عاد طاهر للواقع ، ليفيق على سيل من الدموع تغرق وجهه ، كان يأمل أن تعود ، كان كالغريق الذي يتعلق بقشة لينجو من الهلاك ، فقد اطمأن لكلام الطبيب آنذاك ، و صدق ان لنجاتها من الحادث سببآ و هو انها ستحيا مجددآ ، لتعتنى معه بإبنتهما ، و لتشاركه الحياة حتى يصبحوا ب*عرآ أبيض و تصبح لثتهم فارغه من الأسنان ، و لكن سبب نجاتها انه كان هناك بعض الأيام التى ما زالت فى خزانة عمرها و لابد أن تنتهى منهم أولآ لترحل دون عوده ، لتتركه يتألم كلما نظر بوجه ابنته التى تشبهها كثيرآ ، لتتركه وحيدآ يعانى مرارة الفقد و الشوق ، و يمزقه وجع الفراق تمزيقآ ، يتعجب فلم احبها لطالما سترحل بالنهايه ؟! ، له أصدقاء كثر متزوجون و لكنهم لا يحبون زوجاتهم و ي**نونهم بمنتهى الأريحيه ، و لكنهم لا يفرقهم شيئآ ، لم إختاره القدر لهذا الإبتلاء الصعب ، يحب زوجته حد الجنون ثم تتركه ليصعب عليه حتى النظر لغيرها بعد أن رحلت ، ليس أن ي**نها و هى معه على قيد الحياة .
فلم أنا ؟؟ ، لم انا ذاك المخلص حتى بعد الرحيل الذي يتعذب و يفقد من أخلص له فى وجوده و فى غيابه ؟ ، يا الله ، فعذاب قلبى لا يود الانتهاء ، بل يغتنم الفرص ليذكرنى بكل مامضى بكل ما عيشته معها و بكل ما عانيته بعد ان فقدتها ، ناريمان ، هل لكى ان تعودى و لو حتى بالخيال ؟؟
انا على أتم الإستعداد أن أجن لو كان هذا الجنون سيجعلنى أراكى و اتحدث معك بشكل إستثنائى ، عودى ناريمان و لو حتى بإختلال عقلى ، فـ الجنون بذاته أن أحيا و انتى لست بجانبى ، أشعر بأننى هنا لأعذب .
أهناك حساب فى الآخرة أم اننى أحاسب الآن ؟؟؟
- طاهر ، طاهر مالك .
أفاق طاهر على تلك الكلمات التى خرجت من فم أخيه عمر .
- هه ، مفيش ، سرحت شويه .
تطلع به عمر بعمق فلمح الدموع فى عينيه .
- انت متأكد انك كويس ؟
- ايوا متشغلش بالك ، كنت هتقول ايه .
- قعدتنا هنا مالهاش لازمه ، يلا نروح و الصبح بدرى هنيجى .
- ماشي يا عمر ، يلا .
طاهر المنذر بركان كأخيه عمر و لكنه بركان خامد ، و ان اشتعل لا يشتعل سوى فى نفسه فقط ، ترك لعمر إدارة زمام الأمور ، و جل أحلامه و أمنياته أن يحيا أيامه المتبقيه من عمره فى هدوء و وحده يعشقها ، لولا إبنته التى لا ذنب لها لكان تمنى الموت ليلة وفاة زوجته التى كانت بالنسبه له أكثر بكثير من مجرد زوجه ، تغيرت حياة هذه العائله كثيرآ ، و كان تغيرآ غريبآ بالنسبه لكل من يعرفهم ، فكل منهم أخذ مكان أخيه فى إدارة حياته ، فعمر الذي كان لا يهمه العمل و لا يحب حتى أن يتدخل بشئونه ، أصبح الآن منكبآ عليه لا يتركه بأى حال من الأحوال ، و كأنه يصب جام غضبه فى العمل فتعلو مكانة الشركة مقابل أن ينسى آلام قلبه و روحه المعذبه .
و كان طاهر هو من يهتم بشركات والده و يديرها بحرفيه فائقه ، و لكن بعد وفاة زوجته ، زهد فى كل شئ ، أصبح لا يريد أن يخرج من غرفته ، ليس لدى عقله متسع أن ينشغل بالصفقات و الاتفاقيات عن من غابت و تركته وحيدآ وسط أطلال من العذاب ، فيكاد يجزم أنها أخذت روحه معها و تركت جسدآ فقط ليعتنى بإبنته وحيدة هذه الحياة مثله تمامآ .
كان عمر يقود السيارة متوجهآ إلى المنزل و الى جانبه يجلس طاهر ، و كل منهما ضائعآ بين أمواج من الأفكار يتلاطم بها و لا يجد شاطئ ليرسو عليه و يرتاح من عذاب عقله المستمر .
وصلا الأخوان أخيرآ إلى منزلهم ، ليجدوا بسمه تقف فى إنتظارهم وتسأل و الخوف يطل من عينيها .
- بابا عامل إيه ؟
و لكن كان ردهم عليها خالى من الكلمات ....
حيث عبر كل منهم بجانبها متجهآ إلى غرفته دون حتى النظر فى وجهها .
فنظرت اليهم متألمه تشعر بالندم على ما اقترفته فى حقهم جميعآ .
ثم توجهت إلى غرفتها و أجرت إتصالآ بممدوح ، و لكن انتهى اتصالها دونما رد منه فأعادت الإتصال مرات أخرى حتى أجابها فى النهايه .
- انت ما بتردش عليا ليه ؟
أجابها ممدوح ببرود :
- كده مش عايز أرد و لا اتكلم معاكى و لا مع غيرك .
أجابته بعصبيه واضحه :
- لا معايا و لا مع غيرى ، و لا معايا انا بالذات عشان مش قادر تكلمنى بعد اللى قولته لعمر ؟ ، دى أخرة ثقتى فيك ؟ ، عملتلك ايه عشان تفضحنى بالشكل ده و تتسبب فى ان كل اللى فالبيت يقلبوا عليا و بابا يدخل المستشفى بسبب اللى سمعه من عمر .
- بقولك ايه انا ما كنتش عايز ارد اصلا عشان عامل حساب وجع الدماغ ده و أكدتيلى ان كان عندى حق ، يلا بقى عشان مصدع .
تحدثت بسمه بصدمه :
- هو ده ردك و انا بحكيلك اللى حصل فى بيتى النهارده بسبب اللى انت قولته ؟! ، ده ردك على ان بابا تعبان و ممكن يروح فيها ؟
- والله بقى ده يرجع لغباء اخوكى اللى قال قدام راجل صحته على قده ، مش غلطتى انا .
كانت صدمة بسمه تعلو و تزيد مع كل حرف ينطق به ، حتى ان كلماتها خرجت من فمها مذهولة مثلها .
- انت واعى لكل اللى بتقوله ؟ ، انت مدرك انك فضحتنى ؟؟؟ ، مدرك انك بتتكلم كده دلوقتى على المنذر باشا بذات نفسه ؟
أجابها بتهكم و ضيق :
- بلا منذر باشا بلا بتاع بقى ، واقفلى احسنلك بدل ماسمعك الأسوأ
ثم أغلق المكالمه دون سلام.
نظرت للهاتف بصدمه ودموعها تجرى على وجنتها ساخنه حارة تعبر عن النيران التى تعتمل بداخلها .
لا تصدق ان هذا هو من أحبته و أخلصت فى حبه و انتظرته حتى انتهى من جميع الحجج و الاعذار التى تعطل تقدمه لها و طلبها للزواج ، لا تعلم ما السبب فى تغيره الى هذه الدرجة ، تعلم ان امرها افتضح على يده ، و لكنها كانت تتصل به لتبثه أوجاعها فيقف معها و تحتمى به من كل خوف ينتابها ، و لكنها صدمت بما فعل ، و لا تعرف بماذا تفسر جميع ما فعله اليوم ..
----------------------------
مجددآ تفيق من نومها على فزع ، فقد تجدد كابوسها الذي لا يود تركها و لا تعى ماذا يريد منها ذلك الكابوس اللعين .
إستيقظت صارخه ، فقدم إليها مسرعآ أخيها أمجد ..
- أحلام ، مالك فى إيه ؟
جلست على فراشها باكيه ، لا تعرف كيف السبيل للتخلص مما يلم بها فى معظم لياليها ، و لا يوقفه سوى النوم على الأذكار و الوضوء ، مهلآ !! ، فقد توضأت اليوم !! ، فلماذا إذآ رأت هذا الكابوس ؟ !!.
نادى عليها أمجد ليخرجها من هذا الشرود .
- يا أحلام ؟ ، بكلمك يابنتى ، اهدى كده و ردى عليا ، انتى شوفتى الكابوس اياه و لا ايه ؟
نظرت له و هى تجيبه
- ايوا مفيش غيره قالق منامى و مطلع عينى ؟
ثم استطردت قائله و هى تنظر بتجاه الباب .
- فين ماما ، هى مصحيتش ؟
- لا مصحيتش ، انا سمعتك كنت معدى من قدام اوضتك رايح اشرب ، فهى مالحقتش تسمعك و تصحي .
- طب الحمدلله مش كل يوم أقلقها كده .
- ايه حكاية الكابوس ده يا أحلام ، احكيهولى يمكن أفسرهولك .
ضحكت أحلام بالرغم من الضيق الذى تشعر به .
- مفسرين كتير معرفوش تفسيره انت هتعرف ؟
- يمكن يا ستى ، ما تقولى بقى .
- بشوف نفسي ماشيه فى شارع دايخه و تعبانه أوى و واحد لابس زى بدلة سودا كده و مستخبى ورا شجرة و الدنيا ليل و ضلمه و ماسك فى ايده سكينه و اول ما بظهر قدامه بيجرى عليا و هو موجه السكينه ناحيتى بس سكينته مليانه دم ، و اول ما بيجى يطعننى بيها بفوق و انا مفزوعه ، بس هو بيبقى عيونه مليانه دموع حتى وشه غرقان دموع ، زى ما يكون بيعمل كده و هو مش مبسوط .
- حلم غريب ، و الأغرب تكراره المستمر و كإن وراه رساله معينه .
- ما هو ده اللى بيخوفنى اكتر من الحلم نفسه ، مش عارفه هو بيتكرر ليه و عايزنى افهم ايه بالظبط ، قلبى بيقولى ان فى شئ معين لو عملته الحلم ده هيبطل يجى ، او يمكن يتبدل بحلم تانى او يمكن يكمل و الشخص ده يطعننى فعلآ و ساعتها تبقى نهايتى جت و هموت خلاص .....
قال لها بخوف :
- بس بس بس ، متكمليش ، ايه الكلام الزفت ده اللى بتقوليه .
- انا بتوقع مش أكتر ، بحاول اوصل لحاجه .
- متحاوليش توصلى لحاجه وحشه بالشكل ده و ارضي بحلمك و اللى بيحصلك و متفتشيش وراه ، سيبى الامور كده ، و اقولك على حاجه ؟ ، متتفزعيش تانى من الحلم ده ، احلمى بيه و كملى نومك و اصحى عيشي حياتك و خلاص ، و انسي اصلآ انك شوفتيه .
- تعرف انى اول مرة شوفت الحلم ده مكنتش مفزوعه ، صحيت مخضوضه و متضايقه و خلاص و نسيت ، لما اتكرر تانى هو ده اللى فزعنى ، لان كل مرة بحس ان دى اخر مرة و انى خلاص هيقتلنى المرة دى ..
قال لها أمجد و هو يحاول طمأنتها :
_ يا بنتي بطلي تشاؤم بقى ، اكيد صدفة ، و احتمال كبير يكون من عقلك الباطن ، لانه خلاص سجل خوفك من الحلم ده ، فـ بقى شغال فى عقلك الباطن و بمجرد ما تنامي بيظهرلك تانى فى الحلم ، و عادى يعنى متركزيش انتى بس بالله عليكي ..
تمنت أحلام لو ان كلام امجد صحيح ، و يكون كل ما تراه مجرد أفكار مختزنة فى عقلها الباطن تظهر لها فى هيئة حلم متكرر ...