عاد طاهر من الخارج متأخرآ ، ليس كما وعد رانيا أن يأتى مبكرآ ليلعب معها و يشاركها اللهو و الحديث .
دخل غرفتها فوجدها مازالت مستيقظة ، دخل الغرفة و اغلق الباب ورائه قائلآ بندم : انا اسف والله يا رنوش انى مجيتش بدري زى ما وعدتك ، بس والله كان غصب عنى ، جدو كان تعبان اوى و انا و عمو عمر كنا مع الدكاترة طول اليوم و بنشوف الفحوصات بتاعته و بنتابع معاهم حالته و محتاج ايه الفترة الجاية دى ، مسمحانى و لا لسه زعلانة ؟
رانيا :
_ لا طبعآ مش زعلانه يا بابي ، اهم حاجه جدو ، هو كويس دلوقتى ؟
طاهر بأسى :
_ ادعيله يا رانيا يا حبيبتى ، ادعيله يرجع بالسلامه و ربنا يشفيه .
رانيا بخوف :
_ هو ممكن جدو يروح عند مامي ؟
نظر لها طاهر بحزن ، فقد أشفق على فتاته التى عرفت الموت مبكرآ و رأته يخ*ف منها اعز الاشخاص لديها .
احتضنها بقوة قائلآ :
_ ان شاء الله ربنا يشفيه و يفضل معانا و ميسبناش .
قالت رانيا :
_ هى مامي مش هترجع تانى أبدآ يا بابي ؟
قال لها بحزن يقطع فؤاده :
_ لا يا رانيا ، اللى بيروح مش بيرجع تانى .
قالت رانيا :
_ يعنى لو انا روحتلها مش هرجع تاني زيها و هبقى معاها و هتشوفنى و هشوفها صح ؟
قال طاهر بخوف من ذلك الحديث :
_ ماتقوليش كده يا رانيا ، انتى فاهمه ، متقوليش كده تانى ابدآ ، انا عايش عشانك ، ازاى تقولى الكلام ده ، ازاى توجعي قلبي كده ، انتى شيفانى سليم و ناقص اسمع حاجه زى دى !
شعرت رانيا بانها ارتكبت خطأ ما لم تستطيع فهمه تحديدآ و لكن غضب والدها منها يشير الى ذلك ، فقالت و هى تحاول ارضائه :
_ انا اسفة يا بابي ، خلاص مش هقول كده تانى و هفضل معاك على طول مش هسيبك ابدآ ، بس انت كمان ماتسبنيش ابدآ ابدآ ، و لو خيرونى اروح لمامي و لا افضل معاك ، هختار انى افضل معاك يا بابي ، بس انت كمان تبقى معايا على طول و متسبنيش خالص ، اوعدنى بكده .
ابتسم لها و عينيه تدمع ، ثم اعادها الى ص*ره و هو يضمها اليه قائلآ :
_ الظاهر انك كبرتي خالص و انا مش واخد بالي من كده ، بقيتي أنسة عاقلة و بتعرف تتكلم كلام جميل و منسق ، و حاضر يا ستي ، اوعدك انى ماسبكيش أبدآ ابدآ ، بس عارفة ليه ؟
اخرجت رأسها من بين يديه و نظرت الى عينيه و هى تقول له : لا مش عارفة ، ليه يا بابي ؟
قال لها و هو يمسك بذقنها : عشان انا ماليش غيرك فى الدنيا و انتى سر سعادتى و سر وجودى فى الدنيا .
اعادت رأسها الى ص*ره و هى تقول : انا بحبك اوى يا بابي ، و النهاردة احلى يوم ليا من ايام كتير كتير عشان انت قاعد معايا دلوقتى و بنتكلم .
وعدها طاهر ان لا يغيب عنها مجددآ و انه سيقضي ايامه القادمة معها فى كل ليلة ، فقد شعر حقآ ان الجلوس معها افضل بكثير مما كان يفعله فى ايامه الماضية من سهر مع اشخاص لا يشبهونه و شرب خمر لا يليق مع تمسكه بأخلاقيات دينه و حرصه عليها ، و يعلم ايضآ ان الخمر يجعله يفقد التركيز لعدة ساعات قلائل و لكنه فى النهاية يفيق ليعود الى تذكر كل ما يحاول نسيانه ، فلا داعي اذن من فعل المحرمات و تضييع وقته مع من لا يستحقون .
""""""""""""""
دق باب غرفة رانيا ، فسمح طاهر للطارق بالدخول ، فدخلت بسمة ، تطلع بها ب**ت و وجهه تحول الى العبوث بمجرد رؤيته لها .
كانت خطواتها بطيئة و مترددة تخاف ان تسمع كلمات تؤذيها و امام رانيا ، فتوقفت عندما باتت قريبة منهم ، و قالت و هى تحاول ان تخرج صوتها متزنآ و لا تشعرهم بتوترها و خوفها ، ثم قالت :
_ ازيك يا طاهر ؟
طاهر بجدية :
_ الحمدلله ، عايزة حاجه يا بسمة ؟
تنحنحت بسمة بهدوء ثم قالت :
_ كنت عايزة اسألك عن بابا ، عامل ايه دلوقتى ، انا من امبارح مش قادرة اعرف اى اخبار عنه ، كنت عايزاك تطمنى عليه .
كانت كلمات طاهر التى رد عليها بها ترمي الى معنى تعرفه بسمه جيدآ ، و لكن من حسن الحظ ان رانيا لن تفهم ذلك المعنى بحكم صغر سنها و عدم معرفتها بما حدث امس :
_ اطمنك عليه ازاى ! ، واحد فى المستشفى بين الحياة و الموت ، تفتكري هطمنك عليه اقولك ايه !! ، اقولك ان الحمدلله اللى حصل امبارح مقضاش عليه مرة واحدة ، و انه لسه بيتعذب شوية على الاجهزة ! ، طيب يا بسمة ، باباكي فى العناية المركزة و حالته صعبه جدآ ، و فحوصاته مش كويسة ، ممكن تدعيله ؟ ، و متفتحيش فى كلام معايا و لا مع عمر الايام دى لحد ما نبقى قادرين اننا نعمل ده من نفسنا ، و اظن انك مش هتغلبي تعرفي اخبار بابا من رانيا ، فى حاجه تانى عايزاها ؟
نظرت له بسمه بعينين دامعتين ، ثم خرجت من الغرفة دون اى تعليق منها على كلامه .
دخلت غرفتها و ارتمت على فراشها تبكي بمرارة ، تتندم على انها سببآ فى مرض والدها و انها من الممكن ان تكون سببآ فى موته ، تعلم ان حالة والدها لم تكن بخير حال من قبل ، و لكن ان تكون هى سببآ فى ان تسوء بهذا الشكل ، ذلك كافيآ لان تعيش تشعر بالذنب و الحزن يدمرها تدميرآ ، فمهما بلغ من العمر سيظل والدها الذي تحتمي به و ترتاح فى وجوده و فى سماع صوته حولها .
رن هاتفها فتوقفت عن البكاء و اعتدلت على فراشها و امسكت الهاتف لترى من يكون المتصل ، فرأت اسمه يظهر على الشاشة ، شعرت بعدة مشاعر مختلفة من رؤيتها لإسمه حيث يتصل بها بعد كل ما فعل ، و لكنها قررت ان تكتم تلك المشاعر بداخلها و تتجاهل اتصاله لانها لا تضمن رد فعلها معه بعدما تجيب على اتصاله .
و لكنه سرعان ما اعاد الاتصال بها مرة أخرى ، فوجدت انه لا مفر من الرد عليه ، فأجابته قائلة :
_ عايز ايه ؟ ، بتتصل بيا ليه بعد اللى عملته امبارح ؟
اجابها ممدوح ببرود اعصاب قائلآ :
_ خلاص بقى يا بسبس متق*فيناش اللى حصل حصل اخوكى عصبنى بطريقته معايا ، و انتى عرفانى لما بتعصب شوية لا بشوف ادامى و لا بعرف انا بقول ايه .
بسمة بصدمة من هدوئه الغريب على موقف كهذا :
_ بجد يعنى ؟ ، بالبساطة دى كلها !! ، اتعصبت شوية فتقل ادبك على اخويا و تقوله انى معاك بقالى اكتر من سنة و هو اللى نايم على ودنه و مش دريان بأخته ، مش كده ؟!!! ، اتعصبت شوية فتغلط فى ابويا و اخويا و انا بكلمك و تقفل فى وشي ، كلللل ده عشان اتعصبت !! ، تخرب حياتى بالشكل ده عشان اتعصبت و سيبتنى امبارح اخبط دماغى فى الحيط و اعانى من صدمتى فيك فى اكتر وقت كنت محتاجه اكلمك فيه ، عذر أقبح من ذنب .
ممدوح بنفاذ صبر :
_ يووووه بقى ، متبقيش باردة كده و تعملى افلا و حوار كبير على الفاضي ، ايه المشكلة انه يعرف اننا كنا على علاقه ببعض من قبل ما اتقدملك ، هو مش انا اتقدملك خلاص ؟ هو هيعوز ايه اكتر من كده ! ، بس هو اللى بنى ادم مقفل مخه و مبيتفاهمش ....
قاطعتع بسمه فى حديثه قائلة :
_ مش هسمحلك تغلط فى اخويا بكلمه كمان ، انا خلاص مش عايزه اعرفك تانى ، اللى يعمل فيا كل ده و يتكلم ببرود فى الاخر ميستاهلش ان انا اعرفه تانى و اوجع اهلي و ازعلهم عشان خاطره .
اغلقت المكالمة فى وجهه دون ان تنتظر رد منه .
نظر ممدوح الى الهاتف بغيظ و هو يتوعد لها و لعائلتها بأكملها ، ثم قال :
_ برضو هتجوزك يا بسمة ، هتجوزك غصب عنك انتى و اهلك من اكبرهم لاصغرهم و بالذات عمر اللى شايف نفسه محدش قده فى الدنيا ، بس بكره اعرفه مقامه كويس اوى .
""""""""""""""""""
فى الصباح الباكر كانت سيارته هى اول سيارة تصل الى جراچ الشركة الخاصة به ، فغير انه ملتزم جدآ فى الحضور ، فهو اليوم استيقظ مبكرآ جدآ بل يمكن القول بأنه لم يغفو منذ أمس ، منذ ان عاد من المشفى التى يتواجد بها والده المريض ، كان يفكر به ، يفكر فى اذا ما كان سوف ينتهى عمر والده عند هذا الحد ام انه سيكمل معهم اعوام قادمة ، يفكر فى ان لو اقترب الاجل ماذا سيكون شعوره و ردة فعله عند حدوث ذلك ، يسرح بخياله الى تلك الاسرة التى دمرها بقتل رب بيتهم كيف كان حالهم عند تلقي خبر موته و على يده ، لم تكن الوفاة طبيعية ...
نعم هو كذلك تمامآ ، و هذا هو ما يؤرق عمر المنذر و غير أحواله و طريقة حياته منذ عامين ، انه قتل رجل مُسن ، و منذ ذلك اليوم حتى الآن يحيا عمر حياة بائسة ، فهو لا ينسى أبدآ ان يديه ملوثة بدماء أحدهم ، و ذلك ما جعل حياته تنقلب رأسآ على عقب ، و تسبب فى تغيير شخصيته تمامآ من شخص مستهتر لعوب الى شخص جاد لا يعبأ الا بالعمل ، و نادرآ ما يبتسم او يشارك فى المرح و الترفيه .
عجبآ لتلك الازمات ، فمن الممكن ان تكون واحدة او متشابهة و لكنها تختلف فى تشكيل شخصية من تمر عليه .
فأزمة عمر جعلته من شخص مستهتر الى شخص جاد يهتم لأمور العمل ، و ازمة طاهر جعلته من رجل قويم يهتم بمجال العمل و لا يفكر سوى بتطويره الى رجل لا يعرف شيئآ حتى عن شركته التى كبرت على يديه ذات يوم و لا يفعل سوى السهر فى الاماكن المنحطة و شرب الخمر مع من يرتادونها .
"""""""""""
هبط عمر من سيارته و صعد الى حيث مكتبه بالشركة ، و كان معظم الموظفين لم يصلوا الى العمل بعد ، فدخل و جلس على مكتبه ، و دق الجهاز الصغير الذي يقبع على مكتب دنيا السكرتيرة الخاصة به ، فقد كانت من ضمن اوائل الحضور من الموظفين .
فتحدث عمر عبر الجهاز النقال قائلآ :
_ دنيا .
اجابته على الفور قائلة :
_ ايوا يا عمر بيه ، تحت امر حضرتك .
قال لها متسائلآ :
_ العاملين فى البوفيه وصلوا و لا لسه ؟ ، محتاج القهوة بتاعتى لو سمحتي .
ضغطت الزر الذي يساعد على نقل صوتها عبر الجهاز قائلة :
_ حاضر يا عمر بيه ، هقوم اشوف حد منهم جه و لا لسه ، و لو مجوش هعمل انا القهوة لحضرتك .
ضغط الزر الخاص بجهازه ليقول :
_ لأ ، شوفيهم و لو مجوش اقدر انتظر لحد ما يوصلوا .
ابتسمت دنيا برقتها المعتادة ، فهى تسعد كثيرآ عندما تجد تعامل راقي من عمر الذي اصبح متعجرفآ ، فكانت تتمنى لو يظل مستهترآ كما كان و شحصيته مرحة و محبوبة من الجميع ، على ان يكون مهتمآ بالعمل و شخصيته جافة كما اصبح الآن .
فقد كان يجلس على ذلك المقعد قبل عمر ( طاهر ) ، كم كان رجلآ مثاليآ فى كل شئ ، كانت تحترمه و تجله كثيرآ من فرط جمال شخصيته و طيبته و حبه للعمل و معاملته الراقية مع الجميع ، فدائمآ ما تشعر الآن ان هناك لعنة ما اصابت منزل آل المنذر فغيرت شخصياتهم و حولتهم لشخصيات كئيبة حزينة تحمل همومآ كالجبال .
و لكنها لكم اشتاقت لرؤية طاهر و العمل على خدمته و السعي معه فى النهوض بالشركة .
فدنيا تعمل بهذه الشركة منذ سنوات عديدة قد يصل عددها الى السبع سنوات ، شعرت خلالهم انها جزء لا يتجزأ من عائلة المنذر ، من فرط حبها لتلك الشركة ، و سعادتها عندما تراها فى مكان افضل ، و من فرط حبها لعائلة المنذر ايضآ ، بخلاف معاملة عمر السيئة لها فى بعض الاحيان و لكنها فى المجمل تعرف ان هناك سرآ فى تغيير شخصيته و لذلك فهي تسامحه على تصرفاته الجافة احيانآ و تركه لكل شئ مكتمل تفعله و ينظر الى ابسط الاشياء الناقصة ، يؤرقها كثيرآ انه يريد كل شئ على افضل ما يرام ، و لكنها دائمآ ما تعطيه عذره ، فهى تعلم ان عائلة المنذر عائلة حنونة و محترمة و طباعها جيدة فلذلك تعذر اى خطأ او تصرف عنيف يص*ر منهم بعد تلك الاحداث التى يمروا بها من وفاة ناريمان و ليلى و مرض المنذر باشا مرضآ شديدآ ، و السر الذي لا يعرفه احد عن عمر و التى تثق هى بوجود ذلك السر ، فليس من الطبيعي ان يتغير عمر الى ذلك الحد من تلقاء نفسه دون اى حدث ، فقد ذكرنا من قبل ان تغيير شخصية عمر كانت من قبل وفاة خطيبته ليلى و تغيرت أكثر بوفاتها .
ذهبت دنيا الى حيث البوفيه الخاص بالشركة فلم تجد أحدآ به ، فوقفت تحضر لعمر القهوة بنفسها ، فهى تعرف انها بذلك تخالف اوامره ، و لكنها تعرف ايضآ اهمية ذلك الفنجان فى تغيير مزاج عمر من السيئ الى الاسوأ اذا لم يحتسيه ...
انهت اعداد فنجان القهوة و ذهبت لتقدمه اليه و بعد ان قدمته سألها ، فهو لا يترك شيئآ الا و يقوم بالاستفسار عنه ، شخصية متعبة !!
عمر :
_ عمال البوفيه وصلوا ؟
ازدردت دنيا ريقها و هى تتحدث فى نفسها بغضب منه ، فهو لا يترك شيئآ يمر هكذا ، ثم قالت بصوت هادئ :
_ لا يا فندم لسه محدش جه منهم .
تطلع بها قائلآ :
_ طب انتى مش عارفة ان مخالفة حاجة قولتهالك ده شئ يضايقنى ؟
اجابته و هى تومئ برأسها و تنظر ارضآ قائلة :
_ عارفة يا فندم ، بس انا كمان عارفة اهمية فنجان القهوة بالنسبة لحضرتك ، و ان حضرتك متقدرش تبدأ يومك من غيره ، و عشان كده عملته .
ابتسم عمر بهدوء قائلآ :
_ و النهاردة اكتر يوم محتاجله فيه كمان ، لانى منمتش من امبارح .
ارتشف منه قليلآ ثم قال لها مكملآ حديثه :
_ ماشي يا دنيا سماح المرة دى ، بس انتى مش لسه جديدة معايا و اكيد عارفة طبعي ، انا مبحبش حد يخالف اللى بقوله حتى لو كان بفنجان قهوة مهم زى ده .
قالها و هو يشير الى الفنجان الذي يمسكه بيده الاخرى .
اومأت برأسها متفهمه و قالت :
_ حاضر يا فندم اللى تؤمر بيه حضرتك ، تؤمرنى بحاجة تانية ؟
قال لها :
_ شوية كده و تعالي ، اكون دخلت فى مود الشغل اكتر عشان عايزك فى حاجات مهمه محتاجين نخلصها النهاردة .
قالت له : حاضر يا فندم تحت امرك .
انهت جملتها ثم خرجت من مكتبه و هى تحمد الله ان فنجان القهوة الذي صنعته له قد مر مرور الكرام دون مشاكل معه او مناوشات لا حصر لها ، فقد اصبح ذلك هو مزاجه المعتاد ....
""""""""""""""""""
ذهبت رانيا الى المدرسة اليوم فى موعدها المضبوط .
لم تكن الحصة الاولى لدى فصل رانيا من نصيب احلام ، و لكنها برغم ذلك اول ما فعلته هو الصعود الى فصل رانيا للاطمئنان عليها و هل اتت اليوم ام لا .
و عندما دخلت رأتها تجلس على مقعدها مبتسمة و تتحدث الى زميلتها التى تجلس بجوارها ، فوجدت احلام نفسها تبتسم تلقائيآ من سعادتها برؤية رانيا بخير ، حمدت ربها و تنفست بارتياح ، ثم قررت الذهاب الى حصتها فى فصل اخر و ان تتحدث الى رانيا و تعرف منها سبب غيابها بالامس عندما تكون هى المعلمة عليهم .
و عندما جاء موعد الحصة ذهبت الى الفصل بحماس لا تعرف سره ابدآ ، و لكن ما تعرفه هو حبها لتلك الفتاة الصغيرة الذى تولد داخل قلبها دون ان تعرف له سببآ واضحآ ، بعد دخولها للفصل القت التحية على التلاميذ ، ثم بدأت فى تحديد الدرس الذي ستقوم بشرحه اليوم ، و من ثم بدأ التلاميذ فى فتح صفحة الدرس داخل الكتاب الخاص بكل منهم ، و استغلت ذلك فى ان تذهب لرانيا و تطمئن عليها ، قائلة :
_ ازيك يا رانيا ؟
نظرت لها رانيا و هى تبتسم بسعادة قائلة :
_ الحمدلله يا ميس احلام ، حضرتك عامله ايه ؟
اجابتها احلام بابتسامة رقيقة :
_ الحمدلله يا حبيبتى انا بخير ، انتى مجيتيش امبارح ليه ؟ ، لو تعرفي انا قلقت عليكى قد ايه ، مش هتغيبي تانى .
اتسعت ابتسامة رانيا أكثر و قالت :
_ جدو كان تعبان شوية و كنت عايزه اروح ازوره فى المستشفى عشان كده مجيتش بس بابي مارضيش يودينى و قالى هو هيروح و يطمنى عليه .
أحلام بحزن :
_ الف سلامة على جدو يا حبيبتى ، ان شاء الله يخف و يبقى كويس ، و بابا طمنك عليه ؟
اومأت رانيا برأسها و هى تقول :
_ ايوا بس مش اوى ، جدو لسه تعبان و بابي بيقول فحوصاته مش كويسة ، و انا خايفه عليه يروح عند مامي ، عشان اللى بيروح هناك مش بيجي و لا بنشوفه تانى .
ربتت احلام على ظهرها و هى تقول بحنان :
_ لا يا حبيبتى متفكريش كده خالص ، ادعيله دايما ربنا يشفيه و ان شاء الله هيخف و يبقى كويس متقلقيش عليه حبيبتى .
قالت لها رانيا :
_ يا رب يا ميس احلام .
عادت احلام الى مكانها امام الصبورة لتبدأ حصتها و هى ما زالت تشعر ان هناك شيئآ مختلفآ فى هذه الفتاة يجذبها اليها رغمآ عنها و يجعلها مهتمة بها و بأمرها ، هل كل ذلك الذي تشعر به لمجرد انها علمت بوفاة والدتها ، هل وفاة والدها هي قد أثر بها الى ذلك الحد الذي يجعلها تتأثر بأى قصة لشخص فقد أحد والديه و خصوصآ اذا كان صغيرآ فى السن مثل رانيا .
"""""""""""""
انتهى يوم العمل الشاق على دنيا كما عاهدته دائمآ ، فلا جديد تواجهه فى العمل بالنسبة لها ، اصبح كل شئ روتيني ، حتى عصبية عمر و تركيزه فى ادق التفاصيل ما زالت كما هي ، فلا جديد يذكر .
عادت الى منزلها و هى تبغض تلك اللحظة التى تصل بها الى ذلك المنزل اللعين .
فتحت الباب بمفتاحها الخاص و دخلت ، فالتقت بوجهه الذي تبغضه و تبغض لحظة أن تراه أمامها .
كان يأكل و يلوك بإصبعه أسنانه الصفراء المقيتة عندما رفع رأسه و نظر اليها و هى تدخل من باب المنزل المتهالك .
ثم تحدث عباس بصوته المنفر الذي يقع على اذنها كوقع الخناجر قائلآ : أهى السفيرة عزيزة جت اهي ، لا سفيرة ايه ، اقصد بابا دنيا اللى بيصرف علينا و على البيت و من غيره نموت من الجوع ، مش كده يا بابا دنيا ؟
قالت دنيا و هى تحاول ان تتمالك نفسها : اللهم طولك يا روح ، خير يا عم عباس ، عايز منى ايه و انا لسه راجعه من الشغل مهدودة و على اخرى ! ، و لا انت قاعد مستنينى اجى من برا عشان تقولي الكلمتين دول و ناوى بالمرة على خناقه ندبها مع بعض عشان تنام مرتاح كده و مزاجك عال العال !!
عباس :
_ ليه يا نن عين امك مولودين فوق راس بعض و لا حاجه عشان استناكى تيجي و اشاكلك و اجهزلك كلمتين اقولهملك ! ، انا بس بفكرك بالكلام اللى انتى قولتيه امبارح انك بتصرفي علينا و من غيرنا كان زماننا موتنا من الجوع ، مش كده برضو !
نظرت له دنيا بغيظ و هى تقول :
_ اه كده ، قولت كده و هفضل بقول كده ، طول ما دى الحقيقة هفضل اقولها ، والله اللى مش عاجبه بقى يورينا عرض كتافه و ينزل يشتغل و يجي يصرف علينا و لا حتى يساعدنى فى المصاريف و ساعتها مش هقول كده تانى و اوعدك ان ولا هيطلعلي صوت حتى ، خلاص كفاية كده ؟! ، و لا حابب تسمع اكتر ؟
ولا اقولك انا همشي من ادامك و هسيبك بقى تتكلم براحتك لان انا عارفة ان كلامى معاك و لا هيغير حاجه .