الفصل التاسع
_________
استيقطت روان من نومها وأدت صلاة الصبح ثم ولجت مطبخها، وضعت اللبن وأشعلت أسفله عين الموقد وراحت تراقب تأهب غليانه بشخوص، أحوال زوجها يوسف أصبحت تحيرها كثيرا في الأونة الأخيرة، طباعه تزداد حدة مع الوقت يحاصرها بعشرات المحاذير التي تكبلها، لا تدري ما الذي يؤرقه ويعكر صفوه، ليته يُشرع أبوب قلبه ويُطلعها علي خباياه، أليست زوجته ومن حقها ان تعلم ما يخفي عنها؟ إن لم يتصارحا في كل شيء، ما فائدة ان تكون حبيبته وزوجته إذا، ستائر الغموض المسدلة بينهما تحجب عنها شمس الراحة والأمان، نعم هذا ما صار ينقصها معه، الأمان!
گالعادة غافلها البركان الأبيض وهو يفور لتطفيء روان عين النوقد سريعا قبل ان ينسكب اللبن بأكمله وتهدره، زفرت بضيق مغمغمة " تاني مرة اللبن يفور مني وانا واقفة قصاده"
استعاذت من الشيطان الرجيم وسكبت كوب حليب وغادرت المطبخ لترتشفه مع بعض البسكوبت التي تحبه في الصباح، همت بتجرع لقليل منه لتمتعض بغتة وتزيح الكوب عنها، ما الذي يحدث معها؟ لم تكن تنفر من مذاق ورائحة اللبن من قبل، هناك حالة من الإعياء تلتهم نشاطها حالة وتطغى عليها، والأكثر غرابة "عوفها" عن شرب المياة هذه الأيام، تتقيأها حرفيًا إن ابتلعتها، لا تدري ما بها.
رنين جعلها تنهض تتبين الطارق لتجد والدة زوجها تطل بوجهها البشوش حاملة طبق مسطح: ازيك يا روان، فينك يابنتي من كام يوم مش بشوفك تنزلي عندي زي عوايدك، ولا بتسألي عليا خالص؟
دعتها بترحيب: يا أهلا ياطنط خطوة عزيزة، اتفضلي حضرتك الأول.
جلست السيدة وهي تضع أمامها الصحن: عملت الكنافة بالقشطة اللي بتحبيها انتي ويوسف يا حبيبتي، وقلت اجيبلكم نصيبكم واطمن عليكم مادام مش بتنزلوا.
نظرت بشهية للطبق وقالت بروح مرحة استعادتها برؤية والدة زوجها: الله ياطنط الريحة تهبل، أنا هروح اعمل كوبايتين شاي نشربهم مع الكنافة وبعدين نتكلم براحتنا.
غابت دقائق ثم عادت بصينية فضية يعلوها كاسات الشاي الساخن. لتبادر روان: والله ياطنط افتقدتك اوي اليومين اللي فاتوا.
لعتاب مبطن أخبرتها: طب وليه مش بتنزلي بقالك كام يوم؟ أنا قلت اسيبك براحتك ومتقلش عليكي يمكن مش حابة تنزلي كتير، بس معرفش ليه قلبي قلق عليكم، مع إن يوسف بيعدي عليا كل يوم واما بسأل عنك بيقولي انك نايمة او بطبخي وتروقي ولما تفضي هتنزلي، انتوا كويسين يا بتني؟
غامت عيني روان وهي تطالع خيوط الحلوى الذهبية ولا تعلم ماذا تقول؟ هل يعقل ان تخبرها ان زوجها يمنعها من النزول دون ان يكون بصحبتها، وحين يأتي وتخبره برغبتها للهبوط لوالدته، يتعلل انه يريد النوم او السهر معها حدهما؟ كيف توضح لها أمور هي في الأساس تجهلها وتعجز عن تفسيرها؟
استعادت تركيزها وقالت مبررة قدر استطاعتها:
_مفيش حاجة بنا يا طنط الحمد لله اطمني، انا بس كنت بنفض الشقة وأخدت مني وقت و مجهود، وعلي مابخلص بيجي يوسف وافضل معاه شويه وفي الأخر ننام احنا الاتنين بدري ( ثم ادعت كذبا) بس علي فكرة كنا هننزل نسهر معاكم الخميس اللي هو بكرة.
ربتت عليها بود وتفهم: تنورا يابنتي، والمهم عندي انكم بخير وطيبين، وبراحتكم وقت ماتحبوا تنزلوا البيت بيتكم يا روان.
ثم تفحصتها بغتة بعين خبيرة وتمتمت بشكل: بس انتي شكلك تعبان كده ليه يا روان؟
أعربت عن شكواها بعفوية: معرفش والله ياطنط انا فعلا تعبانة اوي الايام دي، وبتحصلي حاجات غريبة عليا.
_ غريبة زي ايه يا حبيبتي؟
_ حضرتك عارفة اني بحب اللبن جدا الصبح، من شوية بشربه لقيتني مش طايقة ريحته، وتصوري كمان ياطنط مش طايقة اشرب المية نفسها؟ واذا شربتها فورا برجع اللي في معدتي، بقالي كام يوم علي الحال ده، وطبعا مش برضي اقلق يوسف انتي عارفة بيجي تعبان من شغله ازاي.
تعجبت روان من تلك الابتسامة التي ارتسمت علي وجه والدة زوجها وصاحت: بتبتسمي ليه يا طنط بقول لحضرتك تعبانة و.!
قاطعتها وهي تنهض في التو أمرة إياها: قومي البسي هدومك وانزلي معايا، هنروح مشوار أنا وانتي.
رفعت حاجباها بدهشة: نعم؟ أنزل فين ياطنط وليه؟
_ بطلي أسئلة ونفذي كلامي يا روان.
_ طب اعرف يوسف طيب.
_ لأ، لما نرجع عرفيه.
_ لو نزلت من غير ما يعرف هيتعصب عليا انا، خليني اتصل عليه بس واعرفه اني هنزل معاكي.
_ يابنتي بلاش وجع قلب واخلصي بقا، وانا هنزل البس عباية غير دي واستناكي على السلم، بس اسمعي، تنزلي بالراحة وعلي مهلك بلاش نزولك الغي زي الريح ده، فاهمة؟
نظرت لها ببلاهة: والله مافاهمة حاجة ياطنط بس حاضر.
رمقت والدة يوسف روان وهي تبتعد لتغمغم لذاتها بخفوت: يارب نرجع مجبورين الخاطر عشان نفرح.
"ايه أخر أخبار صاحبنا يا شادي ووصل لأيه في موضوعه؟"
أخبره الأخير: مراته مقومة عليه الدنيا، وبهدلت اختها وحرمت عليها بيتها طبعا، والعجيب بقا يا يوسف موقفها الأخير اللي حير سعيد نفسه!
تسائل بفضول واهتمام: موقف ايه؟
_ بعد طبعا رد فعلها الأول وثورتها واتهامه هو واختها بالخيانة والغدر بيها، لقاها هديت بعدها كأنها واحدة تانية، وطلبت منه مش يطلقها وتفضل في بيتها، وانه يديها فرصة تصلح اللي فات بينهم عشان خاطر ولادهم.
يوسف بإعجاب: طب والله جدعة وعاقلة بشكل متوقعتوش، لأن من كلامك عنها فهمت انها حاطة شغلها وطمحوها في الصف الأول، لكن معني انها تتراجع قصاد العاصفة دي، يثبت انها متمسكة بجوزها ومش عايزة تخرب بيتها.
وافقه الرأي: الحقيقة ده نفس رأيي، عشان كده نصحت سعيد يديها الفرصة دي. و لنفسه قبلها عشان خاطر ولادهم، يمكن تقدر مراته تستقطبه تاني، وتكون مشاعره دي مجرد وهم عاش فيه بسبب الفراغ اللي مراته سابته في حياته
أومأ له بتفهم: مش بعيد والله، ولما ترحع تهتم به تاني يحبها من جديد. ربنا يصلح حالهم.
ثم غامت عين يوسف مع قوله: بس تعرف يا شادي، موضوع صاحبنا ده نبهني ان فعلا الاهتلاط الزيادة بين أهل الزوج والزوج مش صح، لازم يتحط حدود وضوابط تحمي بيوتنا من الخراب والدمار والتشتت.
_ بالظبط، وفي النهاية ده هيعود علي الكل براحة البال.
هز رأسه بشخوص ليجسد خياله من جديد صوت ضحكات وتباسط روان مع أخيه، ويالا خوفه مما ينجرف إليه عقله.
" حامل؟"
تتسائلت بذهول وفرحة وخوف، مشاعرها مختلطة وغريبة لتؤكد لها الطبيبة: أيوة يا مدام روان حامل، ألف مب**ك.
التفت لوالدة زوجها فوجدتها تبكي من الفرحة، فضمتها بقوة وهي تصيح: أنا حامل ياطنط أنا هجيب بيبي ليوسف، أنا هبقى أم، أنا مش مصدقة نفسي.
من وسط دموع فرحتها الطاغية ابتسمت وهي تهنئها: ألف مب**ك يابنتي، أنا شكيت من شكلك الصبح وكلامك عن المية ، والحمد لله ظني طلع في محله، أخيرا هكون تيتة.
عانقتها روان مجددا وهي تضحك وتبكي بآنٍ واحد، والطبيبة تتابع ما يحدث دون تأثر لمن اعتاد ذات المواقف، ورحلت وكل منهما تخطط كيف سيعلم يوسف لهذا الخبر؟
محيئه مبكرا من جامعته جعل له نصيب في معرفة هذا الحدث السعيد لبهتف بسعادة حقيقية: بحد روان حامل يا ماما؟ يعني انا هكون عمو أدهم رسمي؟
_ رسمي فهمي نظمي.
هكذا مزحت روان وهي تجفف دموعها ليرد مزحتها بالمثل: لا أرجوكي يا ست روان ارحمينا من خفة دمك الأيام دي، أحسن الواد يورثها منك تبقي مصيبة
قهقهت والدته لمزحته بينما صاحت روان بحنق طفولي: شايفة ابنك ياطنط؟ عايز يعصبني عشان ابني يطلع عصبي وزربون بسببه.
حذرته بقولها: أدهم، لم تعابينك وامشي من هنا ومتضايقش مرات اخوك، وخلينا نفكر ازاي هنوصل الخبر لحبيب قلبي يوسف لما يرجع من شغله.
روان بحماس: أه يا طنط أنا نفسي يعرف بطريقة مميزة.
أدهم: طيب هتكلم بجد بقا ياجماعة.
ثم وجه حديثه لزوجة أخيه: روان تحبي تعرفي انتي يوسف بطريقتك وبينك وبينه؟ ولا عايزة المفاجأة تبقي وسطينا كلنا؟ ده في النهاية حدث يخصكم في المقام الأول.
أجابته دون تردد: بالع** يا أدهم، دي فرحتنا كلما و هتكمل بيكم و معاكم.
أومأ بتفهم: يبقا خلاص نفكر انا وانتي في حاجة مميزة، وبكرة الخميس بإذن الله هنعمله مفاجأة جامدة جدي، ولو جاتلك افكار قوليها وانا كذلك هعرفك بأفكاري.
صاحت بحماس: اتفقنا.
فوجئت بمن تجبرها لتجلس فوق الأريكة:
ارتاحي بقا ماتقفيش كده، وانهاردة هتفضلي عندي لحد ما يوسف يجي وتتغدوا وتطلعوا، إياكي تعملي مجهود، أد*كي سمعتي كلام الدكتورة.
خجلت من هذا الدلال وهي تعترض بحياء: لا يا طنط مايصحش، مش عشان حامل حضرتك تخدميني، انا بخير والله وهاخد بالي علي نفسي متقلقيش.
منعتها ثانيا من النهوض: اسمعي الكلام يابنت، وانا هكلم جوزك اعرفه انه هيتغدي هنا.
أدهم. بتحذير: بس بلاش نعرفه غير بكره واحنا بنظبط المفاجأة بتاعة الحمل، عشان تفضل ذكري ما تتنسيش.
ثم مازحها بقوله: وللأسف يا مرات أخويا مضطر اجيبلك هدية.
ضحكت وهي تكيده: يا ابني انتي هتفلس من الهدايا، خصوصا لما ابن اخوك يجي هنستغلك أسوأ استغلال.
_ انا عنية لابن اخويا، انتي لأ.
رمقته بامتعاض: مفيش ريحة الذوق.
اتصال والدته أخبره أن غدائهم اليوم لديها، توقع تصرف كهذا بعد منعه لزوجته من النزول، تن*د بضيق وهو يعلم أن المنحني الذي تنجرف له أفكاره لا يحوى عقل أو منطق او حتى دليل يدمغها، فقط ظنون لعينة وأوهام تكبله، تمتم بأذكار يستغيث بها لربه أن يُشفيه من أوهامه المخيفة، هو يثق بشقيقه وزوجته، ونفسه قبلهما، لما الخوف؟
استقوى بتلك الكلمات التي ترددت في عقله وتوجه لمنزل والدته وهو عازم ألا يعكر صفو الأمسية شيء مهما كان، أي شيء.
جلس يوسف بعد فراغهم من الغداء وجواره روان وفي المقابل يجلس أدهم قُبالة زوجته تماما، بينما والدته تحضر مشروبا ما في مطبخها، لاحظ نظرات زوجته وشقيقه فرغما عنه بدا له الأمر مريب بشكل كبير، وكلا منهما يستقبل رسائل ما على هاتفه، يتبادلا بعدها نظرات مختلسة وابتسامات يُطمسها كليهما سريعا كأنهما يخافوا أن يراهما، هل يتحدثان سويًا عبر الواتس آب؟ ما الداعي لحديث خفي وهما معا الآن؟! أشتعلت الظنون التي لم تهدأ من الأساس برأسه لكنه نفضها مستغفرًا من فداحتها، ( أهدأ يا يوسف لا تكن أ**ق، هذه زوجتك التي تعرفها، وهذا شقيقك ربيب يد*ك منذ طفولته) هكذا صار يحبط أفكاره السيئة ويحاول التركيز بأحداث الفيلم الدائر أمامه، لكن صوت الرسائل لم تنقطع تماما كأفكاره، والنظرات المختلسة مازالت مستمرة بينهما فتحرقه نيران الغيرة العمياء، وكم يخاف بطشها.
_ بتكلمي مين يا روان؟
أخيرًا سألها ليقطع سيل الشك داخله، فارتبكت بضع ثواني لاحظها يوسف جيدا قبل أن يراها تقول: عادي مفيش حد.
_طب وريني التليفون كده اشوف حاجة.
_ هتشوف ايه يا يوسف ما انت معاك تليفونك هتعمل ايه بتليفوني؟
حاول أن يبدو هادئًا مع قوله: عادي هشوف حاجة.
رآها تغلق برنامج الواتس و الهاتف بأكمله.
_ بعدين عشان هشحنه أحسن خلاص هيفصل مني.
لم يغب عن عينه استغاثتها الطفيفة التي نبعت من حدقتيها لأدهم شقيقه، لتهتف بثبات مهتز أيضا أدركته عيناه الثاقبة:
_ هحط تليفوني في الشاحن واروح اشوف طنط بتعمل ايه.
" سيبك بقا من تليفون مراتك وركز بقا في الفيلم يا يوسف ده أحداثه تحفة"
تدخل أدهم بعبارته الأخيرة دعما لزوجته، جعله يرتاب أكثر وتشعب شكه لحد مرعب لم يبلغه من قبل، فالتفت عنها متظاهرا بالعدول عن فكرته، وبعد دقائق استأذن ليصعد شقته. لينتظر كليهما مفاجأة لم تكن بحسبان الأخر.
"بجد ياجوز خالتي لقيتلي شغل؟"
ابتسم الرجل بوقار وهو يستقبلرفرحتها بحنان غامر: طبعا يا بدور يابنتي، والشغل حلو وهطمن عليكي فيه، هتشتغلي في صيدلية هتبيعي العلاج وتدي حقن، في واحدة هناك هتعلمك كل حاجة، الصيدلية في نفس المنطقة، كلنا هنروح ونيجي عليكي اي وقت وهتبقي تحت عنينا.
غمغمت بامتنان: ربنا يخليك ليا يا جوز خالتي ومايحرمني منك. ويفرحك بسارة يارب.
_ اللهم امين ، ويعوضك خير يا بدور أن شاء الله.
استيقظت بدور اليوم التالي بقمة من النشاط وعي تتأهب لول يوم عمل لها في الصيدلية، ياله من شعور بالرضا والراحة يغلفها بعد حصولها علي تلك الفرصة، فالنقود التي بقيت معها من ثمن المجوهرات التي أخذتها من والدة عزت، اقتربت علي النفاذ، ابتسمت بتهكم وهي تتذكر مكر الأخيرة، تُري هل كشفت مكيدتها وان ذهبها التي تتباهي به جميعه ذهب زائف؟ تذكرت كيف بدلته بمساعدة الصائغ كي ترد الصاع صاعين لتلك الشمطاء، لتكون أخر صفعة تتلقاها من بدور التي تعلمت كيف يكون لها مخالب تخمش بها من يؤذيها.
"مش هتفطري يا بدور؟"
أجابت خالتها علي عجلة من أمرها: مش جعانة والله يا خالتي، هشتري سندويتشات من الطعم القريب ده وابقا افطر في الصيدلية.
ثم انحنت تلثم يدها باحترام: دعواتك ياخالتي، ده اول شغل ليا، انا عمري ما اشتغلت قبل كده.
تبسمت لها بحنان وغمغمت: ربنا يوفقك ويفتحلك أبوب الخير كله يا بدور يا بنتي.
همت بالرحيل ليوقفها زوج خالتها: استني يابدور
التفت له مبتسمة: نعم يا جوز خالتي.
دني ننها ليضع بين كفها بضعة نقود، وقبل ان تهم باعتراض رمقها بتحذير: إباكي ترفضي وتزعليني منك، انتي زي سارة وده اول يوم شغل ليكي ومحدش يضمن الظروف، خلي القرشين دول معاكي محدش عارف المواقف اللي ممكن تتعرضيلها.
توقفت يدها عن مقاومته وهي تتقبل نقوده، لكن عيناها لم تتوقف عن ذرف دموعها وهي تتذوق حنانه الذي لم تعتاده من رجل، كأنه يملأ داخلها فراغ الأب الدي حُرمت منه باكرًا، ودون تخطيط انكفأت تلثم كفه هامسة: ربنا يخليك ليا ياعم صابر انت وخالتي وسارة، انتو أماني وسندي الوحيد بعد ربنا وعوضه ليا.
طاقة إيجابية كبيرة تسربت لنفسها وهي تودع خالتها وزوجها ثم توجهت نحو علمها، لتحيد قبله علي ذاك المطعم القريب تبتاع منه شطائر ساخنة.
بمهارة يتقنها جيدا، راح يشكل الكرات الخضراء المرصعة بحبوب السمسم والكزبرة، و رائحتها الزكية الدافئة تجذب كل من يمر جوارها ان يشتريها ويتذوقها، راح رضا يغمس الكرات بزيت ساخن غزير، وحدقتاه تكاد لا تحيد عن موضع ولوج زبائن مطعمه الشعبي ذو السمعة الطيبة، ينتظر حضور جميلة المقل التي تأتي إليه كل صباح تأخذ نصيبها من عجينته الخضراء الساحرة، ويأخذ هو نصيبه من سحرها هي، راضي بتلك الدقائق القصيرة التي ينالها برؤيتها كل يوم وهي تشتري شطائر الطعمية منه، صار وكأن صباحه لن يبدأ اشراقه إلا عندما تطل هي عليه بوجهها الحبيب، أتت الجميلة الغامضة تشق طريقها بين الزبائن، تبا لهم جميعا، ألا يرون الأميرة تمر من بينهم ليفسحوا لها الطريق،.ألا يوجد احترام لهيبة جمالها؟ تن*د حين أضحت قبالته و بسطت يدها الصغيرة هاتفة بجدية: ( عايزة تلاتة طعمية واتنين فول وشوية مخلل ) ليأخذ منها النقود مغمغما ( وواحد بابا غنوج مني للأميرة)
رفعت حاجبها الجميل باعتراض: أنت هتتفضل عليا يا ؟
استقبل سخطها الذي كشف عفة نفسها صائحا وهو يستغل تقديم نفسه لها كفرصة جاءته علي طبق من ذهب:
انا رضا يا يا احلي البنات، وانا هدفي نعمل واجب مع الغريبة عن حارتنا اللي نورتنا.!
بتهكم ردت عليه: ما غريب إلا الشيطان ياخينا، وخليك في حالك مش بقبل واجب من حد معرفوش.
رد عليها بطيب خاطر مافهمت حدتها: خلاص ماتزعليش نبتي خير والله، دقايق واجهز طلبك بنفسي، اتفضلي ارتاحي هناك لحد ما أخلصه!
انزوت "بدور تنتظر تجهيز شطائرها بعين شاخصة تتفكر فيما آل إليه حالها منذ تركت بلدتها بالشرقية، وانفصلت عن عزت حاربت لتنال حريتها ونالتها أخيرا، نجحت بالتخلص من ضعفها وهاهي تبدأ من جديد بعمل شريف يكفيها شر الحاجة، لن تكون عالة حتي علي خالتها، لا تحتاج منهم غير الأمان والونس والرفقة
_ اتفضلي ياست الكل!
فاقت على صوت "رضا" يفصلها عن شرودها وهو يقدم لها شطائرها التي أغرتها برائحتها الزكية، فتمتمت بشكر مقتضب وغادرت فراقبها بعيناه البنية المولعة برؤياها وغمغمته الهامسة لذاته : ياترى حكايتك إيه ياست البنات؟! وليه النصيب رماكي في سكتي تاني بعد ما شوفتك صدفة؟!