الفصل العاشر
هناك أخطاء نرتكبها.
ولا يكفي العمر لإصلاح ندوبها الغائرة.
لكن دائما بقدر الندم تنبت بذور الأمل.
أمل في الصفح والغفران.
مما اقترفناه في حق من نحب.
لم يغب عن حدقتاه المترصدة لهما، وميض استغاثة عين روان لشقيقه،
هروبها المرتبك وبعده تدخل أخيه مساندا لزوجته جعله يزداد ريبة شك
، ليتشعب شكه لحد مخيف لم يبلغه من قبل
فالتفت عنها متظاهرا بالعدول عن فكرته، وبعد دقائق استأذن ليصعد شقته.
لينتظر كليهما مفاجأة لم تكن بحسبان الأخر.
"أفتحي تليفونك عايز اشوف الواتس بتاعك"
هذا أول ما قاله بعد أن صعدا وأوصد باب شقتهما عليهما لتتعجب طلبه وتجيبه: مالك يا يوسف ليه م**م الليلة دي تشوف الواتس بتاعي مش فاهماك؟ أظن دي حاجة خاصة مايصحش تشوفها وماتخصش غيري.
بنظرة ثاقبة حدجها بها مليا قبل ان يقول:ليه هو الواتس في حاجة تخافي اشوفها يا روان؟
بدأت ترمقه بقلق ثم ادعت التثائب والرغبة في النوم: حبيبي هخاف من ايه، أنا بس مستغربة، طب خليها الصبح عشان هموت وأنام.
فقد كل ذرة صبر وتعقل داخله وهو يراها تتهرب منه وترحل بتلك البساطة، ليندفع نحوها بغتة
فتتسع عين روان بذهول وهو يلتقط هاتفها بقوة، وبدون مقدمات أمسك ذراعها بعنف صارخا عليها: بقولك افتحي الزفت ده أو هاتي الباسورد الشاشة، عايز اشوف كنتي بتكلمي مين يا روان.
دهشة حقيقية لجمتها وهي ترى ثورته عليها وأصابعه تنغرز بلحم ذراعها فآلمتها لتصرخ عليه: سبني يا يوسف انت اتجننت؟ هدر عليها بغضب: أيوة اتجننت، ولو معملتيش اللي بقولة وفتحتي تليفونك هتشوفي مني وش عمرك ما شوفتيه
استفزها صياحه وشكه الواضح بها، فتلبستها روح عناد أكثر حماقة والشيطان يتلاعب بخيوطهما بين يديه گ الدُمى وهي تصرخ عليه: طب والله ما فاتحاه وريني هتعمل ايه يا يوسف
هنا فقد بقايا تعقله وهو يندفع ويلطمها لطمة قوية دفعتها لتصطدم بالأريكة خلفها، وصراخها الهادر وصل لسمع شقيقه بالطابق الأسفل، ف التهم الدرج إليهما و اشتعل كفه طرقا على الباب مع صياحه: يوسف بتعمل ايه في مراتك افتح الباب أرجوك.
لم يبدو عليه انه يسمع شيئًا وهو يض*بها بقوة فاقدا إدراكه بما يفعل ليجد ذراع أدهم تدفعة بعيدا عنها لاهثًا ينظر لما فعله بها وهو يصيح: ايه اللي عملته ده يا يوسف، في حد يض*ب مراته كده؟ وعشان ايه؟
_ عشان خاينة!
بثق كل شكوكه وظنونه التي تكثفت داخله طيلة الأيام الماضية. وانطلق اتهانه المشين لهما گ السيف الذي ذ*حها ذ*حا، انفلت زمام الأمر وتلبسته روح شيطان رجيم كما كان يخاف قبلا، كثيرا ما صنع خياله مشهدا مشابه وهو يشاهد خيانة زوجته مع أخيه، وتشابكت خيوط الخيال مع الواقع فأنتجت تلك الكارثة.
الكلمة اخترقت مداركها گسهم من نار خدش روحها لتتوقف عن البكاء وهي تحملق فيه بصدمة وتردد الملمة بضميرها الخافي، خائنة؟ من؟ هي خائنة؟كيف ظنها هكذا، كيف يُلصق بها شيء مخزي گهذا؟
تلقى أدهم نصيبه من الصدمة باستطراد يوسغ له: وأنت كمان خاين، بتخنون اخوك اللي رباك يا.!
