الفصل الرابع
سخطه علي ابيه يزداد يوما بعد يوم، ض*به المبرح له لاجل زوجته الثانية ضاعف من الفجوة التي تتسع بينهما، كما اشعل قناديل خزه اكثر لاجل والدته الحبيبة، تلك التي تصبر وتتحمل كل شيء لاجله هو، تُهان وتفقد صحتها كي تؤمن له ما يريده، تهتم لطعامه الذي يحبه وكل شئونه، تعزله لغرفته بعيدا عن صراعها مع الحية زوجة أبيه، تخاف ان يندفع ثانيا باي فعل يغضب والده منه، لن تختمل ان يعاقب ثانيا، تنوت هي الف مرة ويبقي فلذة كبدها بخير، تتحمل الطعنات مهما كان عددها لكن يصيب زين شكة دبوس صغيرة.
"بقولك ايه يا ضرتي، في ناس أصحابي ومعارفي حايين يزروني انهاردة، اعملي حسابهم في الغدا"
رمقتها والدة زين بجمود دون ان تحاول الاعتراض، لن تعذيها فرصة. لتكيد لها المكائد عن زوجها، فلتسد فمها افضل، صاحت ببرود: ومعارفك دول قد ايه؟
تصنعت التفكير قبل ان تخبرها: حوالي اربعة كده يا ان زين.
أومأت لها وتوجهت نخو المطبخ لتوقفها نسمة بتدائها: علي فين يا ضرتي؟
_ هيكون علي فين يا ذكية، هطلع الأكل من الفريزر عشان اشوف هطبخ ايه.
اقتربت لها نسمة وهي تداعب خصلة من شعر رأسها هاتفة بخبث: طب مش تسألي الاول يا ام زين أصحابي عايزين يتغدوا ايه؟
قالت بحدة: والله الموجود هطبخه.
_ تؤ تؤ يا ضرتي، انا عايزة أكل معين هضطري تنزلي تشتريه من السوق الأول؟
عقدت حاجباها بضيق: انزل فين دلوقت انتي مش شايفة المطر انهاردة مغرق الشوارع ازاي؟
_ مش مشكلتي، لازم تعملي الأكل اللي عايزينه، ولا عايزاني اضايق؟ وانتي عارفة لو اضايقت الحاج هيضايق ويزعل، وزعله مش هيعجب المحروس ابنك.
الحقيرة تضغط علي نقطة ضعفها، مجرد ذكر أسم طفلها يجعلها تتراجع دون تفكير، تفعل أي سيا ولا تعرضه لبطش أبيه من جديد حين توسوس له تلك الشيطانة.
_ أخلصي عايزة ايه؟
ابتسم بظف. وهي تقول: عايزة ححشي من كل الأنواع، وفراخ مشوية وطواجن لحمة وبطاطس وملوخية ول**ن عصفور وجلاش باللحمة المعصجة و.!
و**تت تطالعها باستفزاز قبل ان تقول: خلاص كفاية كده يا ام زين، عشان تلخقي تخلصيهم.
وتركتها ورحلت لتقف أم زين شاعرة بالقهر، الوليمة ستحتاح جهد كبير كي تنجزها، ظنت انها ستفعل طعام ابسط من هذا لتجلس جوار ضغيرها لتغدق عليه بحناتها اهتمامها، سلمت أمرها لله وذهبت للسوق تبتاع منه أغراضها سريعا وتصعد لتطهوها.
استغرقت نصف النهار وهي تحاول أنجاز كل شيء، بذلت الكثير من الجهد لتحضر تلك الوليمة لرفاق الأفعى، عسي ان يهبط في معدتها بالسم الهاري، وخلسة أعدت طنجرة صغيرة ملفوفة من أوراق الكرنب البيضاء، تلك التي يحبها زين، ولم تنسي نصيبه من اللحم والدجاج كي يتقوت به ويتغذي.
" الله يا ماما، المحشي ده حلو اوي، تسلم ايدك"
ابتسمت بخنان وهي تدس بفمه واحدا: بالهنا والشفا ياحبيبي، كل يا زين واشبع، ودوق الفراخ المشوية اللي بتحبها.
_ طب وحضرتك يا ماما مش هتاكلي معايا.
غمغمت: ماليش نفس يا زين، أنا نفسي انام وارتاح من التعب طول النهار، حاسة ان ضهري انقطم.
شعر بحزن كبير لأجلها، فنهض وجلس جوارها وراح يطعمها بعناد بالقليل من الطعام ثم راقبها وهي ترقد أمامه فوق الفراش، كي تنام، وسريعا من غطت في النوم من فرط تعبها طيلة اليوم، ظل زين يتأملها بضيق وهو شاهد علي ما هبذله الغالية من مجهود لخدمة تلك الساحرة الشريرة، تبا لها ليتها تموت وتحترق حتي تتفحم، لولا وعده لأمه بألا يدبر لها مكيدة گ السابق لعاقبها، لكنه لن يخلف وعده، سيجتهد أكثر كي تفرح وتتفاخر به ولنجاحه وتفوقه أخر العام.
أمسك كفها ولثمه وهو يهمس لها بخفوت: أوعدك يا ماما تعبك ده كله مش هيروح هدر ابدا، هنجح واتفوق ولما أكبر هتكوني تاج علي راسي هعوضك كل العذاب اللي شوفتيه هنا مع أبويا ومراته، اتحملي يا أمي وخليكي جنبي.
التعد ليضع بقايا الطعام في "البراد" ثم استأنف مذاكرته قليلا قبل ان يصعد جوار والدته واندس بين ذراعيها لينام.
أقترب موعد عيد الأم الذي يحتفل له كل بيت، عيد رد الجميل للغاليات علي قلوبنا، فكر زين ميف يسعد والدته في عذا اليوم بهدية تدخل علي قلبها السرور والفرح، وتهون عليها ما تلاقيه، وبمساعدة ضياء صديقه ابتاع لها هديه بما ادخره من مصروفه الأيام الماضية استعدادا لتلك المناسبة.
"مش هتجيبلي هدية في عيد الأم يا ميتو؟"
تثائب وهو يهم بالنوم قائلا دون تركيز: مش لما تكوني أم يا حبيبتي.
_ متولي.
فزعه صياحها الغاضب لينتبه لقوله سريعا: يا حبيبتي قصدي ده مالناش فيه، ده لناس الفاضية.
_ ماليش دعوة عايزة هدية حلوة.
قال برضوخ: حاضر بس متعكريش دمك، هجيبلك عباية.
شهقت بسخرية: نعم نعم؟ عبايث ده ايه ياعنية اللي هتضحك عليا بيها يا متولي، أنا عايزة خاتم دهب محترم.
رمقها بدهشة: خاتم دهب؟ والسلسلة اللي لسه جايبهال في عيد ميلادك الشهر اللي فات؟
_ أد*ك قولتها، الشعر اللي فات وفي عيد ميلادي، انما احنا الشهر دة في عيد الأم.
ثم دنت منه ولاطفت وحهه بأناملها بلمسات خبيرة: هتجيب ولا هتزعل نسمة مراتك وحبيبتك منك يا ميتو؟
لم تحتاج لأكثر من هذا لتجعله يذوب وتتحرك مشاعرة الرجولية نحوها وهي يضمها إليه هامسا: وانا اقدر ازعلك يا نسمتي، أأومري وانا عليا التنفيذ، هجيبلك أحسن خاتم عشان عيونك، مبسوطة؟
ضحكت ضحكة ماجنة وقالت: طبعا مبسوطة يا ميتو.
غمغم بنبرة خافتة: طب ابسطيني بقا.
نظرت إليه بدلال وهي تهمس بأذنيه: طب استني اما اطفي النور واجيلك يا ميتو.
فتح حصالة نقوده وراح يحصي ما بها، ليصيح بحماس لرفيقه: الحمد لله يا ضياء لقيت فلوس كويسة هتكفي الهدية بتاعة ماما.
ساله صديقه: طيب أنت ناوي تجيب ايه لماماتك؟
قال بحيرة: مش عارف لسه، تعالي نتف*ج على المحلات ونختار سوا حاجة قد فلوسي.
_ ماشي يلا بينا يا زين.
ظلا الصغيران يتجولان في الأسواق وبين المحلات التجارية حتى استقر زين على هديه مناسبة لوالدته، وقد شعر بالرضا والفرحة لأن نقوده أشترت ما أراده.
ويتمنى من قلبه ان تعجب أمه تلك الهدايا البسيطة وتدخل السعاده لقلبها الطيب.
وبلهفة توجه زين للبيت وافترق هو وضياء الذي ابتاع هو الآخر هدية لوالدته، ترى كيف سيكون رد فعل والدته حين تشاهد ما جلبه لأجلها؟
لن تفوت أي فرصة لتقهرها وتشعرها بالحسرة، فمجرد ان ابتاع لها متولي الخاتم الذهبي، نادت علي زوجته الأولي وما ان أتت من الخارج حتي لوحت لها بأصبعها: شوفتي يا أم زين ميتو جوزي وجوزك جابلي ايه؟ خاتم عشرة حرام عيار اربعة وعشرين، ايه رأيك في ذوقي، اصل ميتو **م اني اختار اللي يعجبني وهو هيشتريه عشان يفرحني، أصله بيحبني اوي وبيموت فيا.
ثم امسكت سلسالها قائلة: شوفتي كمان نسيت اوريكي السلسلة الدهب اللي جابهالي ميتو في عيد ميلادي الشهر اللي فات، وحياتك يا ام زين دفع فيها الشيء الفلاني، كل ده عشان يفرحني
ظلت تنصت لها وهو تنظر لبريق عيناها الشيطاني الذي طغي علي بريق خاتمها الذهبي، تريد إحراقها بنيران الغيرة، وصفعها بيد الظلم لأن زوجها لا يعدل بينهما، لكنها للعجيب استقبلت كل هذا ببرود زون ان تتأثر، لم تكن يوما من نحبي المصاغ، هي أبسط وانضج بكثير من ان يشغلها أو يقهرها أمر گ هذا، أما ظلمه بالمعاملة بينهما فليس جديد عليه، ئعتادت منه كل مشين وقاسي.
"ماما"
هكذا ناداها الصغير وهو يندفع نحوها ويعانقها مع قوله الحاني: كل سنة وانتي طيبة يا أحلي ماما في الدنيا.
البريق الذي ضوي بعين "ضرتها" أطفأ بريق نشوتها وهي ننذ لحطات كانت تتلذذ بالتفاخر أمامها، ليأتي هي الصغير الأ**ق ويفشل خطتها ويعكر نشوتها.
"غمضي عيونك يا أمي ثواني"
ابتسمت وهي تستجيب له ليخبرها بعد وقت قصير ان تفتح عيناها من جديد، وجدت مغلفان يزينهما شريط أنيق وزين يصيح بحماس: شوفي هداياكي يا أمي.
بلهفة فتحت ئولهم لتحد شال صوف شديد الجمال مزين أطرافه بحملة قصيرة تحمل ضمنها لقبها الأغلي "بحبك يا ماما "، اغرورقت عيناها وهي تضعه علي مافيها بفرحة حقيقية ثم انحنت تقبل الصغير وتشكره لهديته.
_ طب شوفي الهدية التانية يا ماما.
انتبهت للهدية الأصغر وفضت غلافها لتجد "مسبحة رقمية" لتشهق بسعادة أكبر: الله يا زين، ئهي دي أحلي وأحلى عشان اذمر ربنا وانا عارفة العدد اللي قولته.
عادت تعانقه بحنان غامر وتقبله، تحت أنظار تلك التي تابعت كل هذا بعين الحقد الذي استعل بحدقتاها، خططت لترميها بسهام الغيرة، لتجد نفسها تتلقي عي ذات السهام من غريمتها دون حتي أن تشعر، ذاك الغلام رغم صغر عمره أستطاع إنصافها بهداياه الرخيصة، الفرحة التي ومضت بعين "ضرتها" لن تشعر هي بها، رغم الذهب الذي أهداها له متولي، تبا لهذا الصبي الذي يفسد دائما خططتها گ درع يحمي والدته من كل سهامها، وحدتهما يرحلان من أمامها وقبل ان بختفيا عن ناظريها، التفت لها زين وحدجها لنظرة ساخرة كأنه قرأ دواخلها ويتحداها، كأنه كان بعلم انها تريد قهرها فأتي يرفرف بجناحيه الصغيرة حول أمه يحميها منها، لوهلة خانها قلبها وفطرتها وهي تتمني مثل هذا، تتمني خن يكون لها ذفلا يحبها هذا الحب، يخطط كي يهديها بشيء، تريد تذوق هذه المشاعر التي تنعم بها أم زين، تبا لها بل تبا للجميع.
"عايزة اروح للدكتور يا متولي"
تسائل بدهشة: دكتور ليه يا حبيبتي انتي تعبانة
صاخت بحدة: أيوة تعبانة، عايزة ابقا أم زي مراتك، اشمعني هي عندها زين؟ هي أحسن مني؟ لازم اخلف حتة عيل ينصفني عشان ما احسش انها افضل مني في حاجة.
زفر بحنق: يادي وجع الدماغ، مكنا حلوين يا بنت الناس، لازمته ايه نجيب عيال ونشيل الهم ونتعكنن بسببه.
_ يا سلام يا اخويا يعني انت مش عايز تخلف مني؟
تلك المرة لم يحدثها بضعف، صاح بقوة: بقولك ايه يا نسمة انا مش عايز عيال، انا كده مبسوط.
_ طب وانا يا متولي؟ ماليش حق؟
_ نسمة انا مش عايز اخلف، بس لو حملتي لوحدك من غير دكتور خلاص يبقا نصينا، بس هو عيل واحد وبس، وبعدها هتاخدي وسيلة، زي بقيت الستات.
رمقته بضيق شديد لعدم حماسه للأمر، لكنها قررت ان تسعي لتحقق هذا الحلم، خينها فقط تتساوي مع ضرتها وتذوق الأمومة كما ذاقتها.
رغم سعادته انه استطاع أسعاد والدته بهداياه، إلا انه حزن لأن عبء البيت الذي ازداد أكثر علي كاهل تلك المسكينة أمه، كأن زوجة أبيه الأفعي تعاقبها، لقد ابصر الغذرة بعيناها وهو يهدي أمه هدايا عيد الأم، ولا يعرف أحد انه رآي وسمع كل شيء وهي تستعرض خاتمها الذهبي أمام والدته، يوما ما سيستري لها ذهبا ويزين به عنقها الجميل، تنفس الصبح وگ عادته استعد للذهاب لمدرسته ووالداه تصحبه گ عادتها لتطمئن عليه ولكن ما حدث من زوحة أبيه فاق كل حد، حين حمل حقيبة مدرسته مستعدا للذهاب، لتوقفهما تلك الأفعي زوجة أبي قائلة: علي فين يا ضرتي انتي والمحروس ابنك؟
حدجها بنظرة باردة دون رد وهمت بمواصلة طريقه لتغادر هي وطفلها، لتوقفهما ثانيا تلك الحمقاء بقولها الذي فاجأؤهما معا: مفيش مدرسة بعد انهاردة يا قلب مرات ابوك.
تسمرت قدميهما فور ما قالته واستدارت لها أمه وعيناها تبرق ببريق مخيف لن يراه من قبل.
الأمور حتما ستشتعل بين الأم والضرة ولا يعلم غير الله كيف ستعود لتخبو ثانيا، فهل ستنفذ نسمة قرارها الظالم، أن تنجح والدة زين في التصدي لها.