الفصل التاسع عشر

1852 Words
الفصل التاسع عشر من ذاق جحيم النار المستعرة ووميضها المخيف، هو وحده من يكابد ألمها المميت الذي يذيب الروح قبل العظام، هو من يجرب كيف يكون الموت من فرط العذاب. لم تلتفت الخالة لحدة بدور معها بل التمست لها ألف عذر، هي لم تتخلص بعد من إرث مقتها وشعورها بالظلم الذي عاشته، تخاف ان تلين لمشاعرها وتتجاوب مع حب زوجها فتفقد قوتها وتذوق ما كابدته بماضيها، مهما نصحتها الأن لن تفهم، لكن عشرتها مع زوجها كفيلة لتكشف لها الكثير والكثير عنه، ستعلم قيمته يوما ما وحدها، وبدلا من أن تواجهه بسيف التمنع والرفض، ستكون درعا يحوط من كل صوب، ويحميه من كل شيء، فأن أحبت المرأة رجلها، منحته دون حدود وقبل ان يلوح برغباته ستلبي. بخطى مشتاقة تتلهف للوصول لغايتها، صار أدهم وهو يقترب من البناية التي يقطن بها شقيقه، بعد ان استطاع معرفة. مكان سكنه من صديقه بتلك المحافظة التي يعمل بها، صعد الدرج وأخيرا وقف أمام باب منزله، تنفس بعمق لبضع ثواني وهو يتأهب للقاءه ثم مد يده ليقرع الجرس مرتان، ليُشرع يوسف بابه قبل ان يصيبه الذهول وهو يبصر أمامه أدهم يقف يطالعه بدوره، بدأت الرؤية بينهما تصبح ضبابية وسحابة دموع تتكثف بمقلتي كلا منهما، ليندفع أدهم بغتة يعانق شقيقه بحرارة وقوة، والأخر يخاصره بعناق شديد أوجع ضلوعه، ولا يصدق ان أدهم هنا معه. وجع العناق كان أهون بكثير من ألم الفرق التي كابدها كلا منهما طيلة الفترة الماضية. "وحشتني يا يوسف، وحشتني اوي" همسها أدهم بنبرة باكية وهو ينظر لشقيقه الذي شحب وجهه كثيرا من ذقنه الطويل الذي أطلقه دون اهتمام، وجسده الذي فقد الكثير من قوته ووزنه، معاناة أخيه النفسية بدت أثارها ظاهرة عليه بشكل أورثه شفقة وحزن، لكن ليس بعد الأن، هو هنا وكل شيء سيغير ويعود كما كان، سيتخطوا ما مضى كأنه لم يكن، غفران أغلاط أحبائنا ليس صعبا علينا أن أردنا الرجوع، وهذا من قرره أدهم بعد تفكير طويل. _ وانت وحشتني أكتر يا أدهم، مش مصدق انك هنا، عرفت ازاي طريقي وعنواني؟ ابتسم أخيه: من صاحبك طبعا. عاد يوسف يطالعه قبل ان. يعانقه ثانيا رابتا علي ظهره، ثم ابتعد ليجذب يده كي يُجلسه وهو يقول: هعملك حاجة تاكلها مع شاي، تلاقيك جعت من الطريق. ليعاجله أدهم بقوله: أنا فعلا جعان بس ماتتعبش نفسك، انا هنزل اجيب أكل من تحت، بس لازم اعمل حاجة مهمة قبلها عقد يوسف حاجبيه بتساؤل: حاجة ايه؟ _ هحلق دقنك الطويلة دي، ده مراتك لو شافتك بالمنظر ده هتقولك طلقني. قابل مزحته بنظرة حزن مطرقا رأسه وهو يهمس له: تفتكر روان هتسامحني يا أدهم؟ طمأنه الأخير وهو يوفع وجهه ليطالعه مباشرة بنظرة قوية: انا متأكد من كدة، روان زوجة عاقلة وأصيلة بتحبك وباقية عليك يا يوسف، لو هي مش كده مكانتش فضلت في بيتك لدلوقت، روان بتتونس بكل حاجة تخصك لحد ما ترجع، صدقني هي منتظراك بفارغ الصبر. _ هي تعرف انك جاي ليا انهاردة؟ أومأ له بالنفي: لأ خالص، ماما قررت تعملها مفاجأة. ابتسمم وهو يقول بحنين: ماما وحشتني اوي اوي. _ وانت كمان والله وحشتنا، البيت من غيرك مالوش لازمة يا يوسف، ربنا ما يفرق بنا تاني يا اخويا. حدجه بنظرة. مطولة مترقرقة قبل ان يهتف له دون خحل: ليك عليا حق الاعتذار يا أدهم، صدقني أنا مكنتش في وعيي لما قلت اللي قلته كأن واحد تاني هو اللي كان بيصرخ جوايا، عشان كده بقولك أنا... وضع أدهم كفه سريعا على فم أخيه: أوعي تعتذرلي يا يوسف، انت اخويا الكبير وأبويا ومقامك عالي، أنا اللي أسف، كان الصح اتكلم مادام لاحظت نظراتك لينا، سامحني يا اخويا والله ما كان في نيتي غير اني اعملك مفاجأة تفتكرها طول العمر لأول طفل ليك، أنا فرحت بحمل روان بشكل ماتتخيلوش، وفضلت افكر ازاي اسعدك وانت بتعرف الخبر ده، وكل اما تجيني فكرة ابعتها لمراتك وهي ترد عليا، انت كنت شايفنا ومضايق، بس متصورتش يكبر الموضوع لدرجة الشك فينا، بس هرجع واقول كان لازم احترم غيرتك علي مراتك اللي انا عارفها كويس. ربت علي جانب وجهه وهو يقولربحب: خلاص يا أدهم، خلينا ننسى اللي فات ونرجع زي الأول، وسامحني علي شكي فيكي يا حبيبى. لن يكن رد أدهم سوي قبلة وضعها بتقدير على كف أخيه، ليبتسم الأخير له بفخر.. هذا هو أخيه تربية يديه. _ تفتكر هعرف اربي ابني واطلعه زيك يا أدهم؟ _ هيطلع أحسن مني، ربنا يقر عينك بيه يا اخويا. لبث ينظر له لحظات ثم دفعه بقوة لا تؤلم في ص*ره مازحا: هتبقي عم يا واد يا دومي، عارف ده معناه ايه؟ _ معناه اني اتدبست في البامبرز بتاع البرنس لحد ما يتعلم يعملها لوحده. قهقه يوسف لمزحته وهو يعود يعانقه ثم شرع أدهم بحلق لحيته النامية بيديه، وسريعا ما عاد ليوسف رونقه وجاذبيته، وكأن رؤيته ومصالحته لأخيه سكبت في روحه قوة وبريق سطع من عيناه وهو ينظر لأخيه بحنان وامتنان، أدهم لم يتكبر بأن يأتيه ويراضيه ويعيده للبيت، فتلك خطوة ربما أخذت منه الكثير ليخطوها وحده، كان يحتاج دعما أتاه من شقيقه وسنده بعد رب العالمين. غعدرا شقة يوسف في طريقهما للقاء والدته وزوجته، لتنساب أحاديثهما كما كانت من قبل ، ودودة ومرحة وحانية، خالية من أي شائبة عتاب أو غضب بين الأخوين، لكن لن تكتمل تلك الدائرة قبل ان تسامحه روان وترضي عنه والدته بعودته إليها نظرت روان لما وضعته أمامها والدة زوجها بتعجب قائلة: ايه ده يا طنط؟ الأخيرة بابتسامة: ده قميص نوم عجبني اوي قلت اشتريه لمرات ابني حبيبتي، يلا بقا البسيه عشان اشوفه عليكي. قالت بنبرة حزن ومزاج غير رائق: تسلم ايدك يا طنط هو فعلا ذوقه يجنن، بس معلش مش عايزة اجربه دلوقت مزاجي مش حلو خالص، حضرتك عارفة الظروف. الحماة بإصرار: ماهو عشان عارفة ظروفك بقولك البسيه دلوقت، يمكن مودك يتغير لما يعجبك. ثم قالت بغموض: وبعدين مين عارف يا روان مش يمكن الظروف دي تتغير فجأة بدون معاد! زوت حاجبيها بحيرة: تتغير ازاي يا طنط مش فاهمة قصد حضرتك ايه بالظبط؟ _ هتفهمي بعدين، يلا بقا بلاش كلام كتير والبسي القميص، وانا هنزل شوية لأدهم اشوفه واطلعلك اسهر معاكي سهرة حلوة. _ أيوة بس. قاطعتها بعتاب: أنتي عايزة ت**فيني يا روان؟ انا نفسي اشوف هديتي شكلها ايه عليكي. هنا لم تجادلها وهي تنحني وتلثم كفها بتقدير هاتفة: حاضر يا طنط وربنا ما يحرمني منك ابدا، عمري ما هنسي دعمك. تبسمت لها بحنان: عيب ياروان ده اتتي بنتي مش بس مرات ابني، ربنا يصلح حالكم عن قريب، يلا بقا اجهزي ومتنسيش تحطي حبة. مكياج بدال وشك الدبلان ده. عايزاكي قمر انتي فاهمة، وصدقيني هتلاقي بعدها مزاجك اتغير خالص وهتشكريني. بطاعة اخبرتها: حاضر يا طنط هعنل كل اللي طلبتيه. اكتملت طلتها بعد أخذ حمام دافيا تبعته بارتداء القميص الذي بدا عليها شديد الجمال والف*نة، وضعت بعض رتوش تجميلية علي محياها، ثم راحت تطالع وجهها في المرآة وتتخيل رد فعل زوجها لو كان هنا معها ورأها، كم تشتاق نظرات الإعجاب بعيناه، كم هشتاق لمساته الحانية التي تعيد رسم خرائطها بأنامله الساحرة، روحها معتمة دونه لا تجد بصيص نور يجعلها تري جمال الحياة، أي جمال وهو غائب؟ القبح يلقي ظلاله السوداء علي كل شيء بعيناها، وحده يوسف منبع الخب والحمال بعالمها، فأن كانت هي جميلة المنظر هو يبرز بها جمال الروح وهو الأكثر تأثير والأطول عمرا من فانة تزول مع الأيام، "أه يا يوسف كم أشتاقك" روحها تئن بندائها الخفي ودموعها تسيل علي خديها دون إراداة، ولا تعلم ان بنفس اللحظة حضر زوجها بالطابق الأسفل، يعانق والدته الباكية ويقبل يديها ليعود ويعانقها من جديد، دموعه العزيزة تسبق كلماته وهو يبث والدته كم افتقاده لها. _ أنا كمان مكنتش عايشة في بعادك يا يوسف، بس دلوقت خلاص روحي رجعت برجوك يا ابني، إلهي ما اتحرم منك تاني يا نور عيني. "عيني علينا محدش معبرنا كأننا هوا" ضحكت من بين دموعها وهي تلتفت لمزاح أدهم قبل ان تتلقفه بعناق أخر قائلة بفخر: عمرك ما خيبت ظني فيك يا حبيبي، مش هات عليك اخوك وروحت رجعته، هو ده أدهم ابن قلبي اللي ربيته. قبل كفها برفق: ربنا يخليكي يا أمي ومايوجعش قلبك ابدا بسببنا يا ست الكل. اكتفي يوسف بربتة حانية علي رأس شقيقه، قبل ان يسأل والدته بلهفة: ماما روان عاملة ايه؟ _ مستنياك علي نار. _ انتي عرفتيها اني جاي؟ غمغمت بغموض: لأ، ومع كده هي مستنياك، اطلع ليها يا ابني ومتخافش، وربنا ما يفرق بينكم تاني، وانا هطلع وراك احط صنية عشا تليق بيكم علي الباب وهنزل تاني، ابقا خدها انت، ثم غمزته بقولها: مش عايزة اكون عزول. صفق أدهم بمرح: أيوة يا عم أمك هتخليك عريس من جديد ومظبطاك ببط وحمام، عقبالي يارب. قهقت له: ان شاء الله ياحبيبي قريب افرح بيك، ومتهفش عانلة حسابي انا وانت في بطاية وجوزين حمام صاح وهو يلوح بحماس: تعيش ماما تعيش تعيش، فينك يا عماد تشوف الهنا والدلع اللي صاحبك فيه. قالت بحنان وبروح تعودت علي السخاء: نصيب عماد هتاخده معاك بكرة، انا بعتبره ابني زيكم، وبألف هنا علي قلبه. قبل يوسف وأدهم كفيها بتقدير، لتنهال عليهم بالدعوات، ثم انسحب يوسف كي يصعد لزوجته. بلهفة صعد إليها وبحذر عالح المزلاج وعبر نحو غرفة نومه ليجدها تنظر أمام المرآة بشرود حزين، جسدها النحيل تزين بقنيص شديد الرقة والإغراء، ورغم شحوب ووجها الذي أوجع قلبه، لكنها كانت جميلة، لاحظ انها تبكي ب**ت دون ان تشعر وأسدلت عيناها برهة قبل ان تشرعهما لترى انعكاسه في المرآة، الغريب انها لم تتحرك بل ظلت تنظر نحوه والدموع تزداد كثافتها، ئيقن اتها تكذب ما تراه وتظنه حلم يقظة تحسد لها، فاقترب صوبها حتي صار خلفها وأحاط خصرها بذراعيه لترتجف بغتة مصدومة انه ليس حلما كما ظنت، يوسف هنا معها، يعانقها بذراعيه، شفتيه تلمس بشرة عنقها برقة متناهية كأنه يخاف أن يخدشها، هنا استدارت له بلهفه وتلاقت أعينهما بحديث طويل، تلآلآت جوهرتيها بالعبرات فاندفع بقوة يغمسها بين ضلوعه دون كلمة واحدة، هكذا دائما يكتم انفعالاته وقت ذروتها وتهرب منه الكلمات. فقط يعانقها بتلك الطريقة، اشتاقها وكأنه افترق عنها دهرًا، آنات بكائها المكتوم وهزة جسدها بين ذراعيه،جعلاه يشعر بالحزن والخزي أكثر لحالها، فهمس وهو يهذب شعرها الثائر قرب وجهه: "حقك عليا أنا أسف أسف أسف، مكنتش في وعيي، انا كنت مشحون بقالي فترة، وطول الوقت بمتص أفكار سودا من حواليا لما سيطرت عليا بشكل غريب وحصل اللي حصل، بس صدقيني يا روان ندمان علي كل كلمم قولتها في خقك انتي واخويا أدهم. ابتعدت تعاتبه بعد ان تأقلمت مع وجوده: وليه الأفكار دي تسيطر عليك من الأساس؟ هو انت مش عارف متجوز مين؟ أنا روان اللي عمر ما حد عرف يوصل لقلبها ويطولها غيرك، وبعدين انا وأدهم أخوك؟ عشان كده كنت بتتعصب لما اسهر تحت ولا أقبل هدية منه؟ مكنتش اتصور توصل غيرتك لكده. ظل صامتا يستمع لعتابها كي تهدأ نحوه لتواصل عتابها: "أنا كان قصدي أعملك مفاجأة أنا وهو لما . ." _ اششش، اسكتي دلوقت متتكلميش. رمقته بحزن وهي تقول: لأ يا يوسف لازم اتكلم، عارف امتى كنا ممكن نتفادا كل دا؟ لو كنت فتحت قلبك ليا وكلمتني، قولي بغير عليكي من أخويا وأنا كنت هاخد بالي واعرف اغير معاملتي، لكن تكتم في قلبك وتسيب الشيطان يلعب بيك ده أكبر غلط، صدقني انا كان ممكن امشي ومارجعش ابدا لأن اللي حصل مش هين، بس عارف ليه معملتش كده؟ ظل علي نظرته التي تحوطها مثل ذراعيه، كأنه يخاف إفلاتها منه، يتشرب كل ما فيها ويستقبل عتابها وهو أكثر من راضي، لتستأنف: لأن دي اول مرة يحصل بنا مشكلة زي دي، لأني لما دورت على الحلو اللي بيني وبينك لقيته غلب بكتير الموقف الأخير. أنا عارفة انك بتحبني اوي يا يوسف، بس أرجوك ، غيرتك لو اتطورت تاني بالشكل ده، صدقني هتكون نهاية حياتنا سوا. كمم شفتيها بأنامله مع نظرة استنكار لمجرد الفكرة، وعاد يغمسها في ص*ره بقوة، وحنان وتملك وحب. يعلم انها محقة، فإن فشلت حياتهما سيكون السبب الوحيد بغيرته المتطرفة، لذا لن يجادلها، يحتاج فقط هدنة بين ذراعيها يفرغ بها عاطفته وشوقه الجارف لها، وبعد وقت تصارعت فيه أمواج عشقها بلقاا دافيء، تدثر معها بالغطاء وأغمض عينه لينال راحته بعد عناء الفترة الماضية.
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD