زمت هزان شفتيها و سألت" و ياغيز؟ الم يساعدها؟ " أجاب" لا..هو الآخر كان مشغولا بنفسه" لم تفهم هزان ما قاله فقالت" ما أعرفه أنه يفهم في أمور صنع النبيذ ..لذلك سألت" صمت ايلكار قليلا ثم رد" معك حق..كان والدك المرحوم قد أخبرني بأنه يستطيع ادارة المصانع و غيرها..لكنه كان مدمنا على الكحول طيلة سنوات..و كان يتلقى العلاج..لذلك لم يكن قادرا على مساعدة أختك" مررت هزان أصابعها خلال شعرها و لم تقل شيئا..كانت في أعماق نفسها تعلم أن فراقهما قد آذاه هو أيضا..لأن الحب الذي كان يجمعهما كان كبيرا..لكنها كانت تستبعد أن يقع فريسة للكحول و أن يصبح مدمنا..فلطالما كان صاحب شخصية قوية و متوازنة..و كان يفعل كل ما بوسعه للحفاظ على سلامة صحته و جسمه..قالت" فهمت..المهم الآن..أريد منك شرحا تفصيليا للوضع المالي و التسويقي للماركة و للمصانع لكي أعرف من أين سأبدأ" قال" كما تأمرين هزان هانم" ثم أخذ يخبرها بالتفصيل عن كل الصعوبات التي تمر بها ماركة شامكران للنبيذ..بعد حوالي ساعة..وقفت هزان بجانب النافذة و أخذت تنظر إلى كروم العنب المحاذية للقصر..ثم قالت" سأعمل على إيجاد حل سريع نتدارك به الوضع..لكنني أريد منك أن تساعدني" وقف ايلكار و قال" طبعا..هذا من دواعي سروري هزان هانم" ابتسمت و مدت يدها تصافحه..وضع يده في يدها و قال" اسمحي لي هزان هانم بأن أعبر لك عن اعجابي بك..بجمالك..و بشخصيتك القوية..و انا واثق بأنك ستنجحين في إعادة مجد الماركة" ابتسمت و قالت" شكرا لك إيلكار باي..اريد منك الآن أن تنتظرني في السيارة..و سأوافيك بعد لحظات لكي نذهب معا إلى المصانع" قال" تمام هزان هانم..كما تريدين"..خرج ايلكار من غرفة المكتب و تبعته هزان..طلبت من الخادمة اخبار الجميع بأنها تنتظرهم في الصالون..بعد لحظات..كانوا يقفون أمامها في انتظار ما ستقوله..قالت" أعتذر لإزعاجكم..لكن هناك أمرا هاما علي أن أخبركم به" سألت سيفنش بنفاذ صبر" قولي" قالت" لن أطيل..لقد قررت أن أقبل الميراث الذي تركه لي والدي..و سأشرف بنفسي على ادارة أمور المصانع و الكروم..أتمنى ألا يكون هناك معترض" قالت نازان" عن أي اعتراض تتحدثين؟ هزان..أنت صاحبة حق..و لا يحق لأحد أن يعترض على ذلك" سحبت سيفنش ابنتها جيداء و صعدت إلى الطابق العلوي..أما ياغيز فنظر إليها بعيون تع** سعادته و فرحه بقرارها لكنه لم يقل شيئا..اقتربت نازان من أختها و عانقتها و هي تقول" جيد ما فعلته أختي..أنا سعيدة لأنك ستبقين معنا هنا" ربتت هزان على ظهر أختها و قالت" شكرا أختي..سأذهب الآن إلى المصانع" ابتعدت عنها نازان و قالت" عزيزتي..أنا آسفة لأنني لم أستطع أن أدير المصانع كما يجب..أنت تعلمين أنني لا أفهم بأمور العنب و صنع النبيذ..كل ما أجيد فعله هو كتابة قصص الأطفال الصغار..أتمنى أن تستطيعي أن تنقذي الماركة..أنا واثقة أنك ستنجحين في ذلك" ابتسمت هزان و لامست وجه أختها و هي تهمس" لا تلومي نفسك..ما حدث لم يكن ذنبك أنت..اذا بقيت أتحدث معك هنا..سأتأخر..إلى اللقاء يا حلوة" و حملت حقيبتها و مرت أمام ياغيز الذي تابعها بعيونه و خرجت..ركبت السيارة صحبة إيلكار و انطلقا معا..رحب العاملون في المصنع بهزان و اصطحبها ايلكار و مدير العاملين في جولة في المكان..لاحظت هزان أن الآلات تحتاج إلى صيانة و تجديد..و أن طريقة تصنيع النبيذ قد صارت تقليدية و تحتاج إلى إنتاج شيء لا يشبه سابقيه..منتج يكون مختلفا في المذاق و طريقة التعليب و التغليف..كانت تعلم أن ذلك سيحتاج منها إلى وقت و جهد كبيرين..لكنها كانت مصرة على فعل ما تبرع في فعله..اجتمعت بالعاملين و أخبرتهم بأن يوقفوا عملية التصنيع في الوقت الحالي إلى أن تعطيهم الوصفة الجديدة و أن تستورد آلات حديثة..انتهى الإجتماع فوقف ايلكار بجانبها و قال" هزان هانم..ما رأيك أن نتناول الغداء في مطعم قريب؟ لقد تعبت كثيرا" قالت" معك حق..و جعت كثيرا ايضا..هيا لنذهب" و خرجا معا..رسمها..عندما رأى هزان تدخل إلى المطعم صحبة إيلكار..كانت تبتسم بعفوية و السعادة بادية على محياها..تعلقت عينا ياغيز بها..و انتابته مشاعر قاسية..موجعة..و مرة..مشاعر ظن أنه نسيها منذ خمس سنوات..مشاعر الغيرة العمياء..اضطرب و ارتعشت يده التي تحمل كأس الماء حتى كاد يسقط أرضا..تسارعت انفاسه و غلت الدماء في عروقه..يكره ابتسامتها تلك و التي ترتسم على وجهها بوجود شخص آخر غيره..يكره تواجدها مع أي رجل..حديثها معه..قربها منه..تصرفها بعفوية معه..لم تنتبه هزان لوجوده..كانت منشغلة بأحاديث إيلكار الخفيفة و الممتعة..وجدت رفيقا لا تمل من صحبته..و ناصحا أمينا يساعدها في العمل..سحب لها ايلكار الكرسي لتجلس فجلست و هي تشكره ثم جلس قبالتها..واصل ياغيز مراقبته لهما..احتسى كأس نبيذه دفعة واحدة و صار يهز رأسه لرفيقه لكي يوهمه بأنه يستمع إلى كلامه و يفهم ما يقوله..لكن عقله كان في مكان آخر..ففي تلك الليلة..و بعد أن عرف بأن أمين طرد هزان و اتهمها بقتل أخيها الصغير..وقف قبالة أمه و دافع عنها..قال" أمي..مستحيل أن تفعل هزان ذلك..هزان تحب أخاها و لا يمكن أن تؤذيه..لا بد أن هناك خطئا ما" يومها..ثارت ثائرة أمه و صاحت في وجهه" أنت أعماك حبها و لم تعد ترى شيئا سواها..آتش غوزليريني..افتح عينيك..تلك الفتاة تكرهنا..و لا تريدنا أن نكون متواجدين هنا..لا تريد أن يشاركها أحد في الميراث..و أنت..أمتأكد انها تحبك؟ من يدري؟ ربما هي تخدعك فقط" قال" هايير..أنا متأكد أنها تحبني..و واثق من براءتها..سألحق بها ..لن ادعها لوحدها في هذا الطقس الماطر" ضحكت يومها أمه و قالت" هذا ما تجيد فعله ذاتا..الحق بها..و اتركنا هنا..نبكي أخاك الصغير الذي قتلته تلك القاتلة" ..خرج مسرعا..بحث عنها هنا و هناك و لم يجدها..لم يبقى سوى ذلك المكان الذي يكره أن تتواجد فيه..يغار عليها من كرم..لا يريدها أن تلتقي به أو أن تتحدث معه..يجن جنونه كلما رآه بقربها..تمنى ألا تكون هناك..لكنها كانت..و خيبت أمله..و جرحت قلبه..و ليتها علمت أنه كاد على استعداد لكي يسامحها رغم أنه يعلم انها خانته..نعم..لقد ذهب إلى اسطنبول بعد حوالي السنة لكي يبحث عنها..و يخبرها بأنه سامحها رغم خيانتها..ذهب لكي يعيدها معه..لكنه رآها هناك..صحبة ذاك الذي خانته معه..و فضلته عليه..فعاد من حيث أتى..و دفن نفسه بين زجاجات النبيذ..حقد عليها يومها..كرهها ..لعنها..و لعن نفسه لأنه فكر مجرد تفكير في مسامحتها..فكرة أن يلمسها رجل آخر غيره مزقته و قتلته..أن يقبلها..أن يعانقها..أن يعاشرها..كل ذلك ينهيه ببطئ..لكن حبه لها..كان يثبت أنه في كل مرة أقوى من كل شيء..حتى من فكرة أن تكون خانته مع رجل آخر..فهاهي السنين تمضي..و ها هو يعود إلى نقطة الصفر..إلى غيرته المجنونة عليها..يراها تجلس أمامه صحبة رجل آخر..تحادثه و تضحك معه..هو يعرف جيدا ما تحب و ما تكره..يعلم أنها ستضع المنديل على ثيابها كأول خطوة..ثم سترفع كأس الماء إلى شفتيها لتشرب..ثم ستطلب إما لحم دجاج مشوي مع السلطة..أو حساء مع السمك..متأكد هو بأنها ستغمض عينيها مع أول لقمة ستضعها في فمها لكي تتأكد من مذاق ما تأكله..و بعد ذلك..ستشرب كأس نبيذها الأحمر على مهل لكي تجعله يلامس كل ركن في فمها قبل أن ينساب إلى داخلها..إلى هذه الدرجة هو عالم بتفاصيلها و عاشق لها..لكنها صارت أبعد من السماء عن الأرض في حين تجلس على بعد خطوتين منه فقط..لو لم يتزوج أختها لربما كان الوضع أسهل مما هو عليه..لكنه وجد نفسه داخل وضع معقد لا يدري أيلومها هي عليه أم يلوم القدر أو يلوم نفسه و ادمانه على الكحول..فلو لم يثمل تلك الليلة إلى تلك الدرجة..و لم تظهر نازان أمامه بثياب النوم ..و لو لم يكونا لوحدهما في القصر..و لو لم يتخيل أن هزان هي التي تقف أمامه..لما كان حدث ما حدث..يفتح باب القصر و هو يتمايل..يدخل..يرى نازان أمامه بثوب نوم قصير..تقترب منه لكي تساعده..تدخله إلى غرفته..تجلسه على سريره..تهم بالإبتعاد عنه لكي تصنع له فنجانا من القهوة..يمنعها..يتخيل أن هزان هي الواقفة أمامه..يشدها نحوه بعنف..يقبلها بقوة..يعاتبها..يعاقبها ..يعاشرها بشيء من الوحشية و كثير من الحب..ليستيقظ في الصباح على مشهد غريب..نازان معه في سريره..دماء تلوث الملاءة..و أمين و سيفنش يقفان فوق رأسهما..و يقرران تزويجهما بأقصى سرعة..