الحب آخر الجلسة
الفصل الرابع
فركت يديها في بعضهما وقد بدأ الخوف يتسرب لنفسها وهي تعتلي العربة المحملة بخمسين رأسًا من الماشية...ليس من المخاطرة الغير محسوبة ولكن من الفشل...بدأت المسيرة بعد انطلاق العربة الأولى بخمس دقائق....مر الوقت بطيئًا والليل يسيطر بغموضه على المنطقة....ازدادت البرودة...سيطرت على المقود بيد واحدة بينما أخذت تفرك ذراعها بيدها الأخرى علها تشيع فيها بعض الدفء.
فجأة اهتزت العربة على نحو جنوني...احتاجت لكل قوة أعصابها وقوتها البدنية الواهنة لتسيطر على المقود حتى لا تنقلب العربة...لهثت محدقة في الظلام متسائلة عما حدث...ترجلت دون أن ترفع لثامها وتحسست الإطار الفارغ لتدرك أنه لم يفرغ من تلقاء نفسه، وأن رصاصة هي التي...
قبل أن تفوق من إدراكها لتضع يدها على سلاحها سمعت تكة الزناد بجوار أذنها وصوت مهدد يأمرها بالوقوف...رفعت يداها عاليًا وهي تنهض ببطيء شديد..
سألها الصوت:
ـ كم رأسًا تحمل؟؟
أجابت متعمدة تغيير نبر صوتها كي لا يكتشف حقيقتها خاصة أنها بعيدة عن نقاط الحراسة التي وزعتها بنفسها.
ـ أرجوك لا دخل لي...أنا مجرد سائق...لا تؤذيني أرجوك
ـ لن نفعل بشرط أن تسلمنا عربتك بهدوء
ـ ولكن...لا أستطيع...السيد كوبر سيقتلني لو فعلت
قهقه الرجل بشدة هو ومن معه لتحصيهم ثلاثة:
ـ إذن الماشية للسيد كوبر...يبدو أنه غير طريقه كي ي**عنا..لا تقلق يا صديقي سيدك اعتاد على سرقتنا لماشيته...
وتبادل الرجال الضحك فاستغلت غفلتهم لتستدير نحوهم بساق مرفوعة لتض*ب أقرب الأسلحة المشهرة نحوها وقبل أن يدرك الرجل ما أصابه كان يصرخ من قبضتها التي حكمت أنفه وقبل أن تتمكن من الثالث تمكن هو منها وأطلق رصاصة في الهواء كانت كل ما ترغبه في هذه المرحلة...رفعت ذراعاها عاليًا مستسلمة:
ـ حسنًا...أنت الفائز..
نهض الرجل صاحب الأنف الدامي وأمسكها من تلابيبها يهزها بقوة:
ـ أنت أيها الحقير كيف تجروء...
ليشهق الثلاثة ولثامها يسقط وشعرها الأشقر تتوهج خصلاته تحت أشعرة القمر الفضية:
ـ اللعنة...أنتِ امرأة...
هدر الثاني:
ـ إنها ليست أي امرأة أنها الشريف الجديد الذي يتكلمون عنها...
نشب أصابعه يجذبها من شعرها القصير ويلوي عنقها بوحشية:
ـ أيتها السافلة...أتريدين القبض على ع***ة لويد...أتعلمين أنا لن أخيب ظنك أبدًا..ولكن سيحصل تغيير في الخطط...بدلًا من أن تقبضي علينا...سنقبض نحن عليك...وتصبح ليلتنا كاملة...ماشية و...امرأة جميلة أيضًا
بصقت بوجهه رغم عنقها الذي ما يزال يلتوي بين يديه:
ـ في أحلامك القذرة أيها القذر.
أهداها صفعة كادت أن تحطم أسنانها فشعرت بطعم الدماء في فمها لتنظر له بنظرة هازئة:
ـ هل تشعر أنك رجل أفضل الآن...
أهداها صفعة أخرى كادت تفقدها صوابها وهو يصيح:
ـ لا تتعجلي أيتها العاهرة...نصف ساعة فقط وسترين رجولتي وستلمسينها بنفسك...
بصقت بوجهه مرة أخرى وهو يقترب منها بأنفاسه الكريهة....هذه المرة كاد أن يحطم فكها وهو يهوي عليه بقبضته فانهارت أرضًا فاقدة الوعي...رفسها بقدمه وصاح برفيقيه:
ـ هيا..احملاها وضعاها في السيارة...وأصلحا هذا الإطار لنذهب من هنا قبل أن يشعر بنا أحد ...
لم يكد ينهي جملته حتى شعر برصاصة تمر من جوار أذنه...صرخ برفاقه ليتستروا وبدأت حفلة تبادل الرصاص...
رفعت رأسها المكدوم لتجد الجميع منشغل عنها...تسللت من خلفهم بهدوء بعد أن أخرجت سلاحها من جرابه وشكرت غباءهم الذي أنساهم تجريدها منه...ورغم شعورها الهائل بالدوار من الصفعات التي انهالت عليها من يده الشبيهة بالهاون...كانت ما تزال تتحلى بمهارتها عندما صوبت نحو أيديهم الواحد تلو الآخر ولكن الرصاصة الأخيرة كانت من نصيبها فقد فطن إليها أحدهم...ليصيبها في ساقها...ثم أسرع نحوها وجذبها من شعرها بقوة هائلة صارخًا:
ـ لا تطلقوا النار...وإلا لن ترو شريفكتم إلا برأسها مفصول عن جسدها الجميل
رفع مايكل يده ليتوقف الجميع..ثم وقف رافعًا يديه وقد هاله منظرها بين بيدي اللص مكدومة ونازفة من كل مكان..
صرخت من بين أسنانها:
ـ لا تستسلم أيها الأحمق...لن يجرؤ على أذيتي... أيها الأغ*ياء...
جذب رأسها أكثر ليل*ق وجنتها مما أشعرها بالغثيان وهو يهتف:
ـ أحقًا...خسارة هذا الجمال في الموت...
ثم وضع السلاح جوار رأسها مهددًا:
ـ هل يريد أحد أن يجربني...
تراجع مايكل فاحتقنت أوداجها لتدب فيها روحها المقاتلة فجأة...انتفضت منتصبة معيدة رأسها للخلف باندفاع ليصطدم بالرأس ذي الرائحة الكريهة ويصرخ يتلوى من أنفه المحطم.
ولم ينتظر مايكل فرصة أخرى ليسيطر على الوضع في سرعة ومهارة...
وقفت بصعوبة منهكة تراقب رجالها يساعدون الجرحى على الوقوف بينما حدجها أحدهم بنظرة قاتلة صدتها ببرودها المعتاد.
ازداد احتقان الرجل غيظًا فدفع من يحاول تكبيل يديه بعد أن استل منه سلاحه في خفة أدهشت الجميع، وفي أقل من لحظة كان يصوب سلاحه نحوها ويطلق النار بابتسامة انتصار أخيرة.
.................
استيقظ ماثيو على صوت نباح بوتش الغريب...رفع رأسه يتطلع إليه واقفًا على ساقيه الخلفيتان، بينما وضع يداه ورأسه جوار ماثيو بينما ينبح وكأنه يستجدي
وضع يده على رأسه:
ـ ماذا بك يا صديقي..هل أنت متوعك؟؟ ربما التهمت أحد تلك الفئران التي تلعب معها في كل ليلة..
تركه بوتش وذهب باتجاه الباب ووقف ينتظر منه اللحاق به..
غمغم ماثيو ب**ل:
ـ هل تريد التجول في هذا الوقت من الليل؟؟ بوتش أنت أصبحت مص*ر قلق...
نهض ولحق بكلبه ليفاجأ أنه يتجه نحو الدرج الذي يفضي لغرفة أخته في العلية..وقف مقطبًا:
ـ ماذا تريد..
وضع بوتش يده على أول الدرج...
