الفصل الثامن

2346 Words
لم يحالف الحظ فايا تلك الليلة ، ظلت مستيقظة طوال الليل على أمل أن ترى مصطفى كي تهون عنه قليلا ، فهي في النهاية ابنة عمه ويجب عليها أن تقف بجانبه مهما كان بينهما . لم تعرف فايا شيئا عن قراره بالسفر إلى الخارج ، ظلت تتساءل هل ذلك القرار نابعا من قرارة نفسه أن مجرد رد فعل لما حدث بينهما منذ يومين ، وهل يسعى بهذا القرار للفوز بها ، أم إنه أنهى تلك الصفحة في حياته ، ويبحث عن أحداث أخرى يملأ بها حياته ، امتلأ عقلها بآلاف من الأفكار ، تجعلها تبتسم تارة ، وتارة أخرى تعبس ، نظرات مصطفى لها وهما في المول تجرح مشاعرها ، إنها لا تكره مصطفى ، ولكن تكره تلك الظروف التي وضعتهم تحت وطأة عادات ظالمة ، تحجم من أحلامها ، وتقص أجنحتها كلما رغبت في الطيران . . أصبحت الساعة الثالثة فجرا ، ومصطفى لم يعد بعد ، انتابها الخوف الشديد ، خاصا أن الجو قارص البرودة ، لم تستطع فايا الثبات أكثر من ذلك ، وغلبها النعاس ، بينما كانت والدتها هي الأخرى ممددة على الفراش ، تسمح عبراتها التي لا تنتهي حزنا على حالها ، لقد استحملت الكثير من أجل ابنتها ، لم تكن تتخيل أن ينتهي بها الحال حزينة ووحيدة ، تذكرت وعود أكمل لها بتلك الحياة الوردية ، أكمل الرفاعي ، ابن الحسب والنسب ، ابن الأصل الطيب ، مال وعائلة ، تقدم من بنت معاون الصحة ، الرجل البسيط ، كانت سعادتها لا تنتهي وهو يخبرها بعشقه لها ، ورغبته في الزواج بها ، اعترض والدها في البداية ، ولكنه رضخ تحت إصرار منها ، ابتسمت وهى تتذكر ليلتها الأولى معه ، كم كانت ليلة مميزة بالنسبة لها ، بالرغم من خجلها إلا أنها كانت سعيدة وهي تراه يجول الغرفة ذهابا وإيابا في انتظارها كي تتخلص من هذا الثوب اللعين على حد قوله ، كان يقصد فستان الزفاف الأبيض الذي جلبه لها من القاهرة ، كانت ساطعة كنجمات السنيما ، أنهت فاطمة خلع فستانها ، ثم ارتدت ذلك القميص القرمزي الذي **م أكمل أن ترتديه ، استغربت اللون كثيرا ، ولكنها اندهشت عندما وجدت نفسها تبدو كقطعة من لوحة فنية نادرة الوجود ، لقد لاق بها القميص بشدة ، خرجت فاطمة إليه ، وهي تحكم إغلاق ذلك الروب القصير ، كان شعرها ناعما جدا وطويل لدرجة لا توصف ، أقترب منها أكمل ، ثم قال لها ساخطا وهو يمسك خصلات شعرها الأ**د . أكمل : ممكن أعرف أيه ده ، أنت لابسة ب**كة ولا أيه ، فين شعرك يا فاطمة . . ابتلعت غصة اجتمعت في حلقومها ، ثم قالت بحروف متقطعة فهمها أكمل بصعوبة : أصل ، أصل صفية قالت لي تعالي نعمل شعرك بروتين ، وقالت إنه هيبقى حلو عليه قوي ، أنا بصراحة مكنتش مصدقة كلامها غير لما عملته ، استدارت فاطمة ثم ظلت تلف حول نفسها ، تطايرت خصلات شعرها بانسيابية جعلته لا يطيق البعد عنها أكثر من ذلك ، لقد أستطاعت أن تأسره بالرغم من غضبه لأنها غيرت ملامح شعرها الغجري الذي أسره عندما شاهده أول مرة وهو يمر بجانب منزلها . . ظل يحدق بها ، وهل تدور ، حتى كادت أن تقع ، لولا يديه القويتين اللتين أمسكتا بها ، تسارعت دقات قلبها ، وخاصة وهي تنظر في عيونه التي تسحرها ، بالكاد تستطيع أن تلتقط أنفاسها من شدة توتره ، أمسكها أكمل من خصرها النحيف ، ثم أمال برأسه جوار عنقها ، أغمض عيونه ، وشرع في النيل منها ، كان يقتنص لقلبه رفضها الدائم للمساته ، أما الآن فهي تقف أمامه بكل أنوثتها طوع يداه ، يفعل بها ما يريد ، كانت كالعجينة بيده ، شكلها كما شاء ، انتهت ليلتهما الأولى ، وبعد ذلك بدأت رحلة عقابها ، عندما تعرف أكمل على شخص صوفي ، لا يقدر الحياة ، هائم في بلاد الله ، لا يفعل شئ سوي ملاحقة الموالد ، والتنقل بين الأضرحة ، لن تنكر أن لذلك جانب روحاني ، تهتدي به النفس ، وترتقي لعالم آخر ، ولكنه للأسف ، بدأ في اهمالها ، وملاحقة هذا الرجل الذي مسح عقله ، وكأن الله بحاجة إلى وسيط بينه وبين عبده كي يستمع لدعائه حشا لله ، شعرت فاطمة بالضيق عندما تذكرت تلك الليلة التي طلبت منه أن يعطيها حقها الشرعي ، كانت آخر ليلية بينهما ، أثمرت على تلك الجوهرة التي أنارت حياتها ، وا**بتها هدفا تحيا من أجله ، لقد استحملت الكثير من أجل تلك الفتاة ، عانت جفاء زوج أحبته ،ووعدها بالحياة الوردية وأخلف ، من تحكمات أخ زوج يظن أن بالقسوة يمكن أن يملك النفوس ويسيطر بها . . ظلت فاطمة تتذكر أيامها السابقة وتبكي ، تبكي على دهر مر وفات ، ولم تنال تلك السعادة التي تستحقها . . . . . . . . . . . . أما في إحدى الطرق الصحراوية ، كان مصطفى يقود سيارته بلا هدف ، فقط يريد أن يخرج من تلك الحالة التي سيطرت عليه ، ظل يسب نفسه ، ويلعن تلك الفتاه التي جعلته يتمرد هو الآخر على والده ، لقد كان رجلا قنوع ، يحب الحياة في قريته بل يقدسها ، كان يريد أن يكون عائلة ، ويعيش في بيت دافئ مع معشوقته ، وأبنائه ، ولكنها قلبت الموازين برفضها له ، جعلته لا يفكر إلا في جعلها تندم على تلك الطريقة القاسية التي رفضته بها ، طريقة حملت بين طياتها على الكثير من التلميحات ، أهمها ضعفه أمام والده وعدم قدرته على أخذ موقف أمامه . . . . . . . . . . أما في إيطاليا ، تلك الدولة الرائعة ، التي تشبه مجتمعاتنا العربية في تماسكها نوعا ما ، يعيش نجيب وزوجته ياسمين ابنة خالته ، التي عشقها منذ نعومة أظافره ، أسوء أيام حياته ، فعدم القدرة على الإنجاب أصبحت كالسكين تطعنه في قلبه كلما ذهب إلي طبيب ، وأخبره أنه لن يستطيع أن ينجب بالطرق التقليدية ، وأنه يجب عليه استخدام تلك الوسائل الجديدة كالحقن المجهري ، أو إخصاب في أحد المعامل الطبية . . وافق نجيب تحت إلحاح من ياسمين ، وتم تحديد موعدا للإخصاب ، وعمل تلك عملية الحقن المجهري ، انتابه شعور سئ ، ولكنه لا يعلم مص*ره ، بينما ياسمين كانت كمن تطير في الهواء . . . . . . . . . عودة إلى القاهرة . حيث استيقظت صفية في تمام الساعة السابعة ، صلت فرصها ، ثم نوت الذهاب حيث تعيش اختها فاطمة ، جهزت صفية حقيبتها ، ثم هبطت كي تستقل سيارتها ، وقادتها متجهة إلى طريق لا تعلم نهايته ، ولا تعلم إذا كان قرار العودة صائبا أم لا . . وصلت صفية القرية ، كانت الساعة اقتربت من العاشرة ، اتصلت صفية بابنة اختها فايا ، التي استيقظت ب**ل ، كانت تتثاءب وهي جالسة على الفراش ، تشعر بالوخم الشديد ، لم تذهب إلى المدرسة ، بسبب ارهاق جسدها وروحها بسبب ما حدث أمس ، أمسكت فايا الهاتف ، ثم ضغطت على الزر ، لم تنتبه لاسم المتصل ، قالت بصوت ناعس . فايا : ألو . مين معايا . . ابتسمت صفية برقة ثم قالت لها بمزاح : اصحي يا **لانة ، الساعة بقت عشرة ، وأنتي لسة نائمة . . انتبهت فايا للصوت ، هبت واقفة من مكانها ، ثم قالت بسعادة غامرة نابعة من قلبها : خالتو ، عاملة أيه ، أنتي كويسة دلوقتي ، كان مالك امبارح ، كنتي بتعيطي ليه ، أحكي بسرعة أيه اللي حصل ؟ ضحكت صفية ثم قالت لها ؛ حيلك ، حيلك ، خدي نفسك الأول يا حبيبتي ، واتكلمي بالراحة ، أنا الحمد لله كويسة ، أنا فاضل لي ربع ساعة بالضبط وأكون في بيتنا القديم ، زي الشطورة كده ، تعالي مع ماما ، عشان ننظف البيت ، عشان أنا مش هرجه القاهرة مرة تانية . . قفزت فايا من السعادة عندما علمت بخير عودة خالتها ، ولكنها شعرت بالحزن في نفس الوقت لأنها كانت تأمل أن تذهب هي وتعيش معها بعد الانتهاء من الثانوية العامة . . حاولت فايا أن تخفي شعورها بالانزعاج وقالت وهي ترسم سعادة حقيقية لرؤية خالتها : ثواني يا خالتو ، هلبس وأكون عندك . . دخلت فايا المرحاض ، أخذت حماما دافئا ، ثم ارتدت ملابسها ، توجهت إلي حجرة زوجة عمها كي تطمئن عليها ، ابتسمت عندما رأت والدتها تجلس بجانبها وتعطيها الدواء ، بينما عمها يجلس في أحد أركان الغرفة يقرأ الصحف . . فايا : السلام عليكم ، عاملة أيه يا طنط . ابتسمت زينب بوهن ، ثم أغلقت عيونها وفتحتها مرة أخري ، فطنت فايا أنها بخير ، اقتربت منها فايا ثم عانقتها ، فهي لن تنكر شعورها بالحزن علي ما حدث أمس . دعت فايا لزوجة عمها بالصحة والعافية ، اقتربت فايا من عمها ، ووقفت أمامه بشموخ اعتاد عليه ، قالت له وكأنه تخبره وليست كأنها تأخذ أذنه للخروج . فايا : أنا خارجة يا عمو ، ساعة كده وراجعة . . لم يكن زيد في حالة تسمح له بالمجادلة ، لذلك شاور لها بيده أن تذهب ، لم يكلف نفسه عناء النظر إليها ، استغربت ما حدث ولكنها لم تعقب ، فكل ما يهمها الآن هو الذهاب . تذكرت فايا مصطفي ، أرادت أن تسأل عنه ، ولكنها عدلت عن تلك الفكرة ، كفى ما يشعرون به من توتر ، وحزن . . ذهبت فايا إلى منزل جدها ، استغربت تأخر صفية ، ظلت تتصل بها ، ولكنها لم تجاوبها ، لقد كانت منشغلة بالحديث مع مصطفى ، الذي التقت به على مشارف القرية ، استغربت وقوفه في مثل هذا الوقت ، تعلم أنه يعمل بإحدي المستشفيات بالمركز ، لذلك أول ما رأت سيارته شعرت بالخوف عليه ،ولكن اطمئن قلبها عندما وجدته نائما في السيارة ، سليم معافى ، طرقت صفية برفق على باب السيارة ، استيقظ مصطفى ، وفرك في عيونه بيده ، ظل ينظر يمينا ويسارا ، انتبه لصفية ، فتح باب السيارة ثم ترجل منها . . صافح مصطفى صفية بحرارة ، فهو يحبها ويتخذها مثلا أعلى ، لقد استطاعت التغلب على العديد من الصعاب حتى تصل لأهدافها . مصطفى : دكتورة صفية ، أنا مبسوط إني قابلتك النهاردة ، أكيد ربنا بيحبني ، أنا كنت هاخد رقمك من فايا ، كنت عايز أتكلم مع حضرتك شوية . ابتسمت له صفية بحب ، فهو قطعة من من دق له قلبها وعشقه . صفية : يا بكاش ، كل مرة تقولي كده ومش بتتصل ، المهم مالك كده ، ليه نايم في الطريق ، العربية فيها حاجة . مصطفى بحزن : العربية كويسة ، أنا اللي مش كويس ، ممكن أتكلم مع حضرتك شوية . صفية بابتسامة : أكيد ، بس مش دلوقتي ، ومش في الشارع كده ، حصلني على بيتي ، أنا خلاص نويت استقر هنا . . اتسعت عيون مصطفى ، وكاد يسألها عن سبب هذا القرار المفاجئ ، ولكنها لم تعطي له الفرصة ، واتجهت لتستقل سيارتها ، لتعود إلي بيتها . كانت فايا تقف بضجر أمام المنزل ، ظلت تنظر في هاتفها كي ترى الساعة ، كادت أن تذهب فهي لا تحب الانتظار ، ولكن وصول سيارة خالتها جعلها تقف