صفعة قاسية هبطت علي وجهه من كف والدته، التي صعدت إليهم وسمعت اتهام يوسف المشين في حق شقيقه الأصغر وزوجة أخيه، لتصرخ عليه بثورة مخيفة:
_ انت ازاي تخرف التخريف ده؟ بتشك في اخوك ومراتك يا مخبول؟ أنت اتجننت يا يوسف.
ثم التقطت الهاتف أمرة زوجته بفتح قفله الخاص بشاشته، وبلحظات كان يوسف يقرأ المحادثة التي كانت بين أدهم وروان، كانوا بالفعل يتحدثون سويا لكن فحوى حديثهما هو ما أورثه صدمه شديدة وجعلت الذهول يتخلل وجهه وهو يتبين حقيقة الأمر، روان حامل ويبدو أنها علمت بهذا الخبر اليوم فقط، فكانت تخطط مع أخيه كيف سينظمان له مفاجأة مميزة في الغد ليعلم بقدوم طفله بعد أشهر.
صراخ والدته أجفله وهو يرى روان تسقط أرضًا مغشيًا عليها. هرول يحملها وأرقدها فوق فراشها وبلمح البصر هبط ليحضر طبيبا بينما اختفى أدهم من أمامه دون قول كلمة واحدة.
روان تحمل طفله الآن وهو لا يعلم؟
طفلا كاد يُزهق بيديه روحه بجهالة، محترقا بنيران الشك والظنون والغيرة اللعينة، غيرة عمياء حمقاء، أطاحت بفرحته التي طمح لها كثيرا، مشاعره شتى ومختلطة تتصارع داخله الأن، غضب، ندم، حزن، خوف، خجل، ليحتل الغضب من جديد داخله. فيستعر جمره أكثر، كيف يسبقه علم أحد بقدوم جنينه الأول؟ لم يكن في حسبانه ان يكون هو الضلع الغافل عن خبر گ هذا، كان أحق انا يعلم قبل الجميع.
أي مفاجأة وأي هراء هذا الذي كانا يخططانه معًا؟
المفاجأة كان لابد أن تكون خاصة به وحده مع زوجته، هما فقط من يدبرا الأمر.
غادر الطبيب غرفتها لتوه، فنفض عنه شروده الحزين متسائللا بلهفة: طمني يا دكتور مراتي والجنين بخير؟
أجابه الطبيب مطمئنا: بخير إن شاء الله، بس محتاجة راحة تامة عشان الحمل بثبت، ويفضل أما تشد حيلها تعمل متابعة للحمل في العيادة، خصوصا انها لسه في الأول، وواضح أنها اتعرضت لضغط عصبي، وده مش في مصلحتها خالص دلوقت، ( واستطرد) هتجيب الأدوية دي والمدام هتمشي عليها بانتظام، وبأكد تاني علي الحالة النفسية والراحة التامة.
بوجه مكفهر ودع الطبيب ثم ابتاع الأدوية وأعطاها لوالدته التي تصاحبها بالغرفة، وبدون أن يتبادل معها كلمة واحدة غادرها مختليا بنفسه نا**ا رأسه بعبوس حزين بعد ما انقلبت الطاولة فوق رأسه، فالمفترض أن يكون جوار حبيبته، لكن روان عازفة عن رؤيته وتحتاج لراحة خاصتا النفسية منها ولديها كل الحق، أما شقيقه أدهم فعلم من والدته انه ذهب لمنزل صديقه يمكث عنده بضعة أيام.
_ يوسف.
لم يرفع عينه إليها محتفظًا بهدوء ظاهري وداخله حمم تفور لتستأنف والدته وهي تجلس جواره بعتاب لا مفر منه:
_ انت اتسرعت يا ابني وشكيت في أقرب اتنين ليك وسلمت نفسك للشيطان، بقى تشك في اخوك ومراتك؟ كان فين عقلك يا يوسف فهمني، عارفاك بتغير عليها بس الغيرة يا ابني ليها حدود لو خرجت عنها بتخرب بيوت كتير وتهدم علاقات.
بنظرة مهزومة رفع بصره لها ثم عاد مطرقا رأسه من جديد متشبثا بحبال ال**ت، فرغم صحة ما تقول ، هناك جانب لثورته لم يدركه أحد، شيء يجعل الغضب محفور على وجهه المظلم. هما من دفعوه لهذا المسار بنظراتهما المختلسه ورفض زوجته أن تطلعه علي هاتفها وتمسكها بعناد لعين.
_ رايح فين يا يوسف؟
أوقفته قبل ان يرحل ليغمغم باقتضاب:
هنزل تحت وحضرتك خليكي هنا مع روان.
ثم همس برجاء فطر قلب والدته:
أوعي تخليها تمشي يا أمي، عشان خاطري.
قالها ثم تبخر من محيطها تماما.
فهذا أكثر ما يحتاجه الآن.
لتهمس خلفه بعين دامعة: لا حول ولا قوة إلا بالله، عين وصابتكم يا ولادي، ربنا يهد*ك يا ابني، ويعدي الأزمة دي علي خير، ومراتك واخوك يسامحوك وماتضيعش فرحتنا باللي جاي.
"شريط بنادول من فضلك يا أنسة"
لبت بدور طلب أحد الزبائن لتصيح من خلفها زميلتها في العمل: يلا يا بدور تعالي ناكل لقمة ونشرب حبة شاي، دي ساعة الغدا بتاعتنا.
جلست بدور قُبالتها وأخرحت شطائر الطعمية الباردة وقبل ان تلتهم بعضها صاحت الأخري: بدور انا معايا سندويتشات بانيه تاكلي معايا؟
ابتسمت لها بعفة نفس: شكرا يا أميرة بألف هنا علي قلبك.
_يابنتي تغير عن الطعمية اللي بتفطري وتتغدي بيها دي.
_ أنا بحب الطعمية جدا، المطعم اللي بجيبها منه بيعملها خلو اوي، وبعدين انا بتغدي مع خالتي لما برجع، مش بيرضو ياكلوا من غيري.
ابتسمت لها الأخيرة بإيماءة. وبزأت كل واحدة، تتناول طعامها قبل ان يأتي زبائن أخرون، وأثناء طعامهما أتي أحدهم فنهضت بدور سريعا وهي تقول: خليكي انتي يا أحيرة أنا هشوف الزبون عايز ايه.
لم تكن قد تبينته بعد، كان ذاك الشاب التي تبتاع من مطعمه كل يوم أقراص الطعمية الساخنة، لم تكترث لذلك وهي تقول بنبرة عملية: تحت أمرك؟
لوهلة توتر وهو يطالعها وقد نسي ما أتي من أجله، لكنه تذكر فقال سريعا: كنت عايز أقيس الضغط لو سمحت.
أومأت له ببساطة: تمام.
وأحضرت الجهاز المخصص لقياس الضغط وطوقت أعلي ساعده بقطعة لصقت طرفيها بقوة وبتركيز شديد راحت بعيناها المذهلة بالنسبة له تراقب لثواني مؤشر الجهاز، ورضا يتأملها عن قرب ويرتشف تفاصيل محياها الفاتن، لتنتهي لحظته الحالمة سريعا وهي تقول له:ضغطك فعلا عالي شوية، أنت بتاخد علاج للضغط العالي؟
_أيوة، بس بقالي يومين مش أخدته، خلص ومافضتش اجي اشتريه.
_ أسمه ايه؟
أخبرها بأسم دوائه فأحضرته وأنقدها ثمنه لتهتف بجملة عادية: ألف سلامة.
حدجها بنظرة دافئة تعجبتها كثيرا لكن گ عادتها لم تهتم. نفضت أثرها الخاطف سريعا وعادت تكمل طعامها، لتغمغم رفيقتها التي كانت تراقب من موقعها كل شيء: تعرفي ده مين يا بدور؟
الأخيرة ببساطة: أيوة ده بتاع المطعم اللي بجيب منه السندويتسات بتاعتي كل يوم.
_ أسمه رضا علي فكرة.
بدور كنوع من الدردشة العادية: أيوة اعرفه كويس.
_ غريبة مع انك مش ساكنة هنا.
_ بس شغالة هنا بقالي فترة، وتقريبا عرفت معظم الناس المميزين بسمعة طيبة علي الأقل.
_كويس جدا، أنا بقا معرفش هنا غير خالتي وجوزها وسارة بنت خالتي.
أميرة بعد ان ابتلعت بعض الطعام: انتي منين يا بدور.
_ من الشرقية، ومحتش القاهرة غير مرة مع أمي الله يرحمها، من زمان اوي لما كنت طفلة.
_يعني تقريبا طول عمرك عايشة في الشرقية، ايه بقا خلاكي تسيبيها وتيجي القاهرة عندنا؟
تركت بدور قطعة الشطيرة التي بيديها و**تت تتدكر أخر ما مرت به قبل مجيئها. عزت وظلمه. والدته وجبروتها والمرار التي تلقته علي يديها، وثورتها علي كل ما عاشته وقرار انفصالها، كل شيء مر طيفه سريعا بخيالها، لتهمس دون وعي وكأنها تحاكي نفسها: جيت أغير حياتي واعيشها زي منا عايزة، مش زي ما غيري كان عايزني اعيشها.
عقدت أميرة حاحبيها دون فهم: يعني يا بدور مش فاهمة.
استعادت بدور تركيزها ونهضت وهي تقول: يعني كفاية. كلام ونرجع نشوف شغلنا، مش مهم حيت ليه، المهم اني هنا يا أميرة وبشتغل واصرف علي نفسي يعني محدش يقدر يتحكم فيا غيري.
رمقتها أميرة بعمق وشعرت ان تلك الفتاة لديها الكوير من الخبايا، وربما في وقت ما تعلم عنها كل شيء ويصبحا أصدقاء حقيقين.
"مرتاحة في شغلك يا بدور"
الأخيرة بحماس: جدا جدا يا سارة، صحيح لما بيكون في زبتين كتي. مش بنلاقي وقت حتي ناكل لقمة، بس بجد مبسوطة اني دلوقت بصرف علي نفسي، خلاص يترسارة ئمري بقت في ايدي لوحدي بعد ربنا طبعا، ومش في ايد زوج متسلط ولا أخ بقا له ظروفه اللي مقيداه، عارفة يا سارة الجملة اللي بتقول " ما حك جلدك مثل ظفرك؟" هي دي بقيت قانوني ومنهجي في الحياة.
واستطرد وعيناها تغيم: محدش غيري هيساعدني، لو وقعت لازم اتعلم اقوم لوحدي، لو بكيت بإيدي همسح دمعتي.
ربما ينتابها الإعجاب تجاه ابنة خالتها الراحلة، لكن في الوقت ذاته تشعر نحوها بالشفقة، ما تعرضت له بدور "نحت" بها شخصية جديدة وغريبة عليها، الغضب والقسوة يتوهجان بعيناها دائما، هي تبحث عن القوة، بعد ان عاشت عمرا تتلحف بعباءة الضعف والخنوع، من يلوم سجين رأي النور بعد حجيم العتمة سنوات وسنوات.
_واخرتها معاك يا عزت، لحد امتى هيفضل ده حالك من يوم ما اطلقت الزفته بدور وانت متلخبط و مش مركز في أكل عيشك يا ابني.
تمتم بغل: مقهور ياما منها، مكانش لازم أنولها مرادها بالساهل، مش انا اللي تخلعني وتفضحني في الحتة كلها وتقول عني كلام يكره الناس فيا ويهز صورتي قصادهم، حاسس اني لازم انتقم منها عشان ارتاح.
زبت علي ص*رها بفزع: ياسوادي عليك ياعزت، تنتقم من مين؟ هو الموال ده مش هيتقفل؟ اهي غارت في داهيه عند خالتها وارتحنا منها، سيبك منها خالص وانا هجوزك ست ستها كمان، وتفضى لحالك ومحتالك يا ابني.
ثم اغرته بقولها: طب ده انا منمرة ليك على حتة عروسة يا واد عزت، هتنسيك بدور وأيامها السودة، وهتنسيك امك كمان.
ثم ربتت علي مافه بحنان: عشان خاطري ياعزت فوق لروحك، انا نفسي اخطبهالك وافرح بيك، عايزة اشوف عيالك ياواد قبل ما اموت.
انزعج لقولها: بعد الشر عليكي ياما، خلاص شوفي امتي عايزة نخطبها وانا جاهز.
تنفست الصعداء وقتلت بحماس: ايوة كده ياحبيب امك، أنا همهد للموضوع مع امها، اصل انا اختارتها غلبانة، عشان مايكونش لها طلبات وتوافق تعيش معانا هنا وتخدمني، وهنغير بس اوضة النوم بتاعتك ونعملها وشين نقاشة وبعدها تتجوزا علي طول.
_ اللي تشوفيه ياما.
ابتعدت ووجها يضوي من فرحتها، لينغمس هو بشروده ومازالت فكرة انتقامه من بدور تجول برأسه وتسيطر علي تفكيره.