حكاوي نهى
° ° الجيران الجدد ° °
بقلم : جني الشناوي
_ الفصل الرابع _
* * * * * * * * * *
" نهى حبيبتي . . . انتي وحشتيني جدًا . . ماتقلقيش عليا ، أنا الشنطة اللي بحط فيها موبايلي و اللاب توب بتاعي اتسرقت فاتأخرت شوية لحد ما اشتريت جداد و عايز اقولك إن اشتريت خط من هنا عشان أعرف أكلمك و أكلم الناس في مصر . . ااه والله مصر وحشتني ، مش راضي اتصل بيكي عشان لو نايمة . . خليني أرد على رسايلك اللي كلها بتحتوي بس على موضوع جارنا . . صدقيني من أول يوم قولتيلي انهم سكنوا كنت متأكد انك هتعدي تنكشي وراهم . . أنا شايف إن الأحداث عادية جدًا و انتي بتفسريها على مزاجك . . هي بيني و بينك حاجة مثيرة للفضول . . بالذات ان هما ما فتحوش و سكتوا أما خبطتي . . بس بردو أنا كعلي أرجع و أقولك إن ممكن نفسرها بحاجات عادية ، زي مثلًا ان عادي كان بيكلم أي حد في التليفون عن أي موضوع و عايزه يخلص . . بس عمتًا مايتهيأليش إن حصل حاجة من اللي في بالك ، على العموم ما تركزيش ولا تشغلي بالك لأن احنا مالناش دعوة بحد . . خلينا في حالنا أحسن و بلاش فضول و متخافيش . . أول ما تصحي ابعتيلي عشان اتصل بيكي . . الحمد لله كنت محتفظ بالأرقام كلها عشان لو حصل ظرف زي كدا . . "
انتهيت من القراءة و كتبت له على الفور
" علي أنا كنت فقدت الأمل انك عايش . . اتصل بيا بسرعة أنا صاحية "
مرت دقائق ثم دق الهاتف
قلت بلهفة
_ " ألو يا علي بجد وحشتني أوي "
_ " ألو يا حبيبتي . . كنت قربت أنسى صوتك والله "
_ " عامل ايه في الغربة دي ؟ "
_ " والله أهو . . بحاول أتأقلم يعني "
_ " إن شاء الله ترجع بالسلامة كدا عشان بجد زهقت من القاعدة لوحدي . . و خايفة أوي يا علي "
_ " نفس الموضوع بردو يا نهى ؟ ! "
_ " ايوة يا علي انت مش متخيل قلقي . . "
_ " نهى حبيبتي انتي اللي قالقة نفسك لمجرد تهيؤات في دماغك ، أنا حاولت أشرحلك الموضوع بزاوية تانية في الرسالة . . مش لازم تشوفي المواضيع بنظرة مخرج الأكشن اللي جواكي دي . . متصعبيش الدنيا "
_ " أنا مخرج أكشن و بصعب الدنيا ؟ ماشي يا عم . . احكيلي بقا مغامراتك و انت قاعد لوحدك "
_ " ياااه . . . بصي بقا يا ستي . . أول حاجة المطبخ و طبخي اللي مفيش زيه . . هحكيلك شوية حاجات بقا . . "
و أخذ يحكي بإندماج كأنه يحكي عن مغامرات ( أليس في بلاد العجائب ) . . و أنا كنت أسمع و أضحك و أواصل الحديث ، أثناء هذا كله . . رأيت رجل يخرج من عمارتنا . . و معه ما أشبه ب ( شوال ) طويل . . دققت النظر . . إنه ! نعم إنه ! إنه هاني ! . . وصل إلى صندوق القمامة الذي يوجد في أول الشارع الجانبي
تفاجأت بمن يتكلم في أذني و يقول
_ " نهى . . انتي معايا ؟ "
أجابت بهمس في خوف
_ " علي . . الحق ! "
قال بفزع
- " في ايه يا نهى ! "
قلت بالخوف و الهمس ذاتهما
_ " هاني . . هاني لسة طالع من العمارة بشوال طويل . . والله نفس حجم البني آدم ! و راح حطه في صندوق الزبالة ! شكلها الجثة يا علي ! "
صاح بغيظ قائلًا
_ " لا حول ولا قوة الا بالله . . نهى انتي بجد هتتجنني ! بعدين ازاي هيرمي الجثة في الزبالة ؟ ! "
_ " لا يا علي أنا متأكدة . . العمال بييجوا يقلبوا الصندوق في العربية بتاعت الزبالة من غير ما يبصوا و أكيد بيروحوا يحرقوها و محدش هيعرف ! "
قال بنفاذ صبر
_ " أنا مش عارفة أقولك ايه ؟ . . ممكن تكون أي حاجة تانية ! "
_ " طب فسرها يا أبو العريف ! كل الأحداث بتدل على اللي في دماغي . . و أنا هبدأ أروح الشغل من بكرة خلاص فهعدي على صندوق الزبالة و أشوف و هثبتلك . . صدقني أول ما أتأكد . . الراجل دا هيبقى رد سجون على أيدي "
_ " ممكن ما تعمليش أي فعل مجنون و تفكك من دور المفتش كرومبو دا ! لو اختفت فعلًا يبقى ليها ناس يسألوا عليها و سيبي للمحقيقين شغلهم . . أنا مش عارف انتي دخلتي مجال المباحث امتى ! "
_ " طب افرض ماعندهاش حد ؟ "
بدأ في التعصب و قال بصوت عالي قليلًا
_ " يوه يا نهى ! . . . احنا هنعيش على افرض و ما تفرضش ؟ ! "
_ " علي انت م**م تشوفني فارغة و تافهة ليه ؟ "
صرخ في أذني بعصبية هائلة
_ " عشان انتي بتحكمي على الناس من غير ما تعيشي معاهم ! بتعملي أفلام و بتصدقيها ! فوقي شوية ! ! "
كوني حساسة فبدأ صوتي بالاهتزاز بسبب الدمعة المحشورة في عيني . . بلعت ريقي و قلت
_ " أنا . . أنا آسفة يا علي إني بشغلك بتفاهاتي . . أنا عايزة أنام . . اقفل "
فهتف بأسف
_ " ماتزعليش . . . أنا بس . . "
قاطعته بصوت حزين و قلت متجاهلة ما يقول
_ " يلا علي تصبح على خير . . نتكلم بكرة "
* * * * * * * * * *
اليوم التالي كان أول يوم عمل بعد الإجازة ، الأمر سيكون أجمل إن كنت في إجازة إلى الأبد ! لا أظن أن البشرية ستتأثر كثيرًا بعملي أو بدونه . . دعك من هذا الهراء الممل . . . لدي ما هو أهم الآن ، لا بد أن أبدل ملابسي و أنهض سريعًا لكي أبحث في صندوق القمامة الذي بالتأكيد سأجد فيه الجثة . . أنهيت طقوسي الصباحية و نزلت . .
ركضت كي أوصل إلى الصندوق . . . عندما وصلت . . رأيت مشهدًا جعلني أتحول إلى بركان كرهًا لحظي الذي يخذلني في كل وقت احتاجه !
كانت تقف عربة القمامة بصوتها المزعج . . و العمال يحملون الصناديق و يفرغونها في العربة . . يا اي من منحوسة حقًا !
رجعت لآخذ طريقي للعمل . . و أنا اهمهم بعصبية بعبارات مثل " يادي اليوم الفقر " ، " يا ريتني كنت نزلت بدري عن كدا " ، " يا ربي ما أنا لو مش **ولة . . كنت لحقت الصندوق "
. . مر اليوم بين ترحيب زملائي و زميلاتي و الحاجة إلى النوم و العمل . .
عدت إلى منزلي منهكةً ، جلست على المنضدة أشاهد التلفاز مع بعض المقرمشات . . كان هاتفي يدق . . حين انتبهت له ، وجدت أنه علي . . أخذنا نتحدث عن أمور كل مننا ، ثم جاء الحديث عن هاني و نادية
_ " مفيش أخبار عن هاني و نادية ؟ "
قلت بسخرية
_ " مش أنت قولتلي ماتدخليش في حياة حد ؟ . . بتسأل ليه دلوقتي ؟ "
_ " لأنك يعني أكيد ماخدتيش بنصيحتي . . و اتدخلتي "
فقلت و قد انطلقت في الحديث كما لو أن لم يحدث شيئًا لأنني اريد من اخبره بما افكر فيه او اعلمه
_ " طب بص بقا . . أنا الصبح طلعت جري على الصندوق بتاع الزبالة . . بس حظي الأ**د ان العربية كانت خلاص فضت الصناديق "
فقال
_ " أنا أصلا مش مقتنع انه ممكن يكون عمل كدا . . هو مظهره يدي انه عمل كدا يعني ؟ "
_ " شبه الس**حين بالظبط يا علي ، مبهدل جدًا و مابيحلقش دقنه . . و عينه حمرا كدا و عمري ما شوفته بيكلم حد غير عم سلامة اللي أنا متأكدة انه حكاله اني بسأله عليهم كل شوية . . لأن الراجل بقا يبصلي بشك كدا و غضب لدرجة إني بخاف والله و بطلع أجري كل ما أشوفه
ضحك و قال
- " للدرجادي ! "
_ " اه والله انت بس اللي مش موجود في الموقف "
سمعت صوت صخب و ضجيج يأتي من السلم . . كان هناك أصوات مثل أصوات العمال و اصتدمات أشياء صلبة
فقلت باهتمام
_ " ثانية واحدة كدا يا علي "
هتف متسائلًا
_ " في ايه ؟ "
ذهبت أنظر من العين السحرية لأرى أن هاني يقف مع مجموعة من العمال و هم يخرجون قطع أثاث من المنزل و يدخلون قطعًا أخرى . . لكنني لا أرى بالوضوح الكافي لأعرف ما هذه قطع الأثاث
قلت لعلي
- " علي . . . الراجل دا بيخرج و بيدخل عفش لبيته ! "
فسأل ببلاهة و عدم فهم
_ " فين المشكلة ؟ "
فقلت متفاجئة من ردة فعله التي لا يظهر عليها أي تشكك بالأمر
_ " مش شايف مشكلة ! "
فردد بثقة
_ " لا بصراحة . . واحد و بيغير عفش بيته . . عادي "
_ " يعني انت شايف ان ظروفه تسمح ؟ تبقى مراته مختفية و يعد يغير في الد*كور ! "
فصاح ساخرًا
_ " و ايه تفسيرك يا فيلسوفة ؟ "
_ " هو قتل نادية المسكينة و هيتجوز عليها ! و أكيد العروسة قالتله " لا ، انا ما أعدش على عفش واحدة تانية . . عايزة كله جديد " . . فهو عشان يرضيها بيغيرلها العفش"
قال بسخرية
_ " عظيم . . . تنفعي كاتبة سيناريوهات هايلة ! "
صحت في حنق
_ " ينفع تبطل سخرية ؟ "
_ " ما انتي بتقولي أي كلام يا نهى . . ايه الدراما الفظيعة دي ! "
* * * * * * * * * * *
مر يومان عاديان . . الأمور جيدة إلى حدٍ ما . . أنا أذهب لعملي دون تأخر ، أؤدي فيه أداء جيد ، أكلم علي في نهاية اليوم . . لن أحكي معه عن ذاك الجار حتى لا ينفجر في أذني . . أهاتف سمر و أمي من حين لآخر . . و لكن . . يوجد شيء واحد ليس على ما يرام . . الزوج ( هاني ) لم يظهر قط ! . . سألت ( عم سلامة ) قبل ذهابي للعمل أمس
_ " عم سلامة هو أستاذ هاني اللي جنبي في الدور . . مسافر أو حاجة ؟ "
_ " والنبي ما اعرف يا هانم . . بس بجاله كام يوم مختفي ، و مابشوفهوش . . يمكن مشي و أنا نايم العصريةوط . . هو يعني و لامؤاخذة . . حضرتك شاغلة بالك جوي كدا ليه ؟
تجاهلت سؤاله
_ " سلام يا عم سلامة ! "
هذا كان الحوار الذي جرى بيننا . . بالتأكيد يحاول الهروب . . من الممكن أن هناك من كشف سره
اتصلت بعلي و لم أتحمل أن لا أحكي له
_ " يا نهى . . يااا حبيبتي . . ممكن سافر ! ممكن بايت عن صحابه ! . . مطبق في الشغل ! أي حاجة . . "
تن*دت و قلت بنفاذ صبر
_ " علي معلش أنا آسفة . . بس حاول تفهمني شوية . . الاول زعيق و خناق كل يوم و في يوم أما أخبط يسكتوا و مالاقيش نادية تاني أبدًا و في نص الليل ألاقيه ماشي بشوال . . ما كان ممكن يمشي في عز الظهر يعني ! . . دلوقتي أختفى ! . . فاهمني ؟ "
قال بتفهم
_ " والله فاهمك . . آه و فيه شوية حاجات غريبة زي إنهم مش راضيين يفتحولك أبداً و الخناق و كدا بس كل دا ممكن يبقى لي مبررات و قولتهالك قبل كدا كتير . . معيشة نفسك في قلق و خوف رهيب ! "
قلت و كدت ان انطلق في سيل تساؤلات
_ " بس لو گ . . "
لكنه اوقفني و لن يمهلني الفرصة هذي و ردد بنفاذ صبر
_ " نهى أنا في الشغل معلش . . ممكن أقفل و هكلمك بليل ؟ "
لم يستطيع فهمي أبدًا . . مُصِّر أن يراني ( مخبولة) .
يمكن أن يكون ( هاني ) في المنزل لكنه في إجازة مثلًا ؟ !
* * * * * * * * * * *
ذهبت تجاه شقته . . و يدق قلبي كالطبل . . يدق أسرع فأسرع . . ثم طرقت الباب . . لا نتيجة . . طرقته ثانيةً . . و لكن أحدًا لا يفتح ! قررت فعل شيء سيء للغاية و هو ان اضع أحد أذناي على الباب و الصقها به حتى اشبع فضولي فاعرف ان كان بالداخل احدًا أم لا . . اتمعن السمع حتى اسمع ان كان هناك خطوات او اي شيء
و فجأه ! سمعت صوت خطوات تأتي من خلفي . . و عندما نظرت للوراء . . وجدته في وجهي ! . . كان هاني ! . . و لأول مرة منذ قدومه يوجه لي كلامًا . . قال بصوت غليظ كاد أن يهدمني رعبًا
_ " فيه حاجة يا مدام نهى ؟ "
أرتجفت لدرجة أن عيني لا ترى شيء سوى نقاط بيضاء ، قلت في رعب شديد . . لن أستطيع تجميع كلمة
_ " أ . . أنا . . آسفة . . ك . . ك . . كنت "
و لم أكمل كلامي . . و هرعت في أقصى سرعة ممكنة إلى منزلي ، جلست على أقرب منضدة وجدتها . . آخذ نفسي حتى لا أموت ، و عندما يسأل الناس عن سبب الوفاة تكون الاجابة ( سكتة قلبية لأنها رأت جارها ) . . اتصلت بعلي دون تفكير.
_ " مش قولتلك مشغول يا نهى ؟ "
قلت في رعب
_ " علي أنا كنت هموت ! "
فقال في فزع
_ " ايه دا مالك بتنهجي كدا ليه ؟ ! "
فصحت في هلع
_ " شافني و أنا بخبط عليه يا علي . . كنت عايزة الأرض تنشق و تبلعني . . قالي في حاجة يا مدام نهى ! ازاي عرف إني مدام . . و اسمي نهى كمان ! ! "
فصاح بعصبية
_ " ايه اللي خلاكي تخبطي عليه يا نهى ! ايه التهور اللي انتي فيه دا ! "
زفرت انفاسي بقوة و صحت
_ " علي أنا مش قادرة لمعاتبتك دي بجد ! عرف ازاي ان اسمي نهى ؟ و ماتقوليش عادي . . "
قال بحيرة
_ " مش عارف . . مش عارف ! "
_ " خلاص اقفل عشان شغلك "
_ " طب خلي بالك و خدي حظرك "
و هكذا عاد ( هاني ) بعد غياب ثلاثة أيام ، مر أسبوع و أنا أحاول جاهدةً أن انتزع ذاك الموضوع عن رأسي . . لقد استحوذ على جزء كبير من تفكيري و أنا لا أريد أن اُحْرَج بهذه الطريقة مجددًا ، و لكن بالطبع فشلت في هذه المحاولة . . الحقيقة ، أن لا شيء جديد يحدث ، ذات الغموض ، و الاختفاء متواصل . . فقط . .
* * * * * * * * * * *
الليلة . . ليلة الخميس ، و أظن أن جميعنا نعلم أهمية هذه الليلة . . يمكن أن نسهر دون أن يقلقك منبه أ**ق الساعة السابعة صباحًا . .
. . الساعة الثامنة مساءًا . .
كنت أحضر كوب شاي و بسكويت قد أخذته من أمي منذ يومين . . في انتظار مسلسلي المفضل التي تسبقه العديد و العديد من الإعلانات ، و حين كان يتعالى صوت غليان المياه و صوت التلفاز سيصل إلى ألمانيا . . سمعت صوت جرس الباب يدق . . من ذاك الأ**ق ؟ ، ذهبت لأنظر من العين السحرية . . كان في بالي أنني سأرى عم سلامة . . و لكن رأيت أغرب شخص يمكن أن أتوقعه ! نعم ذاك هو الذي تتوقعونه . . كان . . !