مررت هزان أصابعها خلال خصلات شعرها القصير..أغمضت عينيها و ضغطت على مقبض الباب بقوة..و مرضها هو مصيبتها الأخرى و التي عانت منها خلال السنوات الماضية..عندما اكتشفت اصابتها بمرض السرطان..سرطان الدم..و من المضحك المبكي أنها كانت لوحدها..دون سند..دون مال يسمح لها بالتداوي..دون أحد يقف إلى جانبها أو يساعدها على تجاوز محنتها..كان قاسيا جدا عليها أن يعالجها الدكتور أوموت دون مقابل..و أن تتكفل جمعية خيرية بمصاريف العلاج الكيمياوي و بقاءها في المركز الطبي..قد يكون شفاءها منه بفضل متبرع بنقي هو الأمر الوحيد الإيجابي الذي حدث معها خلال تلك السنوات..و لذلك يتصل بها أوموت من فترة إلى أخرى لكي يطمئن على إجراءها للتحليل الدوري..هو تحليل روتيني تجريه لكي تتأكد أن المرض لم يعد إليها..كرهت نفسها عندما كانت تنظر إلى وجهها في المرآة..و إلى رأسها الأصلع ..دون شعرة واحدة..مرحلة قاتمة و سوداء يرتعد جسدها بقوة كلما تذكرتها..فقدت ذلك الشعر الطويل الذي كان يعشق والدها مداعبته..فقدت احساسها بأنها أنثى تحب و تعشق ..فقدت رغبتها في الحياة شيئا فشيئا..لكن وجود الدكتور و بعض المرضى الآخرين الذين كانت تلتقي معهم كان يعطيها الواساة التي لم تجدها من أقرب الناس إليها..مسحت هزان دمعة سخية سالت على خدها..و فتحت الباب و خرجت..وجدت إيلكار واقفا مع ياغيز..قالت" إيلكار باي..أريد أن أتحدث معك لو سمحت" ابتسم ايلكار و قال" طبعا هزان هانم" و تبعها إلى الحديقة..جلسا معا على المقاعد المغطاة بقماش حريري بني اللون..سأل إيلكار" ايي هزان هانم..ماذا قررتي؟" صمتت هزان قليلا ثم أجابت" كابول ايدامام..لا أستطيع أن أقبل..أنا آسفة..أنا أرفض الميراث الذي تركه أبي لي" نظر إليها إيلكار للحظات..تفحصها بنظرات فضولية..ثم قال" لا أعلم ماذا حدث معك..أو لماذا كنتي بعيدة عن العائلة..و بصراحة..لدي رغبة قوية في معرفة ذلك..أتمنى أن تأتي تلك الفرصة التي ستكونين فيها قادرة على التحدث معي عن الماضي..أما بخصوص الميراث..فأعتقد أنك يجب أن تفكري أكثر بالأمر ..ما تركه المرحوم من حقك..و لا أحد يستطيع أن ينكر ذلك..أو يناقشه..إذا كنت خائفة من اعتراض أحد أفراد العائلة على ذلك فأنا اطمئنك بأن.." قاطعته" هايير..ليس هذا ما قصدته..أنا أرفض هذا الميراث لأنني لا أريده..أرجوك..تصرف على هذا الأساس" وقفت هزان و وقف إيلكار قبالتها ..تن*د بعمق و قال" لسبب لا أعلمه..أشعر أنك يجب أن تقبلي..أشعر أن هذا الميراث أقل من حقك حتى..أشعر أنك الوحيدة القادرة إدارة المصانع و الشركات..و لا أستطيع أن أفهم سبب رفضك" نظرت إليه هزان و قالت" لدي أسبابي الخاصة..هذا كل ما في الأمر..و الآن عن اذنك" و تحركت مبتعدة ..تابعها إيلكار بعيونه..تمنى أن يكون قريبا منها أكثر..أن يفهم سبب الحزن و اليأس الذي يغلف نظراتها..أن يعرفها أكثر و أن يغوص في أعماق ماضيها و حياتها..عله يكون قادرا على مواساتها و على محو حزنها..لكنها كانت متباعدة و صامتة..في طريقها إلى غرفتها..اعترضها ياغيز و سد الطريق أمامها..نظرت إليه بغضب فقال بسخرية" نولدو؟ ماذا حدث؟ هل اتخذت قرارا ؟ " ابتسمت و أجابت" و لماذا تسأل؟ فيم يعنيك الموضوع؟ ..إذا كنت تخشى أن آخذ حق زوجتك و أن أشاركها في ميراثها..فلا تقلق..أنا ذاهبة..سأعود من حيث أتيت..و تستطيع أخذ كل الأموال أنت و نازان..لا مكان لي هنا" لمعت نظرة حزن في عيون ياغيز سرعان ما أخفاها و هو يقول" لا علاقة لي بالميراث..أنتما ابنتا المرحوم و الميراث من حقكما فقط..أنا أردت فقط أن .." قاطعته" لا تقل شيئا..اذهب إلى زوجتك و دعني و شأني" ثم ازاحته عن الطريق و دخلت إلى غرفتها..بقيت هزان في غرفتها..و لم تنزل لتناول العشاء مع العائلة..كانت في مزاج سيء لا يسمح لها بتحمل نظرات الجميع و تساؤلاتهم..جاءت إليها أختها و حاولت اقناعها بالجلوس معهم لكنها رفضت..بعد حوالي الساعتين..هدأ المنزل و خلد الجميع إلى النوم..ارتدت هزان معطفها و خرجت..جهزت لنفسها كوبا من الشاي الأخضر حملته في يدها و خرجت إلى الحديقة..تمشت بجانب المسبح و هي تحتسي شايها..انحنت و أخذت تلامس الماء بيديها..لطالما كانت تكتفي بذلك أصلا..لأنها لا تجيد السباحة..عادت ذكرياتها القديمة إلى اقتحام خلوتها..ذكريات اليوم الأول الذي تقاربت فيه مع ياغيز و اتقدت شرارة العشق في قلوبهما..كانت يومها تلعب مع أختها نازان..يجريان خلف كلبتهما اولغا..تصيحان بصوت عالي و تتسابقان..و لم تنتبه هزان يومها إلى المسبح خلفها..فوقعت..و أخذت تتخبط و تضرب المياه بيديها..و سرعان ما نزل ياغيز إليها و حملها بين ذراعيها منقذا إياها من الغرق..كان منظر شعره و جسمه المبلل مثيرا و جميلا..منظر لم يفارق خيالها طيلة سنوات..مازالت تتذكر عندما مددها على حافة المسبح و أخذت يداه الدافئتين تلامسان وجهها و جسمها..إلى أن فتحت عينيها و رأت وجهه الجميل أمامها..خجلت و احمرت وجنتاها و أخذت تهرب بعيونها منه..أما هو فكان قد أنقذها هي من الغرق..فيما غرق هو في عيونها و تفاصيلها الرائعة..ابتعدت هزان عن المسبح و واصلت جولتها حول القصر..وصلت إلى المنزل الصغير و الذي كانت عائلة العم جنيد تقطنه..وقفت أمامه مطولا..ابتسمت عندما تذكرت أن كرم كان هو الوحيد الذي سأل عنها و تواصل معها بعد رحيلها عن المنزل..هو الوحيد الذي وقف بجانبها و حاول مساعدتها بكل الطرق الممكنة رغم قلة حيلته..كان فعلا نعم الصديق الصدوق..و الآن..هو يعمل سائقا لدى الدكتور أوموت و عائلته تعمل عنده أيضا من بعد أن قررت سيفنش طردهم من القصر..مررت هزان يدها على الباب ثم التفتت ليرتطم جسدها بجسم ياغيز الواقف خلفها تماما..شهقت هزان برعب فأحاط ياغيز كتفيها بيديه و هو يقول" ..لا تخافي..هذا أنا" ابتسمت بسخرية و أبعدت يديه عنها دون أن تنطق ببنت شفة..ابتسامتها الساخرة استفزته فقطع الطريق أمامها و منع تحركها و هو يقول" ماذا كنت تفعلين هنا؟ لماذا أتيتي إلى هذا المنزل؟ هل تريدين أن تتذكري خيانتك لي؟ هل تريدين أن تتذكري كيف طعنت قلبي و غدرت بي؟ هل اشتقت إلى عشيقك؟ لا أستغرب ذلك..فأنت تقضي معه معظم وقتك..أليس كذلك؟" رفعت هزان حاجبها استغرابا و سألت" ماذا؟ من أين عرفت أنني ألتقي بكرم أو أقضي معه وقتي؟ هل كنت تراقبني طيلة السنوات التي مضت؟ هل كنت تريد أن تتأكد من خيانتي؟ " رفع يده في وجهها و هو يجيب بالنفي" لا..هي مرة واحدة ذهبت فيها إلى اسطنبول و رأيتك معه..تمشيان معا و تضعين رأسك على كتفه..لا عمل لي معك..و لم أرد أن أراقبك..كل ما في الأمر أنني" قاطعته" أنك ماذا؟ ..فعلا..لا عمل لك معي..و لا يعنيك ان كنت ألتقي بكرم أو لا..أتعلم..لن أجيبك على أي سؤال يقض مضجعك و يؤرقك..اكتفي بتصديق ما تراه كما اعتدت أن تفعل..و الآن..عن اذنك" و قبل أن تتحرك خطوة واحدة جذبها ياغيز بعنف من ذراعيها ليلتصق جسمه بجسمها و هو يتكلم من بين أسنانه" كيف استطعت أن تفعلي بي ذلك؟ ألم تفكري و لو لمرة واحدة كم ستؤذيني خيانتك..ها؟ أجيبي..ألم نكن نعشق بعضنا كالمجانين؟ ألم نكن قد اتفقنا على الزواج و تعاهدنا على الوفاء لبعضنا أمام الجميع؟ لماذا خنتني؟ لماذا سلمت نفسك له في حين ادعيت الشرف و العفة معي؟ لماذا أهنتني و جرحت كرامتي و رجولتي؟ لماذا فضلته علي؟ هل وقعت في حبه إلى الدرجة التي جعلتك تسلمينه نفسك؟ و لماذا لم تواجهيني بالحقيقة؟ لماذا؟ أجيبي و لو على سؤال واحد من هذه الأسئلة التي نخرت رأسي طوال سنوات..أرجوك" كانا قريبين جدا..عيونهما تنظر إلى بعض..أنفاسهما متلامسة..دقات قلبيهما متسارعة..و الدماء تغلي في عروقهما..ردت هزان ببرود" لن أفعل ذلك..لن أجيبك..و اتركني لو سمحت قبل أن أصرخ و أوقظ كل من في القصر"..