تن*د ماثيو وبعد أن قرر أن يعود لنومه ..تراجع وقرر أن يلقي نظرة على أخته...
نزل على عجل والتقط هاتفه واتصل بها..ولكنه لم يتلق أي رد
ركع جورا كلبه وسأله:
ـ أنت رأيتها..أليي كذلك؟؟؟ ا****ة أنا أسألك وأنتظر الإجابة...
ازداد رعبًا عندما كرر الاتصال مرات عديدة دون أي رد شافي...
لاحظ وقوف بوتش خلف الباب فانطلق في إثره مرة أخرى ليكتشف غياب جوادها...تلفت حوله ضائعًا يكاد القلق يلتهم أحشائه وإنذار بدأ يقرع في رأسه بالخطر...
ض*ب بقدمه في الأرض بلعنات مكبوتة..حتى تفتق ذهنه عن فكرة غائبة...ولم يكن أمامه خيار آخر....فأن كان أحد سيساعده في العثور على أخته فلن يكون إلا فلنت كوبر بنفسه.
تثاءب فلنت محدجًا أحد حراس بوابة مزرعته بانزعاج:
ـ ماذا قلت...أعد على مسامعي مرة أخرى
ـ عفوًا سيد كوبر...لم أقصد إزعاجك في هذا الوقت من الليل ولكنه قال إن الأمر خطير..
تن*د فلنت بصوت مسموع:
ـ من هذا الذي قال إن الأمر خطير؟؟
ـ أنه...ذلك الرجل قريب الشرطية...ماثيو أدامز...
ـ وما هو هذا الأمر الخطير؟؟
ـ لم يخبرني..أصر على رؤيتك بنفسه...
لوح فلنت بيده بعدم اهتمام وتحذير شديد اللهجة:
ـ أخبره أنك لم تستطع إيقاظي...ولا تزعجني فيما بعد بأي أمر يخص أي كان يدعى أدامز.
ـ كما تريد سيدي...
هم بالتراجع لتوصيل الرسالة عندما أوقفه فلنت مرة أخرى وهو يمعن التفكير بعمق:
ـ انتظر...الأمر ينطوي على غرابة..ألست معي...أدخله لنرى إن كان يستحق...
دخل ماثيو بعد دقائق من الانتظار القاتل ليجد فلنت يستند بظهره على حافة مكتبه لا يبدو بمزاج يسمح بأي إزعاج..ولكنه مضطر في كل الأحوال:
ـ سيد كوبر..أعتذر للإزعاج
قلب فلنت شفتيه بامتعاض:
ـ أنتم عائلة أدامز لم تحملوا في حقائبكم إلا كل إزعاج لي ولسكان البلدة...أخبرني ما يستحق أن تقلق نومي في هذا الوقت المتأخر
ـ الموضوع أنني...لا أجد جنيفر؟؟
لم يتحرك فلنت من مكانه وظلت ذراعاه مكتفتان على ص*ره وهو يتطلع للرجل بدهشة ممتزجة بالاحتقان:
ـ عفوًا...أعد ما قلت...امرأتك اختفت من جوارك فجئت تبحث عنها هنا؟؟
ازداد احتقان أوداج ماثيو من تلميح الرجل فلوح بقبضته هادرًا من بين أسنانه:
ـ أنا لا أبحث عنها هنا...جئت لأسألك إن كنت تعرف شيئًا...أو تستطيع الاتصال بمن يعرف...أنا لا أملك أي وسيلة للاتصال في ذاك الكوخ البدائي الذي نعيش فيه.
باستهانة هتف فلنت متثائبًا:
ـ ربما ذهبت تتنزه مع رجل ما...بعيدًا عنــك.
ـ سيد كوبر..إن كنت لن تساعدني أعطني جوادًا وسأذهب للبحث عنها بنفسي...
عدة لحظات مرت والرجلان يتبادلان التحديق..أحدهما يحترق قلقًا والآخر حائرًا بين أن يطرده ويعود لنومه وكأنه لم يقاطع...أو...يثبت لهذا الأرعن أن تلك المتلاعبة الشقراء هجرت عشه باحثة عن صيد جديد...
راقت له فكرته الأخيرة أكثر...فالنوم يأتي كل يوم...أما هذه التسلية فنادرة الحدوث..وعليه أن يغتنم الفرصة.
اعتدل بتثاقل وجذب سماعة الهاتف الأرضي ..دق على عدة أرقام وانتظر بتملل وهو يحدج ماثيو بنظرات زادت من احتقانه....وبعد رنين طويل فتح الخط:
ـ مساء الخير سيدتي..اعتذر لإزعاجك في هذا الوقت...هل يمكنني التحدث لمايكل...أعرف أنه نائم ولـــ.....
ظهر الاهتمام على ملامحه وهو يستمع للطرف الآخر...ثم أجاب باقتضاب ووضع الهاتف مكانه..سأله ماثيو بتلهف:
ـ هل عرفت شيئًا؟؟
ـ ليس تمامًا...ولكن زوجة مايكل تقول أنه خرج في أول الليل ولم يعد حتى الآن...مسكينة...لا تعلم أن زوجها ي**نها في هذه اللحظة وهي في شدة القلق أن يكون قد أصابه مكروه.
لم يحتمل ماثيو فهجم على فلنت يجذبه من تلابيبه بقوة وهو يهزه بغضب مفرط:
ـ لماذا تفكر دائمًا بالأسوأ عنها...لماذا تضعها دائمًا في موضع الاتهام...لماذا تكرهها لهذا الحد...لأن عملها يقتضي حمايتك أنت وأمثالك وهي مجبرة عليه...أم لأنها كامرأة لم تثير انتباهها رجولتك ولم تقع صريعة هواك بعد..
قبض فلنت على مع**يه الممسكين بقميصه ثم نزعهما عنه قائلًا محاولًا التحكم في نبراته:
ـ سأسامحك فقط لظروفك النفسية...فليس من السهل على أي رجل أن تتسلل امرأته من جواره في عتمة الليل لتلتقي برجل آخر...
هز ماثيو رأسه بأسف:
ـ لا فائدة منك...كانت على حق في ابتعادها عنك...سأبحث عنها بنفسي...ولا حاجة بي لمساعدتك...أعذر لأنني ظننتك رجلًا بحق.
ـ ماذا تعني أنها على حق في ابتعادها عني؟؟ أنت يا هذا..أنتظر..
ولكن ماثيو لم ينتظر وهو يهرول مبتعدًا بينما يلحقه فلنت وقد عبث الفضول القاتل بعقله.
.................
تقاوم الإغماء بكل ذرة طاقة متبقية في جسدها المنهك...دفعت بوهن ذراعا مايكل تحاولان حملها وهو يهتف بجزع فيمن حوله:
ـ جنيفر...أنتِ مصابة بشدة دعيني أحملك..
هزت رأسها فازداد شعورها بالدوار والغثيان...عزم مايكل أمره وحملها رغم اعتراضها الواهن وضعها في سيارته وانطلق بها.
كانت البلدة تعوم في بحر من الوسن والسيارة ذات الدفع الرباعي تقطع الطريق بأقصى سرعة أزعجت طيور البوم الرابض على أسقف البنايات....
فتح الطبيب العجوز عيناه بصعوبة يتطلع للقادم..وما لبث أن استعاد كل نشاطه من المنظر المفزع أمامه لذلك الرجل الملطخ بالدماء التي تتقاطر من الجسد الذي يحمله بين ذراعيه وكأن الحياة فارقته بعد معاناة..هتف مايكل بجزع:
ـ أيها الطبيب هل ما زلت نائمًا...
ـ يا إلهي ما الذي حدث معكم...مايكل هل أنت بخير
ـ أنا نعم...ولكن..لا أدري بشأنها..
ـ تعال...ضعها هنا...ونادي على الممرضة بترسون فورًا..
وضعها برفق بينما شرع الطبيب في فحصها هتف مايكل:
ـ لقد أصيبت برصاصة في فخذها..وأخرى في كتفها...
حدجه الطبيب بنظرات مستنكرة وهو يتأكد من مؤشراتها الحيوية:
ـ أصيبت بكل هذا...وهي نائمة؟؟
ـ كلا..لم تكن نائمة ...كانت تنصب فخًا لعصابات الماشية...لقد خاطرت بحياتها...
أشار له الطبيب للباب بعد أن حدجه بنظرة أخرى مستنكرة:
ـ اذهب ونادي الممرضة أخبرها أن الحالة طارئة.
اتجه فورًا لمنزل الممرضة وعاد بها ليصطدم بفلنت كوبر وماثير يتخبطون...
اعترضه فلنت وقد لاحظ الدماء التي تلوث ملابسه:
ـ هل اللهو مع الشرطية الشقراء مؤذي لهذه الدرجة يا مايكل...
أطرق مايكل رأسه بخجل:
ـ لقد أصيبت جنيفر ونحن نقبض على ع***ة الماشية...
صرخ ماثيو وهو يمسك بتلابيبه بجزع:
ـ ماذا قلت...كيف أصيبت...هل هي بخير...أجبني
ـ لا أدري...إصاباتها خطيرة...ولكنها ما تزال على قيد الحياة...
ضاقت عينا فلنت بتحول رهيب في ملامحه:
ـ كنتم تقبضون على لصوص الماشية...وأنتم تعانون من قلة الرجال...لماذا لم تطلبوا المساعدة كما هو متعارف هنا
ـ لقد أصرت على أن هذا من عمل الشرطة ولا دخل للمدنيين بهذا العمل
قهقه فلنت:
ـ طبعًا التصرف المثالي للشرطية المضحية..وكم رجلًا أصيب..؟؟
ن** مايكل رأسه مرة أخرى:
ـ لا أحد...لقد خاطرت...كانت شجاعة لأكثر مما تتخيل
صرخ فلنت:
ـ تقصد متهورة وحمقاء..
هتف ماثيو باتهام:
ـ هل هذه كلمة الشكر التي تنوي تقديمها لها على تضحيتها
كز على أسنانه هادرًا:
ـ لم يطلب منها أحد التضحية بحياتها الثمينة الغالية..
ـ هذا عملها يا سيد كوبر...ولا أحد يطلب من أحد أن يتقن عمله..فهذا واجب.
تلفت كوبر حوله وتأكد أن الطبيب لم يغادر بعد...ثم نظر لماثيو بغيظ كبير:
ـ أخبرني...أي رجل أنت لتتسلل امرأتك من جوارك دون أن تشعر بها..هل كنت ميت؟؟.
عقد ماثيو ذراعيه على ص*ره بتسلية:
ـ أخبرني تمامًا يا سيد كوبر...بحق السماء ما الذي يجعلك مقتنع أنها امرأتي...كونها ابنة عمي لا يعني أن تكون عشيقتي...وبالتالي ليس من الضرورة أن تنام جواري...
هدر فلنت ملوحًا بذراعيه بغضب مكبوت:
ـ لسنا بصدد مناقشة علاقتك بابنة عمك الغالية...
ـ حقًا...
هم فلنت بالرد عندما سمعوا صوت الطبيب فاتجهوا ثلاثتهم نحوه ليسأله ماثيو:
ـ كيف حالها..أرجوك أخبرني أنها بخير
ـ اطمئن..اطمئنوا جميعًا...ستكون بخير...أخرجنا الرصاصات...ولكنها ما تزال تحت تأثير المخدر...
ـ هل أستطيع رؤيتها؟؟
ـ بالطبع..ولكن لدقائق فقط...المسكينة مجهدة تمامًا...لقد عانت بما فيه الكفاية...
من عينا الطبيب أدرك ماثيو ما يعني فأومأ موافقًا ودخل لها دون أن يلاحظ الرجل الذي لاحقه بعينيه يتمنى لو كان مكانه وله الحق الوحيد في الدخول إليها...
اتقدت عيناه بالغيرة والغضب وهو يراقبه من خلال الباب الموارب يجلس جوارها برفق وقد بدت ضعيفة كعصفور منهك بعد رحلة طيران طويلة...مسد شعرها وطبع قبلة على جبينها المضمد...ثم رفع يدها السليمة وطبع قبلة أخرى كانت فوق احتمال المتلصص بالخارج فانتفض مبتعدًا قبل أن يطاوع نفسه بقتل غير مبرر..لاحقه مايكل دون أن يفهم سر عصبيته.
فتحت عيناها تحدق في السقف للحظات تحاول التركيز...ولكن عقلها كان كصفحة بيضاء...لا نقوش فيها...كهذا السقف وهذه الستائر الهفهافة تحركها النسمات القليلة
دخل الطبيب لتزداد تقطيبًا:
ـ من أنت؟؟
قهقه ضاحكًا:
ـ أما أن تكوني فقدتِ الذاكرة..وهذا الهاجس أستبعده لأن إصابة رأسك ليست بهذه الخطورة...أو أنك ما زلت مشوشة...وهذا الخيار الأقرب... أثبتِ شجاعة فيما حدث الليلة الماضية..
وضعت يدها على رأسها وتحسست ذراعها وقد بدأت فلاشات الذاكرة تض*بها الواحدة تلو الأخرى...وفجأة وضعت يدها على كتفها المضمد بهلع وهي تنظر للطبيب فأومأ بأسف:
ـ لم يمر وقت طويل على هذا الحادث...أصابتك الرصاصة في مكان صعب..كان الجلد ما يزال رقيقًا...أنت بحاجة لجراح تجميل...كان همي الوحيد هو إخراج الرصاصة...
امتصت دموعها وهي تسأله بنبرة مهددة:
ـ أين ماثيو؟؟
ـ ذهب ليحضر لك بعض الملابس النظيفة..لن يتأخر..لم يكن وحده القلق بشأن حالتك...
وقبل أن تسأل عن الشخص الآخر سمعت آخر صوت تتمنى رؤيته وهي في هذه الحالة من الضعف:
ـ صباح الخير
استدار الطبيب مهللًا:
ـ وها قد جاء الرجل على ذكر اسمه..
حدجته بنظرة نارية:
ـ وكيف عرفت؟
تقدم إليها يضع باقة من الزهور البيضاء البرية على فراشها.
رفع قبعته لترى شعره الأ**د الغزير يتطاول على ياقة قميصه وهو يرفع أحد حاجبيه قائلًا بنبرة لطيفة ألجمت شياطينها مكانهم:
ـ لقد استعان بي ابن عمك ليلة أمس...عند لما يجدك في فراشه...
لاحظت نواجذه التي ضغطت على حروف الكلمة الأخيرة...رفعت حاجبيها باستفهام:
ـ وأنت ساعدته مشكورًا ليعثر على...
استدار للطبيب المتابع للحديث:
ـ أليس لد*ك أي مرضى آخرون للاهتمام بهم؟؟
أجابه ببساطة:
ـ جنيفر مريضتي الوحيدة هنا...حسنًا...حسنًا...أعلم متى يكون غير مرغوب في وجودي...لا ترهقها بجدالك...هي مريضة حتى لو أنكرت بعناد.
التفت لها بعد خروج الطبيب:
ـ وهذا العناد هو ما أوردها هنا...أليس كذلك أيتها الشرطية الهمامة.
تجاهلت لطفه الزائد:
ـ لم أعرف بعد سبب زيارتك...والورد.
ـ جئت أشكرك، وأهل البلدة أيضًا...لقد منعت مظاهرة كبيرة للوصول لك ووعدتهم أنني سأوصل أحر تمنياتهم لك بالشفاء...وشكرهم العميق لجهودك في القبض على الع***ة.
أجابته ببرود:
ـ أنا لم أنتظر منكم شكر..هذا عملي الذي أتقاضى عليه أجري دون طلب امتنان من أي مخلوق.
