رياح شديدة وأمطار تَهبط بغزارة، إنه بِداية حلول شهر نوڤمبر، فهو دائمًا يهل علينا ببرودته الشديدة.
كان هناك تقف فتاة في منتصف ال*قد الثاني مـن عُمرها، تنظُر للأمطار ودموعِها تهبطُ معها وهي تتذكر أخر لقاءٍ لـها مع رفيق دربها الأول والأخير، قبل أن يذهب إلى الجيش، فكانت تلك آخر سفرية له.
-صغيرتي سوف تنتبهي لحالك جيدًا صحيح؟
-أجابت عليه والدموع تلمعُ في عَينيها: حسنًا مراد، ولكن أهتم بحالك جيدًا يا أخي، فأن قلبي يض*ب بشدة من خوفه عليك، مراد أنا..أنا خائفة من تلك السفرية، أرجوك لا تذهب مراد أرجوك.
-أنهت حديثها وهي تتشبث في ملابس أخيها، والدموع تغرق وجهها بالكامل، ضمها لص*ره لكي يبعث بداخلها الشعور بالأمان، حتى هدأت، أبعدها عن أحضانه قليلًا وقَبَلْ خديها وابتسم لها بحنان وقال لها في حنو: لا تخافي صغيرتي، تلك السفرية مثلها مثل كل السفريات الماضية لا تقلقي يا عزيزتي.
-ابتسمَت له من وسَط دموعِها وهي تعانقه بحب شديد والخوف ما زال يسيطر عليها، ودع الشققين بعضهم وسافر مراد، وها قد مرَّ ثلاثة أيام وهي خائفة، مرتعبة بمعنى أصح، قلبها يكاد يتمزق مـن شدة خوفها وقلقها، فَ شعورها أن شيء سيئ سوف يمس أخيها يراودها مُنذ رحيله.. لكن توقفت الدُنيا عِندَ سَمَعِها لتلك النشرة الأخبارية؛ فكانت تعلن عن وفاة أثنى عشرة جندي من الجيش المصري! نتيجة تفجير أرهابي بالقرب من المعسكر الذين كانوا يقيمون بهِ.
-الدنيا توقفت بها عندما ظهرت صورة لأخيها على شاشة التلفاز، فَهي غير قادرة على الأستيعاب، ما معنى تلك النشرة الغ*ية؟ هل تقصد أن سَندها في الحياة رحل عنها؟ رحل مثل الذين رحلوا وتركوها؟ لقد رحلَ والديها وهي في سن الخامسة عشر، وكان أخيها هو الذي يقوم بالإعتناء بها، وها هو في سن الخامسة والعشرين يرحل هو الأخر؟!! يرحل ويتركها وحيدة في تلك الدنيا القاسية؟
-كم تمنت أن يكون ذلك اليوم بأكمله سراب، حُلم بمعنى أصح، حلم وبمجرد أن تستيقظ كل شيء ينتهي.
-ولكن أفكارها هي التي كانت حُلم، هي التي كانت تتمنى ذلك، مجرد أمنية! ولكن في الواقع، فهو رحل عنها حقًا.
-أصبحت منذ رحيله وهي ضائعة، حزينة، مثل الزهرة الجميلة التي أنطفت ودَبلت.
فاقت من شرودها على صَوت غِناء جَميل يأتي مـن الشُرفة، ذهبت لكي ترى مـَن صاحب ذلك الصَوت، وكانت المفاجأة أن صاحب ذلك الصوت هو جارها وحُب طفولتها أيضًا؛ إنه "عا**" جارهم من الصغر وصديق طفولتها؛ ولكن متى أتى لمصر؟ فهو كان خارج البلد بأكملها مُنذ سنين طويلة لم تعلم حتى عددها، فاقت من شرودها على صوت تعرفهُ جيدًا صوت كانت تشتاقُ له بشدة.
-أحلام؟ أحلام كيف حالك؟ ألم تتذكريني؟ أنا عا** جارك وصديق طفولتك، أبن الخالة سعاد.
-ابتسمت له بأتساع، فهو مزال يتذكرها! قالت بحماس.
-- لٱ، أتذكرك جيدًا بالتأكيد، كيف حالك؟ ومتى أتيت هُنا؟
-- أنني اشتقتُ كثيرًا إلى بلدي وأهلها.
-واصل حديثه بحماس وأندفاع شديد: أنتظري، أنتظري، سوف آتي لكي أرى مراد، حقًا أشتقت له كثيرًا، أنتظريني.
-وبمجرد سماعها لأخر كلماته أختفت الأبتسامة التي كانت تُزين وجهها مُنذ ثواني، أختفت وحَلتْ مكانها دموع أن**ار وأشتياق..
-ولكن لم يرى عا** تلك الدموع لأنه كان فَرّ إلى الداخل لكي يجهز ويأتي يقابل مراد!.
- مرحبًا أحلام؟ كيف حالك؟ وأين مراد؟
ابتسمت له بشحوب وهي تُشير له للداخل: تفضل عا**.
دقائق مَرت عليهم وال**ت هو الذي يسيطر على المكان.
-مازلت تحب تناول القهوة سادة؟
قطعت أحلام ذلك ال**ت المُخيف بسؤالها لعا**.
-بالطبع، فأنتِ تعلمين إنني لا أتناول سوى القهوة السادة، ولكن لا أريد الأن، أين مراد!! اشتقتُ له كثيرًا وأشتقتُ لحَدِيثنا سويًا ولمزاحنا معًا.
-كَفى يا عا**، كَفى، ماات لقد مات مراد يا عا**.
خرجت تلك الكلمات بين شفتيها بأندفاع شديد، والعصبية ورجفة جسدها هي التي كانت تسيطر عليها، والدموع لا تتوقف عن الهبوط من مقلتيها.
أما هو فَوقع عليه الخبر مثل الصاعقة، لا يدرى ماذا يقول، أو ماذا يفعل في ذلك الموقف، لملم شتات ثباته وقال لها بأرتباك وصدمة تسيطر على تعابير وجهه: أنا آسف، حقًا كنت لا أدرى شئ عن خبر وفاته، ولكن كيف حدث ذلك؟ ومتى؟
أجابت عليه وهي تمسح دموعها التي هبطت على خَديها مثل الأمطار.
-مُنذُ سنه تقريبًا، في حادث أرهابي دنيئ
قال لها بأسى وحزن: البقاء لله، وماذا تفعلين الأن هل تعملين؟
قالت بشحوب: لا، أنني أعيش على معاش أخي.
أعتدل في جلسته وقال لها بجدية شديدة: ولماذا لا تعملين؟ أليس مَعاكِ شهادة جامعية؟
أجابت عليه بشحوب وعدم أهتمام: نعم؛ حصلت على بكالوريوس تجارة إنجليزية العام الماضي، لكنني غير مؤهلة للعمل، لستُ في حالة نفسية جيدة تسمح للعمل.
هَب واقفًا في حماس وهو يقول لها: لا، كفى **ل، سوف أبحث لكِ على عمل مناسب خلال الفترة القادمة، أتفقنا؟
ابتسمت له بحُب وأمتنان، فَهي حقًا كانت تشتاق وتحتاج لحديثها معهُ، قَضَت وقت لطيف معهُ حتى تركها وغادر إلى منزله، وأصبح كل فترة يأتي إليها لكي يراها ويطمئن عليها بمصاحبة أختهُ الصغيرة، فَ بالطبع لا يصح أن شاب أعزب يأتي لمنزل فتاة تعيش بمفردها كل حين وأخر؛ لذلك كان يأخذ أختهُ معه.
ولكن في يوم كانا يجل**ن معًا ويتحدثون في أمور مختلفة، وبدون سابق إنذار كان عا** يطلب أحلام للزواج.
-أحلام أتقبلين أن تتزوجيني؟
وقع عليها الخبر بمثابة قنبلة أنفجرت في وجهها، فَهي حقًا تحبهُ جدًا، ولكن الحال الأن يختلف، كل ما جاء في خاطرها أن يكون طلبهُ هذا مجرد شفقة عليها لا أكثر! وعند تلك الفكرة غَلت الدماء في عروقها، فهي ليست حالة للشفقة من أحد، لا وألف لا.
هَبت واقفة، وبعصبية وأنفعال شديد قالت له.
-لا، طلبك مرفوض.
نهض عا**، ونظر لها بدهشة شديدة من رد فعلها هذا وقال: لماذا؟!
قالت والدموع تلمع في عينيها: ولماذا تريد أن تتزوجني الأن؟ لأنك تشفق عَليّ أليس كذلك؟ عُذرًا يا عا** فَ أنا لا أحتاج شفقة من أحد، شكرًا لَك على موقفك النبيل هذا.
جلس مرة أخرى وجلست هي أيضًا أمامه، وقال لها بتعجب: شفقة!! كيف تقولي هذا؟! أنني اُحبك مُنذ الطفولة يا أحلام، وانتِ تعلمين هذا جيدًا فَ مُنذ الصغر وأنا لا أرى فتاة سواكِ، آلا تتذكرين عندما كنت أقول لكِ أنني سوف أكون زوجاً لكِ؟
أجابت عليه بدموع: أتذكر، أتذكر جيدًا، لكن لماذا تركتني وسَافرت كل هذه المُدة؟
قال بأسف: لكي أحصل على مالٍ كافي لكي أتزوجك، واستطيع أن أُحضر منزل يُليقُ بكِ، فَ أنا الأن على أتم أستعداد وتأهيل للزواج .
ثم قال بابتسامة أذابت قلب تِلكَ المِسكينة: هل تقبلين الزواج مني يا أميرتي؟
أجابت عليه بضحكة والخجل يتسلل لوجنتيها: نعم أقبل.
وعيناهُ كالخمر كلما نَظرت إليهما، ذهب عقلها، وها هو الآن أصبح أسير لقلبها..
رأيكم♥