الفصل الثامن
وكأنه ينقصه حكايا تعزز هواجسه المخيفة وظنونه اللعينة، ما قصه عليه صديقه جعل كل ثوابته التي كان ي تكن عليها تتزلزل وتتحطم داخله، ليجد سببا يقدمه لذاته حين يغار ويفرط في غيرته.
_أنت بتقول ايه يا شادي؟!مين ده اللي عايز يتجوز؟ سعيد صاحبنا؟ بس ده متجوز ومعاه ولاد!
أقر له الأخير بأسف: ليك حق تستغرب يا يوسف، بس للأسف ده اللي حصل فعلا، الغ*ي عايز يطلق مراته ويدمر بيته وحياته عشان وهم، انجذب لأختها وحبها والغريب ان هي كمان بادلته مشاعره وكانت اغبى منه و**رت قلب اختها تصور، يعني غدره هو هنقول متوقع وهنلاقي له تبرير، لكن أخت تغدر باختها وتخ*ف جوزها دي اللي مش قادر افهمها.
واستطرد بمرارة: خلاص يا يوسف مبقاش ينفع نأمن لحد في الزمن ده حتى اقرب ما لينا، ولا أخت ولا حتى أخ.
كلمته الأخيرة كان لها صداها الكارثي في نفسه، هل يمكن أن؟! استغفر الله العظيم، مستحيل!
أفكاره وهواجسه المجنونة تكاد تفتك بعقله.
ابتلعه شروده المتخبط بضع لحظات ليردف شادي: عارف الخلل اللي في مجتمعنا ده كله سببه ايه يا يوسف؟ بعدنا عن دينا ومحاذيره وضوابطه اللي مش من فراغ، التباسط الزيادة بين المحارم وكشف أسرار البيوت لكل قريب وغريب ده غلط، ياما زوجات بسذاجة بيسلموا مفاتيح اجوازهم لغيرهم وبيكونوا سبب في طلاقهم، تعاليم ديننا لما قالت الزوجة ماتوصفش لزوجها محاسن ست غيرها وتلفت نظره ليها مكانش عبث.
_ بس أنا برضو مش فاهم ازاي سعيد وصل لمرحلة انه يفكر في اختها بالذات؟
تن*د شادي قبل ان يهتف: اخت مراته كانت على طول عندهم، بتعمل كل حاجة في بيت اختها اللي مشغولة في عملها، كانت بتساعدها في رعاية الولاد وشغل البيت بحكم انها لسه بنت وفاضية، وسعيد طبعا كان بيشوفها اكتر من مراته نفسها اللي غرقانة في شغلها، هي اللي بتراعي ابنه وبنته وتلاعبهم وتنضف وتعمل أكل، بالتدريج حس انها بتخ*فه وتحتل تفكيره طول الوقت لما بقا مش قادر يبطل تفكير فيها ولا عارف يجي جنب مراته.
_ هو قالك كل ده؟
قاطعه تساؤل يوسف ليؤكد شادي: أيوة، وحاولت افوقه كتير ربنا يعلم، لدرجة فكرت اروح لمراته في شغلها احذرها، لكن اتراجعت لأن ماليش اي سلطة وقلت يمكن مشاعره مؤقتة وهتتغير.
باستنكار غمغم: انا لسه برضو مش قادر استوعب يا شادي ازاي اختها قبلت تخ*ف جوز اختها وتدمر حياتها وحياة ولاد مالهومش ذنب أبوهم وأمهم يفترقوا؟ دي حتى مش أصول ولا أخلاق.
شادي بتبرير: يمكن لأنها شابة صغيرة مشاعرها البريئة اتفتحت وانجرفت ناحية صاحبنا، ومادام مفيش ضوابط من البداية زي ما قلت، يبقى سؤالك عن الأصول هنا مالوش اي لازمة، أنا مش صعبان عليا غير الولاد. بصراحة غصب عني مش قادر اتعاطف مع مراته، مينفعش واحدة تسيب جوزها لاختها تخدمه وتعمله كل حاجة هو وولادها بحجة انها مش فاضية وتبقى مجرد ضيفة شرف في حياته عشان تحقق مكاسب اقل أهمية من عيلتها، تغور المساوة للجحيم، الست ست والراجل راجل وكله له دوره الأهم في الحياة.
ظل من**ا رأسه شارد وصدمة ما علمه حقا زلزلته وأرعبته، هو لا يبالغ إذا عندما يغار علي زوجته من أخيه، الأكثر شباب وحيوية منه، لا يُعد أ**ق كما يظن.
تناول معها الغداء بذهن غائب، لم يعى حتى لمذاق طعامها او أثنى عليه گ عادته لتسأله بريبة:
يوسف حبيبي مالك؟ شكلك مش عاجبني من بعد رجوعك من الشغل، حصل حاجة معاك؟
حاد بصره إليها وراح يرمقها بشرود والأفكار السوداء تطوف داخله دون توقف، قصة صديقه جعلت مخاوفه تتضخم أضعافا، ماذا لو!؟
_ يوسف قلقتني عليك في حاجة حصلت معاك؟
نفض عنه شروده وغمغم لها: مفيش يا روان.
_ طيب مش هننزل نسهر مع طنط وأدهم ونتف*ج على الفيلم الأجنبي معاهم؟ ده انا عملت البسيسة اللي طلباها مني طنط ومتشوقة لرأيها.
_ والله ماليش مزاج انزل، وكمان مش لازم كل يوم ننزل تحت، أما البسيسة بتاعتك الصبح هنزل نصها تحت وخلاص.
_ طب ليه مش ننزل يا يوسف محنا فاضين.
احتد عليها: وبعدين معاكي اسمعي الكلام يا روان.
اختنقت بالدموع وهزت رأسها دون أن تجادله،
فأشفق عليها وهم بالتراجع عن قراره وهو يسب نفسه لكنه توقف وطيف ضحكاتهما معا يثير جنونه، لن يتراجع، لن يهبط إليهم، يجب أن يضع حدودا وطريقة لحياتهما كما يحب.
لكن رغم إصراره عدم النزول لانت ملامحه وهو يدنو منها لترفرف شفتيه على وجهها محتويا خصرها بين ذراعيه هامسا بحنان:
يعني غلطان لما ابقى عايز اكون معاكي لوحدنا واشبع منك؟ وكمان نفسي اول واحد يدوق الحاجة الحلوة اللي عملتيها يبقى أنا، ده يضايقك يا عصفورتي؟
رمقته بحزن: مش غلطان بس ليه تتعصب عليا.
لثم جبينها: خلاص حقك عليا يا روني متزعليش مني.
رغما عنها ابتسمت له لكن لم تخلو عيناها من عتاب أخرس حاول تبديده بقبلاته الحانية لتتجاوب مع دعوة وصال جديد ومشاعره الجارفة تُغرقها فيذوب عتابها بطيات عاطفته.
وصلت وجهتها أخيرا، بناية خالتها في أخر الشارع التي تسير به، ظلت تسير وهي تجذب الحقيبة الثقيلة وتشعر بإرهاق شديد، تندم انها رفضت ان يأتي معها شقيقها، لو معها لحمل عنها حقيبتها.
"عنك الشنطة يا أنسة"
تحفزت سريعا لذاك الرجل الذي ظهر أمامها من العدم، لاحطت نظراته الغريبة لها، الذهول الذي ارتسم علي وجهه حين رأها حيرها، لكنها لم تمترة وهي ترميه بنظرة جامدة هاتفة: كتر خيرك.
ومرتومن أمامه لتلاحقها عيناه حتي وجدها تدخل بإحدي البنايات، فغمغم بخفوت ومازال الذهول ينتابه: معقولة هي؟!
" ازيك يا خالتي"
شهقت خالتها بسعادة ما ئن رأتها بدور ابنة شقيقتها الراحلة، تلقفتها بعناق أمومي جارف وهي تبكي فرحة برؤيتها، هي رائحة الغالية والدتها، لتشاطرها بدور الدموع.
ومن هنا فقط ستكون بدايتها الجديدة.
لا يصدق تلك المصادفة العجيبة التي جمعته بالفتاة التي رأها داك اليوم، حين حضر زفاف صديقه رأفت، تلك التي ف*نته وهي تتنسم الهواء بعين مسدلة، أعطته فرصث ليتأملها، كم كانت جميلة، تذكر أسمها حين نادى عليها أحدهم "بدور" وكن يليق بها الأسم، تُري لمن أتت؟ وهل ستطل هنا؟ يالا غبائه بالطبع ستظل فترة، استنتج هذا من حقيبتها الكبيرة التي رأها معها، مالت شفتيه بابتسامة حالمة لمجرد احتمال لرؤيتها ثانيا مادام تقطن في نفس المنطقة التي يقطن بها.
_ صباح الخير رضا.
انتبه لأحد جيرانه في الحي ولبي تحيته: صباح السعادة يا عم جابر.
_ فين طلبي بتاع كل يوم .
ابتسم له بود: حالا اهو الزيت بيسخن وهعملك طلبك.
"انا هطير من الفرح انك أخيرا جيتي يابدور"
ابتسمت لابنة خالتها بود: ربنا يفرح قلبك دايما يا سارة، بس انتي احلويتي اوي يابنت الايه.
قهقهت الأخيرة: كبرت بقا يا بدورة وبقبت أنسة الشباب هتتجنن عليها.
ابتسمت بدور بشجن وغمغمت: ربنا يد*كي اللي يقدرك ويصونك يا سارة، ويجعل حظك أحسن من حظي.
تغبر وجه ابنة خالتها بالحزن وربتت علي كتفها: معلش يا حبيبتي ربنا يعوضك بالأحسن منه.
تهكمت بمرارة: قصدك براجل تاني يعني؟ خلاص يا سارة مبقاش ينفع، كل الرحالة بقيت في نظرت عزت، مش عايزة جنسهم يقرب مني تاني، انا كده مرتاحة.
انضمت لهما خالتها وأخذت بدور لتُريح رأسها فوق قدميها هاتفة بحنان: فامرث يا قلب خالتك لما كنت أنا وأمك نفضل نتكلم وكنتي تنامي كده على رجلي؟
أحتضنت بدور خصرها بقوة: عمري ما انسى، انتي أمي التانية مش بس خالتي.
_ يا سلام ده شكل راحت علينا بقا يا ست ماما"
ضحكت والدتها وهي تقول: انتي وبنت خالتك نور عيوني يا سارة.
بدور وهي تعتدل: سيبيني اشبع من حنانها شوية ياريت سارة وبلاش ترخمي عليا.
_ لأ هرخم.
قهقهت وهي تتابعهما، ثم راحت تتأمل بدور بحسرة، فما لاقته من زيجتها ليس هين، وتعلم ان بروحها ستبقي ندوب يعلم الله وحده كيف ستندمل.
_ هو فين جوز خالتي؟
_ بابا علي وصول يا بدور، ده فرح اوي لما اتصلت وعرفته انك جيتي.
ابتسمت مغمغمة: تعرفي يا سارة، يمكن والدك الراجل الوحيد اللي بعتبره استثناء، ياريت كل الرجالة في الدنيا زي عم صابر وفي طيابته وحنيته.
ربتت خالتها علي كتفها: تعيشي يابنتي، صابر ده عنلي الخلو في الدنيا، ربنا يحفظه لينا.
أمن الفتاتان علي دعائها وتن*دت بدور وعي لأول نرث تسعر بالراحة، هي الأن وسط عائلة تحبها بحق، ولم يبقا سوي شيا واحد حتي يكتمل كيانها كما تريد، وزوج خالتها هو من سيساعدها فيما تحتاجه.
"الدنيا كلها نورت يا بدور يا بنتي"
هكذا رحب بها العم صابر لتجيله مبتسمة: ده نورك انت ياجوز خالتي والله، عامل ايه وصحتك ازيها؟
_ فضل ونعمة يا بنتي، أحسن من غيرنا الحمد لله.
_ ربنا يديم عليك الحمد ياعمي.
وترددت قبل ان تقول: عمي انا كنت عايزة منك خدمة.
_ عيوني يا بدور يا بنتي.
_ تسلن عيون يارب. عايزة اشتغل، شوفلي اي شغلانة اعيش منها وهتبقا خدمتني خدمة مش هنساها ابدا.
عاتبها بقوله: ليه كده يابنتي، هو انتي غريبة ولا لقمتك اللي هتفقرنا يعني؟ اطمني عمك صابر جيبه عمران، انتي زي سارة بنتي بالظبط يا بدور.
رمقته بتقديم جم قبل أن تقول: ربنا يسترك دنيا وأخرة يا عمي، بس معلش نفذلي طلبي لأني مش هكون مبسوطة كده، أنا عايزة اتعود اعتمد علي نفسي من هنا ورايح يا عم صابر، مش عايزة اتذل تاني، ومقصدتش خالص والله انكم هتقصروا، بس انا عاهدت نفسي ان بدور القديمة دي كل حاجة فيها لازم تتغير، وانا عايزاك تساعدني عشان احسن اني ماشية صح، شوفلي شغلانة مناسبة ويبقا كتر خيرك.
نظر أليها بإعجاب ولن يكن بمقدوره ألا أن يعدها بما تريده، سيدبر لها عملا شريف تقتات منه.
" مالك يا واد يا عزت ما تنشف كده وكفاية زعل، والله كويس انك طلقتها وخلصتنا منها وش الغراب دي"
منحها ك ابتسامة تحمل مرارته وغضبه: قصدك خلعتني مش طلقتها.
_ ما انت اللي اتمسكت بيها ورفضت تطلقها زي ما قولتلك يافالح.
برقت عيناه بغموض: مكنتش عايز اطلقها غير بمزاجي
_ علي ابه يعني، طب وحياة ربنا لأجوزك، ست ستها ياعزت، بكرة تشوف نقاوة امك، هجيبلك اللي تنسيك أمها.
غامت عيناه هاتفا: عنري ما هنسي اللي عملته وفضيحتي وسط الناس بسببها، انا بقيت تريقة الكل بعد ما طلعت عليا كلام وحش في حقي.
_ قطع ل**نها ول**ن اللي يحيب سيرتك، وبعدين أو انت بنت هتخاف من كلام الناس؟ بكرة ينسوا ويزهقوا ويشوفوا موضوع تاني
_ ثم ربتت علي ظهره بحنان: يلارياحبيبي قوم روح شغلك واغزي الشيطان، وانا من بكرة هدورلك علي عروسة تنسيك بدور وسيرتها.
أعدت أرجيلتها وراحت تنقب بعقلها عن عروس تصلح لتكون زوجة جديد لعزت، وفي الوقت ذاته تجون طوع ئمرها وعجينة لينة بيديها، بعد وقتوليس قصير ولجت غرفتها لتستريح قليلا، ولا تعرف لما خطر علي بالها الذهب الزائف التي ابتاعته لها، تهكمت وهي تحدث نفسها: لو كنت استريت للمحروسة دهب حقيقي كان زمانها أخدته معاها، كان قلبي حاسس، أهي بنتي قمر أولي بيه.
شيا ملهم دفعها لتتفقد مصوغاتها الخاصة، فنهضت تتفقده، لتلاحظ شيا غريب، بريقه الذهبي زائدة عن الحد، وكأنه جديد أو.!
هاجس شبطاني عبث برأسها، فلم يكن أمانها سوي التأكد لنفسها كي تُخرس تلك الهواجس التي داهمتها.
" يا نصيبتي؟ كل دول مش دهب؟ ازاي؟"
أكد عليها الصائغ الذي فحص مصوغاتها: أيوة كلهم دهب قشرة يا حاجة، مش حقيقي.
تأكد ظنها، اللعينة بدور أمكشفت خدعتها حين أبتاعت لها ذهب صيني، فردت لها مكيدتها بالمثل، نيران الغضب والحنق اشتعلت بها، ماذا تفعل وكيف تتصرف؟ لو كشفت الأمر لعزت ستتعري أمامه ويعرف انها ابتاعت بنقوده ذهبا لشقيقته وربما يلومها؟ هل ت**ت علي حقها؟ أم تذهب حيث هي وتقطع جسدها ض*با حتي تأخذ ثأرها؟ لكنها تدري انه لم يعد لها حيلة ولا سلطان عليها، هي الأن تستقوي بأهلها وإلا ما ذهبت إليهم، جزت علي اسنانها بغل وهي تهمس بفحيح: ماشي يا بدور، مسيري اشوفك وساعتها محدش هيخلصك مني.