الفصل الخامس
كان فجر يتقلب في فراشه.. لا يستطيع النوم .. و هو يستعيد كل ما حدث اليوم في السوق .. فقد عاد لمتجره بعد أن أخذت الشرطة الرجل و تحدث مع عتاب .. ليرحل بعدها و يتركها ..شعر بالقلق خوفاً من عودة الرجل إليها فهو كان يتوعدها عند رحيله مع الشرطة. أضاع يومه و هو يذهب إلى المتجر خاصتها ليرى كيف تسير الأمور لديها .. كان يراقب الوضع من بعيد دون لفت انتباه عتاب إلى وجودة .. تنفس الصعداء عندما جاء وقت غلق المتجر لترحل إلى المنزل .. فكر في إخبار فريد عما حدث حتى ينتبه لها و لكنه عاد و تراجع عن ذلك ..فهو بذلك يتدخل في شؤون عتاب و ربما تتضايق عندما تعلم شيء كهذا .. زفر فجر بضيق ..و ما شأني أنا بها لم أقلق عليها فهى مجرد جارة لي ليس أكثر سب نفسه ناعتا إياها بالحمق و هو يزمجر قائلاً ..” نم فجر و كفاك تدخلا في ما لا يعنيك حتى لا تنعتك بالمتطفل على شؤونها .. لا تقلق هى أكثر من قاردة على الاعتناء بنفسها و شؤونها ..و كأن هذا طمئنه قليلاً حتى سقط في اللا وعي ليغفو سريعًا .
” فجر إلى أين أنت ذاهب في هذا الوقت المبكر بني “
أستدار فجر ليجيب سؤال والده المتعجب ..فهو ليس من عادته الخروج من المنزل مبكرًا عن موعده المعتاد بساعتين ..لم يعرف ما يخبره ..هل يخبره بما حدث في السوق و أنه سيذهب مبكرًا قبل وصول عتاب حتى يطمئن أنه ليس هناك أحد ينتظرها ليؤذيها كهذا الرجل الذي أخذته الشرطة ..فربما ذهبت صباحاً لتجده منتظرا إياها ليعاقبها على فعلتها معه ..فهو يعلم أنها تفتح متجرها قبل ازدحام السوق بالباعة بعرباتهم المتنقلة ..” صباح الخير بابا “
أجابه رضوان ..” صباح الخير بني أنت لم تجيبني فجر إلى أين أنت ذاهب الآن “
رد فجر و هو يتهرب من عيني والده حتى لا يكتشف كذبه ..” سأذهب للعمل في المتجر مبكرًا بابا فليس لدي الوقت الكثير قبل معرضي و لدي الكثير من العمل لأنهيه “
لانت ملامح رضوان و هو يبحث عن صدق حديثه في وجهه فصوته بدا متوترا ..قال رضوان ..” حسنا بني و لكن تناول الفطور على الأقل قبل الذهاب “
أجابه فجر ..” لا أريد إيقاظ أمي أو أحدى الفتاتين ..سأشتري بعض البسكويت و علبة عصير من البقال في طريقي ..و لكني سأتي على موعد الغداء بابا “
هز رضوان رأسه موافقا و قال ..” حسنا بني كما تريد “
فتح فجر الباب ليخرج قائلاً ..” إلى اللقاء بابا “
رد رضوان و هو يغلق الباب خلفه ..” مع السلامة بني سننتظرك على الغداء “
رفع فجر يده مودعا ليغلق رضوان الباب و علامات الحيرة تنتابه من تصرفات ولده الكتوم عاد لغرفته ليجد زوجته تعتدل قائلة بتساؤل
” من الذي ذهب في هذا الوقت المبكر يا أبا فجر “
صعد رضوان إلى الفراش ليستلقي جوارها قائلاً ..” أنه فجر ذهب إلى العمل في المتجر “
سألته شكرية بتعجب ..” في هذا الوقت المبكر “
أجاب رضوان بحيرة ..” يقول أنه لديه عمل كثير قبل معرضه لينهيه “
صمت رضوان مفكرا ثم قال و كأنه يحادث نفسه ..” لا أعرف يبدوا قلقاً هذه الفترة ..هل تظنين أنه كان هناك أحداهن في حياته و لم يخبرنا عنها ربما يكونا منفصلين و لذلك لم يجد داع لإخبارنا .. فهو لم يتحدث معنا عن هذه السنوات التي قضاها في الخارج و كيف كان يعيش و مع من أليس غريباً أن يظل وحيداً كل هذا الوقت دون الرجوع مرة على الأقل أو إرسال رسائل يطمئننا بها عنه ..تعلمين فترة خمسة عشر عاما فترة طويلة للعيش وحيداً ..“
أجابته شكرية بجدية ..” لما لا تسأله يا أبا فجر فولدك يبدوا كتوما للغاية ..تقرب منه و أسأله لعله يفتح لك قلبه و يخبرك بما يجيش به ص*ره أحياناً أراه حزينا رغم ابتسامته المرتسمة على فمه فأعلم أنه يتخفى خلفها من حزنا يسكنه .. أفتح قلبك له يا أبا فجر فيبدوا أنه لا يتذكر غير جفائك معه قبل أن يرحل لذلك تجده بعيداً عنك دعه يعلم أنك لم تعد تكترث لمهنته و أنك راضاً عن أي شيء يفعله فيطمئن و يعود إلينا “
تن*د رضوان و أبتسم لزوجته شاكرا فهى دوماً ما كانت تنبهه عن طريقته الخاطئة في معاملته قبل أن يرحل ..قال بهدوء ..” معك حق يا شكرية فهو يحتاج إلى جلسة مصارحة مني في أقرب وقت “ .
وجدته عتاب يستند على سيارته ..أمام متجرها ..كان يتناول بعض البسكويت و يمسك بيده علبة عصير ..تقدمت منه عتاب تسأله ببرود ”ماذا تفعل هنا سيد فجر عند متجري “
أعتدل فجر في وقفته و هو يمد لها بقطعة بسكويت قائلاً ..” فلتقولي صباح الخير أولا “
تجاهلته عتاب و هى تعود و تكرر سؤالها و هى تضغط على كل كلمة.. ”ماذا تفعل أمام متجري فجر “
تسارعت دقات قلبه و هو يستمع إلى إسمه مجردا من بين شفتيها لأول مرة نظر إليها بغموض قائلاً بلامبالاة ..” أنتظرك عتاب “
تنفست بحدة و كتفت ذراعيها أمام ص*رها و سألته ..” لماذا تنتظرني “
عاد لتناول ما بيده و شرب العصير حائرا فيما يخبرها مما جعلها تستشيط غضبا من لامبالاته لحديثها ..و لكنه حسم أمره ليجيبها .. ”حتى أطمئن عليك عتاب لا أكثر خشيت أن أجد ذلك الرجل ينتظرك “
رفعت حاجبيها بسخرية تتهرب من شعورها تجاه اهتمامه بها و خوفه عليها لا تريد أن تشعر هكذا تجاه شخص يكفيها ما حدث معها من قبل لا تريد لعقلها أن يبحث وراء أسباب اهتمامه الآن حتى لا تتسأل عن الأمر ..” شكراً لك و لكني أوكد لك أني قادرة على الاعتناء بنفسي جيداً رجاءاً لا تتعب نفسك و تشغل عقلك بي ..و الآن رجاءاً أذهب لعملك لأبدأ عملي “
شعر فجر بالحنق منها هل هذا جزاء اهتمامه و قلقه عليها. تصرفني بدلاً من شكري ..ألقى فجر ما بيده على الأرض مغتاظا من برودها .. و فتح باب سيارته ليلقي بعض أكياس البسكويت الفارغة التي كان يضعها في السيارة حتى يلقيها في صندوق القمامة فيما بعد نزعها من السيارة ليلقيها بحنق أمام المتجر ..ثم صعد إلى السيارة ليديرها و ينصرف ..شعرت عتاب بالغضب بعد أن أنصرف بكل برود بعد أن أشاع الفوضى أمام متجرها متعمدا ..قبضت على يدها متمتمه ..” أهدئ عتاب أنه أ**ق لا تشغلي عقلك به ..فقط تجاهليه “ .
تحركت عتاب لتفتح متجرها بهدوء مجبره عقلها على تجاهل ما حدث.. حتى لا تظل طوال النهار مغتاظة ..قامت بتنظيف الشارع أمامها ثم أخرجت استندات العرض و قامت برص أصص الزهور الفخارية عليها .. كان فريد قد أقترح عليها تخصيص جانب من المتجر في بيع الهدايا بجانب الزهور ..فبعض الأشخاص يفضلون شراء هدية أفضل من بعض الزهور التي ستذبل و يلقى بها ..فأقترح شراء بعض البضائع كالفراء ..و الخزف ..و الساعات القيمة بأشكلها المختلفة التي تثير الانتباه لشكلها المميز .. أعجبتها الفكرة و وضعتها موضع التنفيذ ..ستقتسم المتجر و تجهيز ما يلزم لاستقبال البضائع الجديدة .. مضي الوقت و هى تعمل في المتجر لتزيل الزهور الذابلة عن تلك التي مازالت نضرة .. عندما دلف أحدهم للمتجر.. التفتت إليه عتاب لتنظر و ترى من القادم .. لتتفاجأ بذلك الذي يقف أمامها باسما بسخرية .. شعرت بالضيق من وجودة فمطت شفتيها بضيق قائلة ..” ماذا تريد شادي ..ما الذي فكرك بي و أتيت لهنا “
أقترب منها الرجل و هو يضع يديه في جيب سروال بذلته الفاخرة قائلاً ببرود .. ” و لماذا برأيك عتاب أتيت لهنا من أجله “
ابتعدت عنه عتاب قليلاً و تجاهلته و هى تعود لتنظيف المكان من الزهور الذابلة التي فصلتها لتقوم بحشرها في صندوق القمامة ..قالت بضيق ..” ألم ننتهي منذ زمن شادي ..لم لا تتركني و تنساني و تنزعني من رأسك لترى حياتك مع إحداهن و تستقر “
أقترب منها شادي و قال بغموض ..” و لكني أريدك أنت عتاب تعلمين أني أريد الزواج بك “
نظرت إليه بسخرية قائلة بمرارة ..” حقاً شادي منذ متى “
أجاب شادي بضيق ..” فلننس الماضي عتاب و لنبدأ من جديد ..لدي الآن ما يكفي ليعيش الجميع معا ..أنت ..و أنا ..و أخوتك ..و أولاد عمك أيضاً “
شعرت عتاب بالغضب من حديثه ..هذا الأ**ق يظن أنها ستركض إليه عندما يشير إليها ..بعد أن تخلى عنها منذ سنوات و هى في أشد الحاجة إليه ..ستعود هكذا ببساطة ..كانت ستجيبه بما يرضيها و يحرق دمه عندما دلف فجر للمتجر ..ليجد ذلك الواقف أمامها مقتربا منها للحد الذي يثير الريبة في نفس من يشاهدهم .. فسألها ببرود و قد تبخر كل ندمه و ضيقه مما فعله منذ قليل أمام المتجر و سبب عودته ليعتذر منها عما حدث ليقول بحدة ..” من هذا عتاب و لم هو قريب منك هكذا“
لا يعرف كيف خرج من فمه السؤال ليظهر غيرته و ها هو يعود ليتدخل في شئونها مرة أخرى و قد وعد نفسه أن لا يفعل ..أستدار شادي ينظر لفجر ليبتسم بسخرية على مظهره الفوضوي و ملابسه المشعثة بسرواله الجينز الضيق القديم و قميصه الذي يلتصق بص*ره و يظهر ضخامة ساعديه بعضلاته البارزة ..قال ببرود ..” و ما شأنك أنت هل أنت خطيبها أم زوجها لتسأل “
أجابه فجر ببرود يوازي بروده ليخرج صوته به بعض الحدة لشعوره بالضيق من غرور الرجل ..” بل جارها ..هل لد*ك مانع “
رد شادي بحدة ..” و إن يكن ما شأنك أنت بها هل أنت وصي عليها “
دنا فجر من شادي مهددا و كأنه سيمسك بخناقه ...ليجد عتاب تقف بينهم و هى تقول بغضب لا تريد أن يحدث شيء في متجرها حتى لا تلوكها الألسن بأن الرجال تتصارع من أجلها ..” هل ذهبتما خارج متجري رجاءاً و إن أحببتما التصارع فليكن خارج المتجر فلدي الكثير من العمل و لا وقت أضيعه لتفاهاتكم ..هيا أخرجا “
سألها شادي ببرود متجاهلا فجر الواقف بتحفز ..” ما هو جوابك عتاب “
نظرت إليه عتاب بغضب و أجابته بحدة ..” قلت أخرج شادي و أنس الأمر و لا تأتى لمتجري مرة أخرى و إلا طلبت لك الشرطة و أخبرتهم أنك تضايقني “
أستدار شادي ليرحل فهو لن يستطيع التحدث أمام ذلك الرابض أمامها و بينهم كالسد المنيع قائلاً ..” سأعود عتاب تعلمين أنا لا أستسلم إلا أن حصلت على ما أريده و تعرفين ما هو “
تركهم شادي و رحل من المتجر ليقف فجر منتصبا أمامها ليسألها بصوت لاذع ..” كيف تسمحين لأحدهم بالحديث معك على انفراد في متجرك و يقترب منك هكذا بطريقة حميمة كما رأيت و هل فريد يعرف بذلك “
نظرت إليه عتاب بصدمة من حديثه ..ماذا يقول هذا المجنون أي طريقة حميمة لقد كان يقف بعيداً عنها بثلاث خطوات ..لم تكن في أحضانه ..شعرت بالغضب منه و ودت لو لكمته على معدته المسطحة تلك و لكنها تماسكت و تحكمت بأعصابها و قالت ببرود أثاره..
” سيد فجر أعتقد أن هذا شيء لا يخصك على إيه حال فكما قال شادي لست زوجي و لا خطيبي و لا وصي على ..و أخي يعرف أخلاقي جيداً و يستطيع تركي وسط ألف رجل و يطمئن أني سأكون بخير فلا تقلق أنت و الآن رجاءاً أذهب و إياك و العودة لتضايقني بحديثك السمج هل هذا مفهوم سيد فجر رضوان “
تمتم فجر بغضب و هو يستدير ليخرج من المتجر قائلاً ..” مغرورة و ستسقطين يوماً “
اتجه إلى متجره و هو يسب و يلعن نفسه على تدخله مرة أخرى في شؤونها و لكنه لم يستطع إلا أن يشعر بالقلق من حديث ذلك الرجل هل يسأل فريد من هذا الشادي أم سيتسبب في مشكلة لها ركل حجرا في طريقه بغضب و هو يتمتم بحنق ..” حمقاء مغرورة متوحشة “
تجلس عتاب معهم على طاولة الطعام شاردة تتلاعب بطعامها في الطبق أمامها لينتبه فريد و صفوة لذلك فينظران لبعضهما بتساؤل ليعود فريد لتناول الطعام بهدوء لثوان قبل أن يسألها باهتمام ..
” ما بك عتاب لك يومين شاردة و لست على طبيعتك هل هناك شيء يضايقك أختي “
أخترق صوت فريد رأسها لتنتبه لسؤاله فرفعت رأسها عن طبقها تنظر إليه بهدوء و ملامح وجهها جامدة لا تدل عما يعتمل داخلها من صراع و ضيق فما حدث في هاذين اليومين فاق التوقعات ..عودة شادي و طلبه الزواج منها مرة أخرى و رفضها القاطع و طردها له من المتجر .. غير ذلك الماكث كالأسد أمام المتجر له يومين لتجده في الصباح و هو يشيع الفوضى أمامه ثم يتحرك لينصرف بعد مجيئها و يتركها تغلي غضبا ..و ترى أمامها شياطين حمراء ترقص ساخرة منها لتغيظها على عدم فعل شيء له و تركه ينفد بفعلته كل مرة .. يومان تجده على حاله منتظرا يأكل ويشرب و يلقي بقمامته أمامها و ينظر إليها ببرود و يرحل و رغم تحذيرها له أن تجده إلا أنه يأتي و يفعل ما يضايقها و ينصرف تتعجب من حالها كيف تصبر عليه هكذا كان يبدوا على ملامحه الإرهاق و حول عينيه هالات سوداء و كأنه لا يأخذ قسط وافر من النوم هل ينام أمام المتجر أم ماذا.. و لم يفعل ذلك ..ماذا يريد منها .. تذكرت اليوم صباحاً بعد أن فاض بها الكيل اتجهت إليه و هى تحذره قائلة ..
” إن وجدتك أمام متجري مرة أخرى سترى منى ما لا يسرك .. و سأشكوك للعم رضوان ..الذي لولا مكانته لدي لطلبت لك الشرطة و أخبرتهم عما تفعله أمام متجري كذلك الرجل تذكره ..فأغرب عن وجهي و لا تعود مرة أخرى “
نظر إليها بصمت ساخر ليصعد إلى سيارته و ينصرف قائلاً ببرود ..” سأعود مرة أخرى لنرى ماذا ستفعلين آنسة متوحشة “
أنصرف ليتركها تقبض على يدها بحقد و غيظ ..عادت على صوت فريد النافد ..” أختي “
قالت بلامبالاة و هى تعود لتناول الطعام ... ” لا شيء فريد فقط عودة البغيض شادي وترتني قليلاً .. فلا تقلق أنا بخير و لا شيء بي “
لماذا لم تخبره على ما يفعله فجر معها لا تعرف ..ربما لأنه سيتضايق منه فمؤخرا وجدت شقيقها أصبح معه على علاقة صداقة وطيدة ..حتى أنه يصعد لشقته و يسهران معا قبل النوم غير جلوسهم معا على المقهى بجانب المنزل ..قال فريد بضيق ..” هل تريدين أن أذهب إليه ليتأدب “
هزت رأسها نافية بقوة .. ” لا فريد إياك و التدخل “
فهى تعلم أن فريد يكرهه لشادي كثيرا لتخليه عنها وقت حاجتها لوجوده و يتحين الفرصة حتى يلكمه على وجهه لينتقم منه و لكنها لا تريد أن يحدث مشكلة معه ربما يوقع به هذا الحقير شادي و يورطه و يستغلها ضده ..سيمل قريبا و يرحل كما فعل من قبل هى تعلم ذلك فهو له سنوات يظهر و يختفي دون نتيجة معها ..سيأتي الوقت و ييأس خاصةً أنها لن تتزوجه و لو كان آخر رجل على الأرض ..
قالت لصفوة..” حبيبتي هل لك بتنظيف الطاولة فأنا مرهقة اليوم لتجهيز المتجر للبضائع الجديدة سأذهب للنوم باكرا اليوم “
أجابتها صفوة بجدية متحمسة للمساعدة ..” حسنا حبيبتي لا تقلقي و سأنتبه للأولاد حتى ينتهون من دروسهم “
ابتسمت عتاب ممتنة فقال سامي ..” نحن لا نحتاج إلى مشرف علينا نحن سنستذكر دروسنا أختي عتاب لا تقلقي “
أشعثت عتاب شعره الناعم ..فهذه العائلة تشترك في الشعر الأ**د الناعم الذي هو من جينات عائلة والدهم ..” أعلم ذلك يا سمسم و لكن صفوة تقصد أنها من سيعد الشاي لكم اليوم بدلاً مني فهمت “
هز سامي رأسه فحملت عتاب بهجة النائمة كالعادة على طاولة الطعام لتدخلها على فراشها و هى تقول للأولاد ..” تصبحون على خير “
رد الأولاد معا ..” و أنت بخير أختي “
أرقدت بهجة و قبلتها و خرجت لتذهب لغرفتها تحت نظرات فريد و صفوة الحائرة ...
تقلب فجر في فراشه أرقا زافرا بضيق ..سب نفسه على ما يفعله معها يعلم أنه بتصرفاته يضايقها ..و لكنه لم يستطع أن لا يفعل ذلك ..فهى تستفزه ببرودها و تجاهلها له ..هى حتى لم تسأله لم يقف أمام متجرها كل صباح ينتظر إياها لتأتي ..لقد تحرى عن ذلك الرجل و علم أن الشرطة تركته فهو لم يفعل شيء يستحق السجن .. لذلك هو قلق عليها يخشي عليها من غضبه ..فالغضب من شخص ما قد يجعله يرتكب أي شيء لينفس عن هذا الغضب ..هو أدرى الناس بذلك ..فهو لم ينس بعد ما حدث معه منذ ثلاث سنوات قبل مجيئه هنا ..عامين ..عامين كاملين تذكر ما مر بهما لتتحشرج أنفاسه و يضيق ص*ره ليشعر كما لو أن ما حدث وقتها يحدث الآن معه و يريد تمزيق أحدهم .. يحمد الله أنه نجا بأقل الأضرار ليستطيع العودة إلى عائلة متماسكا و ليس محطما ..نفض رأسه و عاد ليغمض عينيه ليغفو فلم يستطع .. صعد لينام في شقته هربا من أسئلة أبيه عن ما يفعله مبكرا فهو يشعر أن والده لم يقتنع بحجة ذهابه للعمل ..لذلك يتهرب منه بالمبيت في شقته ..حتى لا يتعرض لسؤاله مرة أخرى .. فماذ سيقول له .. أذهب لأقف أمام متجر جارتي لأتأكد أن لا أحد ينتظرها هناك ليتربص بها .. نهض من الفراش بعد أن يأس من محاولة النوم ..ليذهب إلى الغرفة التي خصصها للرسم و تخزين لوحاته المنتهية .. وقف أمام لوحة الرسم الجاهزة على الحامل ليمسك بأقلام الفحم ليخط ما يسكن في ذاكرته عن ذلك اليوم ..ليجد نفسه يجسد ذلك اليوم على اللوحة بأرضيتها البيضاء لتتحول ما بين الأ**د و الأصفر و الأحمر و البني ..كان لأول مرة يستخدم أقلام الفحم و الشمع معا في لوحة واحدة ..لتتجسد أمامه بجموحها و شعرها المتطاير حولها في همجية متوحشة و حولها أشكالا لأشخاص وهمية كالظلال لتكون هى الحقيقة الوحيدة في اللوحة ..أبتسم فجر بشجن و هو يمد يده ليلامس وجهها بإصبعه برقة و كأنها ماثلة أمامه .. تن*د و ترك ما بيده ليتجه لسريره يستلقي بتعب و هو يغمض عيناه على صورتها آخر شيء في يومه قبل أن يغفو ..
استيقظت عتاب من نومها متأخرة لأول مرة منذ وقت طويل .. منذ تولت مسؤولية أخواتها و أولاد عمها مجدي ..خرجت من غرفتها مسرعة لتتسع عينيها بدهشة فقد كان الجميع مستيقظا ..و يتناولون الفطور أيضاً ..ابتسمت عتاب بحنان قائلة ..” لم لم توقظوني معكم إذن “
أجابت صفوة باسمة و هى تنهض لتعد لها فطورها قائلة ..” لم نشأ أن نتعبك فنحن نعلم أنك ستعدين كل شيء كعادتك لذلك فضلنا تركك نائمة لحين ننتهي و نوقظك “
أجابت عتاب بحنان ..” شكراً لك حبيبتي سأذهب لأغتسل و أبدل ملابسي و أتي “
أجابها فريد ..” على راحتك عتاب أنا اليوم من سيوصل بهجة للمدرسة فلا تقلقي و أذهبي أنت لعملك رغم أني أفضل أن تأخذين اليوم إجازة و لكني أعلم أنك سترفضين “
أجابت عتاب جادة ..” معك حق فريد لا أستطيع فستصل البضائع الجديدة اليوم لذلك لا أستطيع التملص من الذهاب و لكني بخير لا تقلقا علي “
هز رأسه بصمت فقال إيهاب و شهاب كعادتهم للحديث معا ..” أختي غداً اجتماع لأولياء الأمور و نريدك أن تأتي لنا ثلاثتنا “
طمأنته عتاب ..” حسنا سأتي بالطبع لا تقلقا و الآن لينهي الجميع فطوره حتى لا تتأخرا أكثر من ذلك هيا “
أبتسم فريد قائلاً ..” الآن نعلم أنك أصبحت بخير “
ضحك الأولاد بمرح لتنعته عتاب قائلة ..” أ**ق بالطبع بخير “
انتهوا جميعاً و ذهب الأولاد للمدرسة و أعدت عتاب بهجة ليأخذها فريد في طريقة و ذهبت صفوة أيضاً بعد أن أزالت الأطباق تاركة فقط طعام عتاب على الطاولة ..اغتسلت و بدلت ملابسها و تناولت فطورها سريعًا لتذهب هى الأخرى لعملها ..مفكرة هل ستجده ينتظرها اليوم أيضاً ..لا تعرف ماذا ستفعل معه أن وجدته ..بعد قليل وصلت للمتجر ..
وجدته كما هو منتظرا في سيارته أمام متجرها رغم تحذيراتها أن لا يفعل ..كان يثير الفوضى أمام المتجر كعادته في اليومين الماضيين ..كان يبدوا نائما داخل السيارة ..تمالكت نفسها و اتجهت لباب متجرها لتقوم بفتحه ، أخرجت المكنسة و قامت بتنظيف المكان من القمامة الملقاة أمامه وضعتها في كيس صغير بلاستيك ثم اتجهت للسيارة المتوقفة و طرقت على زجاج النافذة ..أعتدل فجر جالساً و هو يمسد وجهه بيده فهو لم ينل قسط وافي من النوم ليلة أمس ..كان ينظر إليها بتساؤل فأشارت لزجاج النافذة بعينيها إشارة أن يفتحه ..مد فجر يده ليفتح النافذة قائلاً بهدوء ..
” ماذا تريدين الآن عتاب أنا سأنصرف على الفور “
أدخلت عتاب يدها بالكيس لتقوم بقلبه في السيارة على المقعد بجانبه لتمد يدها أكثر لتلقي بالباقي على ملابسه ليرفع يديه في وضع حماية حتى لا تلقي شيء على رأسه ..بعد أن قامت بإفراغ الكيس ألقته عليه قائلة ..” أحتفظ بقمامتك بجانبك أيها الو*د هذا ليس مستودع أبيك لتلقي بقمامتك به “
نظر إليها فجر بغضب شديد و قال ..” ماذا فعلتي أيتها الحمقاء المتوحشة “
مدت عتاب يدها لتلكمه على وجهه فأتت لكمتها بجوار عينيه و هى تكمل ..” و لا تطيل لسانك أيها الأ**ق فأنا لن أربت على كتفك مشجعة أن وجدتك تقف أمام متجري مرة أخرى علقتك على بابه و جعلتك عبرة لمن أعتبر و سأجعلهم يدفعون لي ليرون جسدك المدلى يتأرجح كلما دفعتك لأمر هل هذا مفهوم يا ذا العقل الغليظ و الآن أنصرف من هنا قبل أن أفعل ما لا يسرك و لن يهمني من أنت أو لمن تقرب فقد فاض بي الكيل منك “
خرجت من النافذة لتقف باستقامة و هى تضرب على السيارة بحدة ليتحرك بها منصرفا ً ، ظل فجر واقفاً بعض الوقت بالسيارة و هو على حالته من الذهول لينفض رأسه بعدها مصدوما .. هل ضربته على وجهه حقاً ..هل ألقت عليه القمامة حقاً ..أدار سيارته ليتحرك بها مبتعدا و هو يتوعدها داخله ..” أقسم لن تفلتي بفعلتك هذه عتاب و ستعلمين من هو فجر رضوان “ تحرك بالسيارة منطلقا ليثير عواصف الغبار خلفه..
نظرت عتاب إلى السيارة التي أثارت الغبار خلفها من سرعتها الغاضبة لتهتف ساخرة ..” أ**ق “ عادت إلى المتجر لتستعد لتستقبل بضاعتها الجديدة منحيه ذلك المجنون عن عقلها ليستقر في جزء صغير منه رافضا التخلي عن احتلال و لو جزء بسيط من تفكيرها ...