الفصل السادس

3040 Words
تلفت حوله قائلًا بفخر: ـ هذا ملاذي الخاص...مرحبًا بك...اشربي الماء ستشعرين بتحسن...هذا الماء له سحر خاص...كان الهنود الحمر يسمونه الترياق...من يشرب منه لو كان مريضًا يشفى...ولو كان حزينًا يجد سعادته...ولو كان عاشقًا فقد حبيبه...سيلتقي به ولو بعد حين... ـ هل تصدق هذه الخرافات... ـ للأسف نحن مضطرون...فلا يوجد مسكن للألم هنا...إلا إذا كنت على استعداد لتناول بعض زهور الخشخاش التي يمتلئ بها المكان هنا. تناولت قنينة الماء وشربت منها بغيظ وهي تحدجه بنظرة شرسة ثم ألقتها بعيدًا ونهضت مغالبة ألمها رغم صعوبة الحركة...ثم وضعت يداها في خصرها تحدجه بتحدي: ـ لا أرغب بالبقاء هنا.. تجاهلها بنظرة متسلية وجلس يحرك ركوة النار بطرف عصا طويلة فانطلقت شرارات تطايرت مع بقايا الرماد المحترق... أخذت خطوة تجاهه لتعيد جملتها بتأكيد أكبر: ـ سيد كوبر...لا أظنك تدرك خطورة احتجازي هنا...لآخر مرة سأخبرك أنني لا أرغب بالبقاء هنا... لوح لها بذراعه: ـ من قال أنك محتجزة..تفضلي ...تستطيعين العودة في أي وقت لبيتك...أنا لن أمنعك... نظرت حولها بعجز...حتى لو كانت لا تعاني فلا يمكن أن تهيم على وجهها في الصحراء وهي لا تعرف الاتجاه الصحيح لأي مكان تعرفه. هتفت بيأس: ـ أنت جئت بي هنا ـ إذن..أنتِ مضطرة لانتظاري حتى أكون مستعدًا للمغادرة...برغبتك... ـ أنت تتلاعب بي ـ كما تتلاعبين بالرجال كأنهم دمى...تحركيهم بخيوط الرغبة ..تلهيهم بجمالك فلا يدركون أنهم يسيرون لفخ هلاكهم. ـ عن أي فخاخ تهذي؟؟؟ وقف يجابهها باحتقار ساخرًا: ـ تعتمدين على أنوثتك الظاهرة التي لا يعرف أحد سرها، مجرد قشرة تختفي خلفها صدفة قاسية لكائن هلامي لا شكل له. لو كان يدفعها لأن تثور مدافعة عن نفسها فقد أخطأ مرة أخرى...فقد كان خطأه الأول عندما ظن أن حالتها ستمنعها من مغادرة ملاذه الحميم هذا. هزت كتفها وكأن كلامه لا يعنيها ثم تجاوزته بعد أن شملته بنظرة ثلجية وكأنه لم يحرك عواصفها النارية الخامدة منذ حملها مرغمة إلى هنا....واستمرت بالسير وهو يراقبها غير مستوعب بعد ما تفعله...حتى ابتعدت تمامًا وهي تعرج بشكل سيء وقد بدأ يفطن أخيرًا أنها تنوي العودة سيرًا ولو كلفها هذا حياتها. كان ما يزال يحدق فيها وهي مستمرة بالابتعاد بخطواتها العرجاء غير آبهة للشمس المحرقة المسلطة على رأسها، والرمال الملتهبة التي تكاد سخونتها تخترق حذاءها السميك...بينما العرق ينهل من جروحها التي لم تندمل بعد. سار خلفها حتى وصل إليها بدون مجهود: ـ أخبريني هل أنتِ حقًا تفكرين بالوصول لأي مكان بحالتك هذه...وسيرًا... أجابته بعد لحظات محاولة ألا تبدو لاهثة بدون أن تتوقف: ـ لم يخلق بعد الرجل يستطيع إجباري على البقاء في مكان ضد رغبتي ـ ولو كنت ستلقي بنفسك للموت ـ لن تكون المرة الأولى... ـ جنيفر...عودي لن أسمح لك أن تقتلي نفسك وأنا موجود ندت عنها رنة استهزاء: ـ أنت لن تسمح...متى تفهم حقيقة قدرك...فلنت كوبر...أنت لا شيء...لا شـــ.... أطلقت صرخة عندما أكملت جملتها في الهواء في طريقها لكتفه حيث حملها كالجوال غير مبالي باحتجاجاتها ولا بض*بات كفيها الضعيفة على ظهره....بينما آخذ طريق العودة. عندما ألقاها بخشونة على الأرض بجوار ركوة النار كانت هامدة تمامًا...ساوره القلق خاصة ووجها استحال لونه للأبيض وقد ازرقت شفتيها وجسدها ينتفض... تمتم بلعنة وهو يضع يده على رأسها ليجدها ساخنة ملتهبة: ـ كنت أعلم أنك حمقاء...ولم أدرك أنك غ*ية أيضًا... أسرع نحو النبع وملأ سطلًا بمائه البارد..جلس جوارها وأخذ يرطب جبينها وعنقها بخرقة مبللة. كانت شبه فاقدة للوعي من شدة الحرارة ولكن كل جسدها تحول لمجسات عصبية ما إن شعرت بلمسته على جيدها، فأخذ كل نبض في عروقها ينتفض باستغاثة، وتخبط قلبها على أضلاعها مطالبًا بالحرية التي سلبتها منه بدون محاكمة عادلة. كان جنونًا حقيقيًا كل ما يحدث لها. حاول فتح أزرار قميصها ليرى جرح كتفها ولكن أصابعها أطبقت على يده قائلة بضعف من خلال جفنيها المطبقين: ـ دعني وشأني بنبرة متلطفة زلزلت جزء من دفاعاتها: ـ جرحك ملتهب من الحرارة.. رغم ضعفها الكبير انتزعت يده عن قميصها وضمت أطراف القميص لعنقها متمتمة بصوت بالكاد سمعه من ارتعاش شفتيها: ـ لا....تلمسني... ابتعد مجفلًا ثم هدأها: ـ حسنًا...لا بأس لا تخافي...لن أمس عفافك المصون...اهدئي الآن ارتخت يدها جوارها مصدقة وعده بينما التزم بكلمته واستمر في عمل كمادات باردة لجبينها وصب الماء على كتفها من فوق قميصها ساخرًا من تعنتها الغريب. عاد لها وعيها لتنتفض من مكانها تتلفت حول نفسها لتفاجأ بالظلام يسود المكان إلا من ركوة النار التي ازدادت اشتعالًا...عادت لذاكرتها بعض المقاطع المتفرقة وهي تتأكد من ملابسها وأزرار قميصها المغلقة، شق هدوء الليل قهقهة ضحكة ساخرة: ـ اطمئني...عفافك المصون لم تمسه مخالبي النهمة...رغم وجود الحافز والإغراء... استمرت بالتحديق بالظلام باتجاه الصوت حتى رأته واقفًا مستندًا على بعض الصخور يدخن سيجاره باستمتاع. ساوت هندامها وأعادت إغلاق الزر الأخير رغم صعوبة التنفس ولكنها كانت بحاجة للشعور بالأمان بشكل متزايد...خاصة...وضعت يدها على كتفها ليسألها باهتمام: ـ أما زال الجرح يؤلمك؟ هزت رأسها بالنفي ثم نظرت نحوه: ـ ألم تكتفي؟ أعتقد حان موعد عودتي قبل أن... أكمل بنبرة ساخرة محتقرة: ـ قبل أن يقلب ماثيو العزيز الأرض بحثًا عنك...ذلك الماثيو الذي لا يجيد في حياته إلا إعداد طعامك ..وإرضاءك كما هو واضح...لا أفهم كيف لامرأة قوية مثلك أن تتخذ من هذا الطفل حبيبًا لها... ـ هل تحتجزني هنا لأطلعك على أسرار حياتي...وأن لم أفعل...ماذا ستفعل.. تغتصبني؟؟ قهقه مرة أخرى: ـ هل تتمنين؟؟ أخشى أن أخيب ظنك...ليس هذا أسلوبي مع النساء...أول صفة تميز نسائي الأ***ة الطاغية...وهو ما تفتقدينه بشدة كما تعلمين...ظننت عندما حدث ذلك العناق المفاجئ بيننا في المشفى...اعتقدت لوهلة أنني أعجبت بك..,تدعين الخشونة وتتصرفين كالرجال لحب الإثارة...ولكنك فجأة أخرجت أشواكك تلوحين بها وتهددين بطعن كل من يجرؤ على الاقتراب... ـ هذه مشكلتك سيد كوبر...لم تلتق بامرأة من قبل لم تخضع لما تظنه سحرًا وجاذبية ... =وهو في الواقع... رفع أحد حاجبيه بانتظار أن تتمم جملتها فأردفت بعد تفكير: ـ أنا غير مسئولة عما يدور في رأسك...لم أشجعك على الاقتراب مني...ولم أطلبه ـ هذا حقيقي...ولكنك قللت من شأني...وهذا ما اعتبره تحدي لا أقبله...لو كنتِ رجلًا لتصارعت معك بالأيدي لأعيدك للحفرة التي فررت منها...ولكنك مع الأسف...في الحقيقة يا جنيفر أنا لا أعلم ما أنتِ..لا تملكين مقومات الأ***ة لتكوني أنثى، ولا يمكن اعتبارك رجلًا...من أنتِ حقًا حتى أعرف كيف أرد على تحد*ك الأ**ق لي.. ـ سأخبرك من أنا يا سيد كوبر..أنا أسوأ كوابيسك التي قد تصيبك أبدًا إن لم تخرجني من هنا فورًا ـ يعجبني إصرارك...ويبدو أنك مررت لي الحل ...سأعلمك كيف تكونين أنثى... وستشكرينني على هذا المعروف يومًا ما.. حاولت النهوض من مكانها فخذلها جسدها الواهن بالإضافة أنها لم تتناول أي طعام اليوم...عاد صوته الساخر يخزها: ـ ألا يستجيب جسدك لعنادك...بعد أن استنفذتِ كل طاقتك اليوم في محاولتك المبتذلة للهروب... كزت على أسنانها: ـ ماذا تريد...مني... ـ قلت لك... ـ لماذا أشغل هذا الحيز من أفكارك...لماذا لا تتجاهلني وتنهي الأمر...سأبتعد عن طريقك طالما لا تخالف القانون، وفي المقابل تنسى هذا التحدي المزعوم... ـ ألم تلتقي برجل من قبل علمك أي شيء في الحياة... طاف وجه والدها بخيالها وهي تومئ: ـ نعم...ولكنه مات ـ للأسف...سأتطوع لأكمل المهمة بيأس غريب هتفت: ـ دعني أذهب... بنبرة غيرة واضحة سألها بسخط: ـ هل اشتقت لحبيب القلب ماثيو....ربما كان جالسًا جوار جدول الماء يدلي قدميه فيه بجواره كلبه الأ**ق يبكيان تأخرك عليهما برقت عيناها بوهج الغضب: ـ ماثيو بعشر رجال من شاكلتك انتفض عرق بعنقه ينبض باندفاع: ـ هل هذا قفاز تحدي آخر تلقينه بوجهي؟ لأثبت لك أنني أفوق غرك هذا رجولة رغمًا عن نظرك القصير.. ـ أنت لا تستطيع إرغامي حتى على النظر إليك..بينما النظر بوجه ماثيو هو الحياة لي...بدونه الموت لي أهون قهقه باستفزاز: ـ لا أحد يموت حبًا.. بثقة شديدة هتفت: ـ أنا أفعل...ماثيو هو دافعي الوحيد للحياة ـ أتعني أنك ستموتين حقًا لو حدث لماثيو خاصتك هذا حادث مؤسف.. ارتفعت عيناها بنظرة مرتجفة تحاول ألا تفكر بهذا الهاجس المسلط على أفكارها كحد السيف، فأردف بدهشة عندما صدق حدسه: ـ لا أحد يرتبط بأحد حد الموت...هل أنت مهووسة به لهذه الدرجة؟؟ أغمضت عيناها وأشاحت بهما تجاه النار: ـ لا شأن لك بعلاقتي بماثيو.. ـ لقد اعترضت طريقي وتحديتني...ورغم كل الهراء الذي تلقينه على مسامعي عن علاقتك بهذا السوبرمان..تذهبين لتلقين بنفسك في أخطار وصلت حد الا****ب اليوم...الآن أصبحتِ شأن من شئوني يا جنيفر... انتبهت بشهقة خافتة أنها المرة الثانية التي يتلفظ باسمها...أغمضت عيناها على هذا الشعور المسكر حتى هتف مرة أخرى: ـ هذا الماثيو ليس رجلك...لا يمكنه احتواء عاصفة نارية مثلك...أنا وأنتِ بيننا كيمياء من نوع خاص ونادر...لا تكوني غ*ية بتجاهله. هزت رأسها قائلة بصوت خشن: ـ لا شيء يجمع بيني وبينك...ما عدا العداء والكره. قهقه باستمتاع: ـ لا أنكر وجود العداء والكره...وهذان لا دخل لهما بالكيمياء التي أتحدث عنها..امرأة خبيرة مثلك ضروري أنها تعرف الفرق... اقترب يجلس جوارها....أزاح خصلات شعرها المتهدلة على وجهها....لمسته أشعلت جذوة النار التي تحاول ردمها منذ رأته...حاولت الابتعاد فأعاد وجهها وهو يقترب بفمه من فمها دون أن يلمسها: ـ هل تشعرين بهذا الإحساس...تتوقين لي كما أشتعل بجوارك... ازدردت ريقها بصعوبة وهي ما تزال تقاوم المد الجارف: ـ أنا لا... ازداد اقترابًا بالكاد لمسها بشفتيه مكررًا: ـ أنتِ لي جنيفر...لو لمسك هذا الماثيو العديم الفقرات مرة أخرى...سأقتله.. تجمد الدم في عروقها وخيل إليها أن قرنًا مر قبل أن ترمش بصدمة وذكريات ماضيها تعود إليها تلطمها بتهديدات لم تلق لها بالًا في حينها...واعتبرتها مجرد تهديدات لا خوف منها...حتى اليوم الذي رأت فيها والديها يحترقان وكاد ماثيو أن يلحق بهما... لاحظ تجمدها فابتعد بتساؤل لتهتف بنبرة عدم تصديق: ـ لا تستطيع أن تهدد بقتل رجل...هكذا ببساطة ...القانون... قاطعها محتدًا: ـ قانون البراري قانوني أنا ..أنت نفسك ستشهدين أنك كنت تتمرغين في أحضاني وقت قتله ..فكري جيدًا... لا يليق به نصف رجل مثله لا يجيد إلا العناية بكلبه الغ*ي وإعداد الطعام... فكر قليلًا ثم هتف: ـ لو أردت حمايته تزوجيني؟؟ أجفلت وقد زاد خفقان قلبها لدرجة شعرت أنه سيتوقف في أي لحظة: ـ لماذا..أنت لا تحبني...أنت اعترفت بهذا بنفسك...فقط من أجل هذه الكيمياء اللعينة...يمكنك إغراق نفسك في النبع وستشعر أنك أفضل دون أن تربط نفسك بزواج ـ قد تكونين على حق...ولكنك نسيتِ شيئًا هامًا..فقد تصادف أن عشيقك بعشرة رجال من مثلي ..قد أكون مجنونا لأفكر بعلاقة مع شبه امرأة مثلك، ولكنني لا أمانع بتجربة جديدة ... ـ لا يمكنك إجباري ـ جربيني...قفاز التحدي أنا من سيلقيه بوجهك هذه المرة، سنعلن خطوبتنا بعد عودتنا إن كان يقصد إدخال الرعب في قلبها حتى الموت فقد نجح... وإن كان يقصد أن تصدق تهديده، فلن يعرف أبدًا إلى أي مدى أصاب هدفه: ـ تزوجيني أو لن تضمي ابن عمك المرة القادمة إلا وهو غارقًا بدمه هتفت بشبه بكاء: ـ لن تستمع بي كامرأة... ولا فائدة ستعود عليك لن تضم إلا تمثال لا يشعر ولا يتفاعل ـ أنت تبخسيني قدري مرة أخرى...سأعد الطعام...لا شك أنك تتضورين جوعًا وبعدها يمكنك أن تنامي في الخيمة تحلمين بي ...وسأبقى خارجا بانتظار تلبية النداء ـ ستنتظر طويلًا ـ وأنا لا أهدد من فراغ... ابتعد ليعد الطعام يستغرب من نفسه ما الذي يجذبه إليها...لأول مرة في حياته يلجأ لأسلوب الخ*ف والتفكير في القتل ...ماذا فعلت به تلك المرأة لتحوله لمجرم...هل هو حقًا تحدي صعب المنال كما يدّعي...أم كيمياء حولته لمراهق من جديد يسعى لإشباع هرموناته الفوارة، أم...مشاعر جديدة يخاف حتى البوح لنفسه بها ويلجأ لكل هذا يحولها لمجرد حرب لابد أن ي**بها... لم تستطع تجاهل نداء معدتها التي تتلوى من الجوع خاصة ورائحة الطعام الشهي أسالت ل**بها...تناولت منه الطبق بدون أن تنظر نحوه...ثم هتفت باستياء وهي تلتهم أول مل*قة: ـ حتى أنت تحضر لي طعامي...ليست مصادفة أن كل رجل يعجب بي يصنع طعامي؟؟ ـ هل تشبهينني بذلك الكائن اللافقاري...يبدو أن الدرس الأول في تعليمك لن يكون بعيدًا... شكرته بكلمات غير مفهومة فقد كان التعب قد نال منها وبالكاد تستطيع الإبقاء على أجفانها مفتوحة...فوجئت به ينحني جوارها ويهمس بنبرة اخترقت دفاعاتها مرة أخرى: ـ دعيني أساعدك لتنامي في الخيمة... حاولت الممانعة: ـ أنا لا... تابع ساخرًا من اعتراضها: ـ وحدك...لن أفرض نفسي عليكِ...ما لم تكوني راغبة وتنادين باسمي بهيام... وضع ذراعيه تحتها وحملها بخفة...أدخلها للخيمة الصغيرة وقبل أن يسحب ذراعيه غامرت وسألته وهو بهذا القرب: ـ هل كنت تعني تهديدك لي...بــ...قتل ماثيو؟؟ ضاقت عيناه محاولًا فهم ما تعني...فأومأ بحذر لتندفع بهلع وهي تلف ذراعيها حوله تمنعه من الابتعاد: ـ لا...لا تؤذيه...يمكنك أخذ ما تريد مني الآن...لن أمانع...أرجوك؟؟ سألها بدهشة: ـ لهذا الحد تعش*ينه... ثم أردف عندما لم تجب إلا بعينيها المتجمدتان على دموع تأبى الانحدار: ـ عفوًا...سأمرر هذه التضحية...فأنا لا أريدك قربان...ولا أشارك بك رجًلا آخر...عندما تكونين لي...ستكونين لي وحدي...ولن يرضى بك رجلًأ بعدي لأنني لن أتركك إلا فتات... لم تستعب أي شيء من كلماته...فقد توقف بها الزمان من لحظة سمعت تهديده بقتل ماثيو...كيف ستعيش هذا الكابوس مرة أخرى...كيف ستحتمل أن تتكرر مأساتها من جديد وهي التي لم تفق من الأولى بعد...واعتبرت نفسها ميتة إلا من أجل ماثيو.... كيف ستحميه...كيف ستقبل عرض كوبر...كيف ستكنون زوجته وتتعرض لمهانة وذل أن يرى تش*هها ليدرك أنها حقًا شبه امرأة كما قال...ولكنه لن يدرك نصف الحقيقة المذلة أبدًا...شعور معتاد بالاختناق وكأن كل أنفاسها تغادر رئتيها بلا رجعة...رائحة احتراق تتغلل مجاري الهواء وصراخهما يعلو ويعلو ..لتنفتح أبواب الجحيم على مصراعيها. أخذ يدور حول نفسه كالمجنون لا يصدق ما فعله للتو...لقد أكد على عرضه للزواج منها...ليس هذا فحسب بل سمح لها أن تدفعه ليعيد تهديده بقتل عشيقها...ربما كانت تهديداته الأولى وعرضه ليرد على تحديها فقط...ربما لو كانت استسلمت له وسلمته مقاليد أمورها وكفت عن التعامل كرجل مع الناس والمواقف... ض*ب الهواء بقبضته هاتفًا: ـ اللعنة...ماذا دهاني... عاد بذاكرته ليضع يده على ما تسبب بتغيير أفكاره وتحولها بانحدار لهذا الحد...ثم توقف عند لحظة اقترابه من كوخ رايلي المزارع...عندما اتصل به الطبيب يعلن عن مخاوفه من أن تتعرض الشرطية الحمقاء للقتل بعد أن اندفعت بتهور كعادتها كما أخبره الطبيب...لم يسمع باقي حديثه ووجد نفسه يمتطي جواده وينطلق به للكوخ...ولكن ما أشعل النار بعقله لدرجة الاحتراق وهو يراها هناك كخرقة مبللة وذلك الضخم يهجم عليها بكل وحشيه، وهي من شدة وهنها لم يص*ر عنها إلا أنين كثغاء حمل يتعرض للذ*ح الجائر...بعدها لم يرى أمامه إلا قبضته تنهال على المجرم ثم على مايكل...وهي قرر أن ينالها ال*قاب الأكبر...سيفرض عليها حمايته رغمًا عن إرادتها التي كادت تودي بها للهلاك. انتفضت شاهقة من مكانها تتلفت حولها بارتياب...تأملت المكان حولها وازداد رعبها فلم تتذكر أين هي ...لدقائق طويلة حاصرتها ذكرياتها المريرة تشعر بألسنة النيران تلفح بشرتها...أغمضت عيناها بقوة وهي تحاول دفعها عنها بذراعيها الملوحان فيزداد شعورها المسعور بالسخونة والتي أحاطت بمع**يها فازداد رعبها محاولة الفكاك منها حتى اخترق المشهد لأول مرة صوت قوي وحازم وأمرها بتسلط أن تف عيناها...قاومت في البداية ولكنه رفض عصيانها فعاد يأمرها رافضًا عدم طاعتها: ـ افتحي عيناك جينفر..انظري أين أنت...ا****ة على عنادك الأ**ق قلت لك افتحي عيناك وإلا أقسم أنني سأجردك من ملابسك فورا وسأرغمك على علاقة ستكرهين نفسك بعدها وربما تفضلين الموت كلما تذكرت الإهانة التي لحقت بك بسببي. فتحت عيناها بحذر لتجد أكثر رجل كرهته في حياتها ممسكًا بمرفقيها وعلى وشك أن يتسبب لها برجة دماغية... فك أصابعه عن ذراعيها لتتخذ وضع الدفاع المتوقع وهي تلملم ياقة قميصها المغلقة بالفعل وتزحف للخلف متسائلة بنبرة متشككة: ـ ما الذي تفعله هنا؟؟ أطرق بشبح ابتسامة متلاعبة: ـ ظننت حية ما هاجمتك..ولكن يبدو أنك بخير تمامًا...أعدي نفسك سنعود بعد أن نتناول طعام الإفطار ـ لست جائعة صر على أسنانه هادرًا قبل أن يغادر خيمتها التي ضاقت بوجوده: ـ ورغم ذلك ستتناولين وجبة الإفطار...أنا لم أسألك الاختيار. تلفتت حولها بعد خروجه تحاول تذكر ما حدث....ولكن لا شيء جديد...غير صوته الذي اخترق النار هذه المرة ووصل إليها قبل أن تحولها لرماد....كما يحدث في كل كابوس. كانت تشعر بتحسن ساعدها لتبدو أفضل من الأمس خاصة بعد أن اغتسلت وأنعشتها برودة مياه الجدول....تناولت منه ب**ت صحن ما يحوي عصيدة يتأرجح الدخان فوقها...تناولتها بحذر في البداية حتى استطيبت مذاقها الشهي فشرعت بتناولها بنهم لتكتشف جوعها الشديد.... قدم لها المزيد عندما لاحظ طبقها الفارغ فتمتمت بالشكر بصوت مبهم... بعد أن أتت عليه هو الآخر كانت قد استعادت كل نشاطها وروحها المتمردة التي فقدتها في مكان ما بالأمس...فرفعت رأسها بنظرتها البراقة وقبل أن تنطق بما يعتمل في ص*رها سرق منها المبادرة: ـ هل ستستطيعين تدبر أمر ابن عمك هذا أم تتركين لي حرية التصرف؟؟ ضاقت حدقتاها بتوجس وقد بدأ قلبها بالخفقان المؤلم: ـ ماذا تقصد بحرية التصرف أخرج سيجاره الرفيعة ذات الماركة المميزة وأشعلها بطرف حطبة من الموقد: ـ لا تخافي بهذا الشكل..لن أوذيه إلا إذا تصرف بتهور وقرر أن يتمسك بك ارتبكت بحيرة وقد اندحر تمردها وبريقها المحتد في لحظة واحدة: ـ ولكن...كنت أظنك بالأمس...هل أنت جاد؟؟؟ ـ كما لم أكن في حياتي كلها...اسمعي لن نعيد مناقشة الأمس لنتجادل بدون طائل...أنتِ تعجبيني...وأنا لم أشتهي شيئًا ولم أحصل عليه...هكذا كنت منذ صغري...لو كانت حياة ابن عمك هذا تهمك حقًا...سايريني..من يدري ربما أمل منك بعد فترة قصيرة. لشد ما رغبت بالقفز فوق ذلك الوجه المبتسم لتكيل له الض*ب حتى تفسد له أسنانه التي يتبجح باستعراضها وكأنه أدرك بذكائه نقطة ضعفها التي ست**رها أمامه كما يشاء... ـ ما رأيك.... هتفت: ـ أنا سأتصرف معه ...وأعدك أن يحزم أمتعته ويذهب فورًا... ـ فتاة طيبة...ولكن قبل أن يذهب سنعلن عن خطبتنا أمام الجميع...حتى لا يراودك شيطانك الش*ي باللهو من وراء ظهري. ـ ربما تجد متعتك المريضة في إرغام النساء على احتمالك ...ولكنني أجد إنقاذ حياة إنسان أهم بكثير من متطلباتي الشخصية.. نهض واقفًا ينفض ملابسه: ـ اتفقنا...هيا بنا .... أوقفته بتساؤل حاولت ألا يبدو فيه خوفها: ـ ماذا لو.... لم يسمح لها أن تكمل ولوح بإصبعه بلا: ـ لا تسمحي ل*قلك القاصر هذا أن يتخيل أشياء قد تبدو لك هينة...ولكن من وجهة نظري...ربما ستتمنين الموت ألف مرة قبل أن تخذلي فلنت كوبر على أرضه...ولن تجدي من تستنجدين به...وأنا أعني ما أقول...هيا بنا. لم تجد مناصًا من الركوب خلفه على الجواد فقد كان الوسيلة الوحيدة للانتقال...ظنت نفسها ستتجلد كعادتها حتى اكتشفت أنه من المستحيل الحفاظ على نفسها بمنأى عنه وهما بهذا القرب، بل ومضطرة للامساك به حتى لا تسقط عن الجواد وهو يقطع البراري كأنه على وشك التحليق. كتمت أنفاسها كي لا يشعر بمشاعرها المهتاجة...وضعت جبينها على ص*ره تتنفس رائحته تلمس عضلاته المشدودة بحذر بالغ تعد اللحظات المتباطئة حتى يصلا قبل أن تنهار حقًا. كان يشعر بتشنجها الواضح أثناء الطريق ويعلم مقدار ما بذلته كي تحتمل وجودها بجواره... دائمًا يتفاخر بقدرته على قراءة عقول النساء ولكن جنيفر تحدي لم يسبق له تجربته وقد راهن نفسه أنها سترفض عرضه وستتحداه لتزداد اللعبة تشويقًا بعدها سيفرض عليها أن تغادر البراري وتعود لمدينتها المرفهة، فلا شك أنها تكرهه ولا تطيق قربه رغم أنه في بعض الأحيان كان يصله منها إيحاءات مضللة...ولكنه كان متأكدًا أنها مجرد دقائق قبل أن تعلن عن هزيمتها. بدأت مباني البلدة تلوح من بعيد...قرر استفزازها فلمس يدها المحيطة بص*ره ليشعر بتشنجها الفوري...أمسكها قبل أن تنسحب بعيدًا قائلًا بنبرة ساخرة: ـ لقد اقتربنا يا خطيبتي العزيزة...هل ما زال اتفاقنا قائم أجابته بسؤال بنبرة جليدية: ـ أمازال تهديدك لــ...ماثيو قائم؟؟ أومأ بحذر يشعر بكل انفعالاتها من برودة يدها التي أصبحت كقطعة لحم مثلجة في هذا القيظ الساخن فهتفت بذات النبرة: ـ إذن أتمنى أن تكون مستعدًا لما سعيت له بقدميك... تجهمت ملامحه وقد بدأ السيناريو الذي أعده يتخذ طريقًا مغايرًا تمامًا...أشار برأسه عندما دخلا البلدة: ـ سنتوقف عند الطبيب ليكشف على جرحك... كانت لتوافق على أي شيء طالما ستبتعد عنه...فقفزت عن الجواد حتى قبل أن يتوقف لتختفي داخل البناء الأبيض في سرعة وامضة. ترجل محدجًا طيفها بشرود يقاوم رغبة ملحة للحاق بها ووضعها على ركبتيه ويض*بها حتى تصرخ معلنة استسلامها الفوري فقد أضاع ما يكفي من وقت ومجهود معها بدون فائدة. وقف الطبيب يحدق بمقتحمة مكتبه البسيط وهي تغلق الباب خلفها ثم تدير المفتاح في قفله خشية أن يلحق بها فلنت: ـ جنيفر..مرحبــ..... تجاهلته وهي تتجه ناحية النافذة فتحتها ثم تطلعت خارجها ...وعندما تأكدت من حدسها التفتت للطبيب قائلة ببرود: ـ عندما يسأل عني ذلك اللزج بالخارج أخبره أن لا يتعب نفسه بتعقبي ....يتبع........
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD