الفصل الخامس

1570 Words
الفصل الخامس راقب زين التناطح الذي صار بالنظرات بين والدته وزوجة أبيه جعله يهتم. لما سوف يحدث، والخوف يتملكه أن تنفذ زوحة أبيه ما قالت وتحرمه من تعليمه، وهو يعلم ماذا يساوي تعليمه بالنسبة لأمه طالع زوجة أبيه وهي تؤكد قولها ونظراتها تقطر حقدا وتشفي بوالدتي: أصل مالوش لازمة التعليم يا ضرتي، هو النك هيبقا دكتور ولا مهندز؟ خليه أحسن يروح يشتغل صبي في محل ابوه وتساعده، زيه زي غيره. " علي جثتي " قالتها والدتي بحدة وحزم وقوة وهي تأتي من خلفي لتواجهها، حدجت زوجة ابي بتحذير مخيف جعل الأخيرة تتراجع أمام والدتي وخيل لي اني رأيت ملامح الرعب بعيناها من نظرة امي لها وهي تقول بفحيح غاضب: أنا مستحملة اي حاجة وكل حاجة منك انتي ومتولي وصابرة علي ق*فك وأذاكي وبقول مش مهم أنا مدام ابني في أمان ، لكن تلعبي بمستقبل ابني قسما عظما ادفنك مكانك يا نسمة ولا حد هيقدر يخلصك مني، وإن كنتي لعبتي في دماغ ابوه واقنعتيه يخليه يسيب تعليمه، ارجعي تاني خليه يغير رأيه، لأن زين ابني هيكمل تعليمه غصب عن اي حد، واتقي شري عشان انا ممكن اخليكي تندمي، ابعدي عن ابني وكفاية تبخي "سمك" فيا انا، وبقولهالك تاني، لو حطيتي زين في دماغك هحول حياتك لجحيم، الست اللي قدامك دي ممكن تاكلك حية وتقرقش عضمك، وأقل حاحة ممكن اعملها فيكي، حبة مية. نار يارموا علي وشك الحلو اللي بتتباهي بيه، هخولك ميخ الناس تق*ف تبص عليه، أنا مش باقية علي حاجة، ولو مسيتي مستقبل الولد اللي بترجاه من الدنيا توقعي الجحيم، مفهوم كلامي ولا لأ يا نسمة ؟ ولم تنتظر أمي ردا منها كأنها علي ثقة أنها ستفعل ما أرادت، الرعب والسحوب الذي تجلي علي وجه زوجة أبي جعلني للحظة أشفق عليها، كما زاد إعجابي بأمي التي تحوات لنمرة شرسة لأجل ألا يجور أحدا علي حقي، وجذبتني امام عيناها لتحدي واضح ونظرة مازالت مخيفة لتوصلني لمدرستي رغم أنف زوجة أبي، وطيلة الطريق تطمئني انه لن يضيع مستقبلي وانها لن تسمح بذلك. بالكاد ابتلعت ريقها بعد ان كادت تختنق، لن تخطيء تلك النظرة بعين ضرتها، تهديدها لم يكن قط هباء، نبرة صوتها وحدها كانت كافية لتثبت لها صدق ما تقول، وقفت أمام المرآة تتحسس وجهها وعنقها بخوف وهي تتصور انها أضحت مسخ، بل عاشت بخيالها للحظات مشهد والدتي وهي تغرق وجهها بماء النار، لا لا ، لن تغضبها، ستتراجع وتكف أذاها عن زين، لكن قسما لن تتركها هي لحالها، ستزيد بقهرها وتذلها وتقضي علي ما تبقا علي صحتها، لن تنفذ مكائدها حتي تتشفي بها وتحفر الحزن في ملامح ذاك الغلام علي أمه، حينها فقط ستنال متعتها الحقيقية، وبغتة أطلقت ضحكة شيطانية وهي تتخيل ما سيحدث. بفزع صاح رفيقه: يا نهار ابيض يا زين، معقول ممكن مرات والدك تخليه يجبرك تسيب مدرستك؟ خسارة ده انت متفوق خالص وأشطر واحد فينا وكل الأساتذة بيحبوك. زين بحزن: معرفش يا ضياء بس ماما كلمتها بطريقة وحشة وهددتها تشيلني من دماغها. _ وتفتكر هتخاف من مامتك؟ شرد زين بنظرة والدته وشحوب زوجة أبيه وغمغم: لو كنت شوفت الخوف اللي في عيون مرات ابويا، كنت تقول انها هتخاف تغضبها، ماما رعبتها وهي بتقولها هرمي عليكي مية نار، عمري ما تصورت ماما تقول الكلام ده ضياء. وابتسم بفخر مستطردا: بس عارف، حسيت اني فرحان قوي وماما بتهددها وتدافع عني، أنا لو مكان مرات ابويا أخاف، أمي معندهاش أغلي مني ولو الست دي ضايقتني أمي هتموتها. _ وطبعا مرات ابوك هتخاف ترميها فعلا بمية نار، بس تعرف ممكن تعمل حاجة تانية، تخلي والدك مثلا يطلق مامتك. هتف زين بحدة: والله يبقا أحسن ليها بدال الذل اللي هي فيه، وقتها انا هشتغل واصرف علي أمي، ومش هخليها تحتاج لحد. ضياء بعقلانية مبكرة: يا صاحبي انت صغير ولسه في المدرسة، وأكيد مامتك مش هتسمح تشتغل. زفر الصغر بحنق: طب ايه الحل بس، احنا في حالنا ومش بنعمل مشاكل بس مرات ابويا اللي كل شوية تدبر ليا مشكله. واستأنف بسعادة غريبة: عارف يا ضياء يوم عيد الأم وانا بقدم الهدايا لماما؟ كنت حاسسها هتفرقع من الغيظ وهي شايفاني بفرح ماما، كانت غيرانة مننا، عشان كده حاولت تضايقها فيا. _ والله ممكن، دي ست حقودة اوي وانا بكرهها من كلامك، يارب تموت. رفع زين يده للسماء بإخلاص: يارب يارب يستجيب منك وتموت ونرتاح منها خالص. أثمر تهديدها بردع نسمة وكفت أذاها عن صغيرها، لكن ما تفعله معها گ عقاب كان قاسي، صحتها تتدهور من فرط تعبها في البيت ومشاويرها خارجة، صارت خادمة لا يرحمها أحد، وزوجها متولي لت يتدخل رغم انه يري كل ما تفعله زوجته ويرضى، حتي أنه لم يهتم وهو يشاهد اللعينة زجته صباحا تسكب الماء فوق السجاد وهي تقول: أغسلي السجاد ياوضرتي أحسن. ريحته وحشة. نظرت حينها لزوجها فأشاح بوجهه للجهة ااأخري وانسحب من بينهما، لتقترب الأخري هامسة بتشفي: أوعي تفتكري اني مكتوفة الحيلة، نفذي أوانري عشان اخلي متولي بعيد عن زين ومستقبله، هتغسلي السجاد كله لوحدك ولا لأ؟ حدجتها والدة زين باستخفاف وشرعت بجلب الماء والصابون لتبدأ بتنظيف السجاد، البرد القارص وصحتها المتدهورة وعظامها الهشة، جعلها تئن طيلة الليل من الألم بسائر جسدها، وزين مكتوف الأيدي ولا يقدر علي فعل شيء لها، كم شعر بالحنق علي زوجة أبيه هذه، ليتها لم تأتي لمنزلهم وتنشر به المكائد وتبخ سمومها بكل شيء، رغم جفاء أبيه كانت الحياة تحتمل قليلا، أما الأن الوضع صار مثل كابوس يجثم علي ص*ره هو ووالدته المسكينة التي تنفذ طاقتها يوما بعد يوم. "خد بالك علي نفسك من الطريق يا زين" ابتسم بعد ان امتسب وجهه بعض هدوء حاني: يا ماما لسه برضو بتعامليني اني طفل ابتدائي؟ انا بقيت في اولي إعدادي دلوقت وبعدها هدخل ثانوي، يعني قريب اوي هكون في الجامعة. رمقته بوجه بدا شاحبا ورصيدها من المرض لم يتضائل بل ازدادت وتيرته، وهي مازالت تشقي لتلبي طلبات ضرتها، كي تبعد سهامها السامة عن زين، ولم يضيع هذا هباء، فرغم كل ما يحدث حافظ زين علي تفوقه كل عام، وعبر من مرحلة لأخرى، وها هو يكاد يصل للثانوية. ابتسمت وهي تحوط وجهه براحتيه: مهما كبرت يا زين هتفضل في عيوني أبني صغير، حبيب روحي وقلبي، ربنا يديني العمر يا ابني وتفرح بيك وانت في الجامعة. قبل كفها باحترام وغمغم: ان شاء الله يا ماما، طول ما انتي جنبي وبتدعميني هوصل لكل حاجة نفسك أحققها. غامت عيناها بنظرة غامضة وهتفت: حتي لو مش معاك يا زين، لازم توصل لأحلامك وتحققها، أوعي حاجة تقف في طريقك يا ابني، الدنيا محتاجة تكون قوي عشان تواجهها، وقوتك في ايمانك وبعدين دراستك، وقتها هتعوض كل اللي فات وهتكون مبسوط. انقبض قلب زين بشدة من حديث والدته الذي يلوح لأشياء يخاف تصديقها، قال برجاء: مش ممكن احقق حاجة غير وانتي معايا يا أمي، انا بحلم بكل حاجة حلوة. عشانك انتي. ضمته وقبلت رأسه وبددت حالتها بأخري اكثر مرحا: والله ما في حلو غيرك انت يا حبيبي، خد بالك البنات تعا**ك وانت ماشي. ضحك ببراءة: مش للدرجة دي يا أمي. ربتت علي خده: طب يلا روح مدرستك، ولحد ما ترجع بالسلامة هكون عملتك الأكله اللي بتحبها. _ حاصر يا أمي، أول ما اخلص حصصي هرجع البيت بسرعة. شعور خانق لازمه طيلة اليوم حتي أنه لم يستطع التركيز بدروسه، وانكشف أحره والأستاذ يناديه: زين، يازين. أنتبه ووقف سريعا لتلبيه نداء لأستاذه: نعم يا مستر. _ مش مركز معانا ليه انهاردة؟ توتر وهو يقول: أنا؟ لا مركز يا مستر. حدجه استاذه مليا قبل ان يقول: طب ركز أكتر يا زين، ولو في حاجة وقفت معاك في حصة انهاردة ابقي عرفني. كم كان صادق إحساسه المقبض، يبدو ان لا شيء يكتمل معه، فقد اشتد المرض بوالدته طيلة اليوم وتملك من جسدها العليل، لم تتحمل أكثر من هذا وهي تصارع لسنوات كل الجبهات لأجل طفلها، كي تؤمن له مستقبله، لكنها لم تحسب حساب ان تتركه وهو بأول طريقه، رحلت عنه وتركته يواجهه الدنيا للمرة الأولي دون أن يتسلح بدرع دعواتها ورعايتها لقد جرعتني ليالي فراقها القاسية علي نفسي، شراباً أمر من العلقم ، غابت أمي خلف جدار فراق أبدي، لم تعد هنا معي وجواري ، ويا ويلي من فراق حبيبتي. طبع الفراق ب**اته علي الروح أصبح كل شيءٍ كئيب، أصبحت أكتوي بالغياب ، وكنت أظن انها ستظل معي حين يشتد عودي، لكن لم يخطر ببالي أنّ الحياة ستسلب مني أعز الناس هكذا مبكرا بإحدى المدن الساحلية ، وتحديدا علي شاطيء البحر بتوقيت متأخر من الليل، يقف زين ورفيقه ضياء الذي غمغم لصاحبه بشفقة. "مش هتروح يا زين؟، الجو بقا برد أوي وقربنا نتجمد" بصوت كئيب أجاب صديقه: امشي انت يا ضياء وسبني . انا قاعد شوية _ مش بقولك كده عشان عايز امشي والله . بس مالوش داعي تفضل هنا أكتر من. كده، ارجع البيت يا زين، مينفعش تفضل هربان منه طول الوقت تن*د صديقه بأسى: مش طايق البيت من غير أمي الله يرحمها ، مش مصدق ان عدي شهر بحاله علي وفاتها . ساعات بحس اني بحلم، واني هرجع البيت الاقيها بتستقبلني ، بحضنها الدافي ، وتسمعني وتطبطب عليا ، إنا فقدت الإنسانة الوحيدة، اللي كانت بتحبني وتحس بيا يا ضياء، أكتر واحدة ضحت عشاني _ طب ووالدك؟ . ليه متحاولش تقرب منه وتصلح علاقتكم سوا ، ده برضو أبوك وانت أبنه الوحيد قال بابتسامة مريرة: بابا مش بيحبني، عمري ما حسيت انه زي أي أب ، بابا حتي لما أمي ماتت، مأخدنيش في حضنه وهون عليا، أنا أصلا ماشوفتش في عيونه، أي حزن عليها. كأنه فرح بموتها، مع إنها كانت بتحترمه وتخدمه لأخر لحظة، ورضيت باللي محدش يرضي به، وختمها بقراره القاسي اللي جاب أجلها _ متقولش كده يا زين، دي أعمار ، والدتك كده كده كانت هتموت في الوقت ده. _ بس ماتت مقهورة منه يا ضياء، قالها بكل قسوة انه هيتجوز عليها ، لأنها بقيت مريضة، عتف ت واتحملت لحد ما وقعت من الحزن ومرضت ، وراحت للي أحن عليها من الكل، ربت علي كتفه: الله يرحمها ويحسن مثواها ، ويصبرك علي فراقها . انت أهم حاجة تهتم بمدرستك وتنجح، زي ما كانت مامتك بتتمني، وكلها سنتين ونخلص الثانوية ، وندخل جامعة. زفر بحزن مع إيماءة، ثم قرر الرحيل ، كي لا يمكث صديقه معه أكثر، وعليه أن يتأقلم مع أبيه وزوجت. نهاية الفصل
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD