الفصل الخامس عشر

4931 Words
في البيت الكبير دخلت غفران تحمل صينية تراصت عليها فناجين القهوة وخلفها تبارك تحمل صينية فوقها بعض التمور والم**رات فيما جلست نعمة بجوار جعفر في ص*ر مجلسها، ومنار بجوار عبد الرحمن وبالجانب الآخر يجلس منير محني الرأس متراخي الأكتاف في منظر مؤلم لأعين الجميع إلا عبد الرحمن الذي قال "منير، لماذا لم أرَ حورية؟ هل ذهبت إلى المصنع في يوم كهذا؟ بصراحة من الجيد أنها فعلت فضغط العمل ما شاء الله يحتاج لوجودها" رفع منير عينيه يتأمل أخيه عاجزا عن الرد ليتولى جعفر الحديث ويقول "حورية سافرت إلى القاهرة" عبس عبد الرحمن وسأل "خير إن شاء الله، ما سبب هذا السفر المفاجئ؟" أشاح منير بوجهه تاركا لأبيه شرح الأسباب ليفاجئه جعفر وهو يقول "أظن هناك أمر طارئ يخص أختها اضطرها للسفر، ومنير اضطر أن يبقى لحضور المجلس" قال عبد الرحمن لمنير "المجلس انتهى لماذا لا تلحق بزوجتك؟ أظن أنها ستحتاجك بجوارها" قال جعفر بصوت قاطع "لن يتحرك أحد منكم حتى ننتهي مما نفعل، الأمر لم ينتهِ بعد" عبس عبد الرحمن وقال "ما الذي لم ينتهِ يا أبي؟ فكل شيء تمّ كما أردت وأكثر" قال جعفر وطرف عينيه يرصد **ت منير الموجع "أريد تكليل هذا الاجتماع بزواج قريب، لا أريد أن يظل إلغاء المكاتيب قرارا مع وقف التنفيذ فإذا طبقنا الأمر على فتاة واحدة سيكون هذا أكبر دليل أن كلامي كان قرارا قاطعا لا رجعة فيه" **ت جعفر للحظة وغفران تقدم له فنجان قهوته الذي أخذه منها وبدون تفكير قدمه لنعمة مراقبا أصابعها البيضاء وهي تلتف حوله وقال "كل فتاة تقدّم لها عريس اليوم أريدك يا منار أن تتكفلي بإبلاغها وإعطائها وقتا للتفكير حتى نهاية الأسبوع، وسنعلن يوم الجمعة بعد الصلاة عن أن أفراح العائلة ستقام نهاية الأسبوع القادم فلن أؤجل الأمر أكثر من ذلك فأغلبية الرجال ليس لديهم وقت للسفر والعودة لذلك سنض*ب العصفورين بحجر واحد ونستغل تجمع العائلة" قالت منار "أوامرك يا أبي، في الصباح سأفعل إن شاء الله وسأتابع الأمر بنفسي" قال عبد الرحمن بتفكير "هناك فتيات تقدم لطلب يدهن أكثر من عريس، صراحةً قد صُدمت، فجأة تحول المجلس لجاهة عرس والشباب يتوافدون لطلب الزواج من الفتيات" ناولت منار عبد الرحمن فنجانه وعيناها ترصدان ملامح منير الصامت بحزن، فقال جعفر "صدقني ليس هناك واحد منهم أشجع من ابن سالم فلقد تحرك بلا خوف، أعلم أنه من شجع الباقيين للتحرك ومازلتُ أفكر لو لم يتحرك أكان تحرك أحدهم؟" عبس عبد الرحمن وقال "ذلك الشاب لا أستسيغه أبدا، فاعتبر طلبه مرفوضا يا أبي" سأل جعفر بقوة "هل هذا قرار تبارك؟" رفعت تبارك عينيها لجدها غير مدركة لما يدور لتجد والدها يقول بغضب "إنها ابنتي وسأزوجها لأي شاب من العائلة إلا هذا" سأل جعفر بغضب "ما الذي يعيب الشاب؟" قال جعفر بعصبية "كل ما به مستفز، أشعر أنه ليس منا، أبي الأمر منتهي ولا أظن أن لبنتي كلمة بعد كلمتي" رد عليه جعفر بعصبية "أي منافق تظنني يا بن الشيخ؟ ابنتك من بنات العزايزة اللاتي وقفتُ أمام مجلس مليء بالرجال الساخطين لأكفل لها حقها، فتأتي أنت لت**ر كلمتي؟" هز عبد الرحمن رأسه بعصبية وقال "يا أبي أنت تعلم أني لم أقصد شيئا، كل ما في الأمر أنني أريد لابنتي الأفضل" رد جعفر بجمود "مادام يحمل دماءنا واسمنا إذاً هو الأفضل إلا إن كان لد*ك سبب وجيه يجعلك تمانع وبتعنت أن تعطيه ابنتك" نظرت تبارك لغفران وقلبها يقفز كالأرنب تحرك رأسها بعدم فهم ليقول عبد الرحمن "يا أبي أنت تعلم أنني لا أطيق أحفاد رأفت وخاصة بعد ذلك الحادث الذي كدت أفقد به أخي وأختي، هذا غير أن عاصي العزايزي" **ت عبد الرحمن ينظر لغفران التي أشاحت وجهها بتوتر فأكمل "كنت سأقتله يوما ما لا أريد تلك لعلاقة المعقدة لابنتي، سيأتيها نصيبها عاجلا أو آجلا" كانت غفران تدور في دوامة الجهل ...تفكر من طلب يد من؟ فلا أحد من أحفاد رأفت يريد نسب الشيوخ سوى عاصي، غصت الدموع بعينيها والسؤال على طرف شفتيها كالغريق ولكنها تحاملت و**تت تستمع لأبيها يقول "انسَ كل هذه النزاعات فما فعله الشاب في المجلس يجعلني أعطيه ابنتك وأنا مغمض العينين" قال عبد الرحمن بغضب مكتوم "إذاً يا أبي ماذا تريد؟" التفت جعفر وقال "لا شيء سوى إخبار العروس وانتظار رأيها، ما رأيك يا حبيبة جدك؟" نظرت تبارك لجدتها التي كانت ترتشف القهوة ب**ت فأهدتها نظرة مشجعة لتقول "رأيي في ماذا يا جدي؟" قال جعفر بنوع من المزاح "رأيك في أن تتزوجي ذلك الشاب الشجاع الذي وقف بكل جسارة في ص*ر المجلس وطلب يدك وشجع الكثيرين على فعلها" حركت تبارك رأسها وقالت بعدم فهم "حسنا، ولكن من هو؟" ضحك جعفر وقال "نزار العزايزي" التفتت تبارك لغفران بذهول وهي تهمس "الخواجة!" حالة ذهول جمدتها وجمدت عقلها ليصدح صوت عبد الرحمن قائلا "صدقني يا أبي، ابنتي لن تخالف لي كلمة وهي تعلم أنني أدرى الناس بمصلحتها" أصر جعفر قائلا "ورغم ذلك ستأخذ وقتها في التفكير ولن تقترب منها أو تضغط عليها يا عبد الرحمن ويوم الجمعة صباحا ستبلغني شخصيا بقرارها" انتظرت غفران أن يُوجه لها الحديث، أن يخبرها أحد أن هناك فارسا طلبها هي الأخرى ولكن عبد الرحمن قضى على أملها وهو يقف ويقول "كفاك تدليلا لهما يا أبي، أنا ذاهب إلى المصنع لأرى كيف تسير الأمور وواثق أنه لن يحدث سوى ما أريد" قبّل عبد الرحمن رأس أبيه وأمه ومنار ثم التفت لمنير وقال له "لمَ لا تأتي معي؟" رفع منير رأسه بتعب وإجهاد وقال بصوت ميت "اعذرني يا أخي، أنا متعب وأحتاج أن أستريح، سأذهب لغرفتي" تحرك منير خارج الغرفة تحت أنظار الجميع القلقة فشعر عبد الرحمن بأن هناك أمرا غير طبيعي يحدث فأشار لمنار أن تتبعه وبمنتهى الهدوء خرج وهو يقول "السلام عليكم" تتبعه زوجته التفت جعفر لنعمة وقال "أما زالت القهوة ساخنة يا نعمةً من ربي؟" رفعت زرقتيها لعينيه وقالت "ليست ساخنة بل دافئة" لامس وجنتيها وقال "إنه دفء شفتيك، لماذا لا تدعيني أجربه؟" أبعدت نعمة الفنجان وقالت "لم يتبقَ به الكثير، سأعد لك فنجانا آخر بنفسي يا شيخ" قال بعناد "لا ..بل أريد هذا" قالت نعمة برفض "لقد بردت قهوته" عبس وقال "لأنك أبعدتها عن شفتيك، الثميه وأعطني إياه فأسكبه جمرا في فمي" ابتسمت نعمة بحب يربك النبض من سنوات وقالت "ما عاش من يكوي جوفك بالجمر، فمن يكوي جوفك بالجمر يكوي قلبي يا جعفر" وضع يده على قلبها وقال بلهفة "فديتُ قلبك يا قلب جعفر" كانت تبارك مفصولة عن الواقع فأشارت لها غفران المقهورة لتنسحبا فلم يعد لهما بهذه الجلسة مكانا لكن تبارك لم تستجب وهي تهمس بذهول "ذو الدماء الباردة!" سحبتها غفران بهدوء نحو الباب ليقاطعها جعفر قائلا "انتظري يا بنة نعمة" التفتت غفران لأبيها متوسعة الأعين لأن هذه أول مرة ينسبها لوالدتها فهي دوما كانت ابنة العزايزة، فسألت بذهول "خيرا يا شيخ" كان يشعر بتذبذبها ووجعها فقال "اقتربي وقبّلي يدي" بسكون تحركت تقبل يد والدها وقالت "أدامك الله لنا يا شيخ" **ت يتطلع لها بعيون أب محب وقال "لم تسألي عما إذا كان هناك خاطب لك، هل تظنين أن ابنة الشيخ لن تض*ب رقما قياسيا في طلبات الزواج؟" قالت غفران بحزن "يا أبي لقد سجدت لله شكرا أنني تخلصت من عدي ولا أفكر في الأمر الآن، سآخذ وقتا لأهدأ من كابوس عدي الذي كان يحيطني وبعدها يفعل الله ما يشاء" قالت نعمة بشفقة وهي تعلم أن عدم ذكر والدها لعاصي **ر قلبها "خذي الوقت الذي تريدينه فأنت مازلت صغيرة وألف شاب يتمناك" غصت غفران في دمعها وهزت رأسها ب**ت فسألها جعفر "هل هذا قرارك الأخير؟" هزت رأسها مجددا لا تقوى على الرد فقال جعفر "حسنا" تحركت غفران نحو الباب حيث تنتظرها تبارك التي تنظر لها بحزن ليأتيها صوت والدها يقول "أهم شيء راحتك يا غفران، أنت لا تعلمين ماذا لك في قلب الشيخ، إنك غفراني الكبير الذي جاء بعد أعوام من الجفاء كادت روحي أن تُزهق فيها، أنا فقط أشعر بالشفقة على ابن رافت الذي استمات ليعبر الحشود نحوي طالبا يدك لكن لا بأس سأخبره أنه لا يوجد نصيب فكما قلت أنت أهم شيء" وقفت غفران فجأة وكلام والدها **د أغلق الطريق فجعلها تلتفت وتنظر لوالدها بترقب لكنه تجاهلها وقال لنعمة التي أنار وجهها تدرك ما يفعله زوجها وقال "ألن تعطيني القهوة؟ سارعت غفران تقول "سأفكر يا أبي" التفت لها جعفر وقال "فيما ستفكرين يا ست البنات؟" قالت بإحراج "في عرض الزواج" رفع حاجبه وقال "حسنا لأخبرك بأسماء باقي الخُطّاب لتفكري جيدا" سارعت تقول "لا لا واحد يكفي، سأفكر فيه فقط أقصد في عرضه" ابتسم جعفر بخبث فأسرعت غفران تجري خارج الغرفة بحياء وتبارك تبتسم في سعادة لأجلها فنظر لها جدها وقال "لا تدعي والدك يضغط عليك بشأن الشاب، فكري جيدا فأنت لم تريه بالأمس كيف كان شجاعا لدرجة أن يكون أول رجل يتحرك نحوي طالبا يدك" احمر وجه تبارك وهزت رأسها بموافقة وخرجت تسحب الباب بيدها فقالت نعمة "انظر للفرحة في وجهيهما يا جعفر، أسعدك الله كما أسعدت قلوبهن جميعا" رفع كفها يلثمه وقال "اللهم أسعدني برؤيتك قربي حتى الموت، لا أريد أكثر من هذا ثم الأمر لم ينته عند هذا الحد فأنا قلق من القادم" نظرت له نعمة بثقة وقالت "أنا أعلم أنك تستطيع التغلب على القادم كما تغلبت على المكاتيب" قال جعفر بشرود وهو يفكر أن هناك رجال من العائلة وجوههم في المجلس كانت ممتلئة بالاعتراض والتمرد "أتمنى "سألته نعمة برجاء "جعفر متى ستعود حورية؟ ألا ترى ان**ار منير؟" رد عليها يتنفس هماً على حال ابنه "ستعود ولكن ليس الآن، أخشى حين يختلي كل أب بابنته وزوج بزوجته أن يكشف أحد السر، كما أنني تمنيْتُ لو أنها حسبت حسابا لان**اره هذا، أظن أن بعدها الآن في صالح الجميع وعسى الله أن ييسر الأمور" مالت نعمة رأسها على ذراعه فمال رأسه فوق رأسها وكلٌّ شرد في أفكاره دخلت تبارك غرفة غفران لتجدها تقف أمام خزانتها تمسك باب الخزانة بيد ترتجف فقالت "أنا سعيدة لأجلك وأكاد من فرط السعادة أطير، أريد حلاوة هذا الخبر خاتمك ذا الت**يم الفرعوني" لم تلتفت غفران فدموعها كانت تسيل ب**ت، فاقتربت منها تبارك تقول بمزاح "حسنا سأترك لك الخاتم لكنني أريد السلسال ذا القلب الأزرق" حين لم تُجِبْها غفران سحبتها لتواجهها فتفاجأت بها تبكي لتقول بفزع "لماذا تبكين؟ هل هذه دموع الفرحة؟ اهدئي أرجوك، أتبكين بسبب عاصي؟ إذاً ماذا سأفعل أنا بالخواجة ذي الدماء الباردة واللكنة العجيبة؟" شهقت غفران وقالت "أشعر أنني مشتتة وضائعة، هل يمكننا الذهاب لرؤية سمراء والفتيات؟" نظرت لها تبارك بتوتر وقالت "لا أعلم" جاءهما صوت منار تقول "أنا ذاهبة إليهن، من تريد القدوم معي فلتسرع بغسل وجهها وتغيير ملابسها، عبد الرحمن سيوصلنا قبل أن يذهب إلى المصنع" نظرت غفران لمنار بامتنان وتحركت نحو الحمام فيما اقتربت تبارك تضم أمها وهي تشعر أنها تتمنى لو رأته وسألته لماذا أنا أخاف رياح الرحيل، أخاف أن أفقد دفء روحي معها، ولكن هل بيدي أن أوقفها؟ إنها رياح ع**دة فلو ثُرت عليها سيكون ردها إعصارا سيقتلعني ويطيح بي في شقة تولين تجلس حورية بانهيار على أريكة جانبية فقد قررت أن تبقى في شقة تولين أفضل من أن تقيد حرية سما وزوجها وأفضل من أن تعود لشقتهما القديمة في الحارة وتبقي وحيدة، قلبها يحترق والأنفاس تصارع دقات قلبها، عذاب يحيطها والهاتف القابع في يدها يناديه ب**ت ولكنه صامت كقبر لا حياة به، لا صوت ولا صدى، دمعة ملتهبة سالت من عينيها القويتين فسارعت تمسحها وهي تنظر للأدهم النائم فوق السرير بعبوس كأنه يدرك أنه ليس مكانه فتحركت تدثره بإحكام ثم تحركت خارج الغرفة فوجدت كنزي منكمشةً على مقعد ويبدو أنها قد غفت فاقتربت منها تقول بلطف "كنزي، حبيبتي ادخلي لترتاحي بجوار الأدهم، آسفة أعلم أنني حللت عليكم فجأة هذا غير الظروف التي حدثت ولكنني خشيت أن أظل وحيدةً إن ذهبت لشقة والدي" أمسكت كنزي يدها برقة وقالت "لا تقولي هذا الكلام ثانيةً، لم نكن لنتركك لتذهبي هناك وتبقي وحدك ثم إن البيت كبير جدا ودائما منزل حور مفتوح للجميع، أنت لا تعرفينها جيدا إنها تحب كل البشر وتتمنى لو اعتبرها الجميع جزءا من عائلته، قلبي يؤلمني لأجله، أدرك حجم ما تعانيه ولا أستطيع مساعدتها" فرت دمعة حزينة من عين كنزي فمسحتها حورية وهي تقول لها "تماسكي أرجوك، أقسم أنني مذ رأيتها حين عادت من المقابر وأنا ضائعة، إنها تحتاج إلينا حولها، اللهم ألهم قلبها الصبر فهي إنسانة طيبة تستحق السعادة" نظرت كنزي لباب الغرفة المغلق والذي تنام خلفه تولين بعدما حقنها طاهر بمهدئٍ محاولا السيطرة على بكائها الهستيري والذي أدى إلى انهيارها وقالت "أظنها اليوم لم تكن تبكي عادل فقط، لقد كانت تبكي كل ما فقدته وكل ما تفتقده، مشكلتها أنها لا تستطيع أن تعبر جسر ذكرياتها والبدء من جديد، لسنوات وهي تحاول أن تظل واقفةً فوق كل ذكرى تحافظ عليها بقوة ظنا منها أن ما كُسِر قد يعود، قد تنكر حتى في نفسها أنها تمنت أن تعود لتجد كل شيء كما كان ولكنها صُدمت مما حدث، غ*ية لا تدرك أن دروب الألم مظلمة ولا شمس لها" تن*دت حورية وتحركت تجلس مقابلا لها وقالت "أنا لا أدرك قصتها جيدا لكنني أرى فيها فتاةً ذاقت من الألم الكثير، ان**ار عينيها وهي تحاول التماسك حين ودعت الفتيات ورأسها المحني بخيبة حين خرجت من البيت لسيارة مؤيد، يدها المفرودة على قلبها داخل السيارة حين صرخ بشر، كل هذا كان كفيلا بإخباري أن الحكاية ليست هينة، لسنوات عاشت مجهولة والآن ستكمل حياتها منبوذة وحيدة" قالت كنزي بانفعال "ليست وحيدة، الغ*ية التي في الداخل تبحث عن إخوتها وماضيها ولا ترى أن الله أبدلها خيرا منهم لذلك لا يجب أن تلتفت للخلف، أنا أختها وعائلتي عائلتها، أقسم أن مؤيد وعمر يخافان عليها مثلي تماما ولو كانت الغ*ية لينة لزوّجتها لعمر لتبقى معنا لنهاية العمر، ولكن حين عرضت الأمر عليها من سنوات ظلت تضحك وتسخر مني في حين أنني كنت أدرك أنها تهرب من الارتباط الجدي" عبست حورية بعدم فهم وقالت "كيف تهرب منه و قد تزوجت؟" **تت كنزي للحظات وقد أدمعت عيناها بشدة وقالت "الأمر معقد جدا، عادل وحور كانا كظلين بدون جسد وقد ظنا أنهما إذا اجتمعا سيكوّنان شيئا ملموسا واقعيا حقيقيا يستطيعان به أن يكملا الدرب معا، علاقتهما لم تكن علاقة زوج وزوجة بل إن ما كان بينهما يحيرني دوما ولا أجد ما أصف به الوضع غير أنه كان يحتويها ويدللها ويخاف عليها كأب ويحبها كعاشق، وفي المقابل كانت له أم وصديقة لا أكثر ولا أقل، كنت أشعر أنه كلما ناداها جنوني كأنه يصف حالة وليس مجرد لقب، إنهما فقط كانا كمن صنعا لنفسيهما عالما صغيرا لا يدرك أبعاده غيرهما" فرت دمعة أخرى من عين حورية تبعها سيل لم تتحكم به وقلبها كهوة سحيقة بص*رها يزأر بداخلها الفراغ، فانتفضت كنزي تقول بندم "آسفة لو كان كلامي قد أحزنك، أعلم أنك تشتاقين زوجك، أتمنى لو أن الأمور سارت بشكل أفضل لكن يبدو أنه فعلا كما يقال لكل حرب ضحايا" مسحت حورية دموعها بخزي من ضعفها الذي لم يتملكها يوما وقالت "أنا فقط أخشى أن يأخذ منير الأمر بطريقة تؤلمه، أنا لم أقصد إيلامه إطلاقا لكن لم يكن بيدي سوى مساعدتهن، من أجل غفران وتبارك وكل فتاة منهن، من أجل الأدهم وإخوته" **تت حورية تشهق بألم وضعف أخجلها إلى حد أنها تمنت أن تنشق الأرض وتبتلعها، نظرت لها كنزي بإشفاق ولكنها تحركت نحو الباب تفتحه بعدما سمعت طرقا لتجد ملاك تلبس عباءة سوداء بسيطة وحجابا أ**د وتحمل صينية كبيرة ويبدو أنها ثقيلة تقول لها برجاء "احملي معي" ساعدتها كنزي في إدخالها وهي تقول باستغراب "ما هذا؟" ردت عليها ملاك وملامحها الحزينة تجعلها تبدو ضعيفة "أمي وفرحة و هنا كل واحدة منهن أعدت طعاما لحور، وسارة أيضا أعدت طعاما و ستأتي حالا، أما زالت نائمة؟" قالت كنزي بهمّ "نعم، أتمنى حين تستيقظ أن تكون قد هدأت، لا أريد أن أراها منهارة مجددا" ردت ملاك بأمل "ستكون أفضل بإذن الله" ثم التفتت لحورية تقول "اعذرينا يا حورية على التقصير في الترحيب بك، أنت منا وكم أتمنى لو كان هذا اللقاء في ظروف أفضل" قالت حورية بلطف "حبيبتي لا تقولي هذا، جعلها الله آخر الأحزان، كما قلت أنا منكم لذلك لا داعي للاعتذار" ابتسمت لها ملاك بمجاملة وتحركت نحو المطبخ تحضر بعض الأطباق وصينية صغيرة وقالت "لماذا لا تأكلان شيئا ما؟" قالت كنزي بلا مبالاة "لا أريد فلتضعي الأكل لحورية" أسرعت حورية تقول "لا أريد أنا أيضا" ردت ملاك برجاء "يجب أن تأكلا ولو شيئا بسيطا" زفرت كنزي وهي تقول "لا نستطيع حقا يا ملاك" لم ترد ملاك فظنت كنزي أنها ستترك الأطباق وتنضم لهما لتتفاجأ بها تضع أكلا بطريقة معينة وتختار الأصناف بعناية فأمها وسما وفرحة أرسلن الكثير من الطعام ثم حملت الصينية وتوجهت للباب فقالت كنزي بتعجب "إلى أين؟" احمر وجه ملاك بشدة وقالت "ثواني وسأعود" رفعت كنزي حاجبيها باستغراب لكنها لم تبالي بل عادت لتنكمش فوق المقعد وتفكر كم أن الفقد مؤلم لدرجة لا يمكنها تحملها أبدا بخطوات خفيفة صعدت ملاك السلم تحمل الصينية بلهفة لأن ترى بعينيه لمحة سعادة حين يجد في الصينية طعاما يحبه، أصبحت نظراته على رأس اهتماماتها فهي لغة الوصل الوحيدة بينهما، لا كلام ولا إشارة ولا شيء طبيعي سوى نظرات مبهمة وأحيانا طائعة وأحيانا مراقبة وأحيانا أخرى غير سوية، لكنها في النهاية جميعها تمس القلب، اقتربت من الباب المغلق ولكن هذه المرة بدون قفل ووضعت الصينية أمامه ثم طرقته برقة بنغمة حافظت عليها لأيام تتمنى أن يستطيع يونس تمييزها فيعلم من الطارق قبل أن يفتحه، ابتعدت عن الباب تنتظره بصبر وحين لم يفتح أعادت طرق الباب بنفس الطريقة ولكن بصوت أعلى وهذه المرة لم تبتعد عن الباب بل ظلت واقفة أمامه تنظر له بتدقيق تحاول التقاط أي حركة لتمر دقيقة كاملة عليها **اعة قبل أن يطرق يونس الباب من الداخل بنفس الطريقة وغصبا عنها ورغم كل الوجع الذي بص*رها ابتسمت وقالت وهي تطرق الباب "يونس هذه أنا، افتح الباب" انفتح الباب عدة سنتيمترات لتطل عيناه تناظرانها بخوف انقلب لتشوش فقالت "انظر لقد أحضرت لك طعاما شهيا، أعلم أنك جائع، خذه" نظر لها بعدم إدراك فمالت تحمل الصينية وتقول "أقصد هذا الطعام، أعلم أنك تحبه، أريدك أن تهتم بنفسك وبتغذيتك لكي يزول هزلك نهائيا وسامحني لم أجد عصيرا في الأسفل فلدينا ظروف خاصة حدثت ولم يكن بإمكاني إعداد بعضه لك" كانت ينظر لها بخوف وحرص وكأنه لا يدرك ماذا تقول فأشارت على فمها قائلة "أريدك أن تأكل، هل تفهمني؟" اختفى في الداخل فجأة فقالت ملاك "يونس ليس هناك وقت، خذ الطعام" حين لم يرد فتحت ملاك الباب ولأول مرة عبرت لسجنه لتتفاجأ به مرتبا بطريقة احترافية فوضعت الطعام على المنضدة الصغيرة وجسدها ينتفض من جرأة ما أقدمت عليه وحين رفعت رأسها بهتت وتصلبت من الجدار الجانبي للغرفة والذي عُلِّق عليه صور أشخاص ومقالات مقصوصة من الجرائد وملاحظات ورقية، كان الحائط كخريطة مليئة بالألغاز مرسومة بشكل متقن فقالت بانشداه "يونس ما هذا؟" كانت هناك صورة جانبية بها شاب في أواخر العشرينات يحمل توءمين بين ذراعيه بتفاخر وامرأة جميلة متعلقة بعنقه من الخلف تبتسم بسعادة وبجوارها مقال به صورة حريق هائل تحت عنوان "تسريب بسيط في الغاز أنهى حياة أسرة بأكملها" عادت بعينها للصورة تتأمل الشاب ذو العينين الضبابيتين اللامعتين والوسامة الملفتة وقالت بصدمة "يونس أهذا أنت؟" لم يأتها سوى صوت سارة الغاضب قائلة "ملاك ماذا تفعلين عندك؟" انتفضت تلتفت لسارة قائلة "كنت أحضر الطعام ليونس" ردت عليها الأخرى بتقريع "أولا، الشاب ليس هنا منذ عدنا من الدفن وطاهر قد أخذه وذهب للمشفى، ثانيا لا يحق لك في حضوره أو غيابه تجاوز هذا الباب والدخول، هل فقدت عقلك؟" تلعثمت ملاك تنظر حولها وتقول "إنه هنا" صاحت بها سارة بغضب "لولا علمي أن الغرفة فارغة ل**رت عنقك، هل فقدت عقلك لتدخلي غرفة رجل غريب؟ لو علمت أمك ستقتلك وآه وألف آه لو علم سلطان ستكون مشكلة كبيرة بينه وبين طاهر، تحركي أمامي" توسعت أعين ملاك وقالت بارتجاف "كيف؟ الغرفة فارغة! إنه هنا فهو من فتح لي الباب" دخلت سارة واثقة أن الغرفة فارغة فلقد رأت طاهر يأخذ الشاب ويرحل وسما حالا أخبرتها أنهما لم يعودا بعد وقالت بعصبية وهي تنظر في أرجاء الغرفة وطرقت باب الحمام ثم فتحته "ملاك لقد تعدينا على خصوصية الرجل بما يكفي وما يجعلني صامتة على جنونك حتى الآن أنني لم أرَ منه ما يجعلني آخذ ضده موقفا بل على الع** هو لا يقترب منك ولا يضايق أحدا منا بتاتا، أما أنت فتحتاجين لأن تستفيقي من دور الدجاجة الأم هذا لأنه قد بدأ يتحول لشيء آخر" لم تكن ملاك تسمع سارة بل كانت تدور بعينيها في أنحاء الغرفة بحثا عنه حينها لم تجد سارة بدا من جذبها من يدها خارج الغرفة ثم جذبت الباب لتغلقه وهمت بتعنيفها ليأتي صوت صرخة قوية من الأسفل جعلتهما تركضان نحو شقة تولين فتحت عينيها لتجد نفسها في منزل هاشم العزايزي، انتفضت مفزوعةً فوق السرير لتخرج من الغرفة وهي تصرخ "كنزي كنزي" لكن لا مجيب، تحركت من الغرفة التي شهدت المواجهة الحامية بينها وبين بشر تعدو نحو السلم وهي تصيح "من هنا؟ فليجيبني أحدكم" ولكن لا مجيب، فجأة تغيرت ألوان الجدران وصار كل شيء حولها يتغير كأنها دخلت حقبة زمنية غير معلومة، كانت ترتجف من شدة الخوف وكل شيء حولها يتغير، الأثاث والألوان وفجأة مر أمامها رجل يحمل سجادة صلاة وماء الوضوء يقطر من وجهه وذراعيه، طوله فارع وملامحه وسيمة شديد الشبه بمن؟ ظلت تراقب الرجل وهو يصلي بخشوع حتى أنهى صلاته ثم رفع يديه يدعو بحرقة "اللهم ارزقني بأسمهان واجعلها دواءً لروحي وجروحي فأنت القادر على كل شيء" ظل يردد الدعوة بحرقة جعلتها تخر جالسة لتبكي بقوة ليلتفت لها قائلا "ما الذي يبكيكِ يا صغيرة؟" لم تفكر وهي تقول "قلبي يحترق لسنوات قلبي يؤلمني" فاضت عيناه بحنان وقال "أشعر بك فأنا مثلك تماما وها أنا ذا أطلب من ربي الدواء" أظلم المكان فجأة فصرخت برعب ووجدت نفسها على سفح رملي وفوقها النجوم، ظلت تعدو بصعوبة والرمال تعيق حركاتها لكنها حاربت لتتحرك والرمال ما زالت تغور تحت أقدامها فتبتلعها هوة مظلمة حتى خنقت أنفاسها ولم تجد بدا من الاستسلام لتتفاجأ أنها واقفة بين ذراعي عادل الذي ضمها بلهفة وقال بغضب "توقفي عن فعل هذا بنفسك، توقفي وارحمي روحك" ضمته بقوة تتمسك به لتشعر بشيء يجذبها للخلف فصرخت "عادل" لت**ت فجأة وهي تجد نفسها في مدخل البيت الكبير وفتيات العزايزة جميعهن حولها ينظرن لها بشفقة ويتهامسن بشكل أشعل جنونها فصرخت "ماذا يحدث لي؟ هل هذا كابوس؟" زاد الهمس فالتفت لتجد مرآة خلفها تنع** فيها صورتها وهي غارقة في الدماء يداها شعرها وجهها ملابسها وبدأ الهمس يتضح أكثر والكلمات كخنجر يرشق بقلبها "انظرن لها إنها غريبة، ليست منا" حاولت أن تهرب من نظراتهن التي تقتلها ولكنها صُدمت بامرأة تجلس تحت أقدامها ترسم فوق التراب بحجر دائرةً حول قدميها فصرخت برعب لترفع المرأة وجهها ليزداد صراخها حين وجدت أحداقها فارغة من العينين ورغم ذلك تكتب تحت قدميها طلاسم غير مفهومة وتقول "عمى البصر أهون من عمى البصيرة" سالت من محجريها الفارغين الدماء ليزداد صراخ تولين لتنتفض جالسةً على السرير ترتجف بقوة وتصرخ وتصرخ وتصرخ في منزل رأفت العزايزي كانت الأجواء مشتعلة بطريقة لا تحتمل، سالم يقف بغضب لا يستهان به وأمامه الفتيات اللاتي يتماسكن بصعوبة فما خَضْنَه في اليومين الماضيين كفيلا بإنهاكهن ودحر قواهن، تمنين أن ينلْن استراحة محارب قصيرة ولكن يبدو أن الحرب إن بدأت لا راحة بها إلا حين تنتهي، قالت فوزية بحزن "فلتخبرني إحداكن عما يحدث، كيف وصلتن إلى هنا بدون علمنا؟ لماذا أنتن صامتات هكذا؟" صرخ بها سالم "**تهن ليس مريحا، أشعر أن ما حدث في المجلس أمر غير مفهوم، ثم لماذا أمر الشيخ بذهاب الشباب لبيت هاشم؟ فلتنطقن" قالت سمراء "لا داعي لهذه العصبية يا عمي، لقد جئنا مثل باقي فتيات العائلة حين طلب الشيخ حضورنا وأظن أنه أخبر الجميع بذلك وتكتُّمنا على الأمر كان بطلب منه وها نحن أمامك بخير" تدخلت أسمهان تقول "ثم يا أبي أين المشكلة في قدومنا ما دمنا معا وجئنا إلى هنا؟ أرجوك اهدأ لأن لدينا الكثير لنخبرك إياه" قال سالم بغضب "أولد*كن أكثر مما سمعته في المجلس؟ أنا لا أصدق حتى الآن ما حدث، جميع الرجال انسحبوا مذهولين" قالت بلقيس بخفوت "سيتقبلون الأمر الواقع يا عمي حين يجدون أن راحة أولادهم فيه، وأنت رأيت بعينك كمّ الشباب الذين نفضوا تراب العادات وتوافدوا إلى الشيخ يطلبون منه الزواج" تجهم وجه سالم وهو يتذكر نزار وقال "نعم رأيت ابني وهو يقترب ويطلب يد فتاة لا أعلم أين رآها كأنني لست جالسا، لا يهمني ابنة من تكون حتى لو كانت بنت الشيخ، لن أدع بنات أخي يبتعدن عني وسيكون لي معه ومع أخيه كلام قاطع" قالت عزيزة بغضب "يا عمي أأنت غاضب من نزار لأنه تقدم لطلب فتاة لا تعرفها؟ إذاً ماذا نفعل نحن وقد ربطتم مصيرنا بآخرين ونحن مجرد أطفال؟ أرجوك يا عمي اترك نزار يبحث عن سعادته ولا تحاول تكبيلنا بعد اليوم، يكفي ما حدث" قال لها عمها بغضب "عزيزة بدون كلام كما أعطيت ابنتيّ لولديّ أخي سأفعل معك ومع أختك، أنتما أمانة بعنقي ولن أفرّط بها أبدا وسألغي فكرة استقراري هنا وسنعود جميعنا لبوسطن، كنت أظنكم قد كبرتم وتستطيعون إدارة أموركم لكنني اكتشفت أن كل أفكاري محض وهم" وقفت أسمهان وقالت بإقرار "أبي ما تقوله للأسف وأرجوك تقبل كلامي لن يحدث لأنني حين قدمت أخذت عدة قرارات ومن ضمنها أنني سأتولى إدارة الفرع الجديد للشركة وسأشرف على تجهيزه بنفسي ولن أعود مجددا مهما حدث" كان كلامها صدمة شلت الجميع فقالت أمها بحزن "لماذا يا ابنتي؟ هل سنفترق بعد هذا العمر؟ أنت وزوجك ستظلان معنا وأسد سيتزوج ويستقر معنا وبشر يمكنه تدبر أمر العمل هنا وتعيين أي أحد موضع ثقة" نظرت أسمهان لأمها بقوة وقرارها النابع من عمق **رها جعلها تقول بحسم "أنا ومنذر سنتطلق" صفعة مدوية كانت رد والدها الذي صرخ بها "اخرسي، إلى هنا وكفى، هل تظنين أنني سأوافق على جنونك؟ يبدو أنني حين تركت لكم الحياة لتديروها كما يحلو لكم ظننتم أنه لم يعد لكم كبير وكل واحد منكم أخذته أفكاره لطريق" وقفت الفتيات ينظرن لأسمهان التي تضع يدها على خدها بصدمة فقالت بلقيس "لماذا فعلت هذا يا أبي؟ أنت لا تعرف شيئا" صرخ بها "ولا أريد أن أعرف شيئا، أريد أن يعود أولادي كما كانوا يدا واحدة وبمنزل واحد وبقلب واحد، ليس لدي بنات ستتطلق وجميعنا سنسافر اليوم" قالت أسمهان بصوت جامد "سفرنا ليس قرارك يا أبي، الشيخ سيطلقني من منذر اليوم، سامحني لو خيبت أملك بي، سامحني لأنني سأ**ر كلامك لكنني لن أتراجع ولست وحدي من ستتطلق فبلقيس أيضا ستفعل" صرخت فوزية بصدمة "لطفك يا رب، بناتي" قالت بلقيس بخفوت "لم تسألني يا أبي ما سبب موت جنيني، لم تسألني ما سبب موت الحياة بعينيّ، لم تسألني عن سبب ان**اري وقهري، إنه صفي، لقد كان ي**نني لسنوات قبل زواجنا ولا تقل أنك لا تعرف عن تلك الفتاة التي كانت معه في الحادث" عبس سالم وقال "ما هذا الجنون؟ هذا أمر مر عليه سنوات وانتهى، حركة طائشة من شاب ومرت، هل ستهدمين حياتك لأجل طيش لم يكن محسوبا؟ ألم أقل لقد جننتم؟" قالت بلقيس بانهيار "حقا؟ طيش شاب دفعتُ أنا ثمنه سنوات من التحكم والذل، أم أن ما كان يحدث لي بعيدا عن عينيك يا أبي؟ ألم تكن تعلم ماذا كان يحدث لي معه؟ جنونه تحكمه غيرته تسلطه، سنوات يا أبي وأنا أصير شبحا أمام عينيك راضية وصامتة ظنا مني أنني أضحي لأجل علاقة قوية تستحق لأُفاجأ أنني فقط أدفع حساب شيء لم أفعله وفي النهاية وقبل عودتنا بيوم واحد واحد فقط رأيته بأحضان راقصة ولم أكن بمفردي كن جميعهن معي وصفي لم يكن بمفرده أيضا كان معه الشباب جميعا من كبيرهم لصغيرهم" **ت ملأ المكان فقال سالم بعناد "سأجلس مع الشباب لأفهم الأمر ربما هناك التباس ولكن موضوع الطلاق هذا انسيه نهائيا" قالت أسمهان "يا أبي إذا نسته هي فأنا لن أفعل ولن أتراجع، منذر أنهى زواجنا وبأسوأ طريقة ويده التي لامس بها أخرى لن تلمسني أبدا، سأتطلق منه وسأدهس قلبي وسأكمل حياتي فلست أنا من تُخان أو من تبكي خائنا" شعر سالم بالأرض تميد من حوله وبأن تعب العمر يضيع ولكن زامور سيارات في الخارج جعله يقول بوهن "لا أصدق، لله الأمر من قبل ومن بعد، عليه العوض ومنه العوض، ولا حول ولا قوة إلا بالله" اقتربت فوزية منه تقول "اهدأ يا سالم ، أرجوك صحتك" قالت أسمهان بلهفة وحرقة "أبي" أشار لها بيده ألا تقترب ليسمع صوت أحد رجال الشيخ يقول بصوت مرتفع "يا سيد سالم بيت الشيخ عبد الرحمن معنا" تحرك سالم نحو الباب بان**ار تاركا خلفه الفتيات في حالة غم ليقف أمام غفر الشيخ ويقول بجمود "يا أهلا وسهلا، المنزل منزلهن وأهل البيت ينتظرن في الداخل فليتفضلن" خرج سالم من الباب ليتحرك الرجل يفتح لمنار الباب لتترجل هي وتبارك وغفران ويتوجهن للمنزل فيما ركب سالم سيارته وانطلق نحو منزل هاشم قاصدا الشباب مِيْتة جديدة أكثر ألما ألقت به إلى الجحيم، كأن الجحيم الذي يغرق به منذ سنوات ليس كافيا، ضلوعه تئن من ض*بات قلبه المتوالية، يشعر أن قلبه سيسحق العظام ويهرب إليها حيث السكن والسكينة حيث حُرم عليهما أن يكونا، كل شيء مر عليه وهو صامت معزول جامد مجرور من هنا لهناك، أنينه معتقل خلف شفتيه المغلقتين، شاهد نزار وهو يشق الجموع ويطلب يد فتاة يبدو أنه يحبها ليشعر حينها أن للكل نصيب في الفرح سواه، حاول الهروب ولكن خذلته قدماه وهو يشاهد عاصي وليل وأسد يسارعون لنيل سعادتهم وهو الباقي الملقى وراء ظهور الجميع، بعد انتهاء الاجتماع أمر الشيخ أن يبقى الشباب في منزل والده القديم فسار معهم مسيرا وليس مخيرا ليجد قدماه تأخذانه لتلك الغرفة التي كانت تغفو فوق سريرها منذ ساعات، دخل وأغلق الباب خلفه ثم ألقى بنفسه فوق السرير وظل يعيد تفاصيل لقائهما بدقة حتى غافله النعاس من شدة التعب لم يكن يدرك ما يحدث، ظلام يلفه وخطواته غير متوازنة بطريق غير واضح، طريق موحل يجعل خطواته بطيئة ومرهقة ليملحها تجلس على الأرض تحني رأسها للأسفل وشعرها الطويل يلامس الوحل وهي تبكي بحرقة فأسرع نحوها يسحبها لتقف وهو يقول بلهفة "ماذا حدث لك؟ أخبريني كيف جئنا إلى هنا؟" قالت وهي تنتفض بين ذراعيه كعصفور جريح "أشعر بالبرد، أنا أرتجف" حرك كفوفه صعودا وهبوطا على ذراعيها يحاول مساعدتها لتتدفأ لكن فكها الذي بدأ يتحرك وأسنانها التي تصطك ببعضها أفزعته عليها فلم يفكر وهو ينحني ليضمها لص*ره لتص*ر عنها صرخة مدوية وهي تقول "ص*رك مليء بالأشواك توقف عن جرحي" أطلقت صرخة أخرى، صرخة مدوية مفزعة كانت كصاعقة نفضته جالسا فوق السرير يضع يده على قلبه ويهمس بفزع "ماذا بك؟ ماذا أصابك؟" تحرك للأسفل فوجد عاصي يقف بتحفز أمام أسد الذي يحاول الخروج وهو يصرخ "عاصي سأخرج مهما حدث لذلك دعني أمرّ" رد عليه عاصي بغضب "على ماذا تنوي؟ لا أصدق أنك كنت تنوي ض*ب ذلك الشاب وفي مجلس الشيخ، لا أعلم كيف أدرك ليل ما أنت مقبل عليه وقطع عليك الطريق، هل تشعر أننا ينقصنا مشاكل؟ اعقل يا أسد فأي شاب منهم ستض*ب؟" صرخ به أسد "لا تذكرني، سأقتلهم جميعا، ثلاثة عرسان! لماذا؟ من أين يعرفونها؟ إنها حتى لا تعيش هنا" ضحك نزار بشدة وقال "أقسم أن كل ما يحدث لك هو تخليص منك ومن ماضيك الأ**د، اهدأ يا أسد فلا أظن أن عزيزة ستوافق على مجنون غيرك" صرخ به "فلتفكر فقط أن تفعلها وترى ماذا سأفعل بها، ثم بعد ما حدث لا أدري كيف ستفكر، يكفي أن سمراء حولها لأعلم أن هناك كارثة في الطريق" ض*ب ليل بعنف على المنضدة المقابلة له وهو يقول "لم يعد لدي سبب للصبر على هذيانك، تكلم بدون حساب مرة أخرى وأنا من سيقتلك" التفت له أسد بتحفز وقال "هذا ليس هذيانا أبدا، إنها الحقيقة" وقف ليل صارخا به "أسد" اقترب نزار ليقول "توقفا، لا داعي لأن يكبر الموضوع ، ثم لا أظن أن سمراء من طلبت منك خلع قميصك ذلك اليوم فأنت الوحيد الذي كانت رؤيتك كفيلة بأن تثبت علينا جميعا ذلك المجون" صرخ أسد بقهر ثم قال "هل سنظل هنا مكبلين لا نعلم ماذا يدور حولنا؟ لماذا لا نذهب إلى منزل جدي؟" قال صفي بلهفة "نعم لنذهب، جلوسنا هنا موت" قال نزار "إنها أوامر الشيخ يا أسد، ثم نحن لا نعلم بماذا أخبرن والدك، لا تتسرع لكي لا يكون لاندفاعك أثر ع**ي" زفر أسد أنفاسه كدخان جاء من عمق بركان ثائر وتحرك يجلس مقابل ليل الذي نظر له بغضب شديد فأشاح أسد بوجهه ليتدخل بشر قائلا "هل انتهيتم؟"
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD