الفصل الرابع عشر

4571 Words
تأففت بتول وقالت بغضب "ومن سينتظر أن تتحسن حالته؟ لن أبقى هنا أكثر من ذلك، من فضلك أخبريه أني أريد رؤيته" قالت جوزفين بتوتر "السيد فيلو حين يكون متعبا لا يسمح لأحد بأن يتواصل معه" قالت بتول بغضب "وأنا لن أبقى تحت رحمته حتى يأمر برحيلي" تحركت بتول نحو السلم قاصدة غرفته وهي تغلي من الغضب بعد اعتذار جوزفين عن إبلاغه بأي شيء كان يجلس على سريره بوجهه المكدوم الذي لم يخفَ جمال ملامحه وعقله يعود به مرارا وتكرارا إلى تلك الغرفة حيث ظن أنه انتصر على الشر واستلذ بتلقين ال*قاب للمخطئ كما ظل ينال ال*قاب لسنوات، كانت لحظاته مع تلك المرأة مفعمةً بإحساسه بالسيطرة والقوة وبأنه الطرف الذي يقتص فمنحه ذلك إحساسا بالتمدد حتى ظن أنه عملاق ليس لأحد أن يقترب منه، كان إحساسه بالانتصار يملأ روحه وجانبه الطيب أراد أن ينقذ بِشْر من تلك الشريرة لكن ما لم يكن بالحسبان أن ينقلب السحر على الساحر ويثور بشر عليه كأنه لم يقدم له خدمة يستحق عليها الشكر وخصوصا بعدما سمع اعترافاتها الصادمة، فشرع بشر يض*به وهو يقول "أيها القذر، ماذا فعلت؟ أنت إنسان مريض" انكمش فيلو يضم أرجله لص*ره كالطفل وهو يهتز للأمام والخلف وصوته يستحضر صوتا آخر جاء من عتمة أفكاره يقول "فيلوبتير أيها القذر، أنت ستعاقب لأنك تستحق ال*قاب، أليس كذلك؟ اقترب ولا تخف" كان يرتجف بعنف وعيناه تنغلقان كأنما سيدخل في حالة هستيرية لكن طرقا قويا على الباب جاء كطوق نجاة له لينتفض واقفا ينظر حوله بضياع للحظات حتى استوعب أن الطرق على باب غرفته، اقترب من الباب راسما على وجهه الجمود الساخر المشهور به ثم فتح الباب ليجدها كما هي، شعر بالدفء حين وقعت عيناه على تلك الذهبية وكأنها رمال دافئة من وهج الشمس، خدر سرى في جانب وجهه ورغبة بالنعاس داهمته وهذه الأعراض لا تفسير لها سوى أنه يرتاح لوجودها أمامه، جاء صوتها الغاضب وهي تتراجع للخلف مشيحةً بوجهها تقول "ألا تشعر بالبرد؟ أرجل الجليد أنت؟ لا حول ولا قوة إلا بالله، ارتدِ شيئا سأنتظرك بالأسفل لنتحدث" رفع فيلو حاجبه وقال "أنا لا أريد النزول الآن كما أنني أرتدي سروالي بأعجوبة فأنا لا أطيقه وكنت سأخلعه قبل أن تطرقي باب غرفتي وتجتاحي مساحتي الخاصة ثم تتنمري على ص*ري العاري الذي لا أعرف ما هي مشكلتك معه وفي النهاية تطلقين الأوامر كأنني سأرضخ لما تقولينه" نظرت له بتول قائلة "أيها الحقير الوقح " لت**ت فجأة وهي تتأمل وجهه المكدوم وتقول بذهول "ماذا حدث لك؟ هل تعرضت لحادث؟" ابتسم فيلو بسخرية وقال "بل صديق لي أراد أن يشكرني بعد أن قدمت له خدمة جليلة، أنتم العرب غريبو الأطوار حقا" عبست وتوسعت عيناها وقالت "لا أظن ان هناك غريب أطوار غيرك ولست غريب الأطوار فقط بل إنك أيضا مريض" ضحك فيلو بشدة حتى أدمعت عيناه وقال "وهل تقييمكم كعرب للأشخاص يكون بنفس المفردات؟ صديقي العربي الذي كان يشكرني أخبرني بنفس الشيء وهذا يثبت غرابة أطواركم فعلا" صاحت به بتول "إن كنت تظن أنني لن أرد الإهانة بأقوى منها فأنت مخطئ، إن كانت استقامتنا وحسن تقديرنا للأمور غرابة أطوار بنظرك فما هي وجهة نظرك برجل سكير زير نساء ذي سمعة سيئة غ*ي وأرعن يطلق الأحكام على غيره من منظور ضيق ولا يعلم أن من أبسط الآداب أن يحتشم في ملبسه مادام في حضرة أنثى" ذهول اكتنفه للحظات ثم قال "أظنك أخطأت ِ الوصف ببضعة نقاط فقد كان يجدر بك القول ما رأيك برجل أراه سكيرا وزير نساء، سيء السمعة غ*ي وأرعن وغير محتشم ورغم ذلك احترم وجودي في منزله و لم يضايقني بقول أو فعل، أعطاني مساحتي الخاصة ولم يفرض نفسه عليّ، رجل نبيل أعطاني الحرية لتعنيفه على عادة قديمة اكتسبها وهي بقاؤه عاري الص*ر على الدوام، عادة لم يقصد بها عدم الاحتشام ولكن لأسباب خاصة تجعله يشعر بالراحة ورغم ذلك يرضخ لي ويلبس ملابسه أغلب الوقت" بهتت بتول للحظات وقالت بإحراج "آسفة، أنت لم تخبرني أن لد*ك أسبابك الخاصة التي تجعلك تفعل ذلك" قال بسخرية "لأنها أسباب خاصة كما قلت" احمر وجهها بانفعال وقالت "أنا فقط أشعر بإحراج شديد حين أراك بذلك الشكل" أمال رأسه وقال "إذاً حاولي كلما رأيتني التركيز على وجهي ونسيان ص*ري العاري كما تفعلين الآن تماما، على أي حال فإن عينيّ بوجهي وليستا بص*ري" انفعلت بتول و توترت بقوة وقالت "أنا لم آتي لغرفتك لأناقش هذا الأمر بل جئت لأخبرك بما أنك عدت أنني أريد مالي لأرحل" تصلب وجهه وقال "ترحلين إلى أين؟" صدمها السؤال لدرجة أن قلبها انقبض وقالت "لماذا تسأل؟ لا أظن أن هذا السؤال من حقك أبدا" رد عليها ببرود وملامح مغلقة "أعلم أنه ليس من حقي ولكن بما أنني أملك عرض عمل لك فأظن أن الأمور قد تتغير كثيرا" قالت بتول بشك "عرض عمل معك؟ لا أظن سيد فيلو من فضلك أريد حسابي لأرحل وهذا كان اتفاقنا من البداية، وأي عمل يجعلني قريبة منك لا يثير اهتمامي فلا تتعب نفسك أبدا" كانت كلماتها كقبضة حديدية تُسدد لص*ره فينتج عنها فوهة مظلمة ليس لها قرار لكنه بحنكة رجل الأعمال قال "ليس من الذكاء أن ترفضي عرضا لا تعرفين أبعاده لعلك تندمين فيما بعد، لا أظن أنك إن استمعت لعرضي ستخسرين شيئا" زفرت بتول أنفاسها المتوترة وإحساسها بالضياع يضغط عليها فهي لا تعرف إذا غادرت هذا المنزل إلى أين ستكون خطاها، حركت رأسها بحيرة يتخللها الضيق وقالت "حسنا سأستمع لعرضك لكنني لا أعدك بشيء سوى التفكير فيما ستقوله فقط" ارتفع طرف شفتي فيلو وقال "وهذا كل ما أريده فأنا أحتاجك بجواري وأنت تحتاجين إلى حصن يؤويك وينهي فرارك المستمر" قالت بتول بحيرة "ماذا تقصد؟ لتكن أوضح فهذا ليس وقتا مناسبا للألغاز" استند فيلو على الباب وطبق ذراعيه فوق ص*ره وقال بجمود "أعرض عليك حياة جديدة كاملة، اسما جديدا عملا جديدا أمانا وحمايةً وفرصةً لتحقيق كل أحلامك، ما رأيك؟" قالت بضياع "رأيي في ماذا؟ هل تدرك ما تقول؟" قال بقوة "نعم أدرك جيدا ما أعرضه عليك وأكثر مما أقول ستجدينه معي" قالت باستنكار "وكل هذا مقابل ماذا؟" بدون تفكير قال "أن تكوني زوجتي" تراجعت بتول للخلف وقالت بغضب "مستحيل، هل أنت مجنون؟" قال بهدوء "أعلم أن دينك يحرم ارتباطك بأي رجل يعتنق ديانة أخرى كما أنك لا ترتاحين لي لكن أريدك أن تعلمي أنه سيكون فقط زواجا مدنيا، أنا وأنت تحت هذا السقف سنكون عائلة أصدقاء شركاء سكن، أطلقي ما شئت على وضعنا، لستِ مطالبةً نحوي بأي حقوق وكذلك أنا، أريد فقط إخلاصك الكامل لي واحترام العلاقة حتى لو كانت غريبة، أريدك أن تعطي روحا لمنزلي وحياتي وتبقي بجواري وأعدك وعد شرف ألا أتعدى حدودي وإن وافقتِ فأنا مستعد للنقاش معك وسماع شروطك إن كنت تملكين شروطا" اكفهر وجه بتول وهمت بالرد ليقاطعها فيلو قائلا "لا تتسرعي، فكري جيدا، سأعطيك فرصة لنهاية الأسبوع إما أن تبقي أو ترحلي وفي الحالتين لن أفرض عليك شيئا" أنهى كلامه ثم تحرك بعنف غير مبرر مغلقا الباب في وجهها لتظل واقفة أمام غرفته كأنها تقف ضائعة على قارعة طريق مظلم تخشاه حد الموت ذكرانا كخيوط تعيسة حين تشابكت لم تحكم عقدها فصرنا نبتعد ونحن لا ندرك سبب الرحيل، أناشدك أن تبقى فتسحبك تلك الخيوط بعيدا لأجدني على شاطئ الحياة أقف وحيدة وعلى بعد مني تقترب موجة عالية أوقن أنها نهايتي وصلت تولين المشفى وهي بحالة جمود لا تفسر، صامتة بشكل غريب كأنها تخشى أن تنف*ج شفتاها فتبوح بما فيها فتكتم الوجع خلف شفتيها وعيناها كغيوم تحجب النور، لأول مرة رغم كل ما مر بها تراها كنزي بهذا الشكل، نعم كانت على الدوام تدعي القوة وتناطح ألمها وتصارع نفسها التي لا تعرف سوى أن تميل إلى من أهلكها لكنها كانت دائما تتكلم وتخرج ما يضغط على ص*رها، تأملتها كنزي للحظات ثم قالت "مؤيد أصر أن يرى الطبيب جرحك أولا، دعينا نطمئن عليه ثم نصعد لنرى عادل" قالت تولين بصوت مرهق "كنزي أنا بخير، لا تقلقي ومن الواضح أن مؤيد لديه الكثير من الأعمال، سأبقى مع عادل وأنت ارحلي معه، أعلم أنه متوتر بسبب عودتك المفاجئة وأنه يحمل هم أمانك من جنون عائلة والدتك لذلك لا تضغطي عليه أكثر، خذيه وارحلي" قالت كنزي برفض "لن أرحل بدونك، نحن هنا لنطمئن على جرحك وعلى عادل ثم نرحل، أنت تحتاجين للراحة، لا أعرف كيف مازلت تقفين على قدميك بعد كل ما حدث، لا أذكر أنك غفوت أو ارتحت منذ عودتنا وجرحك غائر جدا، ارحمي نفسك يا حور أنت بشر" قالت تولين" كنزي لا تجادليني لأنني حقا متعبة ولا أستطيع الدخول في أي جدال معك، عودي مع مؤيد واتركيني لأرتاح" نظرت كنزي للت**يم الذي يشع من عينيها وقالت "حسنا، ولكن على الأقل لنطمئن على جرحك ونأكل شيئا ما سويا ثم أرحل "قالت تولين برفض "أنا متعبة يا كنزي، أين أخوك ليأخذك بعيدا عني؟" جاءهما صوت مؤيد يقول "أخوها هنا، هيا بنا فالطبيب ينتظرك" قالت تولين "أنا بخير صدقني، يمكنكما الرحيل وسأبقى مع عادل" رد عليها مؤيد برفض "لن أتركك هنا فقد جئنا سويا وسنرحل سويا، هيا فالطبيب ينتظر" قالت تولين بتعنت "من فضلكما سأبقى مع عادل هنا" نظر مؤيد لكنزي باستفهام فقالت له "اتركها تفعل ما تريد فحين تعاند بهذا الشكل تتحول لثور" لم يجد مؤيد بدا من الاستسلام لقرار تولين بالبقاء مع عادل ولكن قبل أن يرحل عرضها على الطبيب الذي نظف الجرح ووصف لها بعض الأدوية وأحضر لها طعاما وأوصى بأن يدخل لها الغرفة رغم أن هذا يخالف قوانين المشفى دخلت تولين غرفة عادل وأغلقت الباب خلفها وبداخلها شعور كمن وصلت لنهاية الرحلة، ألم، إرهاق، وجع، جوع، حزن ويأس.. مشاعر كثيرة يكتظ بها ص*رها وقلبها لا يرحمها فيقف وسط هذا الزحام ويتضخم بانفعال لكي لا يترك لها الفرصة لتلتقط أنفاسها، كانت أنوار الغرفة هادئة فأغلقتها تماما واقتربت من النافذة لتغلق الستارة فأصبح انعكاس ضوء الشمس ضعيفا جدا وبدون تفكير خلعت حذاءها وحجابها وصعدت فوق السرير تحتضن ذراع عادل واضعة ذقنها على كتفه وشفتيها بجوار أذنيه وأغمضت عينيها للحظات تستشعر السكون حولها لتقول فجأة "لا أعلم لماذا تهاجمني هذه الذكرى الآن، لعلها جاءت لتفصلني قليلا عن الواقع، ذلك اليوم الذي قررنا به أن نتزوج، لن أنسى أبدا أنني من طلبت يدك، كان تصرفا متهورا لكنني لم أشعر يوما أني أصبت بقرار كما فعلت يومها، أحيانا أفكر هل أنت من سقط بطريقي أم أنا من فعلت؟ وحين لا أجد إجابة مقنعة أقول لنفسي الطريقة ليست أهم من الطريق فلا تهم طريقة لقائنا ما دمنا وجدنا من يكمل معنا الطريق أنا أهذي أليس كذلك؟" **تت للحظات وقالت "حسنا، أنت تذكر ذلك اليوم الذي افتتحنا به المكتب، طوال اليوم ظللت تسألني بتوتر كيف سأوفق بين الجامعة والعمل رغم أنك ظللت تخطط معنا لافتتاحه، وفي النهاية لم ترتح إلا عندما أخبرتك أن مكتبي ومكتبك سيكون نفس المكتب، حينها لا أعلم ما الذي دفعك لتهدأ فتوقفت عن إلحاحك" همهمت "وماذا أيضا؟" **تت للحظة وقالت "رحلات الإسكندرية المفاجئة، كان مؤيد وسلطان يثوران حين نفعلها ونأخذ الفتيات، كانت أوقات ممتعة، كل شيء معك ممتع" **تت بتفكير ثم قالت "تعلمنا معا الكثير، ضحكنا لعبنا تحدثنا وحزنا، كنا عائلة جميلة حقا، أتعلم؟ لم أشعر بالندم يوما على ارتباطي بك بالع** فلقد أهديتني عالما واسعا بين أربعة جدران وأنا ممتنة لك كثيرا" كان النعاس يداهمها لكنها لم تتوقف عن الكلام وهيا تهمس بصوت مبحوح "كنت أظن أنني سأنسى ويوم تخرجي سأرتدي ثوبا رائعا وأشارك في فقرات الحفل وأغني بشكل ملفت ثم أضم شهادة تخرجي لص*ري وأنا أعتلي المسرح وأنظر لك وأعترف بتأثر أنني ما كنت لأصل لهذا المكان بدونك فيتأثر قلبك الرقيق وتبتسم بشجن وأنت تلوح لي لأكتشف أنك حضرت لي مفاجئة جميلة بمناسبة تخرجي فتبهرني كعادتك دوما أيها المبهر" لم تستطع الثرثرة أكثر وهي تذهب في عالم اللاوعي تص*ر جعفر المجلس وعلى يمينه عبد الرحمن وعلى يساره منير، كان ينظر للحشد المهول أمامه بثقة وأعين ثاقبة تشد أعصاب الجالسين أمامه كالوتر، أصوات الهمس كانت تصل أذنيه وقلبه كرقاص الساعة يتراقص يمينا ويسارا بين جبهتي الشرع والعادات، التقط أنفاسه ودعوات نعمة التي ترن بأذنيه كانت كفيلة بجعله يض*ب عصاه بالأرض ويقول بصوته الجهوري "سكوت" **تت الأفواه وقد تركز أعين وانتباه الجميع عليه فأدار عينيه بين الحاضرين ثم قال "اجتماعنا اليوم في غاية الأهمية، أعلم أن الجميع يملك أسئلة لكنني سأجيب من قبل أن تسألوا" **ت يتمعن في الوجوه ثم قال "بناتي اللاتي حضرن إلى أرض العزايزة جئن بأمر مني لأنني كنت أريدهن بأمر هام، أعلم أن البعض قد يغضب من طريقة حضورهن بسرية وبدون إبلاغ أحد لكن لتعلموا أن قدومهن كان مؤمنا وكلهن وصلن بسلام وفي النهاية هن في المنزل الكبير وحضورهن كان بأمر من أبيهن وشيخهن فأرجو أن تتفهموا الأمر، هذا أولا" عادت عيناه تصولان في رحلة استكشافية لإدراك تأثير الكلام على الوجوه ثم أكمل قائلا "ثانيا، لقد جلست مع بناتي حين وصلتني بعض الأخبار أنهن يعانين من أزواجهن، والغير متزوجات يعانين من إجحاف المكاتيب في حقوقهن التي شرعها الله، فأدركت أن عليّ أن أرى أين الشق المائل وأصلحه وليعينني الله على الصلاح فرب العزة يقول بسم الله الرحمن الرحيم (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ ۝ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) صدق الله العظيم" كانت الوجوه جامدة غير مدركة لما يحدث، لم ينطق أحد أو يحاول البحث عن الإجابة في وجه غيره بل كان الكل ينظر إليه وينتظر بصبر أن يدلي بدلوه فقال "لذلك وبعد تفكير طويل وبالعودة لشرع الله الذي هو شريعتي ومنهجي قررت" **ت للحظة يستحضر كلام نعمة الذي لم يجد به خللا واحدا وتابع قائلا "أن أفض المكاتيب وأضع بدلا منها قوانين تحفظ لبناتي حقوقهن ومكانتهن تبعا لشرع الله" فجأة انقلب المجلس بين معترض ومستنكر وموافق وسعيد، حالة من الفوضى عمت المكان وردود الأفعال كان بها بعض التطرف وكاد الأمر أن يتحول لتشابك لولا صراخ الشيخ الغاضب "سكوت" عاد الجميع بانتباهه للشيخ فبدا وجهه أكثر قسوةً وت**يما وهو يقول "وليس هذا فقط " **ت للحظة أشعل فيها وجيب القلوب وخاصة قلب أسد الذي جعلته الصدمة فاقدا للنطق بع** ليل الذي كان يفرد يده على ص*ره الذي يرتفع وينخفض بقوة وبجواره عاصي يكاد ينهار باكيا وساجدا لله شكرا، أكمل جعفر حديثه قائلا "الطلاق سيكون أمرا لا مفر منه إذا استحالت العشرة وأتت إحدى بناتي بما يثبت أنها تعرضت مع زوجها لما لا تطيق فوالله لن تبقى على زمته دقيقة واحدة وسيطلقها بدون نقاش أو اعتراض" كانت هذه المرة الصدمة من نصيب صفي الذي فُجع وتهدلت أكتافه وضاقت به الأرض بما رحبت، ومنذر الذي انشق قلبه واهتز جسده برعب غير مبالي بالاعتراضات التي يهمهم بها جميع من حوله ليأتي صوت الشيخ قاطعا كأنه لا يبالي رغم أنه من داخله يعلم أن الأمر لن يمر بهذه السهولة قائلا "بناتي سيبقين في بيوتهن معززات مكرمات ولن تجبر واحدة منهن على الزواج، لكل واحدة منهن حق الرفض أو الموافقة على أي خاطب يتقدم للزواج منها" كان الحديث ثقيلا على آذان الكثيرين وعلى عقولهم فصرخ شيخ كبير لم يتحكم في غضبه "هل جمعتنا اليوم لتلغي أعرافنا وتنقض العهد بألا نفرط في بناتنا وتضع قوانينك الخاصة يا شيخ؟ من الواضح أن وراء ما يحدث مصلحة شخصية فما تقوله يهدم العائلة" قال عبد الرحمن بغضب "الشيخ حين قرر إلغاء المكاتيب فعلَ لأنها تحرم ما أحله الله، يخشى علينا من غضب الله ومن منكم يظن أنه يستطيع مخالفة شرع الله فليقف ويعلن عن هذا" **تٌ ملأ المكان ليقول منير بحمية "لا أصدق أن هناك من سيقف ويعترض أن تُكرم ابنته وتأخذ حقها، لا أصدق أن من يعلم أن ابنته أو أخته تعاني ب**ت سيرفض أن تأخذ حقوقها كاملة كما أراد الله، الظلم ظلمات يا رجال العزايزة" نظر جعفر للوجوه وقال "لست أنا من ينقض العهد، لست أنا من ي**ت إذا انكشف لعينيه الظلم، ولذلك أخبركم أنني وضعت لفض المكاتيب شروطا، أولها أنني أنا المسؤول عن بناتي، سأزوجهن وأضمن لهن حقوقهن في إطار حياة كريمة لذلك من يريد طلب يد فتاة منهن فليتقدم لطلبها مني كما يقول الشرع وتقضي الأصول وأنا سآخذ رأيها وإن وافقت فعلى بركة الله وإن لم توافق فليس هناك نصيب أبدا علما بأن بناتي لن يتزوجن من غريب، ستظل بنات العزايزة لشبابها لذلك وأمام الجميع أن أحل المكاتيب لن يغير أبدا أنه لن يتزوج أحدا منكم من داخل العائلة أو من خارجها إلا تحت عيني، لن يقام أسبوع ولا فرح ولا عزاء إلا في منزلي وتحت عيني، ولن يغير حقيقة أن العائلة ستظل بنفس القوة ولكن بنساء وفتيات أكثر كرامة وإباء فنساء العزايزة ذوات مكانة رفيعة في عيوننا وقلوبنا" انطلق صوت آخر غاضب يقول "يا شيخ أنت هكذا تحكم على فتياتنا بالبقاء بجوارنا، إذا كنت تسمح للشباب بالزواج من خارج العائلة ولا تسمح للفتيات بذلك فهذا في حد ذاته ظلم ودمار، إذا كنت تبحث عن العدل فدع الفتيات يجدن نصيبهن أينما كان" صاح عبد الرحمن بحمية وغضب "وهل ترانا أشباه رجال لنترك نساءنا للغريب؟ شرع الله قال الزواج رضا وقبول وشباب العائلة لا حصر لهم، أبي فعل كل هذا لكي ينهي الظلم لا ليظلم أحدا، احذر لما تقول..." **ت مشحون ملأ الأجواء فأراد جعفر أن يستعين بأي شيء يهون من شر النفوس التي شحنت والتي يعلم أنها إن لم تثرْ الآن سيكون لثورتها تبعات فقال "وآخر ما سأقوله بهذا المجلس، أي رجل منكم يريد أن يطلب إحدى بناتي في الحلال فليتقدم الآن وسط المجلس ليطلبها على سنة الله ورسوله" تحركت أعين الجميع تدور في الحشد الممتد ينتظرون من سيتجرأ ليكون أسرع رد فعل من نصيب نزار الذي لم يُصدم مثل أسد وليل وعاصي ولم يُفجع كحال صفي ومنذر ولم يُ**ر مثل بشر الحاضر بجسده والغائب بعقله، فوقف تحت أنظار لا حصر لها في مشهد أذهل إخوته قبل أي أحد ليقترب من ص*ر المجلس وأقدامه الثابتة ظاهرا ترتعش بقوة وخفقات قلبه تكاد ت** أذنيه حتى وقف أمام الشيخ جعفر يقول بتوتر "أنا يا شيخ أريد ان أطلب يد فتاة على سنة الله ورسوله" نظر نزار للوجوه الصامتة حوله فقال الشيخ "ابنة من مقصدك يا بني؟" أخذ نزار نفسا قويا وقال "ابنة الشيخ عبد الرحمن أطلب يدها على سنة الله ورسوله" توسعت أعين عبد الرحمن وصرخ بغضب "ماذا؟" نظر له جعفر نظرةً جعلته ي**ت وهو يرد على نزار ويقول "سنبلغ العروس ونبلغك بردها" وقف أسد وليل وعاصي وتوجهوا نحو الشيخ تزامنا مع اقتراب العديد من الشباب يتصارعون لطلب القرب من فتيات العائلة وقبل أن يتكلم أسد سمع شابا وسيما يقول "يا شيخ أريد أن أطلب يد ابنة رأفت العزايزي الصغيرة، الآنسة عزيزة" كوحش ضاري نظر له أسد وعقله يستوعب ما يقال فلم يتمالك نفسه وهو يقترب منه لينقض عليه كانت تجري بطريق مظلم أشجاره متدنية وفروعها من شوك يجرح ذراعيها وظهرها، تتألم ولكنها تعدو للأمام بحثا عن الضوء أو عن يد تمسك بها لتنجيها مما يحدث لها، تعدو وتعدو وهي تبكي وبداخلها أمل أنها ستجد ما تتمناه في نهاية الطريق ليضيء الطريق فجأة فتتوقف أقدامها وترتفع فروع الشجر لتجد عادل يقترب منها واقفا على قدميه ويقول "أرهقتِ نفسك كثيرا، أما آن الأوان لترتاحي؟" نظرت لجروحها وقالت "انظر لجروحي، كيف أرتاح وهي تؤلمني؟ ساعدني" نظر لها بحزن وقال وهو يتلمس وجنتيها برفق ليمسح دمعتها "ليتني أستطيع ما كنت لأتأخر أبدا، لكنك وحدك من تستطيع مداواتها، دعي الجروح لتشفى فما دمتِ تصرين على أن تبقى مفتوحة ستتقيح وتنزف ولن يتألم أحد سواك نظرت للدماء وقالت "لا أعرف كيف أوقف نزيفها، أنا أتألم، خذني بعيدا أريد أن أرتاح وأخشى الظلام" ابتسم لها وقال "أتمنى لو كان لديّ مزيد من الوقت لوهبته لك لكن موعد رحيلي قد حان، تذكريني دوما" لم تدرك ما يقول وهو يميل ليقبل جفنها حتى أطبقه فأطلقت الآخر بدون إرادة منها ليتنامى إلى أذنها أصوات بعيدة فتفتح عينيها لتجده قد اختفى وصوت غريب يقول "النبض توقف" شعرت بجسدها يهتز ففتحت عينيها لتجد ممرضة عادل بأعين تبكي تسحبها لتقف وأكثر من طبيب يدخل الغرفة فيما تغطي الممرضة شعرها، اجتمع الأطباء حول عادل يحاولون إنعاشه وهي تشعر أنها تحلم، دقائق مريرة مرت بطول ساعات قبل أن يقول الطبيب بأسف "البقاء لله" فلتسأل الفراق الأليم لماذا مذ حلّ على عمري ضيفا لم يرحل؟ لماذا يصر على ملازمتي لزمن طويل؟ ألم يمل مني ومن دمعي؟ ألم يرفق بحالي أو يشفق على بائسة مثلي؟ فلماذا لا يرى؟ قطعت في الحزن أميالا ويبدو أنها لم تصل، صارعته بكل ما أوتيت من قوة وتمردت عليه فرارا خلف فرار وفي النهاية تكتشف أن لا مفر لها، لا تدري كيف توالت الأحداث كأنها مغيبة تجذبها يد خلف يد وحضن خلف حضن وصوت دموع يملأ الأجواء ويلعب دوره في هذا المشهد المفزع، نظرت حولها والدموع كضيف حلّ ولا يريد أن يرحل، بقيت لتشهد هذا الفصل من حياتها، احتراق جديد يشتعل بقلبها، فقْدٌ آخر يصدمها، شهقت بعنف تبكي وصوت ذكوري عذب يعلو بكلمات تسكّن آلام روحها" اللَّهمَّ اغْفِرْ لحيِّنا وميِّتِنا وشاهدنا وغائِبنا وصَغيرنا وَكبيرنا وذَكرِنا وأُنثانا، اللَّهمَّ مَنْ أحييتَه مِنَّا فأحيِه علَى الإسلامِ ومن تَوَفَّيتَه مِنَّا فتَوفَّهُ علَى الإيمانِ، استغفِروا لأخيكُم وسَلوا لَهُ التَّثبيتَ فإنَّهُ الآنَ يُسأَلُ" ارتفع صوت الدعوات من حولها وهي لا تصدق أنه رحل و لن تراه أو تشعر بوجوده، لن تتقاسم معه حزنها ليمحو بطيبة قلبه كل هم ألمّ بروحها، شهقت بعنف أكبر وبكاؤها أصبح هستيريا فبدت للجميع وكأنها على حافة الانهيار، ضمتها كنزي بقوة وقالت "البقاء لله وحده، وحدي ربك يا حور وادعي له فلم يعد ينتظر منك غير الدعاء" ربتت ملاك المنهارة على ظهرها وقالت "رحمه الله يا حور، ادعي له، اللهم تغ*ده برحمتك الواسعة" وقفت سارة تدّعي الجمود وسط هذا الانهيار وتبحث بعينيها عن أخيها الذي كان يقف مع الرجال ويقوم بتقديم كل ما يستطيع تقديمه رغم إرهاقه الواضح وأنفه المكدوم فحانت منه التفاتة نحوها ليشعر بما بها ويحرك لها شفتيه بكلمات أدركتها "وحّدي الله" فهمست تقول "البقاء لله وحده، إنا لله وإنا إليه راجعون" شهقت تولين تبكي وعيناها لا تفارقان القبر، بداخلها حزن لا تدري كيف تعبر عنه فحتى لو صرخت لن يخرج فهو ساكن ومالك فؤادها، قالت بارتجاف وشهقات متلاحقة "مع السلامة يا عادل، لن أنساك سأتذكرك دوما في كل صباح، سأدعو لك بالرحمة حين أصطدم بكل التفاصيل التي ستظل تذكرني بك، والله أرحم الراحمين" بكت الفتيات بحرقة وقالت كنري برجاء "ادعي له يا حور" رفعت كفيها تقول بحرقة مودع "(اللَّهُمَّ، اغْفِرْ له وَارْحَمْهُ، وَاعْفُ عنْه وَعَافِهِ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ، وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بمَاءٍ وَثَلْجٍ وَبَرَدٍ، وَنَقِّهِ مِنَ الخَطَايَا كما يُنَقَّى الثَّوْبُ الأبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِن دَارِهِ، وَأَهْلًا خَيْرًا مِن أَهْلِهِ، وَزَوْجًا خَيْرًا مِن زَوْجِهِ، وَقِهِ فِتْنَةَ القَبْرِ وَعَذَابَ النَّار") علا صوتهن بآمين جاءت من عمق قلوبهن ليأتيهن صوت سلطان يقول "هيا لنذهب، حان موعد رحيلنا" التفتت له سارة باحتياج فمد لها بسكون كفه لتتمسك به فيما قالت ملاك "هيا يا حور" قالت تولين ببكاء "اتركوني وحدي لدقيقة" قالت كنزي باعتراض "ولكن " ليقاطعها صوت مؤيد وهو يقول "سننتظرك جميعا في الخارج يا حور" لم ترد أبدا وكلها يلتفت لقبر عادل فيما دفع مؤيد كنزي وملاك خارجا لتقفا بجوار سما وفرحة وأم ملاك ونساء الحارة جميعا، ظلت تنظر لقبره وبداخلها شعور غير مفهوم جعلها تخرّ على قدميها ولدقائق ظلت تبكي ب**ت لا تجد ما تقوله لتنف*ج شفتاها في حرقة تقول "سامحني إن كنت حمّلتك ما لا تطيق، سامحني لأنني دخلت حياتك وعبثت بها، أشعر أنني استنزفت باحتياجي لك كل طاقتك فوضعتك في نيران أدركها لكن لم يكن بيدي، سامحني يا عادل كما دأبت أن تفعل، لم يكن لك من اسمك نصيب أبدا منذ عرفتك، إذ أنك ظللت تظلم نفسك وتعبر فوقها وأنا ظللت أشاهدك وأنتظر النبذ منك طويلا إلا أنني اكتشفت في النهاية أنني كنت أ**ق مما ظننت وأنت أنبل مما اعتقدت، عشت وسيما نبيلا كريما كما لم أرَ ومتّ كذلك، أدعو الله أن يرزقك الفردوس الأعلى جزاءً بما صبرت، أتمنى إن كنت تسمعني أن تسامحني ففقدك اليوم يشعرني أنني فقدت أبي مجددا فقد كنت لحياتي دفئا، فماذا أفعل الآن؟" بكت مجددا ثم تحاملت على نفسها للوقوف غير عابئة بملابسها التي أُتربت بشدة وقبلت كفها كما كان يفعل ثم ملست به على قبره وهي تقول "الوداع" ثم تحركت نحو الخارج تكاد لا تحملها أقدامها لكنها لن تسقط إلا في سريرها، كفاها سقوطا أمام الناس فتكفيها نظرات الشفقة وكلمات المؤازرة التي تقتلها خارج مقابر الجوهري التي دُفن فيها عادل وقف مؤيد يأخذ كنزي تحت ذراعه وعيناه تمشطان المكان ليتأكد أن الحراسة تحيطه من كل اتجاه ثم قال لطاهر الذي اقترب منهما تاركا سما المنهارة بحزن في أحضان فرحة "طاهر، أنا سآخذ حور معي لتبقى مع كنزي وكما تعلم ستكون في الحفظ والصون، منزلي منزل أخيها، أظن هذا أفضل لها" قال له طاهر بهدوء "أعلم يا مؤيد كيف تهتم لأمر حور ولكن أظن أن منزلها أنسب مكان لبقائها، نحن جميعا معها وحولها لا تقلق، أنا أدرك ما هي مقبلة عليه لكنني أعلم كيف سأساعدها بإذن الله" تدخلت كنزي قائلة "أنا أعلم أنها ستكون مرتاحة لكنني أريدها معي ولن أستطيع تركها وهي بهذا الضعف والانهيار، إن كنت أستطيع التواجد في الحارة هذه الفترة ما كنت لأبالي ولكن كما تعلم الحرب مازالت دائرة بين شاهين والشافعية" قال طاهر بإرهاق "أعلم يا كنزي ولكن صدقيني حور تحتاج لمساحة، محاصرتك لها لن تفيدها بشيء ثم يمكنك القدوم لها متى سمحت لك الظروف وبإذن الله تنتهي تلك المشاكل قريبا فالأمر أصبح مخيفا حقا" تن*د مؤيد بتعب اشتد عليه حين ذكر طاهر أمر الصراع الدائر وقال "إذاً ليس هناك طريقة أستطيع إقناعك بها" تدخل سلطان بالحديث قائلا بغضب "مؤيد ما تقوله مرفوض شكلا وموضوعا، هل يمكنك أن تفسر لي ماذا يمكننا أن نقول للناس عن السبب الذي سيجعلها تترك بيتها الذي يسكن به أخوها وتأتي لتقضي فترة عدتها لد*ك وأنت رجل أعزب لا تقرب لها من قريب ولا بعيد؟ الفتاة أصبحت أرملة فيجب أن نحافظ عليها لا أن نجعلها لقمة سائغة في أفواه من لا يتقون الله، حور ستبقى في منزلها وكلنا أهلها، أمام الجميع طاهر والعم صلاح عائلتها ونحن جيرانها وإخوتها إذا لزم الأمر، الفتاة أصبحت أمانة ويجب أن ننتبه لكل ما يمسها" هز مؤيد رأسه بموافقة وقال "أنت محق يا سلطان، أنا فقط كنت سأبقى مطمئنا لو بقيت مع كنزي، أشعر بالراحة وهما معا فعلى الأقل لن تعاني إحداهما من وحدتها" قال سلطان بجمود "اترك أختك يا مؤيد في الحارة، أنا متأكدٌ أنه لن يطولها بشر مادامت معنا فكما تعلم إذا دخلت الحارة قدم غريبة فالكل يلتفت لها، وغير هذا يمكنك ترك بعض رجالك تحت المنزل لزيادة الأمان رغم أنني متأكد أن الأمر لا يستدعي ذلك" قال طاهر "أظن كلام سلطان أنسب حل، لتعود كنزي معنا" مال مؤيد يقبل رأس أخته ويقول "حسنا سأوصلها ولتبقى معكم حتى ينتهي العزاء وبعدها ستضطر للرحيل" ربتت كنزي على قلب أخيها وقالت بحب "لا تقلق عليّ سأكون بخير إن شاء الله" أهداها مؤيد نظرة احتواء فاقترب عمر يقول لأخيه "كل شيء كما طلبت، تجهيزات العزاء وغيرها، هل هناك شيء ناقص؟" ض*ب على كتف أخيه بفخر وقال "لا، نحن ننتظر حور" لحظات **ت مرت ثقيلة قبل أن يقترب رضا وخلفه إخوته فتوتر جسد سلطان وأحاط كتفي أخته بحميةٍ من أعين كرم التي كانت تسترق النظرات بشوق لها أصبح يعذبه وقال "البقاء لله، رزقكم الله الصبر على فقدكم وإنا لله وإنا إليه راجعون" قال طاهر "أعز الله بقاءك يا شيخ رضا، لقد أتعبناكم معنا" حاول رضا غض بصره عن تلك المتوارية في كنف أخيها وهو يقول "لا تقل هذا الكلام يا طاهر فنحن أخوة وعادل كان جارا لنا لسنوات لم نرَ منه إلا سماحة النفس وطيبة القلب، أسكنه الله فسيح جنانه" قال الجميع بصدق "آمين" نظر هلال للجمع وقال "أين حور لنقدم لها واجب العزاء؟" رد سلطان قائلا "مازالت في الداخل، لتؤجل تقديم عزائك هذا فالعين مسلطة عليها ولا نريد لأحد أن يتحدث وسارة ستبلغها تعازيك" كان كلام سلطان موجها لشخص كرم الذي سبق وطلب يد تولين لترفضه وتتزوج من عادل فاحمرّ وجه كرم بشدة فيما سارع عيسى يقول لسارة "وأبلغيها عزائي أنا أيضا، فليلهمها الله الصبر" نظرت له سارة وقالت "آمين سأفعل بإذن الله" خرجت تولين فوجدت فرحة وسما يقفان أمام باب المقبرة وخلفهما سيد الذي نظر لها بحزن فتلقت حضن سما القوي بطيب خاطر وسمعتها تقول "أنت قوية ومؤمنة بالله، وعادل في الجنة ونعيمها بإذن الله" همست تولين بوهن "بإذن الله" لم تدرِ كيف انتقلت لحضن فرحة التي واستها بكلمات عن قوتها فتمنت لو أنها تستطيع أن تصرخ بالجميع أنها ليست سوى قشه مت**رة إلى ألف جزء ولكنها **تت وكنزي تقترب لتأخذ بيدها إلى السيارة التي كان يقودها مؤيد وبجواره عمر فمالت على كتف كنزي وقالت بصوت يكاد لا يسمع "أريد أن أعود لمنزلي" ردت عليها كنزي وهي تملس فوق حجابها الأ**د "دقائق وسنصل بإذن الله" انطلق سيد وفرحة مع طاهر وسما وانسحب رجال الحارة الذين شاركوا في مراسم الدفن وبعض النساء في سيارات جلبها سلطان الذي وقف يشرف عليهم ليطمئن أن الجميع قد صعد، فاستغل كرم الفرصة واقترب من سارة التي كانت تقف بجوار ملاك وقال "سارة" كأن نطقه لاسمها جحيم، فهو كما تعود أن يفعل حين يكون هادئا ينطق اسمها بفتح جميع حروفه كأنه يخبرها أنها تسر قلبه ولكن هذا ما كانت تتوهمه في الماضي، بجمود الثلج التفتت له بدون أن ترد ليجد ملاك أيضا تنظر له فاحمرّ وجهه يشعر بالعجز والغباء والحمق وتاه الحديث من شفتيه لتقول بطريقة باردة "نعم" حاول أن يجد ما يقوله فلم يسعفه عقله سوى بأن يقول "كنت أريدك أن توصلي عزائي أنا أيضا لحور" سكينة صدئة غرزت في ص*رها ولكنها نظرت له بجمود وقالت "ملاك أوصلي عزاءه لحور من فضلك" فقالت ملاك بارتباك "سأفعل" فأشاحت سارة بوجهها وابتعدت نحو أخيها متجاهلة كرم كليا كأنها هواء عاصف بعثره ورحل، ودعها بنظرات لا تع** أعاصير قلبه وهو يسأل نفسه متى سينتهي من الكوارث الطبيعية التي بداخله
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD