الفصل الرابع
مضي شهر منذ عودتها لمنزل زوجها عزت، لم يتغير شيء من روتين معيشتها القاسية المجهدة، مازالت مجرد خادمة تلبي طلبات الجميع، وازداد الأمر عند تحديد فرح شقيقته، وصار لازما عليها اعداد ولائم طعام ضخمة تكفي الأهل و الضيوف المهنئين، وهاهي ليلة زفافها اليوم، ستنقشع الافعى الصغيرة أخيرًا ليخف الضغط النفسي عنها ولو قليلا.
تفقدت الثوب الرخيص الذي اشترته بالنقود الزهيدة التي أعطاها لها زوجها، لكن رغم هذا كانت طلتها غاية في الرقة والجمال بثوبها ووشاحه الفضي البراق، وعيناها الواسعة تتألق بكحلها الأزرق، فلم تسلم من نظرات الجميع. خاصتا رفاق زوجها التي تعرفهم جيدا، وقاحة أحدهم تعدت الحدود بنظراته لكنها تجاهلتها گ صاحبها، حاولت الاستمتاع بالحفل الذي أقيم بقاعة راقية جدا، زوجها منشغل عنها تماما بالمدعوين والرقص مع رفاقه، لمحت تلك الشرفة بإحدي الزوايا، فذهبت أليها ووقفت تنظر للأشجار المرصعة بالزهور وانتباتها خالة من راحة الأعصاب، أغمضت عيناه كي تحتفظ بتلك اللوحة الربانية وتتنسم عبيرها بعطش، للحطات أسقطت من ذاكرتها كل شيء قاسي في حياتها، كأنها مازالت شابة صغيرة لم تُخدش برائتها، تخيلت نفسها وهي ترتدي ثوب أنيق وأإدهح ينحني أمامها ويقدم لها وردة حمراء، التقطتها ووضعتها ب*عرها المسترسل، الابتسامة افترشت شفتيها رويدا ومازال أجفانها مسدلة، لم تلاحظ زوج العيون التي كان تتأملها بإعجاب شديد.
"بدور، انتي يابدور"
أجفلها نداء زوجها فئشرعت عيناها سريعا، منتشلة روحها من التحليق في عالم يقظتها، وصاحت تجيبه: نعم يا عزت انا هنا.
_ يلا عشان العرسان ماشين واحنا هنروح.
ابتعدت معه سريعا غافلة عن الشخص المبهم الذي كان يراقب ويسمع كل شيء بإحدي الزوايا المتوارية، متسائلا في نفسه "ماذا يمثل عزت هذا لتلك الجميلة؟!"
في صباح ليلة العُرس، هتفت والدة. زوجها:
_ جهزتي حاجات الصباحية يا بدور؟
أجابت وهي تكاد تسقط من فرط الأعياء والتعب: جهزت كل حاجة طلبتيها ياحماتي.
_ طب هاتيها يلا وحصليني تحت، البتاع اللي اسمه أوفر ده جوزك كلمه وقال زمانه جه.
_ أسمه أوبر ياحماتي!
_ أوبر أوفر، أهي كلها أسامي مالهاش تلاتين لازمة.ك، يلا حصليني وكفاية تأخير!
_ طب ابعتيلي عزت يشيل الحاجة معايا
_ ليه إن شاء الله؟! عيلة مش هنقدري تشيلي شنطتين؟ هطلع ابني السلم ده كله وانزله عشان كده؟ اخلصي يابدور وشيلي الحاجة وانزلي ورايا بلاش دلع!
همهمت داخلها بسخط: إلهي تتدلعي انتي وبنتك الدلع اللي انا فيه يا بعيدة منك ليها، ولا ياخدك وارتاح منك.
وحملت الحقائب الثقيلة وهي تترنح بها هابطة خلفها وصوت ضميرها يسبها ويدعوا عليها!
الزغاريد تصدح بتتابع صاخب ليزداد ألم رأسها ضراوة وهي تراقب حفاوة والدة زوجها بابنتها قمر ثم اختلت معها بغرفة نومها، وظلت هي تمشط المنزل الجديد بحسرة، كم تمنت هي الأخري منزل گ هذا، مملكة تخصها وحدها، أليست ابنة ناس مثل شقيقة زوجها؟ لما لا يلبي طلبها ويستأجر لها عزت منزل أخر؟ وتقسم انها لن تقصر بحق والدته وستأتي كل يوم ترتب منزلها وتطهو لها الطعام، ثم تعود لمملكتها وتنعم بها وترتدي ما تريد، لا يقيدها شقيق زوج، ورفاقه الذي يزورنه كل يوم، فلا تجرؤ أن ترتدي شيء يظهر أنوثتها خارج غرفتها، خرجت الحماة تزغرد من غرفة ابنتها، فأيقنت انها اطمئنت عليها، وراحت تتفاخر وتدعوا لابنتها بالذرية، هنا تذكرت حملها الذي لم يكتمل حراء حالتها النفسية قبل ان تعلم به، ليتها علمت لحافظت علي هذا الجنين بكل قوتها، فكم تطوق لهذا الشعور النادر بالأمومة.
رحلت بعد برهة وعادت هي وزوجها ووالدته للمنزل، تترجى هدنة ولو قصيرة من الجميع، جسدها يحتاج راحة ليستعيد نشاطه من جديد بعد المجهود الضخم الذي بذلته قبل الفرح وبعده، أو بالأحري منذ عودتها لعزت.
" صباح الخير يا أدهم، بقولك ايه ماتفطرش عندك، انا عازمك علي سندويتشات طعمية وفول من عند رضا"
أرسلها عماد عبر الواتس لرفيقه أدهم الذي رحب بدعوته مازحا بايموشن مضحك ثم كتب له: أخيرا هتفك ايدك شوية.
أجابه الأخر بإيموشن مناسب قبل ان يكتب له: أتلم يالا انا أصلا خيري عليك بس انت نكار للمعروف زي عوايدك.
_ الله يسامحك ياعمدة، عموما نصاية واكون عندك، وكويس محاضرتنا هتبدأ متأخر شوية.
بالفعل التقاه أدهم بشقته وبعد تناول أفطارهما غمغم: يعني نويت تخطب أخر السنة يا عمدة؟
_ أيوة يا أدعم عقبالك، هيكون فاضلي سنة واحدة واتخرج واشتغل، وربنا يقدرني بقا علي توضيب الشقة دي.
_ ياعم هتتيسر والله، بس ليه ماتخطبش بعد التخرج احسن، بدال ما أهل عروستك يحسبوا عليك وقت خطوبة أطول؟
قال بعد رشفة شاي: قلقان يا أدهم، "تالا" زي اي بنت بيحلها عرسان وانا عايز ارتبط مع أهلها برباط رسمي، عشان كمان علاقتي بيها تكون في النور وربنا يبارك.
ابتسم سعيدا لأجله: هيباركلك ان شاء الله، انت مفيش زيك ياعمدة، وشكرا ياعم علي الفطار الحلو ده، بصراحة شغل مطعم رضا ده شغل فاخر من الأخر.
_ بالهنا علي قلبك يا باشا، دقايق هلم الدنيا دي بسرعة وانزل معاك عشان مش نتأخر علي الجامعة.
ودعته على باب منزلهما وقبل أن يرحل استوقفته بقولها: يوسف، ممكن اروح لماما وبابا شوية بعد الضهر، عايزة اطمن عليهم وعلى اخواتي وارجع قبل ما تيجي من شغلك؟
_ ماشي حبيبتي مفيش مشكلة، طب ما تجهزي دلوقت وتيجي أوصلك في سكتي، و انا راجع من الشغل أعدي أخدك وبالمرة اسلم على باباكي ومامتك.
تثائبت مع قولها: لا دلوقتي بدري اوي علي زيارتهم يا يوسف وانا عايزة أكمل نومي، الضهر زي ما بقولك هروح ساعتين وارجع لوحدي قبل وصولك للبيت، متحملش همي.
أومأ بموافقته متفهما ثم مال وقبل خديها بوداع رقيق وتركها لتعود لغفوتها الهانئة.
أخذت غفوتها ثم استعدت لزيارة منزل والديها، أوصدت الباب وهبطت الدرج ليستوقفها أدهم الذي تصادف خروجه هو الأخر من منزله:
_ يا صباح الفل، رايحة فين كده بدري يا روان.
ابتسمت له بود: صباح الخير، رايحة عند بيت أهلي ساعتين وجاية، وانت خلصت محاضراتك بدري ولا ايه؟
_ لا ده أول محاضرة عندي لسه الساعة اتنين بعد الضهر، وكنت نازل اعدي على عماد عشان نروح سوا، تعالي أوصلك في طريقي.
_ ماشي.
هبط أمامها ثم استدار بغتة:
طب بقولك ايه صحيح، تعالي شوفي على السريع كده اللبس اللي اشتريته بالليل أنا وصاحبي عشان المصيف اللي هنطلعه، عايز اخد رأيك فيه.
_ ماشي وبالمرة أصبح على طنط.
وتوجهت معه فراح يستعرض أمامها مجموعة من الكنزات الرجالية وبناطيل جينز بألون مختلفة.
واثناء ذلك جائها اتصال من زوجها.
_ روحتي لوالدتك ولا لسه يا روان؟
أجابته عبر الهاتف مع بقايا ضحكتها وهي تمازح شقيقه: لسه يا يوسف، كنت نازلة على السلم قابلني اخوك وقال هيوصلني في طريقه، بس بيف*جني على اللبس بتاعه اللي اشتراه الأول، ثم استطردت بمكايدة عفوية: بس اخوك ذوقه اتحسن عن الأول وفي منه أمل.
أعترض أدهم: يا سلام؟ على أساس كان ذوقي وحش قبل كده يا روان هانم؟!
_ طبعا، تنكر اني غيرتلك استايلك للأحسن؟ يا ابني انا المفروض اكون أشهر م**مة أزياء في مصر، بس الحظ.
تغير وجه ويوسف وارتسم الضيق علي محياه، وقال بخشونة لم تلاحظها: طب يلا عشان تلحقي تروحي لأهلك وترجعي قبل ما اجي.
غمغمت بصوت مازال يحمل مرحه وهي تحدث شقيقه: ماشي، خلاص نازلة اهو، بس بشرب العصير اللي طنط عملته ولما اوصل لماما هكلمك.
أغلق معها وملامحه تجهمت بشرود، ألم يكن الأفضل ان تذهب معه في الصباح بدلا من مرافقتها أخيه؟ يا الله!
أفكاره مهلكة ومخيفة، لا يعرف لما تشتعل غيرته بهذا الشكل، هناك خلل بمسار تفكيره بعترف به لنفسه وبالوقت ذاته يعجز عن أصلاحه ومقاومته، زفر بما يعتمل بص*ره وحاول ان يعود لعمله وبنجزه سريعا كي يعود إليها.
"مفيش حاجة جاية في السكة ياقلبي؟"
ابتسمت روان بلمحة خجل: لسه بدري يا ماما، أنا يدوب كملت تلات شهور جواز أنا و يوسف.
أحتوت والدتها وجنتيها بحنان هاتفة: أعمل ايه بس، مشتاقة أشوف ولادك يا ضنايا وأشبع منهم.
قبلت جبينها بتقدير: ربنا يد*كي العمر ومايحرمنيش منك يا أمي وتعيشي وتربيهم معايا.
واستأنفت روان تبث بعض مخاوفها: تعرفي يا ماما علي قد ما مشتاقة أجيب بيبي خايفة معرفش اتعامل معاه، لما روحت ابارك لواحدة صحبتي بعد الولادة، جيت اشيل ابنها خوفت أوي أأذيه من كتر ما هو رقيق وصغنون.
طمئنتها بتفهم: ده شعور طبيعي جدا، بس متخافيش يا روحي أنا معاكي وهعلمك كل حاجة، انتي بس شدي حيلك وهاتيه ومالكيش دعوة بحاجة.
_ عُلم وينفذ يا ست الحبايب، حاسه إني قريب هبشرك.
صاحت بلهفة: بتتكلمي جد يا روان؟ يعني فيه بشاير فعلا؟
_ مفيش يا ماما والله ده مجرد إحساس جوايا مش أكتر، يمكن عشان من يومين شوفت رؤية الفجر غذت الشعور ده عندي.
أخبرتها وعي تصب نصائحها الهامة على ابنتها: مش بعيد ياحبيبي، وانتي احتياطي تاخدي بالك علي نفسك وانتي بتعملي شغل البيت، لأن ممكن تحملي والأعراض تتأخر، توقعي طول الوقت انك حامل، فاهمة ياحبيبتي.
التقطت وشاحها لارتدائه استعداد للرحيل:
_ حاضر يا ماما، عن أذنك بقا اروح استعد عشان أمشي، عايزة اكون في بيتي قبل جوزي ما يرجع.
هتفت برجاء: طيب ما تباتي معايا أنا وابوكي الليلة يا روان.
_ صعب يوسف يوافق يا ماما انا عارفاه، فكرة اني ابات برة بيتي دي مش مطروحة عنده خالص ولا سامح بيها.
_ طب استأذنه أنا؟
هزت رأسها بنفي قاطع: بلاش يا ماما لأنه هيت**ف منك ويلومني أنا بعدين، خليني انا أرتب زيارة تانية واعرفه ببياتي عندك بطريقتي من قبلها.
وواصلت روان بابتسامة حالمة على شفتيها: تعرفي يا ماما، ساعات بحس يوسف زي الطفل اللي متعلق بأمه، من يوم ما اتجوزنا مش بيطيق فراقي غير لما بيروح الشغل، تفتكري هيفضل يحبني كده علي طول؟ ولا بيعاملني كده عشان احنا لسه عرسان جداد؟
ربتت علي وجنتها بحنان: بالع** يوسف فعلا بيموت فيكي، والست الشاطرة اللي تحافظ على حب جوزها وتبقى زي الشمعة، تنور حياته طول الوقت ونورها ماينطفيش ابدا، ونورك هنا هو طاعتك له وبرك لأهله كأنهم أهلك وأكتر.
_ والله يا ماما أنا فعلا بحب حماتي اوي زيك بالظبط، وبعز أدهم أوي زي أخويا محمد، كفاية انهم أهل يوسف عشان أحطهم علي راسي.
_ ربنا يكملك بعقلك ويهدي سرك يا حبيبتي.
أنتظرت "قمر" مجيء زوجها بفارغ الصبر، لتسكب عليه حنقها بمجرد دخوله للبيت، لتقول بثورة:
بقولك ايه يا رفعت، أنا مابقيتش قادرة على خدمة امك، خلي اختك تقوم بيها بعد كده انا مش خدامة عندكم!
عبس قليلا وهو يجيبها: حرى ايه ياقمر ده انا لسه داخل البيت، هنبتديها شكاوي من أولها؟
_ منا خلاص مش قادرة ولا متعودة اخدم حد، ده انا مكنتش بعمل حاجة لأمي.
رمقها بنظرة ذات مغزى وهو يقول: أيوة منا عارف، بدور مرات اخوكي هي اللي كانت بتعمل كل حاجة مكانك صح ولا أنا غلطان ياقمر؟
ارتبكت قليلا قبل ان. تستعيد ثباتها: أنا ماليش دعوة بمرات أخويا يا رفعت، كل واحد أدري بنفسه وانا من أولها كده مش عايزة اشيل مسؤلية حد غيرك لأنك جوزي، واختك أولى بأمها
_بس اختي متجوزة بعيد وانتي عارفة كده، ومتقدرش تيجي تزورها كتير، وامي صحتها على قدها ياقمر فيها ايه لو عاملتيها زي والدتك وت**بي دعوتها ليكي.
_ لا يا رفعت انا قولتلك مش واخدة علي كده، أنا طول عمري برنسيسة في بيت اهلي، اجي على اخر الزمن اخدم بيتين، بيتي وبيت امك؟ لو لزم الأمر تجيب واحدة تخدمها تبقا كده حليت المشكلة.
مسح على وجهه كاتم غضبه مستغفرا ثم قال: يابنت الناس وليه المصاريف، طب بصي انا عندي حل حلو جدا، أيه رأيك اجيب امي تقعد معانا هنا؟ وقتها مش هتقومي
_ نعم؟ تقعد معانا فين؟ لا طبعا أنا احب اخد راحتي في بيتي، اصحي وانام وقت ما احب، ولا حدش يتحكم فيا، ولو امك عاشت معايا هخسر راحتي يا رفعت، هو مفيش غير الخل اللي قولته أنا، تجيب خدامة تخدمها، وده أخر كلام عندي في الموضوع ده.
رمقها بضيق ثم زفر بضجر وتركها كي لا يحتد النقاش بينهما ويشتعل أكثر من ذلك.
"نعم نعم؟! المحروس جوزك عايزك تخدمي أمه؟
هكذا صاحت والدة قمر باستنكار، حين زارتها ابنتها وسردت عليها ما حدث بينها وبين زوجها، لتواصل:
_ لا وكمان كان عايزها تيجي تعيش معايا، بس أنا مسكتلوش وشرطت عليه يجيبلها خدامة تخدمها بعيد عني، واني مش عايزة حد يقل راحتي ومزاجي في بيتي.
هتفت والدتها بفخر:
شاطرة يا عين امك، كويس انك حطيتي النقط علي الحروف، اوعي تخليه ياخد عليكي أبدا ولا يدوسلك علي طرف هو أو انه، بس في نفس الوقت انتي ماتقصريش معاه، فاهمة يا عين امك؟
_ فاهمة ياما. اطمني انا بحب رفعت وقايدة صوابعي العشرة شمع له، بس لغيره مستحيل.
سمعت بدور حوارهما وشعرت بالقهر الشديد، منتهى الظلم هو ما تعيشه نع تلك العائلة، والدة زوجها تكيل كل شئ بمكيالين، ما ترضاه وتقبله عليها هي، ترفضه وتستنكره بشدة أن يحدث لابنتها، ثارت لاجلها رغم أنها گزوجة ابن تعيش نفس الوضع وتكابد معها الأمرين، أزدواجيها غير مفهومة ومم تكرهها، وسبحان من يصبرها علي حياة كهذا التي تحياها معهم، إلى متي ستتحمل ما تلقاه من عناء؟ كم تخاف الأيام القادمة أن ينفذ صبرها وتنقطع حبال تحملها وتثور على كل ما تتعرض له من ظلم وجور عليها، لا تريد العودة لبيت شقيقها، فربما توصد زوجته رباب الباب في وجهها هذه المرة، ولن ترضى بأفساد حياة جلال بوضعه في أختيار صعب، ستتزود بالصبر أكثر وأكثر، لعل الف*ج يأتيها من رب العالمين من حيث لا تحتسب ولا تدري.