الفصل الخامس

2116 Words
كان هاشم مستلقي على سرير العناية المركزة داخل إحدى المستشفيات الخاصة وكانت حالته خطيرة للغاية وأصبح روحه معلقة بين الحياة والموت ظلت زوجته تجلس بجواره بعدما خرج من غرفة العمليات وأخذت تدعو له فهو من المفترض أنه سيخوض عملية أخرى بعد ساعتين. أفاق هاشم وفتح عينيه بوهن ثم نظر إلى زوجته وهمس بخفوت: -"أنا عايز أشوف فارس بأي شكل من الأشكال يا نشوى، اتصلي بيه وخليه ينزل مصر ويجي على هنا". أمسكت نشوى بيده وملست عليها برفق وهي تقول: -"أنا اتصلت عليه وهو حجز على الطيارة اللي جاية من أمستردام على القاهرة وهيوصل مصر بالليل". أغمض هاشم جفنيه وأخذ يدعو ربه أن يصل ابن ش*يقه الذي يدعى "فارس" قبل أن يموت ليخبره عن شهد فهو يشعر بداخله أنه لم يتبق له سوى وقت قليل قبل أن تخرج روحه من جسده. لم يكن يشغل باله غير أمر شهد وظل يدعو الله أن يمد في عمره حتى يقابل ابن أخيه فهو لا يثق في أي شخص من أفراد العائلة باستثناء فارس وهو على دراية أنه سوف ينفذ وصيته ولن يخذله مهما حصل. غربت الشمس من سماء مدينة القاهرة وبعد مغيبها وصلت إلى مطار العا**ة المصرية الطائرة القادمة من مدينة أمستردام الهولندية وهبط منها فارس العزيزي بطلته المهيبة فهو شاب ثلاثيني يمتاز بالهدوء والجدية وبعصبيته الشديدة بسبب خطبته الفاشلة من ابنة صديق والده "تمارا الكيلاني". هبط فارس من الطائرة وأنهى جميع المعاملات اللازمة ثم اتصل بمدير أعماله وسأله بعصبية: -"أنت فين دلوقتي يا رشدي؟ أنا مش فاهم أنت هتفضل مستهتر بالمواعيد الخاصة بيا لحد إمتى؟!" هتف رشدي بتهذيب وكأنه لم يتعرض للتوبيخ من رئيسة قبل لحظات قليلة: -"أنا مستنيك يا فندم عند باب المطار ومعايا العربية اللي هتوصلك البيت وبعد كده هتاخدك وتود*ك المستشفى عند الدكتور هاشم عشان تقدر تطمن عليه". خرج فارس من المطار واستقبله مدير أعماله وأخذ منه الحقائب ووضعها داخل الصندوق الخلفي للسيارة. استدار له فارس وقال: -"خلي السواق يطلع بينا على المستشفى لأن صوت طنط نشوى وهي بتكلمني مش مريحني وخلاني أحس أن حالة عمي خطيرة ومش مستقرة". امتثل رشدي لأمر فارس وجعل السائق يتوجه بهما بسرعة نحو المستشفى التي يوجد بها هاشم الذي تزداد حالته سوءا مع مرور الوقت. -"قولي الحقيقة يا رشدي ومتكدبش عليا، عمي أخباره إيه؟" ن** رشدي رأسه وهو يخبره بنبرة آسفة: -"بصراحة حالة الدكتور هاشم حرجة أوي والمفروض أنه هيعمل عملية تانية كمان أربع ساعات". تن*د فارس بعمق وأخذ يتذكر عندما ودع عمه قبل ذهابه إلى هولندا الأسبوع الماضي لكي يوقع بعض ال*قود فهو قد شعر حينها من نظرات عمه أنه يريد أن يخبره بشيء ولكنه يتردد في فعل ذلك. كان ارتباط فارس بعمه هاشم ارتباط كبير فقد توفي والد فارس قبل أن يبلغ العشرين من عمره وقد كون صداقة مع مجموعة من الشباب معروفين بأخلاقهم السيئة وكان من الممكن أن يتسببوا في ضياعه لولا تدخل هاشم ووقوفه بجانبه في تلك الفترة العصيبة التي كان يمر بها بعد وفاة والده. لقد اعتبره هاشم ابنه وأخيه في الوقت نفسه وليس مجرد ابن أخ له وقد تعلق به فارس وكان يعتبره معلمه الأول وقدوته في الحياة. لن ينسى فارس أبدا وقوف عمه بجانبه ودعمه له في كل المواقف ولهذا السبب ظل يسأل عن هاشم في كل دقيقة حتى وصل إلى المستشفى ودخل الغرفة التي ينام بها عمه. تنفس هاشم الصعداء عندما وجد أمامه ابن أخيه الذي توجه نحوه وهو ينظر له بحزن وقلق ثم سار ناحية زوجة عمه وقال: -"إيه اللي حصل يا طنط نشوى؟" تن*دت نشوى وأخبرته بكل شيء عن الحادث الذي تعرض له هاشم عندما قرر الذهاب إلى المؤتمر في شرم الشيخ. نظر هاشم إلى فارس نظرة معينة فهم فارس القصد منها على الفور وطلب من زوجة عمه أن تتركه بعض الوقت مع عمه وتذهب لكي تسأل الطبيب عن موعد بدء العملية وعندما انفرد به قام بإمساك يديه وطلب منه ألا يتعب نفسه بالحديث لأنه هذا خطر عليه. أشار له هاشم وطلب منه أن يلتزم ال**ت وقال له: -"أنا عايز أتكلم معاك في موضوع مهم جدا قبل ما أي حد يجي يدخل الأوضة، أنا كنت خايف جدا أني أموت قبل ما أنت ترجع من هولندا". حاول فارس أن يمنع عمه من استكمال الحديث بعدما رأى المشقة التي يبذلها من أجل إخراج كلمة واحدة من فمه: -"أرجوك يا عمي، ارتاح دلوقتي ومتجهدش نفسك لأن ده له تأثير سلبي على صحتك". لم يؤثر حديث فارس على هاشم الذي أشار له للمرة الثانية أن ي**ت ويتركه يخرج كل ما في جعبته. أخذ هاشم يخبر فارس كل شيء عن شهد منذ عرفها وتزوجها وحتى حملها منه وحاول فارس مقاطعته أكثر من مرة ولكن هاشم لم يسمح له وطلب منه أن يذهب بسرعه إليها فى شقتهما. نظر له فارس بصدمة فهو لم يتوقع أبدا أن يكون متزوجا دون علم أي فرد من أفراد العائلة من فتاة مراهقة تصغره بعشرين عاما. تمنى فارس في هذه اللحظة أن يرى شهد أمامه حتى يدق عنقها ويريح العالم من شر سحرها الأ**د الذي جعل عمه يتخلى عن مبدأ إخلاصه لزوجته ويلقي بقلبه تحت قدم فتاة عشرينية فقيرة تمتلك من الدهاء والمكر ما يكفيها لكي تحتل قلوب الرجال الأغنياء. أعطى هاشم عنوان الشقة لابن أخيه وطلب منه أن يذهب إلى هناك ويحضر شهد لكي يراها قبل أن يدخل إلى غرفة العمليات فهو يخشى أن يموت دون أن يرى وجهها للمرة الأخيرة. ن** فارس رأسه بغير رضا وقال: -"حاضر يا عمي، أنا هنفذ طلبك وهروح دلوقتي الشقة وهجيب شهد لحد هنا عشان تقدر تشوفها قبل ما تدخل أوضة العمليات". نفذ فارس ما طلبه عمه وخرج من الغرفة ثم قام بالنداء على زوجة عمه وقال: -"أنا هروح أعمل مشوار مهم جدا ومش هتأخر، تقدري تقولي أن الموضوع مش هياخد مني ساعة زمن". نظرت له نشوى قائلة بتنهيدة: -"ماشي يا فارس، بس ياريت متتأخرش". -"صدقيني مش هتأخر، أنا أصلا مش عايز أسيب عمي لحظة واحدة بس المشوار ده مهم جدا ومش هينفع يتأجل تحت أي ظرف". قالها فارس بضيق فأومأت نشوى بتفهم وتركته ينصرف حتى يقوم بإنجاز هذا الأمر المهم ويعود بسرعة إلى المستشفى. خرج فارس من المستشفى وهو في أشد حالات الحيرة والدهشة بسبب ما أخبره به عمه وتساءل من تكون تلك الفتاة التي تستحق وبجدارة أن تسمى بالحية الرقطاء فقد أوقعت هذه الفتاة المسماة بشهد عمه وجعلته فريسة بكل سهولة ويسر على الرغم من أنه معروف عن عمه اتزانه وتعقله. لم يكن هاشم أبدا رجل مندفع وراء نزواته فكيف له أن يصبح صيدا سهلا أمام شهد المراهقة التي تصغره بعشرين عاما. على الرغم من تردد فارس في الذهاب إلى الشقة إلا أنه نفذ في النهاية ما طلبه عمه وذهب إلى العنوان الذي أعطاه له ودق جرس الباب. شعرت شهد بالفزع عندما سمعت جرس الباب وقد كانت حينها في أشد حالات الإعياء وكانت دموعها تنهمر بغزارة فمسحت دموعها وتوجهت نحو الباب لكي تفتحه وهي تأمل أن يكون هاشم هو من يدق الجرس وأن الخبر الذي سمعته يكون كاذبا وغير حقيقيا. فتحت شهد الباب وقد كانت محملة بكثير من الآمال ولكنها صدمت عندما رأت شخص أخر ينظر إليها بدهشة ثم بعد ذلك تحولت نظراته إلى الغضب الشديد. دخل فارس إلى الشقة وسط دهشتها وذهولها من نظراته الم**وة بالغيظ الشديد وكأنها قتلت له قتيل ورقصت فوق جثمانه!! نظر لها فارس باشمئزاز وخاطبها قائلا باستعلاء: -"أنتِ بقى المحروسة اللي اسمها شهد؟" أومأت شهد بالإيجاب وهي تنظر إليه بتساؤل وقلق وخرج صوتها ضعيفا وهي تسأله عن هويته: -"أنت مين بالظبط وجاي هنا ليه وعايز إيه؟!" احتفظ فارس بنظرات الكره والنفور التي يرمقها بها وهو يجيب: -"أنا أبقى فارس العزيزي ابن أخو هاشم العزيزي اللي أنتِ ضحكت عليه وخليتيه يتجوزك عرفي عشان يصرف عليكِ وعلى أهلك اللي معرفوش يربوكِ". اندفعت شهد وصرخت في وجهه بعصبية: -"أنت اتجننت ولا شكلك كده، أنا مسمحلكش أبدا أنك تكلمني بالطريقة دي حتى لو كنت ابن أخو هاشم زي ما بتقول". أشار له فارس إشارة صارمة أن ت**ت وتبتلع ل**نها قبل أن يهتف بنبرة حادة أجفلتها: -"اتفضلي ادخلي أوضتك والبسي هدوم مناسبة عشان هاخدك معايا المستشفى لأن عمي عايز يشوفك قبل ما يدخل العمليات". تعلق نظر شهد بفارس وهي تردف بقلق: -"يعني الخبر اللي نزل على الفيس صح وهاشم فعلا عمل حادثة بالعربية؟" تجاهل فارس القلق الذي كان واضحا في نبرتها وهتف باقتضاب: -"أيوة صحيح، ادخلي لو سمحتِ غيري هدومك لأن العملية مبقاش فاضل عليها وقت طويل ولازم نوصل المستشفى بسرعة". ركضت شهد نحو غرفتها بسرعة وبدلت ملابسها ثم حملت حقيبتها وسارت مع فارس تسبقه خارج الشقة. اندهش فارس من مقدار لهفتها على عمه ولكنه أرجع ذلك لخوفها على الجنين الذي تحمله في رحمها وعلى المبالغ المالية التى سوف تخسرها إذا أصاب عمه أي مكروه. وهكذا توجهت شهد إلى المستشفى مع فارس وهي لا تعلم ما يخبئه لها القدر ولم تكن تعلم أن حالة هاشم خطيرة إلى هذه الدرجة التي تجعله يتحدث بصعوبة شديدة. وصل فارس مع شهد إلى المستشفى وهو لا يعلم كيف سيدخل شهد إلى غرفة هاشم دون أن تلاحظ زوجة عمه التي تجلس بالقرب من الغرفة وجود شهد التي لا تعرف عنها أي شيء؟ أخذ فارس يدعو ربه أن تحدث معجزة تجعله يتخطى تلك ال*قبة وعندما وصل إلى الغرفة رأى أنه لا يوجد بها أحد سوى هاشم لم فقد ذهبت نشوى لكي تتابع التجهيزات التي يقوم بها الطبيب من أجل العملية. دخلت شهد إلى الغرفة لتجد هاشم في حالة سيئة ووجهه شاحب كشحوب الموتى. نطقت اسمه بصوت هامس ففتح هاشم عينيه على صوتها ومد يدة يبحث عن يدها فوضعت يديها فى يده وهي تبكي بشدة. نطق هاشم بصوت ضعيف قائلا: -"أنا كنت خايف أموت قبل ما أشوفك يا شهد". أخذ يسعل قبل أن يضيف: -"سامحيني ياشهد على كل اللي سببته ليك وأني مقدرتش أوفي بوعدي". لم يكن أيا منهما يكترث لوجود فارس الذي يشعر بالغيظ من شهد التي جعلت عمه لا يفكر في أي شخص غيرها حتى وهو يصارع الموت. ارتفع صوت بكاء شهد فتمزق قلب هاشم لبكائها وأخذ يملس على شعرها بأنامله وهو ينطق بوهن: -"متعيطيش ياشهد، عياطك بيقطع قلبي". نظر هاشم إلى ابن أخيه وهو يقول له: -"أنا بوصيك على شهد وعلى ابني، اوعى تتخلى عنهم يا فارس مهما حصل، شهد أمانة في رقبتك". تن*د فارس وقال: -"إن شاء الله ياعمي أنت هتقوم بالسلامة وهتاخد بالك منهم". تجاهل هاشم كلماته قائلا بوهن: -"اوعدني يا فارس، أنك هتنفذ وصيتي". أخفض فارس رأسه وهتف بطاعة: -"حاضر يا عمي، أوعدك أني هنفذ اللي أنت طلبته وهخلي بالي منهم". أراد فارس أن يطمئن هاشم ولهذا السبب أعطاه الوعد الذي يريد أن يسمعه ولكنه كان مستغربا من مقدار الحب الجنوني الذى يكنه عمه لهذه الفتاة. قاطعت شهد الحوار بينهما وهي تبكي وتقول: -"أنت لازم تخف وتقوم بالسلامة يا هاشم عشاني وعشان ابنك". وفي هذه اللحظة دخلت نشوى إلى الغرفة وعرفت شهد على الفور أنها زوجة هاشم وقد ارتبكت فهي لا تستطيع أن تخبرها عن هويتها فماذا ستقول لها ولكن فارس قام بإنقاذ الموقف عندما قام بتعريف شهد على أنها ابنة واحدة من قريبات والدته وأنها أتت لكي تطمئن على عمه عندما علمت بالحادث من وسائل الإعلام. تن*دت شهد بارتياح وشكرت فارس في نفسها لأنه أنقذها من هذا الموقف وقامت زوجه هاشم بإخباره أن الطبيب سيأتي الآن لأن موعد العملية قد حان. تأسفت شهد على ضياع هذه الدقائق الغالية لها مع زوجها وكانت نظرات هاشم معلقة لأخر لحظة بشهد وكأنه يودعها للأبد. وعندما دخل هاشم حجرة العمليات شعرت شهد أن روحها قد سلبت منها فأسندت رأسها على حائط في ردهة المستشفى وظلت تنتظر انتهاء العملية. كانت عقل شهد يعيد أمامها كلمات زوجة هاشم وهي تخبر فارس وسط بكائها أن هذه هي العملية الثانية وقد أخبرها الأطباء بمدى خطورتها وأخبرته أيضا أن هاشم أصبح في الفترة الأخيرة دائم الشرود ولا يركز في أي شيء وقد كان أثناء قيادته للسيارة مشغول البال وقد نبهته أكثر من مرة لكي ينتبه للطريق ولكنه تعرض للحادث وكانت معجزة من الله أنها نجت هي والأولاد ولايوجد بهم إصابات سوى بعض الكدمات التي أصابت الأطفال أما هي فتعرض ذراعها الأيسر لل**ر وهاشم هو أكثر شخص تضرر من الحادث. نظر فارس إلى شهد نظرات نارية وكأنه يحملها ذنب وقوع الحادث وكأنها هي سبب شروده وهو يقود السيارة لم تستطع شهد أن تنتظر بهذا الشكل فأخذت تدور حول نفسها ثم انعزلت في ركن بعيد وتركت لدموعها العنان. ذهب فارس إليها ووضع يديه على كتفها فانتفض جسدها برعشة قوية ولم تسمع منه أي كلمة تواسيها بل طلب منها أن تخفي مشاعرها حتى لا يلاحظ أي شخص أنه يوجد شيء يربط بينها وبين هاشم. لم تستطع أن تستوعب ما يطلبه منها ولكنها نظرت إليه بعيون مليئة بالدموع فنظر فارس إليها وكأنه يطلب منها أن توفر دموعها فهي لن تؤثر فيه وكأنها دموع تماسيح وليست إنسانة من لحم ودم ومن حقها أن تحزن على زوجها. أخذت تدعو الله أن ينجي هاشم ولا يتركها للمصير المجهول والمخيف الذي ينتظرها على يد ابن ش*يقه صاحب القلب الحجري. طالت فترة الانتظار فأخذ جسدها يرتعش من الخوف على هاشم وانتفض قلبها عندما خرج الطبيب وكم أصابها الذهول عندما علمت أن هاشم قد مات فهي لم تكن تصدق أنه سيتركها ولم تتخيل أن الموت سيأتي ويفرق بينهما. تأكدت مما سمعته عندما سمعت صراخ نشوى فعلمت أن ما سمعته حقيقة وليس خيال أو مجرد كابوس تعيش بداخله وسوف تستيقظ منه بعد لحظات. نظرت شهد بذهول وحيرة إلى كل من حولها فقد كانت الصدمة أكبر مما يمكنها أن تتحمله فماذا ستفعل الآن وماذا ستقول فهي ليس من حقها أن تصرخ لفراق زوجها أو تعلن حزنها عليه. كانت تشعر أنها فى عالم أخر ليس به سوى سواد قاتم يسيطر على كل شيء حولها ولم تشعر بنفسها وهي تتهاوى وتسقط مغشيا عليها. نهاية الفصل
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD