ظل مصطفى في غرفته ، أغلق على نفسه ، يفكر في قرار قد يغير مجرى حياته ، فكر هو الآخر في التمرد على العادات والتقاليد ، فكر أن ينظر إلى مستقبله ، ولا يهتم برأي أحد كما يفعل الجميع ، كل ما يقلقه هو والده ، لا يريد أن يغضبه ، فقرار السفر إلى الخارج حتى ولو كان بغرض أن يكمل تعليمه ليس أمرا سهلا ، وخاصة بعد ذهاب نجيب أخيه الأكبر ، الذي لم يهتم سوى بنفسه ، في كل خطوة ، أو قرار أخذه كان يفكر في نفسه فقط ، لقد تعب والده بسببه كثيرا ، لقد كان سببا في حزن هذا المنزل ، لن يبالغ إذا قال لسنوات ، طوال مدة سفره كان الجميع يخاف عليه ، ويشفق عليه ، حتى بعد أن وفقه الله وحصل على الإقامة ، أغضب والده عندما تزوج رغما عنه بتلك الطريقة التي تظهر أنانيته ، لقد جلب لهم التعاسة ، وأختار أن يسعد بمفرده ، هذا ما فعله أخوه ، لذلك هو خائف من رد فعل والده عندما يخبره أنه يريد الذهاب إلى فرنسا بغرض اكمال دراسته ، لقد حقق مجال التجميل هناك نجاحا واسعا ، فبالتأكيد سوف يتعلم الكثير ، ظل مصطفى يفكر في طريقة يخبر بها والده ، لم يجد سوى والدته ، زينب الرفاعي ، توجه مصطفى إلى الأسفل ، يبحث عن والدته ، كي يخبرها بقراره ، فهو لن يستطيع أن يبقى في هذا المنزل أكثر من ذلك ،لن يستطيع أن يرفع عينه في عين ابنة عمه ، لقد أخطأ في حقها ، ولكنها جرحته بحديثها ، أشعرته بأنه لن يستطيع حمايتها ، وأنه لن يجرؤ على الوقوف أمام والده ، لذلك شعر بالرغبة في الفرار من ذلك الإطار لتلك الصورة السلبية التي وضعته بها فايا .
بينما كان مصطفى يهبط على السلم ، غير منتبه ، عقله مشغول بآلاف الأفكار ، اصطدم بفايا للمرة التي لا يعلم عددها ، وكأن هذا السلم صنع خصيصا كي يقربه منها ، كي ينعم بقربها ، ويستنشق عبيرها المسكر ،
لم يكن يعلم أمن سوء حظه أم حسن حظه أنه قا**ها على السلم في هذا اليوم ، أطالت فايا النظر إليه ، وجدت تغيرا في نظرة عينه ، ما زال لمعان عيونه ينبض بالحياة من أجلها ، ولكنها رأت نظرة تحدي ، لم تكن تراها في عيونه ، شعرت بالمتعة وهي تنظر إليه ، كانت عيونه ساحرة ، كادت أن تفقدها صوابها ، أطالت فايا النظر إلي عيونه بطريقة جريئة استغربتها ، ظنت أنها ستهرب من نظراته التي تحاصرها ، ولكنها الآن تقف تستمتع بتلك اللحظات التي تسرقها من الزمن ، لن تنكر فايا إعجابها بمصطفى ، إنه حقا رجل وسيم بالرغم من عدم اهتمامه بمظهره ، عيونه جذابة رغم اختفائها اسفل تلك العدسات الطبية التي تكاد تفقدها بريقها ، شاربه مميز يضيف إليه طابع رجولي جذاب ، لن تنكر أن مصطفى يمتلك العديد من المميزات ، وأنها كانت سوف تقبل به لو كان بعيدا عنها ، ولكنها للأسف تعلمه جيدا ، غيرته الشديدة عليها ، وعلى كل ما هو مؤنث ، تجعلها تهرب منه ، وتبتعد حتى ولو كانت تعشقه . .
استغربت فايا من اعترافها بالعشق له الآن ، ولكنها لم تهتم ، أكملت طريقها إلى غرفتها بدون كلام معه .
كان مصطفى في عالم آخر ، كأنه غريق في بحر ثائر ، لا يقدر على النجاة ، ولا يريد أن ينجو من الأساس ، كانت والدته تتابعه بحسرة ، فهي تعلم عشقه لابنة عمه ، وكذلك تعلم أن فايا لا تريد البقاء في ذلك المنزل ، كل يوم تستيقظ خائفا ، تظن أن فايا سوف تترك هذا المنزل وتهرب في أي لحظة ، تتفاجأ كل يوم أنها تخيب ظنها ، وأنها ما زالت هنا حتى الآن . .
ظل مصطفى يقف شاردا ، كأن على رأسه الطير ، اقتربت منه والدته ، تواسيه ، فهي أكثر من يعلم ألم الحب ، لقد أحبت زيد ابن عمها وزوجها أكثر من نفسها ، ترعرعا سويا ، في بيت واحد ، أكلا من نفس الطبق ، لم ترى رجلا غيره ، ولكنها لم تلفت نظره يوما ، تعلم إنه غصب على الزواج منها ، فهي بالنسبة له ، لا تتسع لمستوى طموحاته ، لذلك عندما علمت أنه معجب بأخرى لم تعترض ، لم تلومه يوما على حبه لصفية أخت فاطمة زوجة أخيه ، فالحب قدر ، والقدر من تدبير الرحمن . .
زينب :
مالك يا ولدي واقف كده ليه ؟
مصطفى :
مش عارف يا أمي ، حاسس إني مش هشوفها مرة تانية . .
زينب :
تف من فمك يا مصطفى ، بلاش تقول كده يا حبيبي . .
مصطفى ابتسم بألم :
ربنا يوفقها ، ويكتب لها الخير ، تعالي يا أمي ، محتاج أكلمك في موضوع ضروري . .
زينب وهي تصعد معه إلى حجرته :
خير يا ولدي . .
ابتسم مصطفى ثم قال :
إن شاء الله خير يا أمي . .
دخل مصطفى الغرفة ، تبعته والدته ، جلست على الفراش ، أغلق مصطفى باب الغرفة ،ثم جلس بجوارها ، أمسكها من يدها ، ثم قال لها برجاء .
مصطفى :
أنا محتاج مساعدة قوي يا أمي . .
شعرت زينب بالقلق على مصطفى ، سألته والقلق يملأ قلبها قبل عيونها .
زينب :
محتاج أيه يا حبيبي ، أنت تؤمر .
ابتلع مصطفى ريقه ثم قال بخوف :
أنا عايز أسافر أكمل تعليمي في فرنسا يا أمي ، أنا محتاج أبعد عن هنا ، أنا مش بهرب من فايا ، ولا هي السبب الرئيسي خلف قرار سفري ، أنا من زمان كنت حابب أسافر فرنسا طب التجميل متقدم قوي هناك ، وأنا عايز أكون دكتور ممتاز وله سمعته ، وده مش هيحصل غير لما أسافر . .
مسحت زينب دموعها ثم قالت :
طيب وأنا ، مفكرتش فيه ، وأنت بتفكر في مستقبلك ، وعمال تخطط ، هتسبني لوحدي يا نور عيني ، أنا مش أنانية ، بس أنا مش هقدر أعيش من غيرك ، كفاية بعد أخوك ، مش عايزة أفتح الجرح ده مرة تانية ، أنا ما صدقت إنه ابتدى يلم ، أرجوك يا ابني فكر تاني . .
كان مصطفى يقدر ما تعنيه ، فهو عاصر معها كل آلامها فترة سفر أخيه نجيب ، ساءت حالتها الصحية والنفسية بسببه ، وخاصة عندما علمت بمرضه ، وأن كل من على المركب وصلوا بأمان ، إلا هو ، لم يستطع أن يكمل ، ظن الجميع أنه توفى ، بقيت أشهر لا تذق الطعام إلا خفيفا ، ولا تنام إلا وقتا كثيرا ، ولكنه يريد التركيز على مستقبله ، فمن المؤكد أنها سوف تصبح على ما يرام ، كما فعلت من قبل ، فهي قوية ، ولكنها لا تعلم . .
مصطفى :
يا ماما أرجوكي تفهميني ، وتقدري موقفي ، أنا محتاج أبعد ، ومحتاج اتعلم ، محتاج أرجع أقوى ، لازم تندم على رفضها ليه يا أمي .
زينب :
طيب ، أنت عارف موقف أبوك من فكرة السفر ، مش هيوافق .
مصطفى بغضب :
لازم تقنعيه يا أمي ، لازم أحقق مستقبلي ، أنا مش رايح أموت نفسي ، أنا هسافر عشان أثبت وجودي .
زينب :
سيبها على الله يا ابني . .
تركته زينب وذهبت ، ودموعها تملأ عيونها ، لا أحد يفكر بها ، الكل في عالم وهي في عالم آخر ، تبكي دما ، لا ملجأ لها ، توجهت زينب إلى غرفتها ، واندثرت أسفل الغطاء ، وهربت كما تفعل دائما ، أغلقت عيونها ، وغطت في نوم عميق ، طريقتها المثلى في الهرب من الواقع . .
. . . . . . . .
وقف مصطفى في شرفة غرفته ، وجدها تتنقل في الحديقة مثل الفراشة البرية ، كانت مثل الشعلة التي تنير قلبه المظلم ، جنون يعيشه ، ويصيب ثنايا قلبه بالشغف لها ، ولكنها في نفس الوقت كانت كالحية التي لدغته فشلت حركته ، وجعلته غير قادر على المضي قدما في حياته ، ولكنه أقسم لنفسه أنه سوف يجعلها تندم على رفضها لها ، على كل كلمة جرحت به فؤاده المتيم بهواها ، لعن ذلك العشق الذي ألم قلبه وحطمه . .
كانت فايا تسقي الزهور ، بينما صدع صوت هاتفها ، كان المتصل خالتها صفية .
شعرت فايا بالسعادة ، فطوال اليوم كانت تتصل عليها ، ولكن هاتفها مغلق .
فايا بسعادة :
صفصف حبيبتي ، ازيك ، أخبارك أيه ، وحشاني موت ، ومحتاجة أتكلم معاكي كتير .
لم تتحدث صفية ولو بكلمة ، فقط دموعها ، وأنين صوتها ، وصوت دموعها المكتومة كانت كفيلة أن تخبرها بأن هناك خطب ما .
شعرت فايا بالقلق على صفية ، لذلك سألتها بلهفة .
فايا :
مالك يا صفية ، بتعيطي ليه .
كان زيد عائدا إلى المنزل ولكنه توقف مكانه عندما سمعها تتحدث إلى صفية ، انقبض قلبه عندما علم أنها تبكي ، يشعر بالوجع ، والحسرة ، حسرة على حب أضاعه بيده ، وذنب اقترفه بنفسه ، وهو الآن يتحمل وحيدا نتيجة إختياراته . .
ظل واقفا عله يعلم أي أخبار عنها ، ولكن تذمر فايا ، وإلقائها بالهاتف على الأرض أصابه بالجنون ، ظن أن مكروها حدث لها ، لذلك أقترب منها وقال لها بلهفة .
زيد :
خير يا فايا ، خالتك حصل لها مكروه .
فايا بدموع :
مش عارفة يا عمي ، لسة هتحكي بتبكي ليه ، التليفون فصل ، أنا دلوقتي عايزة أكلمها ، بس مش عارفة أعمل أيه . .
زيد بحنان :
متزعليش يا حبيبتي ، أنا هدخل أريح جسمي شوية من تعب النهار ، ولما أصحى هبقى أروح معاكي أجيب لك تليفون جديد . .
ض*بت فايا الأرض بقدمها ثم قالت بتذمر :
لسة هستنى كمان ساعتين على ما حضرتك تصحى ، وساعة نتعشى ، تكون خالتي راحت فيها . .
أمسكته فايا من يده التي تؤلمه ، حبه لصفية ، وخوفه عليها . . .
زيد :
خلاص هقول لمصطفى يروح معاكي يجيب لك واحد .
كانت سوف تعترض ولكنه سرعان ما نادى على مصطفى الذي جاء مسرعا كي يرى ماذا يريد . .
تقدم زيد حيث يقف مصطفى في الأعلى ، ثم طلب منه أن يرتدي ملابسه ، فهو يريده في أمر ما .
هبط مصطفى مسرعا ، فهو يخشى والده كثيرا ، لم يرى رجلا مثله قط ، وهو على ع** عمه أكمل تماما ، ذلك العم الذي يعشق الذكر ، تشعر بأن روحه هائمة في ملكوت الله . . . .
مصطفى :
خير يا بوي .
زيد :
متقلقش يا مصطفى ، خد بنت عمك ، واشتري لها تليفون جديد ، على أحدث موضة يا ابني ، أوعى تبخل عليها . .
مصطفى بتردد :
بس أنا مش فاضي يا بوي ، عندي شغل كتير . .
زيد بعنف :
لما أقولك كلمة تقول حاضر ، مش بحب أعيد الكلام مرتين . . .
ابتلع مصطفى ريقه بصعوبة ثم حرك رأسه بألم ، وهو ينظر إلى عيون فايا ، شعر أنها توجه إليه حوار صامت ، بلغة العيون ، كأنها تقول له ، أرأيت ، لم تستطع أن ترفض شئ بسيط يأمرك به والدك ، كيف ستتمكن من التمرد عليهم ، والذهاب بعيدا عنهم . .
شعر مصطفى بالحرج ، لقد سئم تلك الحياة التي لا رأي له فيها ، لقد قرر مصطفى **ر قيود هذا المجتمع الظالم ، والخروج للعالم الكبير ، سواء وافق والده أم لا . .
تقدم مصطفى ، وتبعته فايا ، الصامتة ، وهو أيضا اتخذ ال**ت ملاذا له ، صعدت فايا بجواره ، شعر أن قلبه سوف يتوقف عن العمل من قربها المهلك ، أغلق عينه للحظات كي يستنشق عبير رائحتها التي التي تأخذه في عالم آخر ، حيث العشق المتواصل ، دنيا بلا قيود ، تمنى أن يبقى بها للأبد . .
أطال مصطفى ال**ت ، شعرت فايا بالضيق ، فقالت له بحدة .
فايا :
شكلنا كده مش هنخلص ، وهنفضل يوم اليوم واقفين مكاننا مش هنتحرك ، ما تخلص يا دكتور ، خلينا نلحق نرجع . .
ما تلك الفتاة ، وما هذا ا****ن السليط ، متى أصبحت بتلك العجرفة ، وذلك التجبر . .
نظر مصطفى إليها ، بعيون لائمة ، تلومها كل كل حرف خرج من فمها الصغير وآلمت قلبه المتيم بها .
انطلق مصطفى ، قاد بأقصى سرعة ، أشترى لها الهاتف الذي اختارته ، ثم عاد بسرعة إلى المنزل . . .
تفاجأ مصطفى بوالده يقف غاضبا ، والشرر يتطاير من عيونه ، تلك العيون الجامدة التي لا تلين أبدا إلا لها وحدها ، صفية ، تنظر إلى مصطفى بغضب ، كأنها تريد أن تقتنص منه ، لمح مصطفى والدته تجلس في أحد الأركان ، وتبكي بشدة ، فهم مصطفى أن والدته أخيرا والده برغبته في الذهاب للخارج ، تقدم مصطفى من والده ، الذي كان يصرخ عليه بشدة ، بمجرد أن أقترب منه قليلا ، إذ به يتفاجأ بصفعة مدوية ، كادت أن تقتلع رأسه . .
شهقت فايا ، بينما هو ثابت كالجبال ، لم يتحرك إنشا واحدا ، لم ترمش عيونه مطلقا ، استغرب والده من برودة مشاعره ، من صلابته ، لم يعترض ، ولم يغضب ، بل لم يتأثر . .
ثواني معدودة ، انقلبت بها المشاعر ، أصبحت القلوب خاوية ، والعقول أكثر إصرار ، تلك الصفعة ، لن ينساها مصطفى طوال حياته ، كانت نتيجة تمرده ، رغبته من الاستقلال ، ما أقصى الحياة في الريف ، إذا كان الأب يفعل ذلك ما ولده ، الذكر ، الرجل ، ماذا سيكون رد فعلهم تجاة الفتاة . .
هذا ما سوف نعلمه الفصل القادم ، توقعاتكم تهمني . .
أتمنى لكم قراءة ممتعة . . .
دمتم بخير وعافية . .
إلى اللقاء غدا ان شاء الله . . .
سلام . . .