أنه قد يكون بنظرك سببا غير مقنع لكن لم يكن لتولين ذنب أن تأتي للحياة لتجد نفسها بدون أب" عبست ببراءة لا تدرك المغزى من حديثه، فنظر لها برجاء يتمنى أن تفهم ولا تضطره لنطقها لكنها جاهدت لتصل للمغزى وفي النهاية هتفت بذهول ودموعها تسيل "كيف بدون أب؟ ألست والدها؟" قال بحركة إقرار بأعظم ذنوبه "بلى أنا والدها" همست تولين بارتجاف "إذاً؟" لوهلة تسلل لها أمل كنسمة ناعمة طافت أرجاء قلبها لتأتي كلماته ناسفة لكل شيء "لقد حملت كارما بتولين مني بدون زواج" صرخة تقزز ورعب رهيبة خرجت من شفتيها وهي تقول "كيف؟ كيف؟" لم يكن سؤالا بل لوما عتابا على الأيام التي تحملها من دوامة لتلقيها في أخرى، لكنه اقترب برجاء وانحنى لاغيا فرق الطول بينهما وقال بصوت مرتعش "لقد استغلت لحظات ضعفي بعد فقدانك، كنت محطما تائها فاقدا للحياة، شبحا أسير بين الأحياء، أدمنت الخمر معتقدا أن الهروب من الواقع علاج، ولأني لم أتق الله أغلق في وجهي المخارج فصرت كفأر في دائرة يدور بلا هوادة حتى وقع في الفخ، صدقيني هذا ما حدث، أعلم أن كلامي لا يقلل من قذارة الأمر لكنها الحقيقة" هل الطنين برأسها سببه الجرح أم ما تسمعه؟ هل أنفاسها التي تختنق سببها ضيق الغرفة أم ما يقوله؟ رفعت عينيها إليه لتتزامن انزلاق دمعتها مع دمعته كأنهما على موعد وشاهدت شفتيه وهما تتحركان برجاء حارق ليقول "تولين، لا أعلم لماذا دائما مصابي فيك، لا أعلم لماذا دائما تتسربين من بين يدي كعمري الذي يجري ولا يهتم إن كنت أحياه أم لا، لا أعلم أي ذنب ارتكبت وأي معصية أعاقب عليها فيك فأنت أغلى ما أملك، ويا ليتني أعلم لأكفر عنها عسى أن يطوي القدر المسافات بيننا فأجدك تداوين جراحي يوما فقد مللت أن أل*قها كقط شريد، مللت الألم، مللت كل شيء في بعدك حتى روحي وقلبي فهما لا يتوقفان عن جلدي مطالبين بك" كانت نظراتها شاردة كأنها مغيبة، كأنها في عالم آخر، كأنها لا تسمع ما يقول، قال لها بتوسل "تولين" ولكنها لم تستجب فعاد يقول "أرجوك" لكنها ظلت شاردة ودموعها **يل من حمم يكويه، فأمسكها من ذراعيها يهزها بعنف وقد خشي أن تدخل في حالة صدمة وهو يصرخ "تولين" ليكون ردها صفعة غاضبة تنزل على فكه وهي تصرخ "ابتعد عني، لا أريد أن أراك، ابتعد، اتركني، أيها القذر اتركني " وقف طاهر بجوار مؤيد الذي تجاهل ببرود الحشد الواقف خلفه ووضع كل اهتمامه على كنزي التي تمسكت به كأنها وجدت ما لا يعوض بثمن وقالت "هل يمكنني العودة معك؟ هل هدأت الأوضاع بينك وبين جدي؟" قال مؤيد بإقرار "الأوضاع لن تهدأ يا كنزي، إنه ثأر بائت لسنوات وسيظل ممتدا مدفوعا بكره من طرف جدك لا أفهم له سببا" قالت له برجاء "تستطيع أن تنهي كل شيء، أنا لا أحتاج لذلك الميراث فأنا أعلم أنك بجواري مهما حدث وهذا الأهم، لا داعي لتضيع سنوات قادمة من شبابك في حرب ليس لك بها ناقة ولا جمل، أنا لا أريد أن أظل في هذا الوضع أكثر" قال لها "أنت ومالك مسؤوليتي وأمانة في عنقي، أمانة لن أتخلى عنها مهما حدث، لو كان بميراثك قشة تخصهم لكنت أعدتها لكنه ميراث والدتك من والدتها التي تنازلت عنه لابنتها وهي حية ترزق، أنا أعلم أنني لو تنازلت مرة لن تكون الأخيرة وهذا ما لن أفعله، ستظلين في كنف أخيك بكرامتك رافعة رأسك يا كنزي حتى أموت" شهقت بألم وهي تتعلق بعنقه بقوة ليضمها ويقول "لنرحل" فتقول له بخوف "لن أرحل بدون حور، من المؤكد ستعود معنا فلم يعد لها مكان هنا، حرك مؤيد رأسه بتفهم ليقول أسد بحرقة لعاصي "هل أنت موافق على ما يحدث؟ إنه على أرضنا ويمكننا نسفه لو أردنا" كان عاصي كمن رأى شبح الموت يقترب حين رمته ببرود عينيها فتحرك فكه بآلية يقول "هذا أدعى ألا ندخل باشتباك معه فأرضنا يجب أن تكون أرض الكرم لا يهان بها ضيف، ثم هل تنقصنا مصائب؟ تخيل لو علم الشيخ أنك أهنت ضيفا بأرضه ماذا سيفعل" **ت للحظة ثم قال بصوت مختنق "ماذا تظن أنهن أخبرنها؟ هل رأيت كيف نظرت لي؟" زفر أسد وأنفاسه كانت كنيران قاتلة وقال "لا أعلم ولا أذكر ماذا رأين وماذا اعتقدن، لقد كنت عاري الص*ر، لا أصدق، أنا أكثركم تورطا، بحق الله هل سنقف هنا كثيرا؟" قال صفي بلهفة "أريد أن أطمئن على زوجتي، لا أصدق! بيني وبينها خطوات وأنا أقف هنا مكتوف اليدين، لماذا لم يخرج بشر؟ ماذا يحدث في الداخل؟" نظر منذر لصفي ليجده يقف وعيناه على المنزل يهز قدمه بتوتر فيما ضم ليل ذراعيه لص*ره وبعيون ضيقه وصبر يظهر لمن يراه لكن لمن يشعر به يبدو احتراقا، قال صفي بنفاذ صبر "أنا ذاهب إليها" التفت له ليل وهم بالتحدث لكن صوت سيارات تقترب لفت أنظار الجميع
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD