عاد نجيب بذكريات ماضى فات ، ليتذكر صراعه مع والده على الهاتف .
زيد :
يا ابني أنت حد مسلطك عليه ، عايز مني أيه يا نجيب ، أنت يا ابني قاصد تجيب لي الجلطة ، إزاي عايز اتجوز بنت خالتك بتوكيل ، مش أنت بتقول إنك استلمت الورق ، والإقامة طيب انزل يا نجيب أخطب وأتجوز ، واعمل فرح يا ابني عشان نفرح معاك ، أعمل لك بيت هنا يا نجيب ، عشان لما تنزل تقعد فيه .
نجيب :
يا بابا أنا مش نازل مصر مرة تانية ، هرجع ليه أعيش في التراب مرة تانية ، وأسمع كلام الناس عليه ، وأشوف حقدهم عليه ، وليه أخسر فلوس شبكة وفرح وشقة وجهاز ، طالما إني مش هنزل مرة تانية .
زيد بحزن :
أنا يا ابني مش عارف إنت بقيت مادي كده امتي ، أنت يا دوب مكملتش اربع سنين مسافر ، وبقيت تكره البلد واللي فيها ، أمال لقد فضلت عندك أكتر من كده هتتبرأ مني يا نجيب .
نجيب ببرود :
ليه كده بس يا بابا .
زيد بإصرار :
شوف يا ابني عشان أنا تعبت منك ، جواز بالطريقة دي أنا مش موافق عليه ، إنك تعيش عندك في الغربة ومترجعش هنا ده موضوع أنا رافضه تماما ، ولو اتجوزت بطريقتك دي ، يبقى تنسى إن ليك أهل .
أغلق زيد الهاتف بغضب بالغ .
لاحظت ياسمين شرود زوجها مرة أخرى ، قالت بغضب وصوت عالي .
ياسمين :
يوه ، شكلنا مش هنخلص من وصلة النكد دي بقى . فيه أيه يا نجيب ، هو أنت مش بتفتكر مصر واللي فيها غير يوم أجازتك ، مش كافية إني مستحملة بعدك عني وانشغالك ، وأنا لوحدي مليش أهل ولا صاحب ، قدر إني محتاجة يوم أجازتك أحس بحنانك وعطفك عليه ، أنا مليش غيرك هنا يا حبيبي ، ده حتى الخلفة فيها مشاكل ، ومش عارفين نجيب حتة عيل يملى علينا البيت .
نجيب بغضب :
أنت بتعايريني يا ياسمين عشان عندي مشاكل في الخلفة .
حاولت ياسمين التبرير ، لقد أدركت أنها جرحته بدون أن تقصد .
يا سمين بحب :
أنا آسفة والله مش قصدي ، بس أنا تعبانة ومحتاجة منك إنك تطمني ، تقف جنبي وتثبتي ، محتاجة أتقوى بيك على الدنيا الصعبة اللي عايشين فيها ، عايز نرجع يلا بينا مفيش مشكلة ، بس أنا عارفة إنك مش هترجع ، أنت كل ما خالتي وجوزها يوحشوك تقول عايز أرجع ، يومين تلاتة وتنسى ، يبقى ليه ننكد على نفسنا ، ونتكلم ونتناقش في حاجة مش هتحصل أصلا . .
لوى نجيب ثغره بغضب ، يعلم أنها على ثواب ، ولكنه اشتاق حقا لوالده ووالدته ، اشتاق وحن لأخيه مصطفى وشجاره معه ، اشتاق إلى تلك الصغيرة فايا ، ابنته كما يقول دائما ، هي الوحيدة التي وافقت على التواصل معه بدون رغبة والده ، لقد أقسم والده على الجميع وطلب منهم مقاطعته ، رضخ الجميع لأوامره ما عدى تلك الصغيرة المتمردة .
نجيب بحزن :
خلاص يا ياسمين ، يلا بينا نروح نتفسح ونشتري شوية حاجات .
ياسمين بسعادة :
Yes, هو ده الكلام ، يلا بينا .
أما في القاهرة ، عند صفية أختي فاطمة ، صفية فتاة متوسطة الجمال لم تكمل عامها الأربعون ، مستقلة ، متمردة ، وقفت أمام الجميع وأعلنت رغبتها في الزواج بزيد أخو أكمل زوج أختها ، وافقت على ظروفه ، وافقت التنازل من أجل البقاء معه ، ولكنه خذلها ، عندما تراجع ، واستمع لحديث الآخرين ، استمع للعادات والتقاليد ، وتركها ، شعرت بالخذلان والذل ، قررت التمرد مرة أخرى على تلك العادات ، بعد وفاة والديها ، باعت كل ما تملك ، وذهبت إلي القاهرة ، حيث الضجيج الذي لا يهدأ ، تحدت الجميع ، لم تهتم للقيل والقال ، تقف شامخة أمام كل من يظن بها السوء ، تض*ب بكلامهم عرض الحائط ولا تبالي ، يكمن جمالها في شخصيتها القوية ، في قدرتها على الحفاظ على نفسها ، وسط عالم يمتلئ بالذئاب .
كانت صفية تتنقل كالفراشة بين أروقة المستشفى ، تواصل عملها بكد واجتهاد ، تكاد يغمى عليها من شدة التعب ، فهى لم تنم منذ يوم كامل ، تعمل في المستشفى بدون كلل أو تعب ، بالرغم من إنها لا ترحم من معا**ات معظم العاملين معها بالمشفى ، وخاصة المدير ، دكتور إسلام المصري ، رئيس المشفى ومديره ، الذي يريد الزواج بها ، بالرغم من زواجه بأخري ، ولكنه كما معظم الرجال ، رجل أناني لا يفكر سوى في رغبات قذرة .
حاولت صفية الهرب عندما رأت إسلام يمر على المرضى كي يتابع حالاتهم ، ولكنه رأها ، نادى عليها بصوت عالي .
د اسلام :
دكتورة صفية ، تعالي ورايا على المكتب لو سمحتي .
د صفية ، تقدمت منه خطوتين ثم قالت متسائلة :
خير يا دكتور إسلام ، أنا يا دوب لسة مخلصة الشفت بتاعي ، وعايزة أرجع البيت عشان ارتاح شوية .
د إسلام :
أنا عارف إنك هنا بقالك يوم كامل ، أربعة وعشرين ساعة بدون نوم وعمل متواصل ، ولكن مش هتفرق من عشر دقائق يعني .
مطت صفية شفتيها بغضب ، سارت خلفه حتى وصلت إلى مكتبه ، دخلت خلفه ، طلب منها اسلام أن تغلق الباب ، ولكنها رفضت بشدة ، لا تريد أن يتحدث عليها أحد ، الكل يعلم رغبة د اسلام في الزواج بها على زوجته دكتورة غادة الصافي ، التي تمتلك نصف المشفى .
جلس اسلام على مكتبه ، طلب منها الجلوس هي الأخرى ، ثم سألها قائلا .
د اسلام :
ممكن أعرف ردك أيه على طلبي ، أنا لسة مستني ردك .
صفية بضجر :
يا دكتور إسلام أرجوك ، أنا مش هفضل كل شوية أقول لحضرتك إني مش بفكر في الجواز ، لا عرفي ولا رسمي ، الموضوع ده مش في دماغي أساسا ، لو سمحت احترم رغبتي ، أنا لحد دلوقتي بتكلم باحترام ، ومراعية إن حضرتك صاحب المستشفى ، بس بعد كده أنا هجيب عليها واطيها ، وعلى وعلى أعدائي ، أنا مش هفضل الحيطة المائلة في المستشفى دي ، كل واحد زهقان من مراته يجي يرمي دمه عليه ، أرجوك .
د اسلام بغضب :
أنت إزاي تجرؤي وتتكلمي معايا بالطريقة المستفزة دي ، لما تكوني بتكلمي مديرك ، الزمي حدودك يا دكتورة ، وعشان ارحم حضرتك من مضايقات كل الموجودين هنا ، اتفضلي اكتبي استقالتك ، وأنا هقبلها فورا ، ومن غير ما أرجع لأي لجنة .
شعرت صفية بالظلم ، ولكنها تحملت ، أخرجت قلما من جيبها ، ثم تناولت ورقة بيضاء من أمامه مباشرة ، وكتبت طلب استقالتها وبدون إبداء أسباب ، وافق د اسلام على الاستقالة على الفور .
تحركت صفية من أمامه بسرعة ،كانت الدموع تغطي وجهها ، خرجت مسرعة من المستشفى ، استقلت سيارتها ثم عادت مسرعة إلى منزلها ، أغلقت عليها الباب ، وظلت تبكي حتى غلبها النعاس . .
في القرية . .
استيقظت فايا من النوم ، وجدت الساعة تخطت الواحدة ، استغربت أن والدتها تركتها نائمة كل هذه المدة ، فتحت باب حجرتها ، ثم تقدمت كي تهبط إلى الأسفل ، ولكنها اصطدمت بمصطفى وهو يصعد على السلم ، وهو يتمطوح يمينا ويسارا من أثر الشرب ، استغربت فايا ، كيف حصل مصطفى على هذه المشروبات ، لم تفكر كثيرا ، أمسكت به من ذراعه تسنده كي تدخله إلى غرفته حتى لا يستيقظ والده ، ويتشاجر معه ، كان مصطفى حزينا جدا ، ظهر ذلك على نبرة صوته ، وهو يتحدث معها عندما كانت تجلسه على الفراش ، وقف أمامها وأمسك يدها بقوة ، قال لها وهو ينظر في عيونها بدموع .
مصطفى :
أنت إزاي قاسية كده ، إزاي طاوعك قلبك تقولي لي الكلام اللي قولتيه الصبح ده ، يعني أنت مش حاسة إني بحبك ، مش باين في عيوني إنها بتعشقك ، جذبها بعنف ثم أكمل ، بصي كده ، اتأملي فيها وشوفي بنفسك عشقي ليكي ، رفضتيني عشان لبسي مش عاجبك ، للدرجة دي أنت إنسانة سطحية ، وكل اللي يهمك المظاهر ، تركها ثم ألقي بنفسه جالسا على الفراش ، يخفي دموعه بيده ، قائلا بصوت مخنوق :
المشكلة إني مش عارف أكرهك بعد كل اللي أنت قولتيه ، مش قادر أنساكي ولية بفكر فيكي ، مش عارف أبطل أتخيلك وأنت معايا ، نظرت عنيك مش مفرقاني .
شعرت فايا بالحزن والشفقة عليه ، جلست بجواره كي تحاول أن تلطف من واقع كلماتها عليه ، تحاول أن تساعده على تخطي تلك الأزمة ، جلست بجواره ، وبدأت في تبرير موقفها ، نصحته كي ينساها وطلبت منه ألا يفكر بها ، وأنها تحترمه ، وإنه يستحق الأفضل ، ولكنه لم يكن يستمع إليها ، كل ما كان يشغله هو تلك الشفتان التي تتحركان بكل اغواء ، لم ينتبه إلي نفسه إلا وهو يجذبها من خصرها ، وشفاهه تقتحم عذرية شفتيها .
يا ترى رد فعل فايا أيه في قرب مصطفى منها بتلك الطريقة الحميمية .
ده اللي هنعرفه الفصل اللي جاي .
أتمنى لكم قراءة ممتعة .
دمتم سالمين