مكانها ، ولكنها استغربت وجود سيارة مصطفى خلفها . ركنت صفية السيارة أمام المنزل ، ثم ترجلت منها كي تعانق فايا بكل حب وحنان ، طال العناق بينهما ، وقف مصطفى يراقبهما ب**ت ، اتسعت عيونه وهو يرى دموع فايا ، لأول مرة ، استغرب تلك الدموع ، تساءل متى امتلكت تلك الفتاة المتحجرة ، والباردة المشاعر , كل تلك المشاعر تجاه خالتها التي بادلتها دموعها . . أقترب منهما مصطفى ، كاد مصطفى يعتذر كي يذهب ، ولكن فايا أوقفته قائلة : مصطفى ، أنت واقف هنا وسايب طنط زينب هتموت من القهر عليك ، دي تعبت جامد بالليل ، ضغطها علي ، والدكتور قال تبعد عن التوتر والانفعال ، وأكيد طول ما هي خائفة عليك ، هتفضل تعبانة ، يا ريت ترجع يا مصطفى عشان طنط زينب مش تستاهل منك المعاملة دي . . لم ينتظر مصطفى كثيرا ، عاد كي يستقل سيارته ، كي يذهب إلى والدته . . بينما ض*بت صفية فايا على رأسها بخفة ، ثم قالت لها وهي تعاتبها : مش عارفه هتبطلي ترمي الدبش ده امتي ، تعالى يا آخرة صبري ، ندخل البيت واحكي لي على اللي حصل . . ابتسمت فايا ، ثم دخلت خلف خالتها إلى المنزل ، الذي امتلأ بالغبار بسبب عدم الاهتمام به ، شمرت صفية ذراعها وبدأت في تنظيف المنزل ، ساعدتها فايا ، التي ظلت تتذمر ، ولكنها لن تنكر سعادتها لوجود خالتها معها الآن . . حكت فايا كل ما حدث منذ البداية ، من أول طلب مصطفى الزواج منها ، حتى ما حدث ليلة أمس من مواجهة قوية ، أثمرت بصفع مصطفى لأول مرة من والده ، وكذلك نتج عنها مرض زوجة عمها . . وصل مصطفى إلى المنزل ، واللهفة كانت تسيطر عليه ، شعور بالندم احتل كل خلية في جسده ، كان يعلم أن ما حدث أمس أن يمر مرور الكرام ، ولكنه لم يعتقد أن تتحمل والدته النتيجة بمفردها ، صعد مصطفى الدرج بصعوبة ، كان يقفز بسرعة حتى يصل إلى غرفة والدته حتى يطمئن عليها ، لم يتذكر والده ، ولم يفكر في رد فعله ، لم يكن أمامه غير ثورة والدته التي تخيلها مريضة ، وتهتف باسمه حزنا عليه كما كانت تفعل عندما رحل نجيب ، فتح مصطفى الباب ، وجد والدته ملقاه على الفراش ، وبجوارها زوجة عمه ، لم ينتبه إلى والده الذي كان يجلس في أحد الأركان ، أقترب منها مصطفى ، ثم انحنى ليقبل يدها ، ودموعه تنساب على وجهه بلا توقف ، ظل يعتذر منها ، بكت زينب كثيرا على بكاء ولدها ، حاولت فاطمة تهدئته حتى لا تتعب زينب من شدة الانفعال ، ولكن حزنه وخوفه عليها كانا أقوى منه ، ظل يقبل يدها حتى هدأ قليلا ، نظر مصطفى إلى زوجة عمه قم سألها عن حال والدته . مصطفى : أيه اللي حصل يا مرت عمي ، ازاي ماما تعبت ، بابا زعلها صح ، ض*بها زي ما بيعمل كل مرة ، أنا عارف إنه هيعمل كده ، دائما بيستقوي عليها . . . حاولت فاطمة أن تنبهه لوجود والده في الغرفة ، ولكنه لم يدع لها أي فرصة ، وتفاجأ بوالده يقف أمامه ، وعلامات الغضب أشعلت البركان الخامد في قلبه . . . يا ترى المواجهة بين مصطفى ووالده هتكون إزاي . . ويا ترى عملية الحقن المجهري هتنفع ولا لأ . . وبالنسبة لحالة زيد الصحية هتتحسن ولا لأ . . وأكمل والد فايا ، هيرجع ولا هيفضل هائم في أرض الله . . . كل ده هنعرفه الفصول القادمة بإذن الله . . آرائكم تهمني . . أتمنى لكم قراءة ممتعة . . دمتم بخير وعافية . . . إلى اللقاء غدا ان شاء الله . .
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD