الفصل التاسع

1031 Words
قالت نعمة "لم أظن أن الأمر سيصل بينك وبينهن إلى هذه الدرجة، لقد جئن يطالبن بتنفيذ شرع الله يا شيخ، فما لي أراك تحيد عنه؟" توسعت أعين جعفر بغضب وقال "نعمة" نظرت له نعمة وقالت "لا أجد ضررا فيما يطلبن يا جعفر، حررهن من هذا الوهم حرر ابنتك من مصيرها الأ**د يا جعفر، نحن لا نطلب منك أن تعصي الله أو تعطيهن الحق بالتحرر والخروج عن إطار العائلة، ها هن جئن إليك يطلبن منك أن تراعي الله فيهن وفي مصائرهن" قال جعفر بغضب "تقصدين جئن للي ذراعي وتهديدي" قالت نعمة بهدوء "أنت من أوصلتَهن إلى هذه المرحلة برفضك وتعنتك رغم أن طريق الحق واضح، الفتاة لم تكذب يا جعفر، نفوذك وسطوتك لم ينقذاها من مصيرها الأ**د، عليك بأن تفكر أن فض المكاتيب أصبح في صالح الجميع وأن تفعل هذا بإرادتك الحرة أفضل من أن تفعله لتلاشي فضيحة أنا وأنت نعلم كيف من الممكن أن تهز صورة العائلة ونصبح من بعد هيبة وعزة لقمة سائغة تلوكها الأفواه" نظر لها جعفر بصدمة وقال "هل تهددينني أنت أيضا يا نعمة؟" رقت نظرات نعمة وقالت "وهل أستطيع يا جعفر؟ هل تظن أنني أستطيع يوما أن أقف بوجهك؟ أنا فقط أحاول أن أنقذ ابنتي التي تغرق في حزنها وقهرها، ألا تستحق ابنتي رجلا يعشقها مثل والدها؟ ألا تستحق أن تكون نعمةً بحياة رجل يشكر الله كلما وقعت عيناه عليها؟ ألا تشعر بابنتك يا جعفر؟ إنها غفران يا جعفر، بل كلهن غفران يا جعفر، أنا لا أهددك بل أرجوك أن تحل المكاتيب وترحم بناتي" ظل ينظر لها بضعف وحيرة، ليتفاجأ بغفران تجري عليه وتنحني وتقبل يده بحرقة وتقول "أرجوك يا أبي، أرجوك، أعلم أنك تستطيع أن تفعلها لأجلي ولأجلهن، أعلم أنك أطيب من أن ت**ر خواطرنا، من أن ترانا نظلم وتقبل بهذا، الأعراف ليست شرائع علينا الالتزام بها، أرجوك يا أبي" كانت غفران تبكي بحرقة أوجعت قلبه لتدمع أعين نعمة كأنما ألقي عليه من مدامعها ماء نار يكوي ولا يرحم، كانت تولين ملقاة على الأرض تنزف والرؤية مشوشة والأصوات تكاد لا تصلها من شدة الألم وحولها أخواتها يجلسن على الأرض يحاولن كتم الدماء التي تسيل منها بشدة فقالت بلقيس بصوت متعب ولكنه اخترق أذن جعفر "حين قالت سمراء أنك تبخسنا بزواج المكاتيب فهي لم تكذب، فأنا لم أترك البيت لزوجي الذي أعشقه والذي احتملت منه ما لا أطيق إلا حين اكتشفت خيانته، وليست خيانة ماضي يا شيخ، لقد رأيته بحضن راقصة، لا أستطيع أن أشرح لك فجاجة المنظر ولم يكن بمفرده بل كان هو وإخوته، كأنما قد ضمنوا أن المكاتيب لن تعطنا فرصة لنعترض أو نثور، ومن تتكلم ستظل كالمعلقة ليس لها طلاق ولا حياة، إلى هذا الحد بخس ثمننا بنظرهم، إلى هذا الحد أعطتهم المكاتيب الفرصة ليتهاونوا بنا وبقلوبنا، لا أعتقد أنني سأتراجع أو أشعر بأني ارتكبت خطأ، عليه أن يعلم أنني أستطيع أن أرحل وأنه إن أخطأ سيفقدني و للأبد" لحظات **ت ملأت أركان المجلس إلا من تأوهات تولين الخافتة قبل أن يقول جعفر "نعمة، أريدك بمفردك، أرسليهن لمنزل هاشم العزايزي القديم، لا أريد لأحد أن يراها حتى أقرر ماذا سأفعل" ساعدت الفتيات تولين لتقف بصعوبة فقالت "أتمنى أن تسرع بقرارك يا شيخ، فكل الفتيات في الخارج جئْنَ بدون علم أسرهن وقبل دخولنا إليك كل واحدة منهن أرسلت رسالة إلى أسرتها تبلغها بوجودها هنا، ساعات وستنقلب أرض العزايزة وتمتلئ بالرجال القادمين بحثا عن بناتهم وزوجاتهم، وساعات قبل أن أعلن عن هويتي" ثار جعفر فأسرعت نعمة تقول لغفران وتبارك التي تقف بجمود "خذاهن للبيت القديم وابقيا معا هناك حتى أطلب حضوركن أو آتي إليكن" نظرت حورية لنعمة كأنها تسألها على ماذا تنوي لكن لم يكن الوقت مناسبا للإفصاح، لم يكن مناسبا لشيء سوى الانسحاب، خرجت الفتيات بتولين الغارقة بدمائها من الباب الخلفي للمجلس فيما أسرعت حورية و أسمهان لتجلبا الأطفال والحقائب وكنزي التي لم تتمالك نفسها وبكت بقوة حين شاهدت منظر صديقتها الدقائق مرت قبل أن يصلن للمنزل والكل يسرع لجلب علبه الإسعافات الأولية للتعامل مع جرح تولين، أجلستها كنزي على سرير في إحدى الغرف وهي تقول بانهيار "الجرح غائر، سيحتاج للتقطيب، أحضرن لها طبيبا" قالت غفران بتوتر "أقرب طبيب سيحتاج لوقت طويل ليصل، وهي تنزف منذ مدة" قالت سمراء لعزيزة "لا تدعي تولين تدخل لها وهي بهذه الحالة واجلبي لي أي شيء به نسبة سكريات عالية لتعويض هذه الدماء" تدخلت تبارك قائلة "أعتقد أن بهية يمكنها مساعدتنا، فقد درست في كلية الطب البشري" التفتت لها أسمهان وقالت "أحضريها، أين هي؟" ردت غفران "في المنزل الكبير، تركتها تشرف على المطبخ، ليس معي رقم هاتفها" قالت أسمهان "سآخذ تبارك ونذهب لنحضرها، لن نتأخر" اندفعت تولين الصغيرة من خلف عزيزة فجأة نحو الغرفة تقول "أريد أمي أين هي؟" لتصرخ الصغيرة بفزع وهي تشاهد دماء تولين التي لم تستطع إحداهن السيطرة عليها فسحبتها عزيزة نحو الغرفة التي يجلس بها الأطفال برفقة بلقيس الساهمة، وحورية التي تكلم طاهر في الهاتف وتقول "إنها بخير لا تقلق، أقسم لك، الجرح سنتعامل معه" قالت عزيزة تقاطعها "لا تخرجي تولين فجرح تولين غائر والنزيف لا يتوقف وأسمهان قد ذهبت لتجلب لها طبيبة" تحركت حورية تأخذ تولين ليقول طاهر بصوت قاطع "أنا قادم، أين أنتن؟" قالت حورية برجاء "طاهر أرجوك، لا داعي لقدومك أنا سأرعاها لا تقلق فهي مثل سما تماما" قال لها "أشك أن تجدي طبيبا لن أتأخر، أهم شيء حاولي كتم النزيف حتى أصل" أغلق طاهر الخط وترك حورية تواجه صراخ تولين الشديد المتعنت الذي أرعب باقي الأطفال فاضطرت صاغرةً أن تعيدها لأحضان تولين التي ضمتها بحب غير عابئة بألمها على مشارف البلدة كانت السيارات تتوافد بطريقة جعلت الوصول للبيت الكبير يتطلب وقتا لشدة الزحام، أمر الشيخ أن يقام صوان ضخم وتقام الولائم إكراما للوافدين رغم أنه أمر ألا يدخل أحد عليه المجلس حتى يأمر، نظر الشباب الذين انقسموا في سيارتين إلى الزحام المحيط بهم بحيرة وذهول وقد تعرفوا على أغلب الرجال فهم من العائلة يعرفون بعضهم إلا قليلين لم يحالفهم الحظ ليلتقوا كثيرا، قال بشر بعصبية "لن نصل إلا بعد ساعات، ما كل هذا الحشد؟ هل هناك اجتماع؟" قال عاصي بحيرة "حسب علمي لا، لقد هاتفت سالم محاولا أن أستشف منه أي شيء لكن يبدو أنه لا يعلم أي شيء، لقد كان بمنتهى السعادة يخبرني أنه متحمس للنسب الذي اختاره الشيخ لك وأن علينا أن نبدأ بفرش الأجنحة الخاصة بنا استعدادا للزفاف" توحشت أعين بشر وقال "إذاً لم يذهبن إليه، أين ذهبن بحق الله؟" رد أسد بغضب "ماذا سنفعل الآن؟ هل نمسك مكبر صوت ونقول فتيات تائهات؟ لم يكن علينا القدوم إلى هنا إلا حين نتأكد أنهن هنا" قال ليل "وكيف كنا سنتأكد؟ لم يكن أمامهن مكان للذهاب إليه، لكن وسط هذا الزحام أجد أن من المستحيل البحث عنهن، الأمر يتعقد أكثر"
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD