ابتلع مصطفى ريقه بصعوبة ثم قال لها بصوت مهزوز خائف من الرفض :
بصي يا فايا ، أنت عارفة إني معجب بيكي وبحبك ، أنا عايزك توافقي تتجوزيني ، وأنا هعمل كل اللي أنت عايزاه من غير تخطيط ولا حاجة ، عايزة تسيبي البلد ماشي ، استحملي سنة ولا اتنين ولما نتجوز هجيب شقة في القاهرة ونتجوز فيها ، ونبعد خالص عن البلد ومشاكلها ، كل اللي أنت عايزاه أنا هعمله مقابل طلب واحد ، إنك تلتزمي وتتحجبي ، بس أنا قولت كل اللي عندي منتظر أسمع ردك .
ضحكت فايا بصوت عالي ثم قالت بسخرية :
أنت بتضحك على نفسك يا مصطفى ، بقى أنت عايز تقنعني إن عمي زيد هيوافق إنك تسيب البلد وتسكن بعيد عنه ، أنت بتحلم ، حتى لو ده حصل وأنت قدرت تقنعه بده تفتكر إني ممكن أغلط نفس غلطة أمى وأتجوز واحد فلاح مهما أتقدم في العلم وأخذ أفضل المناصب ، جواه مش هيتغير ، نظرته للست على إنها قطعة أثاث أو انتيكة خايف عليها وهيفضل قافل عليها بحجة الخوف من الناس شوف يا مصطفى أنا يمكن كلامي جارح بالنسبة لك ، بس أنا آسفة جواز منك أنت مش هيحصل أبدا ، بص لنفسك كده ، شوف لبسك وشوف شعرك ، أنت واحد دكتور ومن عائلة غنية ،واللي يشوفك مش هيفرق بينك وبين ابن السواق ، شكلك مهلهل ولبسك قديم ، أنا مش ممكن هوافق على الارتباط بيك أبدا ، لأنك بعيد خالص عن صورة فارس أحلامي اللي رسمتها في عقلي . .
كان مصطفى يستمع إليها وقلبه يدمي ألما ووجعا منها ، كيف له أن تقول ذلك ، وأن تفكر بتلك الطريقة ، أترفضه لأن طريقة لبسه غير لائقة بها ، كانت عيونه تتسع كلما فتحت فمها وتحدثت ، ابتلع كلماتها القاسية بصعوبة ، بمجرد أن أنهت حديثها ، هم كي يقف ، شاور إليها كي تتبعه ، مشيت خلفه والحزن يملأ قلبها ، تعلم أنها جرحته بحديثها ، ولكنها كانت تقصد كل كلمة قالتها ، بالرغم من شعورها بإحساس ممتع عندما تراه ولكنها تريد قتل هذا الإحساس ، كانت تريده أن يلتفت لحياته وأن يخرجها خارج حساباته . .
استقلت فايا بجواره السيارة ، دون أن تفتح فمها ، وكذلك فعل هو ، كان يحاول جاهدا أن يكتم غيظه منها ، كان يريد أن يصرخ ، أن يقتلع تلك الحنجرة التي تخرج هذا الكلام القاسي ، ولكنه تحمل قسوتها ، وصلوا إلى المنزل ، كانت والدتها تنتظرها بقلق ، جرت عليها مسرعة .
فاطمة :
أنت كويسة يا فايا .
نظرت فايا إلى مصطفى الذي ظهرت على ملامحه الوجوم . ثم قالت :
أنا كويسة يا ماما ، أنا هدخل أوضتي أنام شوية مش عايزة حد يزعجني .
أما مصطفى استقل سيارته مرة أخرى وذهب بعيدا دون أن يخبر أحدا مكانه .
دخلت فايا الغرفة ، ألقت بجسدها على الفراش ، لا تعلم لماذا كل هذا الضيق الذي يحتل ص*رها ، لا تستطيع التنفس ، تخرج أنفاسها بصعوبة ، ولكنها أجبرت نفسها على النسيان ، حتى تستطيع تحقيق حلمها وهدفها في الحياة وهو التخلص من هذا المكان ، والذهاب إلى المدينة حيث الأنوار الزاهية ، والضجيج الذي لا يهدأ .
جلست فايا بالغرفة تفكر في كل ما حدث منذ قليل بينها وبين مصطفى ، اعترفت أنها تسرعت في ردها عليه ، وأنها سمحت لانفعالاتها وغضبها أن يتحكما بها بتلك الصورة التي جعلتها تبدو متعجرفة ، كلما تذكرت كلماتها الجارحة إلى مصطفى شعرت بالندم والألم .
ولكنها لا تستطيع أن تتخيل نفسها زوجة رجل مثل أبيها ، وعمها ، رجل تقوده العادات والتقاليد وتوجهه ، لا تريد أن تكون مثل والدتها التي أنهت تعليمها الجامعي ، وهي الآن مكانها في المنزل ، لا تستطيع حتى إبداء رأيها ، تخلت عن تحقيق أهدافها بمجرد أن طلب منها زوجها ترك العمل والمكوث في المنزل .
لا يمكن أن تكون هذه نهايتها ، لن توافق على أن تكون تلك الفتاة الساذجة التي تخلت عن أحلامها وأهدافها من أجل الزواج بابن عمها الطبيب ، حتى لو تنصب أرقى المناصب ، لن توافق أبدا أن تتقمص دور الفتاة الضعيفة قليلة الحيلة التي لا رأى لها ، ولا يأخذ باعتبارها أحد .
تذكرت حديثها إلى مصطفى ،تعلم أن طريقتها كان مستفزة ، واعترفت بغلظة أسلوبها ، ولكن كان يجب عليها إنهاء ذلك الموضوع بدون ذيول حتى لا يفكر به مصطفى مرة أخرى . .
نهضت فايا كي تتحدث مع والدتها ، كي تخبرها ما حدث مع مصطفى ، ذهبت إلى غرفتها لم تجدها ، هبطت إلى الأسفل ، وجدتها تجلس مع زوجة عمها ، شعرت بالضجر ، قررت العودة مرة أخرى إلي غرفتها ، لا طاقة لها الآن على المجادلة مع أحد ، أغلقت الباب مرة أخرى ، ثم أخرجت هاتفها كي تتحدث مع خالتها صفية ، ولكنها وجدت هاتفها فارغ الشحن ، تصاعد غضبها وازداد أضعافا ، ألقت الهاتف على الفراش بغضب ، ثم تمتمت بضجر .
فايا :
أنا لازم أجيب تليفون جديد بدل الكوهنة ده ، بقى يفصل على طول . .
حاولت فايا أن تخرج من تلك الحالة السيئة التي تملكتها ، ابتسمت شاردة وهي تتخيل نفسها تتمشي بجوار فارس أحلامها ، تلك الصورة التي رسمتها في عقلها الصغير ، شاب وسيم ، صارم ، جيد السمعة ، متكبر ، غيور ، يعشقها بضراوة ، يعاملها باحترام ، لا ينظر إلي جسدها بعيون جائعة ، متفحصة ، لا يهتم سوى بشخصيتها الجذابة ، وحضورها الطاغي . .
شردت فايا على الفراش وهى تتخيل مشاهدها مع حبيبها المستقبلي ، أخذت نفسا عميقا ثم زفرته ببطء ، استمر عقلها في نسج المشاهد والمواقف بينها وبين فارس أحلامها ، حتى غفت في نوم عميق . .
أما مصطفى قاد السيارة بأقصى درجة في حنق شديد ، لم يكن ينتبه إلى أي شئ ، لا يوجد في عقله سوى جملتها التي قتلته في مقتل ، شوف يا مصطفى لو أنت آخر راجل في الدنيا مش هتجوزك ، بص شكلك كده وأنت تعرف ، ظل يض*ب المقود بيده بكل غل وحقد ، لا يعلم ما هذا كل التكبر الذي يملأها ، تعجب من طريقتها المتسلطة والمتكبرة في الرد عليه ، لم تراعي أي أصول ، تحدثت معه بكل وقاحة وبرود ، كأنه رجلا غريبا لا تربطها به أي صلة .
كلما تذكر مصطفى كلماتها شعر بالحنق والغضب ، ظل يسب ويشتم طوال الطريق عله يرتاح قليلا ، لا يعلم كيف سوف يتواجه معها بعد ما قالته له من كلمات قاسية ، كيف ستنظر هي إليه بعد أن رفضته ، وركبته بقدمها من خارج حياتها ، كأنه شرزمة عفنة لا يحق له التواجد في محيط حياتها .
قاد مصطفى السيارة حتى وصل إلى مكان شبه خالي ، ترجل من سيارته ، بدأ يصرخ بكل عنف عل داخله يهدأ قليلا ، وينسى تلك الإهانة التي تعرض لها للتو ، ولكن هيهات ، الرفض من أشد أنواع الألم ، وأكثرهم وجعا ، وخاصة أنه يحبها بل يعشقها ، منذ أن حملها لأول مرة وهي تثير إعجابه ، منذ والدتها وهو يحبها ، ويغار عليها ، حتى من أخيه نجيب ، أخيه الأكبر سنا منه ، كان يغار عندما تتحدث معه ، أو تطلب منه شيئا ، كان دائم الغضب منها لأنها تفضله عليه دائما ، لا يعلم سبب هذا ، كان يعتقد أنها تحبه ،وأن هناك قصة عشق بينهما ، ولكن إظهار نجيب الرغبة في الزواج من ابنة خالته ياسمين ، أراح ص*ره وعقله . . .
على جانب آخر ، في إحدى البلاد الأوربية ، كان نجيب زيد الرفاعي يجلس مستمتعا بنسمات العليل الصافية ، وهو يشرب فنجال قهوته مع زوجته ياسمين ابنة خالته التي يعشقها ، والتي تحدى والده في الزواج بها ، حتى فاز بها وبقلبها .
نجيب :
ياسمين أنا بفكر أرجع مصر ، أنا خلاص تعبت من الغربة ، وعايز ارتاح ، عايز أرجع بلدي من تاني ، أصالح والدي ، وأحب على أيده ، أنا **رته قوي يا ياسمين لما **مت على رائي وسافرت .
ياسمين بابتسامة :
يعني كنت عايز تعمل أيه يا نجيب ، تفضل في البلد تراعي الأرض وتفضل فلاح ، يوم فيه وعشرة مفيش ، أحمد ربنا يا حبيبي إنك عرفت تسافر وتوصل هنا لإيطاليا ، أنت كنت مهاجر غير شرعي ، وصلت هنا عن طريق البحر ، أحمد ربنا إنك كنت من الناجيين ، غيرك مقدرش يكمل ، ومعرفش يوصل .
نجيب بحزن وهو يتذكر كل ما حدث له منذ سبع سنوات ،عندما قرر الهجرة إلى أوربا ، متحديا والده للمرة التي لا يعلم عددها .
نجيب :
يا بابا أنا عايز أسافر إلى إيطاليا زي كل شباب البلد ، عشان أجهز نفسي ، وأقف على رجلي ، عايز يكون ليه عملى الخاص ، مش هستنى مصرف منك كل أول شهر ،أنا مكملتش تعليمي ، سيبني يا بابا آخد حقي من الدنيا .
زيد بغضب :
يا ابني أفهم ، كل اللي سافروا دول معندهمش أرض ، ولا مال ولا عزوة ، بس أنت الحمد لله أرضك موجودة ، ومفيش غيرك أنت وأخوك مصطفى ، وهو ما شاء الله ماشي في التعليم ، أمسك أنت الأرض يا ابني ، ازرعها وخد خيرها .
نجيب بغضب :
لأ يا بابا مش هيحصل ، مش هينفع يكون مصطفى سيادة الدكتور ، وأنا أكون الفلاح اللي بيشتغل في الأرض عشان آخر السنة يطلع لي شوية ملاليم ، ولا أروح أشتغل في العاشر بمرتب ميكملش عشر أيام ويخلص ، أنت يا بابا مش مقدر الدنيا بقت عاملة إزاي ، الأرض مبقتش تجيب همها ، حتى المشاريع في البلد بتخسر ، وأنا اللي زيي هيعمل أيه ، هفتح سوبر ماركت أقعد فيه ، عشان أبيع كام كيس شيبسي ، ولا لبان ، البلد بتاعتنا يا بابا مش استثمارية ، أنا خلاص فكرت وقررت إني أسافر .
زيد بترجي :
طيب يا ابني ، أقعد كمل تعليمك ، أنا هبيع فدان أرض عشان تعليمك أنت وأخوك ، أقعد قدم في الجامعة المفتوحة ، يا ابني أنت لسة صغير على المرمطة دي ، مش هينفع أسيبك تضيع نفسك .
نجيب بحزن :
يا بابا أنا بقالي كام سنة قاعد بعد ما خلصت الدبلوم ، جربت الزراعة ولقيتها مش جايبة همها ، بتضيع صحتي على الفاضي ، المحصول رخيص ، والتكاليف كتير ، أنا مش عارف حضرتك قدرت تربينا إزاي .
زيد :
بركة ربنا يا ابني ، ها قولت أيه ، أقعد وأنا أقدم لك في جامعة خاصة .
نجيب :
أفهمني يا بابا ، أنا لو كنت غاوي تعليم ، كنت ذاكرت واجتهدت من الأول ، بس أنا مش غاوي ، ومش عايز ، أرجوك وافق يا بابا إني أسافر ، مش عايز منك غير عشرين ألف جنيه بس ، وأوعدك هردهم ليك يا بابا ، أول ما أوصل .
زيد بخوف وقلق :
وأنت ليه واثق كده إنك هتوصل ، أنت مش بتسمع أخبار ولا أيه ، معرفتش كام ألف واحد ماتوا غرقانين في البحر في ليبيا ولا أيه .
نجيب :
خليها على الله يا بابا ، لو مكتوب لي أموت ، هموت سواء على السرير ، ولا غرقان في البحر .
زيد بقلة حيلة :
اللي يريحك يا ابني .
ظل نجيب شاردا في سيل الذكريات ، التي تتزاحم في عقله ، تذكر معاناته عندما شعر بالمرض وهو في وسط البحر ، تذكر قول رئيس المركب وهو يطلب منهم رميه في الماء حتى لا يكون حملا زائدا على الباقيين ، تذكر شهامة رجلا سافر معه ، تذكر غلظته وهو يحذر ريس المركب من التخلص منه ، تذكر اعتنائه به ، سقطت دموعه وهو يتذكر غرق هذا الرجل ، وعدم تمكنه من الوصول إلي الشاطئ ، تذكر أيضا معاناته وهو يحمله على ظهره ويسبح في ظلمات اليم حتى وصل إلى الشاطئ ، تذكر وهو يحفر بيده حفرة كبيرة حتى يتمكن في دفنه ، تذكر أنه مات وحيدا ودفن وحيدا بدون غسل ، أو كفن ، تذكر أنه الوحيد الذي صلى عليه ، ظل نجيب يبكي حتى تحول استمتاعه إلى حزن لا يعلم كيف يتخلص منه .
حاولت ياسمين مساعدته ، ولكنها تفشل كما تفشل في كل مرة يتذكر فيها نحيب ما حدث أثناء سفره إلى إيطاليا ، تظن أنه في حاجة ماسة إلى طبيب نفسي ، كي يساعده في تخطي تلك الأزمة التي يغلق على نفسه بسببها . .
ياسمين :
خلاص أهدي يا نجيب ، ويلا ننزل مصر ، بس أنا بصراحة مش عارفة إزاي هواجه أهلي أهلك ، بعد ما هربت منهم و اتجوزتك من غير موافقتهم ، خالتي لحد دلوقتي مش مسامحة ماما وبتلومها كأن هي اللي وافقت على الجواز من غير ما تيجي هنا ، فكرة إني اتجوزت بتوكيل لمحامي لسة محنتهم ، بابا لحد دلوقتي مش مسامحني ، وشايف إني قللت قيمته بسبب جوازي منك من غير موافقته .
يا ترى نجيب هينزل مصر ولا لأ .
ده اللي هنعرفه الفصل اللي جاي.
قراءة ممتعة .
دمتم بخير وعافية .