الفصل الخامس
أعد حقيبة صغيرة تحوي ملابسه الجديدة التي ابتاعها لرحلة المصيف مع رفاقه، واطمئن انه وضع كل أغراصه الهامة، ثم تدكر شيء جعله يهاتف صديقه بمكالمة سريعة.
_ أزيك ياعمدة جهزت ولا لسه؟
_ جاهز وكله تمام ومستني احمد صاحبنا يعدي بالعربية وياخدنا.
_ ممتاز وانا كمان جهزت شنطتي، بس عايز اعرف في هناك تورمس للشاي ولا اجيب بتاعنا.
تهكم بقوله: ياعم احنا رايحين شاليه في كل حاجة من الألف للياء، المطبخ هناك كامل، هات هدومك بس.
أومأ بعد ان أطمئن: ماشي ياعمدة بطمن بس ان كل حاجة متوفرة، سلام طيب ومنتظرك انت واحمد تعدوا عليا.
_ تمام يا باشا.
أقدمت عليه والدته هاتفة: أدهم خد حط دي في شنطتك.
تساڤل وهو يرمق ما في يديها: ايه ده يا ماما؟
_ دي صنية بشاميل ومعاها فراخ مشوية ليك انت وأصحابك.
التسن وقبل حبينها ممتنًا: ربنا يخليكي ليا يا ست الكل تعبتي نفسك والله يا أمي.
ربتت علي كتفه: تعبكم راحة ياحبيبي، بألف هنا علي قلوبكم.
"وسع وسع لأحلي كاب كيك من الشيف روان"
هكذا أقبلت عليهما روان بمرح مستطردة: اتفضل يا أستاذ أدهم عملت الكاب كيك ده مخصوص عشان سيادتك تاخده لأصحابك، عد الجمايل بقا.
شا**ها قائلا: يا ساتر يارب، انتي بتعايرينا قبل ما ندوقها حتى! ثم ضحك مستأنفا بجدية: لا بجد بيا تسلم ايدك يا روان ومتحرمش منك يا اجمل مرات أخ في الدنيا.
قابلت سناءه بالشكر: بالهنا علي قلوبكم يا أدهم.
ثم. لوحت بما في يديها الأخري قائلة: ودي علبة فشار بالكراميل كمان عشان تتسلوا في الطريق الطويل.
صاح مازحا: وربنا كتير عليا الدلع ده كله ياجدعان، يخليكوا ليا وللغلابة أصحابي يارب.
قهقهت هي ووالدتها لينضم إليهما يوسف بتحيته، بعد ان وصله مزاحهما وضحكهما العالي.
_ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أحاب الجميع تحيته بالمثل ليبادر أدهم: شوفت ماما ومراتك دلعوني علي الأخر يا يوسف، عملولي حاجات حلوة اوي.
اغتصب يوسف ابتسامة قبل ان يجذبه بعيدا ليمنحه بعض النقود مع قوله: خلي دول معاك يا أدهم.
خجل الأخير أن يأخذهم رافضا بتهذيب: لا والله يا يوسف انا معايا اطمن، وكله من خيرك انت وماما.
رمقه بصرامة: وبعدين معاك، مش قلت لما اجي اد*ك حاجة بعد كده ماترفضش، انت رايح رحلة وماتضمنش الظروف.
ابتسم له شقيقه وعانقه هاتفا: ربنا مايحرمني منك يا يوسف وتكون دايما سندي في الدنيا.
رمقه بحنان: اللهم امين، خدواربالكم من الطريق، وبلاش السواقة المتهورة، ولما توصل تتصل تطمني عليك.
_ عيوتي يا باشا، ونظر لهاتفه قائلا: عماد جه تحت، هنزله بقا احسن لو اتأخرت مش هخلص من ل**نه.
رحل بعد توصيات والدته الكثيرة ودعواتها بأن يسلم طريقهما من كل شر، أما روان فلم يغب عنها ما فعله زوجها مع أخيه، كم تعشق هذا الرجل وتحترم أهتمامه ورعايته لأهله، يشعر الله أن محبتها الطاغية به هي من تجعلها تهتم هي الأخرى بوالدته وأخيه أدهم، وهذا أقل ما تفعله لأجله.
"بحبك يا يوسف"
استدار إليها متعجبا من أعترافها المفاجيء، ليضم خصرها إليه ويقبل وجتتها هامسا: وانا بموت فيكي يا ياعصفورتي، بس ايه مناسبة الكلمة دي؟
طوقته بدلال: هو مش لازم يكون في مناسبة عشان أحب جوزي حبيبي في كل وقت، بس لو عايز احددلك سبب معين، انك كبرت في نظري وانت بتراضي اخوك بفلوس قبل سفره، حنيتك دي هي اكتر حاجة بتدوبني فيك وبعشقها.
أنحني يلثم شفتيها مع همسه: بتحبي فيا ايه كمان يا روني؟
_ بحبك كلك علي بعضك يا قلب روني، ونفسي لما يبقي عندي ولاد يحبوا بعض زيك انت وأدهم كده.
تن*د وهو يحدحها مليا ببعض الشخوص، هو بالفعل بحب أدهم، هو طفله وليس فقط أخيه، ويدعوا الله ئلا يخدث شيء يفرقهما وان بتخلص من هواجسه اللعينة هذه، وان تهدأ غيرته المفرطة علي زوجته.
قاطعت صوت أفكاره وهي تجذبه لمكان ما: تعالي بقا شوف عملتلك قعدة في البالون تحفة، هروح اجيلك الشاي والكيك عشان نسهر سوا هنا، بكرة الجمعة ومش محتاج تنام بدري.
قلل كفيها: لأ متقلقيش هسهر معاكي، وهشوف كمان فيلم قديم من اللي بتحبيهم نشوفه سوا.
شهقت بسعادة: بجد يا يوسف؟ حبيبي حبيبي.
قهقهة علي فرختها لأجل مشاركته لها شيء بسيط كهذا، فهو يعلم أنها تعشق هذه الأفلام القديمة. ورغم انه لا يفضلها وتصيبه بالملل، لكن لأجلها سيفعل.
مضى أسبوع كامل وعاد أدهم من رحلته هو ورفاقه محملا لالهدايا للجميع، وعلي شرف رجوعه، دعت والدته يوسف وزوجته لتناول العشاء معهم.
لاحظ يوسف تأنق روان بشكل ملفت ومبالغ على تجمع عائلي معتاد، فانتقد اهتمامها الزائد بقوله: مش شايفة ان الطقم ده فخم اوي علي نزولنا تحت عند ماما يا روان؟
هي بالفعل تشعر بمزاج جيد انع** حتى على ملابسها ولا تجد ضرر من الاهتمام بهيئتها مادامت محتشمة.
فقالت ببساطة: لا عادي ياحبيبي الطقم مش فخم اوي، وبصراحة نفسي ألبسه اوي انهادة، عندك مشكلة يعني؟ مع انه واسع اهو ومحترم خالص.
رمقها مليا وداهله لم يشأ تعكير مزاجها محاربا في نفسه هواجسه اللعينة التي تتشعب بخطورة يهابها بشدة، ثم توجه بها لشقة والدته.. ليقضوا سهرة لطيفة لم يزعجه بها سوى ضحكات أدهم وروان المتواصلة وهو يسرد مواقفه هو ورفاقه في الرحلة، لكن الحق يقال والدته كانت بينهما وتشاركهم كل شيء، المزاح الضحكات الأحاديث، أما هو فجاهد كي يأخذ الأمر ببساطة، زوجته الصغيرة الطيبة **بت محبة أهله ويعاملوها بأرياحية دون تعقيدات ، لما كل هذا القلق؟! المفترض ان يسغد بهذه العلاقة ولا ينفر منها.
قالت بإعجاب وهي تقف أما طاولة زينتها:
شوفت يا حبيبي أخوك جابلي ايه من المصيف؟ طلع عنده ذوق في الا**سوارات ابن الايه.
رمق بريق القرط التي تحاول ارتدائه ليجد نفسه دون وعي لنا يفعله ينزعه عنها بعنف هادرا: انتي هتقلعي الحلق الدهب بتاع شبكتك عشان تلبسي الق*ف ده؟
حملقت فيه بذهول وهي تنظر للقرط قبل ان تهتف: ق*ف؟ هدية اخوك ق*ف يا يوسف؟ انا كنت عايزه اشوفه عليا بس قدام المراية والله، وكنت هرجع البس حلقي الدهب تاني.
صاح بنفس الحدة الغير مبررة لها: ما تلبسيش حاجة غير اللي انا جايبهالك، مش لازم تلبسي هدية اخويا، حطيها في الدرج وخلاص.
هزت رأسها وهي تعيد قطع "الحُلي" لدرج طاولة زينتها ممتثلة لأمره وسحابة دموعها تبرق لعينيه فتزيده جنونا لكنه لن يلين تلك المرة ويراضيها، يجب انت تفهم الصراع الذي يكابده من ظنونه اللعينة ولا تتباسط هكذا مع أخيه،انتهت الليلة بنومه مص*را ظهره لها.
نظرت إليه بحزن غير مدركة لخبايا أفكاره ولا تدري ما الذي فعلته وأغضبه هكذا، ورغم حزنها منه شق عليها أن ينام غاضبا منها حتى لو لم تفهم سببا لغضبه، احتضنته من الخلف ووجهها يتمسح به گ القطة ليصل لسمعه أنات بكاء مكتوم جعله يضعف و يستدير ويغمس جسدها بقوة داخل جسده دون قول كلمة واحدة، فاكتفت بعناقه هذا واستسلمت للنوم علي ص*ره.
لملمت أغراضها بغضب وذهبت تستحير بوالدتها وشقيقها عزت، كيف لمثلها أن تكابد وتعيش مثل غيرها؟ هي قمر أبنة الناس وعزيزة الأصل، لا تقبل ان تُهان،ة أو يجور عليها أحد.
ما أن فتحت والدتها الباب لها حتي اندفعت ترتمي بص*رها باكية: ألحقيني ياما، أنا خلاص ما اقدرش اتحمل الحياة دي.
والدتها بفزع: ايه يا بت يا قمر مالك جرى ايه؟
_ رفعت ياما اتخانق معايا وبهدلني وشتمني.
دبت علي ص*رها: ياندامتي، بهدلك ازاي الهي ينشك في قلبه البعيد، ازاي ينكد عليكي اناي مالكيش اخ كبير يوقفه عند حده ولا ايه؟
قالت وهي تبكي: اهو اللي حصل يا إما، وانا خلاص سبت البيت عشان يرتاح.
تسائلت بعد ان جففت دموعها: اهدي بس يا ضنايا وفهميتي. ايه السبب عشان المحروس جوزك يتخانق معاكي؟
_ه. في حاحة بنتخانق عليها غير حكاية أمه وخدمتها، ذنبي ايه اشيل مسؤليتها ومسؤولية مواعيد علاجها وق*فها، مالي انا ما عندها عيالها.
قالت بحمية: اه طبعا مالكيش دعوة انتي، ولا اسم النبي حارسه واخدك خدامة ليها؟
_ شكله كده ياما.
_ لا ده احنا هنربيه ونعلمه الادب، استني بس اما اخوكي الكبير عزت يجي، وهخليه يشوفله حل معاه.
ثم ربتت عليها بحنان: روحي ارتاحي في اوضتك يا عين امك، وانا هخلي بدور تعملك لقمة بدال ما وشك دبلان كده.
استوقفتها ببعض التردد والحيرة: طب ياما في حاجة كده حصلت معايا و كنت عايزة اقولك عليها.
ثم دنت تحدثها بصوت خافت، لتزغرد والدتها بسعادة صائحة: يا ا ألف نهار ابيض، ألف مب**ك يا قمر انتي حامل يابت..اهو كده هتحطي شروطك علي جوزك وانتي حاطة رجل على رجل.
قمر: إزاي ياما؟
_ هفهمك بعدين، المهم جوزك عرف بحملك؟
_لسه، اتغاظت منه بعد اللي عمله، وماقولتش وجيت علي هنا
_ خير ما عملتي، سيبي امك بقا تخطط لك مظبوط، وأنا اوعدك اخلي رفعت جوزك ده خاتم في صباعك هو وامه كمان، عشان محدش يزعلك بعد كده.
"أختك حامل يا عزت، هتبقا خال"
هكذا صاحت بفرحة طاغية ليصيح بسعادة مماثلة: بجد البت قمر حامل وهبقا خال؟ طب هي فين؟
_ أه والله ربنا جبرها، هي نايمة في أوضتها، أصل الحمل كده بيجي أوله بالنوم.
_ لا خليها نايمة ومرتاحة علي الأخر.
ربتت علي متفه بحنان: عقبالك يا حبيبي، نفسي اشيل عيالك ياعزت، ثم تبدلت نبرتها لأخري أكثر علو: حسرا عليك وعلي باختك، لو منت واخد واخدة صحتها حلوة و "ولادة" كان زمان معاك عيلين بيتطنططوا أوالينا ومالين علينا البيت.
وصلها الرسالة جيدا، هي وحدها المقصودة بهذا الصياح من والدة زوجها، تتهمها ضمنيا انها لا تنجب، ألم تحمل من قبل وفقدت جنينها لأجل الظلم الذي تعيشه معهم؟ ما ذنبها هي؟سالت دموع القهر علي خديها، فجففتها وقررت ان تأخذ خطوة جدية في هذا الشأن، هي قبل الجنيع تتمني أن تحمل بأحشائها طفلا.
اجتمع بزوج شقيقته في إحدي المقاهي، ليحدثه فيما حدث مبادرا بقوله: مزعل اختي ليه يا رفعت؟"
الأخيز مدافعا: أنا نزعلتش حد ياعزت، أختك هي اللي مش عايزة تعيش زي ما الناس عايشة، فيها ايه لو راعت والدتي شوية، وبعدين شقتي واسعة، طلبت منها توافق احيبها تعيش معانا رفضت، طب روحي كل يوم اطمني عليها، برضو رفضت
_ معلش ماهي مش ملزمة توافق، هي عايزة بيتها لوحديها وده حقها.
_ واشمعنى مراتك عايشة مع امك وبتخدمها؟ دي زي دي.
دبت قبضته علي الطاولة بغضب: بقولك ايه يا رأفت ماتجبش سيرة مراتي، انا متجوزها من الئول علي كده ماضخكتش عليها وهي واخوها وافقوا، انما انا اختي اخدتك وهي ليها شقة لوحدها، يبقي محدش يجبرها علي حاجة.
_ بس انا مش عاجبني العيشة دي.
حدجه عزت مليا قبل ان يرمي قنبلته:
والله بشوقك يا رأفت، بس قبل ما تقول اي كلام تندم عليه، احب اعرفك حاجة مهمة متعرفهاش.
و**ت يراقب فضوله باستمتاع قبل ان يقول: مراتك قمر حامل يا رأفت.
ولج غرفته ليجدها جالسه بشرود فوق فراشها، وترتدي قميص أخضر أسال ل**به من فرط ف*نتها به، فاقترب إليها: أحنا ليلتنا عنب ولا ايه يا بت يابدور؟
انتبهت لوجوده ورأت تأثير هيئتها عليه وعلمت ان حققت اول بند بخطتها، ستجعل مزاجه رائق بطريقتها قبل ان تبدي مطلبها له، انتهي من نيلها واضجع علي ظهره ليُشعل عود ثقاب بأحد سجائره، وراح ينفثه بمزاج عالي، فاقتربت منه ومالت علي ص*ره وهي تقول برقة: مبسوط معايا ياعزت؟
رمقها بعين لا تشبع منها قبل ان يقول : مبسوط علي الأخر يا بدورة.
ذادت من وتيرة دلالها عليه وعي تغمغم: طب هو انا ينفع اطلب منك حاجة؟
_ اطلبي عنيه.
_ تسلملي عيونك، انت عارف اني حملت من فترة وسقط عشان ماكتتش اعرف اني حامل، ومن وقتها محصلش حمل، ممكن نروح انا وانت للدكتور نكشف ونطمن علي نفسنا؟
عبس وجهه برفض واضح: لا طبعا مش هروح لدماترة انا صاغ سليم،.وانتي كمان حملتي يعني سليمة، هنوجع دماغنا وتصرف فلوس قد كده ما الدكاترة ليه؟
_ يا عزت منا عارفة اننا صاغ سليم، بس انا تفسي في حتة عيل يونسني ويفرحني، نفسي احس ان حد في الدنيا دي حنين عليا وبيحبني من غير غرض، نفسي اكون أم يا عزت، عشان خاطري حققلي طلبي ده، ولو علي المصاريف، خد دهبي اهو بيعه ونروح بيه، واي كشف و تحاليل نعمله، واهو ناخد علاج يمكن ربنا يكرمنا الفترة الجاية.
لمعت عينه بهذا العرض السخي، لما لا يقبل؟ هي من عرضت بنفسها ولن يلومه أحد.
ضم كتفيها إليه ثم أمسك ذراعها وتفقد أساورها وغمغم: هو ده كل دهبك؟
انتعش الأمل داخلها وقالت بحماس: لا معابا كام خاتم كبير شايلاهم علي جنب، نبيعهم كلهم ونمشي في موضوع الدكتور، وانت اما ربنا يمرمك تحبلي مكانهم.
هرش بمؤخرة رأسه وقال: مكانهم؟ أه أن شاء الله احيبلم غيرهم، حطيهن في كيس والصبح هاخدهم منك ابيعهم وبعدها نشوف هنعمل ايه.
هللت بقوة وراحت تقبله وتعانقه، أخي ا سيتخقق حلنها وتنال طفلا، هي واثقة ان الله سيرزقها به، سيمون لها من يهاف عليها ويحبها هةذا الخب الغريزي المطلق دون غرض كما أخبرته، ممهحا لاقت من عذاب ومهانة، يكفي ان تنظر بوجه صغيرها ليهون عليها كل شيء، وربما حين تنجب تتغير معها والدة زوجها وتحبها ولو قليلا، حتما إن أصبحت أم لأحفادها سيزيد هذا أسهما وتكف عن ظلمها، وتعاملها كما يرضى الله ورسوله، تشعر ان حياتها ستتغير، تن*دت واعتدلت لتستسلم للنوم والأحلام الوردية تزورها وهي تتخيل طفلا جميلا بين ذراعيها، تلاعبه وتطعمه، وتشدو له.
صوت شدوها في الحلم عبر لواقعها وزوجها عزت يصله همسها وهي تغني، فضحك باستخفاف وهو يقول:
البت بدور مراتي اتهبلت، بتغني وهي نايمة.