الفصل الاول
الفصل الاول
العتمة خلف نافذتها تغزو كبد السماء وتبدو قاتمة، تنذر بمطر وشيك سينهمر، ودوي الرعد بدأ يعلن عن نفسه يصاحبه ل**ن البرق الضاوي، فترى "بدور" الجو كئيب يشبه دواخلها وهي منكمشة فوق أريكتها تطالع الأفق بشخوص وعقلها يُحصي الأيام التي تركها زوجها تمكثها بمنزل شقيقها أو بالأحرى منزل أبويها الذي قطن فيها وتزوج وانجب أطفاله فأصبح يمتلكه ضمنيا. تعرجت صفحة ذاكرتها وهي تتذكر أخر صدام بينهما جعلها تتركه، صوت صباحها الغاضب المقهور يمتزج بضحكاته الساخرة حينها.
"_دي مابقيتش عيشة دي ياعزت خلاص تعبت ومش حاسة اني بني آدمة وسطيكم، امك تعبتني في عشتي ياريتها بتتقى الله فيا، ولا بتعاملني زي اختك قمر اللي مش قابلة عليها تعمل عند حماتها، اللي بتطلبه هي نفسها منى هنا.
أجابها دون اكتراث: وبعدين موال كل يوم ده، مش هنخلص
هدرت عليه وقد نفذت طاقتها: لا مش هنخلص غير لما تنفذ طلبي و نشوف لي شقه في مكان ثاني بعيد عن والدتك وتوفي وعدك اللي قلت لما اتجوزتني وتبقى أد كلمتك مره واحده في حياتك يا عزت
حدجها باستخفاف ثم تبدلت نظرته وهو يطوف علي قدها بنظرة ذات شهوة تعرفها بدور جيدا وبالفعل اقترب فحذرته: انسى مش هخليك تقرب مني بعد كده انا خلاص زهقت انا مش عبدة عندك ولا جارية بمزاجك
عزت ببرود وهو يحل أذرار قميصه: انا جوزك وده حقي
_ وهو انت ما تعرفش غير حقك بس، فين حقي وراحتي؟ من يوم ما اتجوزت ماليش حقوق عندك بس دلوقت مش هتنازل عنها .
_ يعني هتعملي ايه؟
_ هسيبك البيت.
_ قهقهته الساخرة افقدتها عقلها لتصرخ: ماتضحكش انا مش بهزر يا عزت، وهمشي حالا عشان تصدق إني مش بهزر.
_ هتروحي لاخوكي الخيخة؟ ومراته اللي بتشغلك خدامة عندها؟ طب علي الاقل انتي هنا بتخدمي في بيت جوزك وامي أحق بخدمتك من رباب مرات اخوكي
اشعلتها معايرته وذمه في شقيقها فصاحت بصراخ: من انهاردة مش هخدم حد أي حد مش هسمح اتظلم تاني، ولا انت ولا امك ولا رباب ولا أي مخلوق في الدنيا
ضحك في ثانيا ثم دني ليهدئها ليس رغبة في إرضائها بل لإرضاء نفسه ونيله لها فكلما ثارت راقت عينه، رفضته، فلم يستسلم وقاومته، فتغلب عليها بقوة جسده، لتنتهي الليلة وهي بشكل مهين لها، لتزداد قهرا وألما وعزم ان تتخلص من تلك الحياة وبأول فرصة بعد سقوطه بالنوم، غادرت المنزل لتضع حد لحياتها مع عزت، أو بالأحرى تنقذ ما تبقى منها فإن ظلت بعد ما حدث لن تكون تلك الجدران سوى قبرا، قبر سيبتلعها كل يوم، كل ساعة وكل سترحل لآن!"
عادت لواقعها بعد ان تخلصت من أطياف ذكراياتها وزفرت بحزن تنعي حالها وثلاثة أشهر لم يفكر زوجها " عزت" أن يطل عليها أو يحاول إرضائها وكأنها عديمة القيمة وأقل من أن يتعطف ويراضيها، منصتًا لوالدته التي اقسمت لن تعود إلا بمفردي كما غادرت وكأنها تتدلل حين هربت من بين جدرانهم التي لاقت بينها كل ألون الظلم والمهانة ألا يكفي حرمانها من منزل خاص بعد أن احتال وأخبرها ان معيشتهما لدى والدته مؤقتة ولقلة خبرتها وافقت ولم يعترض أخيها وكم تلومه على تفريطه بهذا الحق نيابة عنها فقط ليتمكن من شقة أبويها ويتزوج زوجها عزت مصدقا كل وعوده بسذاجة وهاهي ثلاثة أعوام مضت وأضحت مجرد ضيفة في منزل عائلته لا تمتلك سوى غرفه وكل أعباء المنزل ومن يقطنه تقع على عاتقها تشعر انها غدت عجوز استنفذت كل قوتها على خدمة الجميع والدته وشقيقه وشقيقته المدللة أما هو فقصة أخري مهما بثته استيائها وإحساسها بالظلم ورغبتها في منزل خاص لا يسمع أو يهتم فلم يكن أمامها سوى الصبر لكن أن يصل الأمر لإهانتها گ خادمة أمام صديقات المدللة شقيقته لانسكاب أكوب العصير رغما عنها على إحداهم! هنا فاض بها الكيل صفعتها صفعة أدمت وجنتها ولم تبالي بنباح الحماه وتوعدها وهى تغلق باب غرفتها بقسوة تنبيء بتحدى متوارية عن الجميع ظنًا أن لها رجلًا يحميها ولن يرضيه إهانتها گ خادمة لديهم!
وكم كانت مخطئة حين عاد وعلم ما فعلتلوا، لم يهتم لإهانتها أو يحاول إنصافها، بل فارت دمائه لأجل صفعة الشقيقة ووالدته التي بثت سمومها في أذنه قبل أن يصل لعتبة غرفتها ويسمعها وأخذت من تعديه عليها ض*با ما قضى على ماتبقى من قوة جسدها الذي امتلأت كدماته الزرقاء! ورغم كل ماحدث و**رة روحها وتنمره عليها صبرت وتغاضت عما حدث واكتفت باعتزاله كزوج، لكن لم يكن خنوعها لتجبرهم عليها كافيا، افتعلت شقيقته المدللة ضياع خاتمها واتهمتها لسرقته، هنا لم يعد داخلها صبرا يكفى لهذا الحد!
وبعتمة ليل تشبه تلك الليلة غادرت وهى تجر قدميها جرًا هاربة من جحيمهم لبيت شقيقها الذي اكتفى بتوبيخه بالهاتف، كم تمنيت وجود والديها أحياء هما فقط من كانا سيبددان ظلمة روحها ويبثوها الأمان الذي تفتقده!
تقلب على صوت أناتها فرمشت عيناه بصعوبة وهمهم: في أيه يا رباب مالك!
_ ضهري واجعني ورجلي تعباني كل حتة فيا تعبانة!
استفاق قليلا وغمغم: معلش هانت وتولدي!
هي الساعة كام؟
هتفت: ستة وربع!
_ يدوب بقي عشان انزل، قومي حضري فطار!
هتفت بحنق: هو البعيد معندوش دم؟ مش شايفني تعبانة ومانمتش؟
_ خلاص ياساتر على ل**نك ع الصبح!
فقالت بسخرية: قوم يا اخويا هتلاقي اختك صاحية وهتحضرلك الفطار!
ثم واصلت بهمهمة ساخطة: معرفش هتفضل مشرفانة لحد امتى! المفروض تشوفلك حل وترجعها!
أعتدل بجلسته بعد أن استعاد كامل وعيه علي قولها:
_ يعني اقولها امشي وسيبي البيت وهي جوزها مغضبها؟ مش كفاية مصيبتها وسقوطها في العيل اللي كان في بطنها وهي غشيمة مش عارفة انها حامل!
استغلت الفرصة لتزرع بعقله الوساوس:
أد*ك حطيت إيدك على "أس" الموضوع، بصراحة كده أنا خايفة تكون بتحقد عليا عشان حملي، أكيد في عقلها بتقول اشمعنى انا ابني راح، وبتتمنى في ضميرها سقوطي زيها!
_ ياشيخة اتقي الله دي اختي وتفرحلي وبتحب عيالي ومقالتش ولا كلمة تثبت سوء ظنك ده، وبكره ربنا يعوضها بتؤام بدال اللي راح!
همهمت ساخرة: إزاي ياعيني؟ بالمراسلة؟! ماهي سايبة بيتها وراجلها، هيعوضها ازاي بقى؟
_ وهي سابته بمزاجها؟ مش من المرار الطافح!
_ خليك كده يا جلال مقويها ومخليها تتفرعن وهو يا اخويا كل واحدة جوزها يض*بها قلمين ولا يتعصب عليها بكلمتين يجيلها انهيار عصبي وتسقط؟ وكمان تسيب بيتها؟
_ بلاش افترى يا رباب انتي عارفة ان المخفي جوزها إيده مرزبة، وأهله مكفرينها في شغل البيت وهي مستحملة وساكتة عشان تعيش بس هو زودها في أخر مرة لما اتهموها في سرقة خاتم اخته والمحروس مدافعش عنها عايزاها تعمل إيه أي واحدة عندها كرامة هتسيبه وتمشي!
_ ماشي يا ابو كرامة تسيب البيت يومين ولا اسبوع ولا حتى اسبوعين، لكن 3 شهور غضبانة وقاعدة مقسمانة اللقمة والنومة؟ يا راجل ما انت عارف البير وغطاه والبيت يدوب سايعنا بالعيال!
_ جرى إيه يا رباب انتي عايزاني اطرد أختي؟ ماهو البأف جوزها لو راجل كان بعتلها مصاريف ايدها ولا حتى جه سأل وصالحها بكلمتين، بس ده مصدق وواصل وحنقه يتصاعد: وبعدين هو انتي رحماها يامفترية ده شغل البيت كله عليها وانتي عاملة برنسيسة وانا ساكت وبقول حريم مع بعض ومش بتدخل!
ثارت بحنق مماثل: يوه لهو انت عايزني كمان اخدمها يا سي جلال؟ فيها إيه أما تساعدني في البيت والله مش عاجبها العيشة ترجع بيتها محدش ماسك فيها!
نهض بضجر وهو يغمغم بكلمات ناقمة مغادرا: لا انا هقوم انزل شغلي بدال ما نتخانق ع الصبح عيشة تقصر العمر!
وهتقومي تعمليلي لقمة اطفحها عشان امشي ولا لأ؟
_ ما قلنا اختك زمانها صحيت هتلاقيها حضرت الفطار، ثم اضجعت على جانبها مغمغمة: اطفي النور وانت خارج خليني اكمل نومي، احسن ابنك بيخبط في ضهري طول الليل معرفتش انام!
برطم هامسا: واد بيفهم، بيربيكي وهو لسه في بطنك!
م**صت شفتيها بتهكم بعد خروجه: هتجيبلي شلل انت اختك! جاتكوا الهم!
وجدها ترص أطباق الأفطار وتصب الماء في كوب زجاجي، ولم تنتبه له فحمحم قائلا: صباح الخير يا بدور
ردت تحيته بوجهٍ ذابل: صباح الخير يا جلال، يلا حضرتلك الفطار انت ورباب والعيال!
اقترب وتمتم برفق: تسلم ايدك يا بدور ليه حضرتيه انا كنت هعمل لنفسي لقمة وانزل، والعيال رباب كانت أكيد هتقوم تفطرهم، وأساسا ليه بتصحي بدري كده ومش بتنامي غير تخاطيف!
غيم على وجهها الحزن فحاولت نفضه عنها:
عادي يا جلال، بلاقيني مش عارفة انام غصب عني، وبعدين رباب على وش ولادة وعارفة انها تعبانة وانا مش بحضره لحد غريب يعني، ده اخويا و ولاده!
ربت على كتفها: وأولادك انتي كمان ورب الكعبة بكرة ربنا يعوضك أحسن من اللي راح ولو عايزاني اروح للبني آدم جوزك ده اكلمه أنا
قاطعته بعزة: أوعى ياجلال تذلني لو مجاش من نفسه مش هرجع ده حتي سقوطي مخلهوش يحس ويجي يسأل، لازم يجي ويراضيني ويردلي كرامتي"
أزعن لقولها: اللي تشوفيه يا بدور، ثم تلفت حوله وجذبها لغرفتها تحت أنظارها المتعجبة، ووجدته يخرج من جيب بنطاله ورقتين من النقود ودسهما بكفها هاتفا: خدي ال 200ج دول مصروفك يمكن تحتاجي تجيبي حاجة، أصل قبضت امبارح!
وسامحيني لو مش قادر اد*كي اكتر من كده، انتي عارفة مصاريف العيال، دول اربعة غير اللي جاي، وبنت الفرطوس دي عاملة زي الأرنبة مش مبطلة!
ضحكت رغم رقرقة عيناها متأثرة بلفتته الحانية، فضمها مغمغما: بكره كله يتعدل، صحيح رباب متقلة عليكي و
قاطعته وهي تجفف وجنتها: ماتقولش كده رباب عشان ظروفها، وبعدين يا اخويا هقعد اعمل ايه اديني بتسلى في شغل البيت والمطبخ عشان مخي يبطل تفكير، ماتشغلش انت بالك ويلا عشان نفطر وانا هروح انادي العيال وانت صحي مراتك!
_ لا سيبيها دي مانامتش طول الليل لما تصحي تبقي تفطر هي!
_ ماشي طب روح اتشطف واتوضى وصلي الصبح وانا هصحي العيال على ماتيجي!
الشك جحيم يستعر بقلب صاحبه..يقتات على روحه دون رحمة..ينصب له شرك تلو الأخر..فلا يعرض عنه قبل أن يسقط سقطته الأخيرة..في غياهب ظنون لا تثمر سوى الهلاك.
يلملم أشيائه من فوق مكتبه الخاص بإحدى الشركات المعروفة حيث يعمل، وعيناه تتفقد ساعة يده بلهفة كي يعودة لمنزله، فمازالت مشاعره نحو عروسه مشتعلة، يشتاق لبثها فيوض عشقه الجارفة..خمسين يومًا فقط هما كل رصيدهما وهما زوجان، بعد صبر حصد وصالها بشرع الله تحت سقف بيته الذي ما انتظر سواها تتسيد عرشه.
_طبعا ياعم "يوسف"مستعجل ترجع للعروسة، لسه جديد ومادخلتش مرحلة النكد والطلبات وهم العيال ومشاكلهم.
رمقه بامتعاض: يا ساتر عليك، ابعد عينك عني الله يكرمك انا لسه بقول يا هادي، وبعدين ربنا ما يجيب هم.. ده يوم الهنا لما ربنا يرزقنا بالذرية الصالحة.
قهقه صديقه: يارب يا سيدي أنا أكره يعني، المهم متنساش الأسبوع الجاي هزورك مع المدام بتاعتي عشان تتعرف على العروسة، واستطرد بعفوية دون نية سيئة: وبصراحة انا عندي فضول اشوف اللي شقلبت كيانك كده ومابتصدق تخلص شغل وتطير عليها.
أحنقته أخر كلماته بشأن فضول صاحبه، فزوى بين حاجبيه قليلا ثم قال باقتضاب: إن شاء الله يا مؤمن.. سلام.
لم. ينتبه الأخير لحالته ال**بسة وشرع بلملمة أشيائه هو الأخر للرحيل خلفه، بينما وصل يوسف لباب شقته ودس مفتاحه بدائرة المزلاج والجا يبحث عنها لتتسمر عيناه على شيء أزعجه بشدة، ضلفتي النافذة الكبيرة مشرعة ويطل منها رجلا ينفث غليونه وعيناه ترشق بتفاصيل الردهة بوقاحة، هم بالذهاب إليه فأختفى الرجل خلف نافذته، مشط محيطه بحثا عنها لتستقر قدماه على أعتاب مطبخها ليهتف دون مقدمات:
_ أنتي ازاي فاتحة الشباك علي أخره كده يا "روان"؟ أفرضي حد من الجيران شافك بلبس البيت؟! أنا فعلا شوفت واحد في شباك قصادنا وكنت ههزئه لولا اختفى في بيته.
حدثها بوجه صارم قابلته هي بدلال وهي تقترب مطوقة عنقه بذراعيها ثم شبت قليلا لتطبع قبلتها الرقيقة فوق خده، قبلة هدأت غضبه لكن لم تخمد نيران غيرته المفرطة.
_ أنت جيت لقيتني فين يا حبيبي؟
تسائلت بهدوء كأنها تحدث طفلها ليغمغم بخشونة:
في المطبخ.
_ وتفتكر حد ممكن يشوفني في المطبخ اللي تقريبا معزول وبعيد عن مرمى الشبابيك اللي برة؟
**ت محتفظًا بملامحه الجامدة لتستأنف برقة: أنا قلت أهوي البيت بشوية الشمس بتوع النهار لحد ما تيجي، كنت لابسة إسدالي لما فتحت الشبابيك كلها والله، وبعدين غيرت إسدالي بقميص نوم مريح وجيت المطبخ أعمل الغدا لحد ما توصل، ومن وقتها مخرجتش منه لحد ما انت جيت دلوقت..ثم لثمت ذقنه بنعومة: يعني حبيبي مالوش حق يتعصب ويزعل.
_ ولا حتى أغير؟!
همسها بصوت عاد له مذاقه الهائم المتيم متخليا عن غضبه بعد علمه أنها لم تبرح مطبخها مستورة بين جدرانه، لتص*ر منها ضحكة مشا**ة التهم بقيتها بقبلة ثم حملها بين ذراعيه متمتما بين شفتيها: شكلنا هنأجل الغدا شوية.