ـ ما زلت كما أنتِ...ع**دة حتى بعد أن اخترق جسدك رصاصتان كادتا أن توديا بحياتك...هل أنت مصنوعة من الغباء والحمق مختلطان...نحن في هذه القفار نقدر الحياة أكثر بكثير من تقديرنا للموت...فالموتى لا يتنعمون بالمجد الذي ضحوا بحياتهم في سبيله.
ـ هل هذا اتهام جديد تضيفه لقائمتي السوداء لد*ك سيد كوبر؟؟
ـ نعم أيتها الشرطية...مايكل يعرف قيمة ما أتحدث عنه لذلك عرض عليك الاستعانة بالمزيد من الرجال...
قاطعته محتدة مما تسبب لها بالألم:
ـ هذا عمل...
قاطعها هو الآخر:
ـ أعلم..عمل الشرطة اللعين...ولكننا هنا نتحدث عن الأرواح...هل ستكونين مسئولة عن إصابة أي رجل من فريقك لتعنتك المبالغ فيه..؟؟
رفعت الغطاء بحدة عنها لتنهض واقفة تجابهه الند بالند غير مدركة لضعفها البالغ إلا وهي تنهار بعد أن خذلتها ساقيها....
كان في لحظة يرغب بإطباق يديه حول عنقها حتى تزهق روحها المريدة بين يديه...وفي اللحظة التالية كانت تنهار بكل ضعف وضع في جسد أنثى بلا حول ولا قوة ليجد ذراعيه تطوقان خصرها وتحولان بينها وبين السقوط...
تماسكت مشيحة بوجهها بعيدًا عنه مدركة ضعفًا آخر غير ضعف جسدها المنهار...وهن لم تعتد قيده ولم تطلبه...طوال حياتها كانت تنفر منه وتسخر من قريناتها المستمتعات به...أغمضت عيناها بقوة تتمنى لو تستطيع دفعه بخشونة ولكن أصابعها تجمدتا على ص*ره تحاول دفعه لتفاجئ بأطرافها ترفض إطاعتها...بل وقلبها يعلن العصيان بكل دقة واهنة تنبض بص*رها...وازدادت النبضات توحشًا وهو يناديها بنبرة أسالت أعصابها كالبوظة تحت حرارة الشمس:
ـ جنيفر...افتحي عيناكِ..
خافت من عصيان عينيها..ولكن الشوق لرؤية ملامحه عن هذا القرب كانت أكثر لهفة من الخضوع للعصيان...فتحتهما ترمش بقوة حتى استقرت ملامحه الحادة السمراء وتخللت وجدانها...كتم تأوه جاش به ص*ره وهو يهتف بتعجب:
ـ يا إلهي...لم أعرف أن عيناك زرقاء من قبل ...
لم تستطع منع السؤال الملح في عينيها أن ينطلق به ل**نها:
ـ ماذا ظننتهما؟؟؟
ـ كانتا غالبًا رماديتان بعواصف رعدية وأعاصير لا تهدأ...
ـ والآن..!!!
شملها بنظرة خاطفة بثوبها الأبيض الملائكي الذي زودتها به الممرضة بترسون...ازدرد ل**به بصعوبة وشفتاها الورديتان تزدادان تألقًا ليوسوس له شيطانه ليقطف تلك الزهرة المتألقة في خمائلها...خاصة وهي تبدو بين ذراعيه كالأنثى المنتظرة فارسها طوال سنوات عمرها العجاف...وها قد سقطت كالثمرة الطيبة بين ذراعيه تدعوه لالتهامها والتمتع بشهدها المغوي...
لم ينتظر التعقل أن يطرق بابه وهو ينقض يقضم شفتاها التواقتان لصلابته...كاد يطحن جسدها الواهن على ص*ره وهو يضمها بقوة في عناق استولى على أنفاسهما وكأنهما كانا بانتظار تلك اللحظة لتفجير عواطفهما المحبوسة قمقم لسنوات.
لم ينتبها لمقتحم خلوتهما حتى اخترق الضباب المحيط بهما صوت نحنحته...كانت أول من ابتعد لتكره نفسها أكثر من شعورها الوليد بكرهه من أول لحظة وقعت عيناها عليه. حدجها بنظرة أنه يبادلها شعور الندم الفادح...
حاولت الابتعاد...فحملها بدون مجهود ولم تستطع مقاومته وهو يضعها على الفراش...ولكنه أهداها نظرة مشعة غريبة هدرت ما تبقى من أنفاسها وهو يستأذن دون أن يولي ماثيو نظرة واحدة.
أشاحت بوجهها بينما يتقدم ماثيو:
ـ جين..هل أنتِ بخير؟؟
حدقت به لتصدمها نظرته المتفهمة فهتفت بعينين صامدتين عن ذرف الدموع:
ـ ماثيو لا تفهم ما رأيته بشكل خاطئ
ـ كيف تريدين مني أن أفهم يا جين...؟؟
ـ لا شيء ...لا شيء بيني وبين كوبر..
ألقى نظرة خاطفة على الباب المغلق بعد خروجه المتجاهل:
ـ مما رأيته..أعتقد أن ما بينكما أكثر من مجرد شيء...أنتما مغرمان ببعضكما للنخاع يا جين...لم المكابرة؟ا
ـ أنا لا أكابر...أنا لا أحب كوبر..
ـ وما حدث كان...؟؟
هزت كتفها بارتباك:
ـ لا شيء...حاولت الوقوف فتعثرت...نسيت أن ساقي مصابة...فحملني للفراش...
وما بين وقوعك ووضعك في الفراش ...ماذا حدث...
احمر وجهها بقوة واستعرت عيناها بغضب:
ـ لقد ارغمني على عناقه البغيض...يريد أن يثبت لنفسه أن المرأة مكانها فراشه فقط..
ـ جين...لم تبدِ لي كامرأة مرغمة
ـ ا****ة ماثيو...في أي صف أنت...صفه أم صفي؟؟
أمسك بيدها يحتضنها بقوة:
ـ تعلمين أنني في صفك لأخر يوم في حياتي...ولكن لم تقاومين المحتوم...
أمسكت بيده وضعتها تلثمها بقوة:
ـ ماثيو أرجوك...لا أريد...لا أريد..
مسد شعرها بحنان:
ـ حبيبتي...كفاكِ ت***بًا لنفسك..وواجهي الواقع...لن تعيشي حياتك كلها وحيدة...
هزت رأسها بقوة:
ـ لا...ليس هذا الرجل...ليس فلنت كوبر...أنا لا...لا أحبه ماثيو..لم لا تفهمني..أنت الرجل الوحيد بحياتي الذي أهتم لأمره...ولا أريد أي أحد آخر..هل تفهمن ي ماثيو...لا أريد...أرجوك..
ضم جسدها المرتجف لص*ره بقوة مهدئًا:
ـ حسنًا لا بأس...اهدئي حبيبتي...
ـ لا تسمح له بالاقتراب مني...ماثيو..
غمغم مقبلًا قمة رأسها:
ـ لن يصل لك إلا على جثتي..
شهقت تنتفض لتضع يدها على فمه:
ـ لا تقل هذا...لا تقل هذا...يكفيني ما فقدت...لم يعد لي سواك...أرجوك يا ماثيو.
ـ شششش...اهدئي لم أقصد...سأكون بخير دائمًا..أقسم بشرف الكشافة..
دخل الطبيب مقاطعًا:
ـ أراك لم تطق صبرًا على الابتعاد..
أعاد رأسها للفراش:
ـ وكيف يمكنني ...لقد أفزعتني تلك الشقراء بما يكفي لعمري كله...متى أستطيع اصطحابها للبيت؟؟
ـ إنها بخير...ويمكنها الخروج غدًا...من دون ممارسة أي أعمال ما عدا الاستلقاء والراحة التامة.
.........يتبع..............