شعور بالإهانة ، بالخزي ، بالعار ، شعر به مصطفى ، أن يتم ض*بك وأنت رجلا أتممت عامك الخامس والعشرين أمام من تحب ، شعور قاسي على أي رجل ، ما بالك برجل تحمل الكثير ، تحمل أخطاء غيره طوال سبع سنوات ، منذ اللحظة التي قبل بها في كلية الطب البشري ، غيرة أخيه نجيب ، وتفكيره في السفر ، والبعد عن المنزل ، لقد حمله ذنب عدم اجتهاده ، ورفضه للتعليم ، لن ينسي كمية الوجع الذي شعر به مصطفى عندما أخبره أخوه أنه السبب في ترك المكان ، وأنه لن يحتمل أن يكون الفلاح أخ الدكتور الكبير ، لن ينتظر منه صدقة عندما يكبر ، يجب أن يحصل على المال الكثير حتى يتساوي معه في شي ، وعده أنه سوف يرجع عندما يمتلك المال الذي يساويه بالطبيب الكبير . .
لذلك انفجر مصطفى بأبيه ، إلى متى سوف يتحمل تلك القسوة ، وذلك الذنب ، صرخ مصطفى لأول مرة أمام والده ، قائلا والدموع تأبى التوقف ؛
لحد أمتى هتفضل تظلمني ، وتحملني ذنب أنا معملتوش ، ذنب ابنك الكبير ، هو اللي تعبك مش أنا ، هو اللي ضيع مستقبله مش أنا ، هو اللي سابك ومشي مع إنك قدمت له الدنيا بين أيده ، وهو اللي رفض ، رفض عشان مببقاش زيك ، وأنا طول حياتي عايز أكون زيك ، عملت كل حاجة عشان أراضيك ، كنت بذاكر وبدرس من غير ما أنام ، عشان بس أحقق حلمك اللي نجيب ضيعه ، دخلت كلية الطب ، واجتهدت ، ولما لقيت نفسي في جراحة التجميل اتمسخرت عليه ، وكأن المجال ده للحريم بس ، متعرفش إنه مجال بينقذ نفوس اتش*هت من ألم وجرح اللي حواليها ، أنا دخلت المجال ده ، قولت يمكن ألاقي نفسي فيه ، ألاقي مصطفى اللي ضاع بسبب أب د*كتاتور ، فشل في تربية الأول ، فقال أقسى أكتر على التاني ، وأضغط عليه .
نظر مصطفى إلى فايا ، ثم قال وهو يضحك بسخرية :
لها حق بنت عمي إنها ترفض تتجوز واحد زيي ، أبوه اللي بيرتب له حياته ، بيختار لبسه ، وحتى أكله مش من حقه يأكل اللي يعجبه ، أنا هسافر يا بابا ، بس مش هعمل زي نجيب ، وأهرب من وراك ، أنا هسافر وحضرتك بنفسك اللي هتجهز لي الورق ، هتعمل كل حاجة عشان تراضيني ، زي ما أنا عملت كل حاجة عشان أراضيك .
لم ينتظر مصطفى كثيرا ، ذهب مسرعا ، استقل سيارته وذهب ، بالرغم من محاولات فايا لإيقافه خوفا عليه أن يذهب وهو على تلك الحالة ، لم ينظر مصطفى خلفه ، لم يرى دموع والده ، ولا انهيار والدته ، حتى فايا ووالدتها كانتا في حالة يرثى لها ، تلك المرة الأولى التي يحدث بها شجار بين مصطفى ووالده ، تراجع زيد خطوتين للخلف ، لم تعد قدماه تحملانه ، سقط على الكرسي من الصدمة ، شعر بتأنيب ضمير ، شعر بأن كل ما قاله مصطفى حقيقي ، وأنه ظلمه ، ولكنه ليس بدافع الد*كتاتورية كما ظن مصطفى ، ولكنه لم يكن يريد أن يضيع مستقبله كما فعل مع نجيب ، تركه يفعل ما يريد وكانت النتيجة فشله في التعليم . . .
حاولت فايا ووالدتها تهدئة زينب ، التي كانت تشعر بأنها تصارع في كل الاتجاهات ، يكفي أنها تصارع ضعفها ، وخوفها من زيد تلك الهالة التي حاصرتها ، أضعفتها وقالت من عزيمتها ، شرخت روحها ، وهي الآن في طريقها للانهيار ، النوم لم يعد حل ، والعرب لم يعد حل ، لا سبيل للمواجهة ، فهي الأم التي يجب أن تكون بوصلة هذا المنزل ، من يخطئ عليها أن تنبهه بخطئه ، كفي أنها أضاعت ولدها البكري ، الذي ذهب وتزوج دون إرادتها ، حرمها من حقها في السعادة معه ، لا تعلم عنه شيئا ، لذلك قررت أن تواجهه هي الأخرى ، وقفت زينب ، وجميع جسدها يرتعش من الخوف ، أصابعها تهتز بشدة ، شفتاها ترتعد ، حاولت أن تستجمع قواها ، أن تفعل ما وجب عليها من سنوات مضت ، ولكن ضعفها وقلة عزيمتها وقفا حائلا أمامها ، صلبت ظهرها ، ثم وقفت شامخة أمام زيد الذي وقف هو الآخر كي يرى ماذا تريد ، بحركة مباغتة رفعت زينب يدها وصفعت بها زيد ، اتسعت عين الجميع ، الكل غير مصدق ما يحدث الآن ، كيف انقلب الجميع عليه ، لماذا أصبح هو الشرير في تلك الحكاية ، تساؤلات سألها لنفسه وهو يقف أمامها ، لم يهتز لما فعلته ، ولم يعاقبها أو حتى يرد لها الصفعة ، فيدها التي ترتجف ، وشفتاها الزرقاء ، وعيونها الزائغة ، التي تنظر إلى العدم ، أجبروه أن يستحمل تلك اللحظات ، بينما فاطمة ، زوجة أخيه ، التي دائما تنال من قسوته الكثير ، لغياب زوجها وراء معتقداته الدينية التي لا تعلم أساسها ، اقتربت من زينب حتى تردعها ، وتوقفها عن إكمال ما بدأته ، بينما كانت فايا مشاعرها مبعثرة ، مشتتة ، لا تعلم أتفرح لتلك الانتفاضة ضد الشر مجتمعا في صورة عمها ، كما كانت تزعم دوما ، أم تحزن لرؤية تلك العبرات المجتمعة في عيون عمها الذي انجرح قلبه لأول مرة منذ زمن بعيد . .
لم ترضخ زينب إلى رغبة فاطمة ، سحبت زينب جسدها كله من يده فاطمة ، وقالت في ثبات شعرت به لأول مرة :
طول عمرك أناني ، ومش بتفكر غير في صورتك قدام الناس ، اتجوزتني وأنا يتيمة عشان يقولوا راجل وحمى عرضه ، مع إنك مكنتش بتحبني ولا متقبلني زوجة ليك ، كنت بتقرب لي بالاجبار من عمي الله يرحمه ، وأنا استحملت جفاءك وكرهك اللي بشوفه في عينك ، لما قلبك دق وحبيت صفية ، برده اتخليت عنها عشان كلام الناس ، رفضت تدي نجيب فلوس عشان الناس متقلش إن ابن الرفاعي هيسافر يشتغل خدام للأجانب ، وسيبته يسافر هربان على مركب بالي ، ودلوقتي جاي تض*ب مصطفى حبة القلب ليه ، عشان عايز يكبر ويتعلم ، طيب هو لو سافر صورتك قدام الناس اللي بتخشاهم هتلالي ، وتبقى أبو الدكتور اللي كمل تعليمه مع الخوجات ، ليه قولي القسوة دي ليه ، ليه واجب علينا ننفذ أوامرك وملناش حتى حق الاعتراض ، قولتي سيبي المدرسة ، قولت حاضر ، ودلوقتي أنت بتستعر منى عشان مكملتش تعليم ، مع إني كنت ممتازة وذكية ، هتفضل لحد كده لامتى ، هتتخلى عن أنانيتك امتى . .
لم تستحمل زينب تلك المواجهة ، سقطت مغشيا عليها ، انتفض الجميع خوفا عليها ، خاصة زيد الذي يشعر دائما بأنه يجرحها ، ولكنه لم يعلم كيف يداوي ذلك الجرح .
حملها زيد ، وذهب بها إلي الطبيب ، الذي كشف عليها . .
كان الجميع يقف في الخارج ، الدموع كانت سيدة المشهد ، الخوف احتل قلب الجميع ، خرج الطبيب وطمأنهم عليها .
بمجرد أن رأى زيد الطبيب يخرج من غرفة الكشف ، جرى عليه زيد يسأله بلهفة :
خير يا دكتور ، زينب كويسة . .
ابتسم الطبيب ثم قال له :
خير ان شاء الله ، ضغط الدم ارتفع شوية ، نتيجة صدمة نفسية ، والحمد لله دلوقتي بقى تمام ، ياريت ، المريضة تبعد عن أي موقف يأذي حالتها النفسية ، تقدروا دلوقتي تاخدوا المريضة البيت عشان ترتاح ، أنا كتبت لها علاج ، وبكرة ان شاء الله هبقى أعدي عليها عشان اطمن ، متقلقش يا حاج زيد ، عن إذنك . .
دخل زيد إلى الغرفة ، تفاجأ بها ممددة على الفراش ، تنظر إلى السقف ، كانت فاطمة بجوارها ، ابتسم لها بألم وحسرة ، ثم حمل زينب وعاد بها إلى المنزل ، وضعها على الفراش ، ثم طلب من الجميع الذهاب وتركها ترتاح قليلا . .
كانت فايا تراقب تعبيرات وجهه ، استغربت كيف يكون قويا بعد كل ما حدث . . .
كانت فايا تحدق به عندما طلبت منها والدتها الذهاب معها . .
ذهبت فايا مع والدتها إلى الغرفة ، وبقي زيد بمفرده مع زينب ، التي ما زالت تبكي حتى وهي شبه غائبة عن الوعي .
قرب زيد الكرسي ، ثم وضعه بجوار الفراش ، أمسك يدها يطلب منها السماح ، لقد تهاوت قواه ، وأصبح أمامها كالطفل ، بكى ، بكي كثيرا ، لأول مرة في حياته منذ وفاة والده ، لقد أذابت الجليد عن مشاعره ، التي حاول مرارا وتكرارا أن يجمدها حتى يستطيع أن يكمل في تلك الحياة القاسية ، فتح قلبه ثم قال لأول مرة . .
زيد :
أنا مش عارف أنتي بتلوميني على أيه ، على إني سمعت كلام والدي وسترت عرض بنت عمي اليتيمة ، اللي كل الناس كانت طمعانة في مالها ، أنتي مين قالك إني مش بحبك ، أنا يمكن مش بقدر أعبر عن مشاعري ، بس كفاية إنك أم ولادي ، أنا صحيح كنت عايز اتجوز صفية ، وإني حبيتها أكتر من نفسي ، بس رفضي لجوازي منها مش خوف من الناس ، بس خوفت إني أظلمك يا زينب ، أنا بحبك آه بس حبيتها أكتر ، خوفت أميل لها يا زينب ، خوفت من عقاب ربنا ، يرضيكي أكون يوم القيامة بشق أعوج يا زينب ، أنا مش ببرر لك موقفي ، لأني حر ، بس أنا محتاج أتكلم ، يمكن بالي يرتاح ، وأقدر أواجه اللي جاي ، لأن اللي جاي صعب قوي يا زينب . .
بتلوميني إني سيبت نجيب يسافر في مركب بالي ، أنا خيرته وطلبت منه يقعد ، يكمل تعليمه زي أخوه ، بس هو اللي رفض ، غيرته من أخوه كانت أقوى منه ومني ، أنا حاولت معاه ، ضغطت عليه عشان يقعد ، بس للأسف هو سرقني عشان يسافر يا زينب ، أنا مكنتش عايز أقول عشان ميبقاش وحش قدامكم ، بس هي دي الحقيقة ، نجيب سرقني وسافر من ورايا يا زينب ، أنا كنت زيك ويمكن أكتر قلبي كان هيخرج من ص*ري لما عرفت اللي حصل ، بس صبرت واحتسبت ظلمكم ليه عند ربنا .
بتقولوا إني قسيت على مصطفى ، طيب ما أنا دلعت نجيب خدت أيه ، سرقني وسافر ، وحتى لما بقى كويس استخسر يرجع ونفرح بيه ، بقاله سبع سنين متغرب ، مفكرش يرجع نشوفه يا زينب ، عشان كده أنا كنت رافض سفر مصطفى ، أنا بموت يا زينب ، أنا عندي سرطان ، ويمكن مقدرش أعيش ، أنا خايف على البيت يا زينب عشان كده أنا رافض مصطفى يسافر ، هسيبك لمين وأنتى قلبك رهيف ، وروحك هشة ، هسيب بنت أخوي لمين وهي قاسية ومش عاجبها حاجة ، وأبوها زي ما أنتي عارفة مفيش في دماغه غير الموالد ، والجري على الأضرحة ، روحه متعلقة بآل رسول الله ، ومش في دماغه لا مراته ولا بنته . . .
أنا هعمل اللي أنتوا عايزينه ، أنا بنفسي هخلص ورق مصطفى زي ما قال ، بس أنا لو مت قبل ما يرجع أنتي هتعملي أيه يا زينب . . .
لم يجد زيد رد ، لأنها كانت غائبة عن الوعي ، وضع زيد رأسه على يدها ، وأغمض عينه ، ثم غفا هو الآخر . .
بينما دخلت فايا الغرفة مع والدتها وهي تسألها عن والدها .
فايا :
ماما ، هو بابا هيفضل غائب كده لحد امتى ، أنا ابتديت أحس إني يتيمة . .
نظرت إليها والدتها بعيون دامعة ، ولكنها لم تجيبها ، لا تعلم ماذا تقول لها ، اكتفت بالبكاء ، فهي أيضا تشعر بالوحدة ، لم تشعر أنها زوجة أبدا ، منذ ولادة فايا ، وزوجها هائم في بلاد الله ، يتنقل من ضريح إلى آخر ، وهي لا تعترض ، كيف تعترض وهي من وافقت على الزواج منه ، وتحدت والدها ، و**مت على الزواج من أكمل الرفاعي ، المهندس الزراعي ، لم يكن كذلك عندما قابلته ، وتعلقت به ، لا تعلم أين ومتى أصبح صوفيا ، لا يفعل شيئا سوي الذكر في الموالد ، والسكن في بيوت الله . .
فاطمة :
نامي دلوقتي يا حبيبتي ، وبكرة نبقى نتكلم ، أنا حاسة إن دماغي هتنفجر من اللي حصل النهاردة . .
فايا مؤكدة :
معاكي حق يا ماما ، اللي حصل ده محدش يقدر يصدقه ، لو كان حد حكى ليه وقالي إن مصطفى هيقف قدام عمي ويقول له كده ، أنا مكنتش هصدق . .
يلا تصبحي على خير يا ماما . .
فاطمة :
وأنتي من أهله يا بنتي . . .
. . . . .
أما بالنسبة لمصطفى ، لقد قاد مصطفى السيارة مسرعا ، لا يعلم وجهته ، فكر الذهاب مرة أخرى إلى ذلك البار في المدينة ولكنه عدل عن تلك الفكرة ، لقد أقسم ألا يعود لمثل هذا الذنب مرة أخرى . .
. . . .
أما عن صفية ، فهي الأخرى كانت في حالة يرثى لها ، لقد استقالت من عملها ، لذلك قررت العودة مرة أخرى إلى قريتها . . .
يا ترى هيحصل ايه لما ترجع .
وعلاقتها هتكون أيه مع زيد . .
ويا ترى زينب رد فعلها هيكون أيه . .
ده اللي هنعرفه الفصول القادمة إن شاء الله . .
أتمنى الفصل يعجبكم . .
إلي اللقاء غدا ان شاء الله . . .