الفصل الاول
الفصل الأول
_________
جسده يترنح و كفاه الغليظة تعلو خصرها كأنه يتشبث بذ*لها مثل طفلا كي يطل ثابتا علي قدميه، ف*نتها صارت هوسه، فيأتيها راكضا كل ليلة يتنسم عبيرها و يغزي روحه بسيل بضحكتها المغناج الأسرة، صحبته لها تُنسيه من تنتطره في البيت، أبنة عمه و "زوجته" المريضة، تلك التي نضبت أنوثتها منذ زمن و ابتلعتها دوامة المرض يوم بعد يوم، حتي صارت مثل شبح يمقته ويشمئز منه، تظن أنها لمجرد ان أنجبت له طفلا ستكتف ساعديه و تربطه جوارها؟ فليذهبا للجحيم معا لا يكترث، راحته و انبساطه هنا الأهم والأولى، العمر لا يُمنح إلا مرة واحدة، و هو رجلا "شرها" خُلق لينعم بملذات الحياة، و أجبر متاعها النساء الفاتنات، تمام مثل تلك الحورية التي تتراقص له مستعرضة كل أسلحتها كي تؤسره، ألا تعلم أنه صار مقيدا بها حقا؟ لم يعد يكتفي من صحبتها بضع ساعات كل ليلة، يريدها كل يوم، كل ساعة بل ودقيقة، ما الذي يمنعه؟ بل من يلوم رجلا يبحث عن راحته، و رخصة الشرع تدعمه و تقف بصفه.
أعدت بيديها كوب من عصير الليمون ونصفين من رغيف خبز محشو بيض مسلوق، لاجل صغيرها و ذهبت حيث يمكث بغرفتها يحصل واجباته المدرسية و قالت: خد يا زين يا حبيبي اتعشي، أحسن تنام فجأة زي عوايدك وانت بتذاكر
ابتسم الصغير لوالدته الحنون وقال: شكرا يا ماما ، مش هتاكلي معايا ؟
_ ما انت عارف يا حبيبي لو أكلت بالليل أتعب و معرفش انام ، المهم انت تاكل وتتغذي عشان تعرف تذاكر و تنجح و تحقق حلمي يا زين.
قال الصغير : حاضر يا ماما أوعدك هذاكر و هنجح ودايما هكون من الشطار عشانك انتي و بس
ثم أطرق بحزن و قال: كان نفسي بابا كمان يكون حنين عليا و يشجعني انجح، تعرفي يا ماما اني بخاف منه اوي؟ بخاف يض*بني مع اني مش بعمل اي حاجة تزعله، بس بحسه دايما مش طايقني، هو انا يا امي عملت حاجة و انا صغير خليت بابا يكرهني؟
انفطر قلبها لشعور الصغير نحو أبيه، و تمنت لو بيدها ترسم صوته من جديد بعقله، صورة أكثر عطف و حنان و حب، لكن من أين تحصد الثلاث مع رجل گ زوجها، لا يحب سوي نفسه فقط، شحيح، رغم انه ميسور الحال و يمتلك محل تجاري و شقتهما تمليك ولديه مال وفير في البنك و ليس فقير، و مع هذا شديد البخل، و هي اول من جنت ثمار بخله بصحتها بعد ان تقاعص سنوات عن ان يذهب بها لاطباء، و ها هي تدهورت صحتها و تملكهتا أمراض الكون كله رغم انها مازالت صغيرة.
عادت تنظر لصغيرها و قالت: اسمع يا زين، كل واحد له طبع و مابينفعش نغيره، ده طبع ابوك يا ابني وده نصيبك، انت اهم حاجة تكون ابن بار به مهما حصل، و بلاش تحتك به كتير وخليك دايما هنا معايا في أوضتي، ذاكر و اهتم بمستقبلك انت في يوم من الأيام هتكون راجل ناجح في حياتك هتعوض كل حاجة اتحرمت منها، بلاش تقف عند أي شيء يعطلك عن طريق نجاحك و مستقبلك الجاي يا حبيبي، الدنيا مالهاش وش واحد يا أبني، بالع** أن كانت الحياة فيها صعبة دلوقت، لما تكبر و تملك أمرك هتشوف فيها وشها الطيب، فاهمني يا زين ؟
رغم صغره استوعب جيدا ما قصدته والدته بقولها، هي دائما تمثل له نبع من الأمل و الحنان و العطف، مهما حزن من إهمال والده يحد لديه مرفأ الراحة، ينسي بين ذراعيها حرمانه وألمه، نعم هو سينجح و يوم من الأيام ستفخر به تلك العزيزة و تتباهي بما سوف يحققه.
رفع وجهه لها مبتسما و قال: فاهمك يا أمي، و اوعدك هذاكر و اتفوق عشانك و اكبر و اكون راجل تفتخري به، و كل حاجة اتحرمتي منها هجيبهالك تحت رجلك يا أمي.
ابتسمت له بفخر حاني وعين دامعة، و طلت تتأمله و هو يأكل ثم وهو يطالع أوراقه حتي غفي صغيرها دون ان يشعر، نهضت تساعده كي يصعد لفراشه و دثرته به جيدا، و بعد قليل غطت بنومها جواره.
اتي يترنح من أثر الخمور التي تجرعها، و راح يشدو بصوت صاخب يظهر السكر الذي ينتابه " أطبطب، و أدلع، يا يقول أنا إتغيرت عليه، أنا أزعل، أولع، ما هو كل همه إزاي أرضيه
يا طبطب، وأدلع، يا يقول أنا إتغيرت عليه "
نهضت سريعا تلحقه قبل ان يفيق صغيرها و يري أبيه بهذا الوضع المشين وهو يتمايل من أثر الخمر:
_ براحة يا متولي وطي صوتك، مايصحش ابنك الصغير يشوف بالمنظر ده الله يهد*ك ويصلح حالك.
رمقها وصورتها تهتز أمام عيناه، لوهلة تصورها لأخري ، والأدق لنسمة التي كان يصاحبها الليلة، جذبها بعنف لغرفته و هو يقول بصوت متقطع و لا يدري بحالته المخمورة: تعالي يا "نسمة " في حضني انا لسه ماشبعتش منك، فرفشيني قبل ما اروح لمراتي المريضة بوز الفقر اللي مفيش منها رجا.
ثم راح يتحسس جسد زوجته التي يغفل عن حقيقتها مسترسلا دون وعي كامل: ما أخدتش منها غير العيا، شبابي ضايع بسببها، لولا العيل اللي هي جايباه و الناس هتلومتي، كنت طلقتها و رميتها في الشارع.
لم يكتمل عبثه بجسدها ليسقط بغتة فوق فراشه بعشوائية، و صوت شخيره يملأ ال**ت القاتل، و هي تطالعه مغرورقة و مقهورة بعد ما قاله عنها، كل ليلة تسمع منه نفس الحديث، نقمته و سخطه عليها لا ينتهي لأنها أصبحت مريضة، تعلم بمجونه ولياليه التي يقضيها بين أحضان النساء و ت**ت، لا شيء بيدها سوي ال**ت، لا تريد غير ان تنجوا بطفلها من تلك القذارة، لو صحتها كاملة لتركته و بحثت عن عمل ونجت بصغيرها منه، لكن هي لم تعد قادرة لفعل شيء، علي الاقل هنا يآويها جدران بيته.
تركته غارق في نومه وعادت غرفتها هي وزين و راحت تصلي و تدعو ربها يلهمها الصبر و يمنحها القوة لتتحمله بقسوته وحبروته عليها، دعت ان يرقق قلبه علي ذام الصغير زين و يزرع مخبته في قلبه، ما دنبه يكون أبيه هكذا؟ جف ل**نها من كثرة الدعاء ثم نهضت عن سجادة الصلاة و غفت جوار الصغير، و دموعها تغرق وسادتها.
أتي مبكرا علي غير عادته، فقالت له : احضرلك الغدا يا متولي؟
حدجها بنظرة غامضة اوجستها منه كثيرا، قبضة اعتصرت قلبها و اخبرتها ان شيء ما سيوف يحدث، شيء ليس هين، استعاذت من الشيطان الرجيم بضميرها و عادت تتسائل: مالك يا متولي بتبصلي كده ليه ؟
بنظرة جامدة و نبرة قاسية اجابها بما توقعته منذ زمن : أنا نويت اتجوز واحدة تانية و هجيبها تعيش معانا هنا، منا مش هضيع عمري و شبابي مع واحدة عيانة زيك، هترضي باللي هعمله و تعيش تربي ابنك من سكات وتحمدي ربنا ان ليكي اربع حيطان يداروكي، يبقي أهلا وهطلع راجل أصيل و اصرف عليكم، هتعملي فيها مصدومة و مقهورة و تعيشي في دور اني ظلمتك يبقي الباب يفوت جمل و خدي ابنك معاكي، فكري كده مع نفسك و ردي عليا بكرة، ثم جذب سلسال مفاتيحه و غادرها مرة أخرى.
لتبقي تترنح كأنها تصارع خروج الروح، هذا ما كانت تخشاه، كما كانت علي يقين انه سيحدث في يوم من الأيام، ماذا تفعل الأن ؟ هل ترضي بهذا الوضع القاسي علي أي امرأة لأجل مصلحة طفلها؟ أم ترفض وترحل؟ لكن اين تذهب ؟ ليس لها أقارب أحياء و لا تملك نقود و لا حتي صحة تكد و تعمل و تشقى بها كي تنفق علي ابنها، بكت بحرقة و راحت تصلي لعلها تجد الراحة و الفرح من رب العالمين.
_بت يا نسمة، انتي صحيح بتخططي تتجوزي الراجل الرخم ده اللي اسمه متولي؟ ده مالوش منظر و مايساويش في سوق الرجالة حاجة.
قالت بعين غائمة و متجوزوش ليه، أهو راحل زي غيره و بعدين ما هو هيأمن ليا مستقبلي ويكتبلي نص ما يملكه من كل حاج، متستهونيش به، ده راجل معاه خميرة حلوة هو بس اللي بخيل علي روحه ومايبانش عليه النعمة.
ثم ضحكت ساخرة: و كويس انه بخيل وبيحوش، و مبقاش نسمة ان ماخليته علي الحديدة.
_ طب و مراته و ابنه يافالحة، هتعملي فيهم. ايه؟
غامت عيناها بخبث: لا دول بقا ليهم في دماغي ترتيب تاني خالص و بكرة تشوفي هعمل فيهم ايه؟
"قولتي ايه في اللي كلمتك فيه؟"
تسائل وعيناه لا تع** غير القسوة والجمود، دون رأفة لحالها، لتغمغم ب**رة نفس: موافقة تتجوز يا متولي، و مش طالبة منك حاجة غير انك تصرف علي زين ودراسته، ابننا لازم ياخد حقه في التعليم عشان يتسند علي حاجة لما يكبر.
مالت شفتاه بابتسامة ظافرة و قال: خلاص عرفنا انك عايزة تعلمي ابنك، وانا عند وعدي، المهم اتجوز في اسرع وقت، عشان لما ابقا مبسوط أنتو كمان هتتقوا شري، والاسبوع ده هجيب ناس يجددوا البيت عشان العروسة الجديدة.
"نسمة"
غمزت له بدلال هاتفة بصوت رقيق: شبيك لبيك يا ميتو.
تآوه داخله وسخر ندائها هذا ي**ق لبه، هو "متولي" صار معها ميتو، يشعر حين تناديه هكذا أن عمره يتقلص عشر سنوات كاملة.
_ مبفيتش قادر علي كده يا نسمة، انا مش بشبع منك لحد ما بسيبك و امشي، مفيش غير الحل اللي قولته، نتجوز يا نسمتي، انا خلاص عرفت مراتي.
اعترضت و هي تلوح بكفها:
_ لا سوري يا متولي، انا مخدكش علي ضرة يا اخويا، لازم تطلقها قبل ما تتجوزني.
قال بتوسل لا يليق بجبروته: يا نسمة اعمل ايه، انا قلت هتيجي منها و ترفض، لكن لقيتها انهاردة بتبلغني انها موافقة اتجوزك في نفس البيت، ( وواصل يستعطفها) و بعدين دي متعتبرش ضرة ليكي يا نسمتي ، ايش جاب لجاب، دي متساويش في سوق الستات قرش، انما انتي فرسة.
ضحكت بمياعة لستطرد ول**به يسيل: وافقي و أنا مش هخليكي تحتاجي حاجة، و بعدين شقتي واسعة ومش هتحتكي بيها خالص.
**تت تلوك القطعة المطاطية بفمها و هي تفكر كيف تستغل الأمر لصالحها، هي تعلم انه يموت عليها، كما تطمع هي فيما يملكه، فقالت بنبرة خبيرة كي تزيد ولعه بها: سبني افكر يا ميتو و بعدين هرد عليك، مال ملثما كفيها هامسا: أكيد هتوافقي و مش هيهون عليكي ميتو ياحياتي.
منحته ضحكة صاخبة ليذوب أكثر و تنتصر هي بخطتها، يوما ما ستصل لما تريده.