الفصل الخامس عشر
فشلت محاولته كي ينتقم منها، لا يعرف من أين أتاه ذاك الرجل وأنقذها من براثنه، لكن لن ييأس، جعبة شرورة لم تنفذ بعد، هو يحيك لها أمرا أكثر إيلاما، لن يتركها تنعم باستقلالها عنه بتلك السهولة، دون ان يغرز بها نصل سكينه الحاد ويترك ندبته الغائرة داخلها، مخالب عزت لا تترك ثأرها قط، سيخمشها بمخالبه كي لا تنساه.
_مالك يا بدور، متغيرة من وقت ما جيتي؟
قالت الأخيرة بشخوص: بفكر يا سارة.
_ماهو باين وواضح أنه تفكير عميق اوي كمان، بس في ايه؟في جديد حصل معاكي معرفوش يا بدور؟
تردد قليلا وهي تطالعها قبل ان تقرر إخبارها بما حدث، علها تستريح حين تلفظ ما بص*رها، أنتهت من سردها لكل ما مرت به تلك الليلة لتصيح سارة بفزع: يا ليلة بيضا؟! طليقك جه لحد هنا و اتهجم عليكي في العيادة؟! الله يحرقك بجاز ياعزت.
_امين، إلهي اسمع خبره عشان ارتاح من ق*فه.
_لعلمك آخرته اكيد هتبقي سودة، بس قولتيلي رضا هو اللي انقذك منه فعلا؟
عادت لها نظرتها الشاخصة: ايوة.
_وايه جابه عندك ؟ ازاي حصلت الصدفة دي يعني؟
_معرفش يا سارث، أما سألته قالي أنه عدي صدفة من عند العيادة وسمع صوتي.
قالت بريبة: وانتي مصدقة أنه كان موجود صدفة هناك فعل؟ أساسا عرف منين انك شغالة هناك بالذات؟!
اشاحت بدور بوجهها بعيدا وردت باقتضاب: مصدقة ولا لا مش هتفرق معايا، ولعلمك انا قولتله اني بكرهه وبكره كل جنسه وانه لازم يبعد عني ويقطع أمله فيا.
_وقالك ايه؟
أطرقت بشرود تتذكر نظرته إليها قبل أن تهمس بخفوت: مقالش حاجة خالص يا سارة، **م يوصلني بيتي ومتكلمش معايا ولا كلمة، وصلني عشان خاف عزت يكون لسه بيراقبني ويهاجمني تاني وأنا لوحدي.
ساد بينهما ال**ت قليلا كلا منهما سابحة بفلك أفكارها لتعاود حديثها بعقلانية: بدور، مش شايفة انك اتسرعتي شوية في رفضك لراجل زي رضا؟ واضح أنه بيحبك قوي حب حقيقي يا بنتي، حب يمكن يغير حياتك كلها للأحسن بس أنتي وافتحي بابك واديله فرصة يقرب منك، بلاش تصديه وجربي.
بنظرة استنكار صاحت بحدة: أدي لمين فرصة يا سارة؟ وبيحبني كمان؟ دول وحوش مايعرفوش يحبو غير نفسهم وشهواتهم وبس، كل الرجالة عجينة واحدة وتفكير واحد، هو يمكن عجبه شكلي وعايز يدوق لقمة مشتهيها مش أكتر، بس صدقيني اول ما ياخد غرضه مني هتركن على جنب كأن صلاحيتي گ أنسانة انتهت بالنسباله، مش هيفتكرني بس غير لما يحتاج يروي عطشه.
لتعود وتهمس بمرارة وعين دامعة:
رضا زي عزت زي الكل يا سارة، كلهم واحد، كلهم زي بعض.
طاقة غضبها التي طفحت من جوفها الأن جعلت ابنة خالتها تشفق عليها، المسكينة لازالت تعاني ندوب زيجتها السابقة، جروحها حية وتؤلمها، من يلومها لو كرهت كل من اقترب منها؟هي تحترق بداخلها ومن سيجازف بالاقتراب، ربما يحترق معها وبها..
وجدته شاردا منذ عودته فاقتربت منه تغمغم بما تظنه سيفرحه: عشان تعرف ان امك عايزة سعادتك، الاوضة بتاعتك خلاص اتوضبت ومبقيتش ناقص غير العروسة تنورها ياعزت، ايه رأيك؟ عزت! انت ياواد ياعزت.
انتفض لصوتها فقال: نعم ياما.
_نعم ياما؟ نعم الله عليك يا اخويا، مالك ياواد سرحان من الصبح، بكلمك وانت ولا انت هنا، احنا هنعيده من تاني؟ وبعدين تعالى هنا فهمني، انت نزلت القاهرة تهبب ايه من يومين؟ ها؟ انطق يالا.
_كان عندي مصلحة شغل هناك ياما، ارتاحتي؟
_ابدا ياعين امك، ولا ارتاحت ولا هرتاح غير لما تشيل البت دي من دماغك، ياواد ده عروستك بالنسبالها ملكة جمال، وصغيرة ودلوعة وهتفرفشك، اسمع كلامي دي نقاوتي
_ياما انت عايزة ايه تاني خطبنا العروسة وكلها اسبوعين علي كتب الكتاب، مطلوب مني ايه تاني؟
_مطلوب تفوق لروحك وترجع عزت ابني اللي مفيش حاجة تأثر فيه.
شخصت عينه وهو يقول: أوعدك يا امي هكون احسن من الاول بس انفذ اللي في دماغي، وقتها هرتاح واحس اني اخدت حقي.
لم تتجاوز جملته الأخيرة حلقه، فقد تردد بين خلايا عقله، بينما اطمئنت والدته إنه استجاب لها غافلة عن نواياه الحقيقية وما يحيكه في الخفاء.
رحل أخر مريض في العيادة وتأهبت بدور للمغادرة كعادتها.
"برضو مش هترضي اوصلك في طريقي يابدور؟"
كادت ان توفق بعد ان تذكرت مهاجمة عزت لها، ولا تنكر خوفها ان تتعرض لهجومه ثانيا، لكن في الوقت ذات لا تريد الاستسلام لأسر خوفها منه، حتي لو فعلها وظهر بطريقها ستواجهه بكل قوة وبسالة، بل ستهزمه شر هزيمة.
_ شكرا يا دكتور، مش مستاهلة واديني بتمشى لحد بيتي، اتفضل حضرتك.
لم يجادلها كثيرا وودعها لتُسرع بغلق النوافذ وهي تتلفت خلفها كل لحظة خوفها من اي مباغتة، ثم دست بحقيبتها "سرنجة" كبيرة تدافع بها عن نفسها إن ظهر عزت، وتقسم ستغرزها بعيناه وتفقعها له لو حاول التعرض لها، أغلقت الباب ومازالت تتلفت بحذر حولها وهبطت الدرج لتلمح ضل أحدهم يقترب منها، أرجف فرائضها الخوف بشدة وارتعشت لكن سريعا ما تماسكت وأخذت نفس عميق قبل أن تستدير موجهة أبرة المحقن لصاحب الظل الذي كان أسرع منها وهو يقبض على ذراعها بقوة ويطالعها بدهشة، اما الذهول الحقيقي كان من نصيبها وهي تغمغم بخفوت: رضا؟
نظر إليها بثبات بعد ان نفض دهشته قائلا: أيوة رضا، ولا كنتي منتظرة حد تاني؟
يُخيل إليه انها تنفست براحة وهو يرى بريق نظرتها العنيف يهدأ وتروق سحابة خوفها وذراعها يرتخي قليلا، قبل ان تستعيد شراستها بلحظة واحدة وهي تدفعه عنها هادرة: انت ايه موقفك هنا في الضلمة يا جدع انت، خضتني ووقعت قلبي وافتكرتك عزت.
ابتسم بجاذبية تلاحظها للمرة الأولي وهو يقول بحنان لمس قلبها: سلامة قلبك يا ست الكل.
وواصل بتوضيح: أنا عارف وقفتي هنا مش ظريفة، بس انا اضطريت اعمل كده عشان لو طليقك حاول تاني بتسلل ويهاجمك امنعه عنك واربيه بطريقتي.
تراقصت ابتسامة طفيفة مترددة علي شفتيها، وشعور حلو المذاق ان أحدا يهتم لحمايتها، شعور وجد صداه بقلب أنوثتها الضعيفة، لكن گعادتها حاربت ابتسامتها قبل ان تكتمل وهي تمحيها وترسم العبوس مع قولها: لا كتر خيرك، حتي لو ظهر انا كنت هفقع عينه بالسرنجة دي وادافع عن نفسي.
ابتسم باستخفاف: كنتي هتخوفي طليقك بسرنجة؟
_ أيوة زي ما كنت هعمل فيك دلوقت، تنكر؟!.
ن** رأسه يواري ابتسامته قبل ان يعود وينظر لها قائلا: لا مش هنكر، اتفضلي بقا عشان اوصلك.
رمقته مليا لبرهة قبل ان تتحدث بعقلانية: وكل يوم هتيجي هنا عشان توصلني؟
أجابها دون تردد: أيوة كل يوم.
_ ليه؟
**ت يتأملها وعيناه يسيل منها عاطفة جياشة لا يخبئها قط، ثم قال: عشان احميكي يا بدور، مقدرش اعرف ان ممكن في ليلة الحقير ده يتعرضلك ويأذيكي، وانا عادي كده اسكت وارجع بيتي أنام وكأني مش عارف.
_ وايه يجبرك علي كده؟
_ عشان بحبك.
كادت تغادر شفتيه بلوعة، لولا ان كظمها بقوة داخله، كيف يذل نفسه من جديد ويعترف بحبه الغالي وهو يعلم انها لا تريده ولا تحبه؟! لتقاطع بدور شروده بسؤال جديد: طب بلاش ايه يجبرك لو السؤال صعب عليك، لكن هتاخد ايه في المقابل؟ فاكر كده هتجبرني اوافق اتجوزك؟ طب أحب اريحك يا ابن الناس واقولهالك تاني، أن مستحيل اربط حياتي تاني براجل، انا بكرهكم كلكم ومحدش فيكم يستاهل اضيع عمري عليه،.وفر علي نفسك أمل مش هيتحقق وبلاش تفكر فيا تاني، أكيد هتلاقي واحدة تانية تحبها وترضي بيك.
لو تعلم كيف جرحته وأحزنته لأشفقت عليه ورحمته من هذا العذاب، قلبه ينزف وهي لن تكترث بمداواته، لكن كيف تداويه وهي الأخري تنزف مثله، سحقا لذاك العزت، دمر داخلها أمانها وثقتها التامة في جنسه، لا يعرف هل يبتعد وكفاه إهانة وجروح، ام يظل منها قريب فقط ليحميها حتي دون أمل؟! وحسم. أمره وهو يقترب قليلا هامسا: أنا مش عايز منك حاجة يا بدور، ولا أنا الراجل اللي يرمي نفسه علي ست مهما كانت، أنا بحميكي زي ما كنت هحمي اي واحدة مكانك اعرف انها في خطر، رجولتي وضميري هما اللي بيجبروني اعمل كده مش اي حاجة تانية.
لا تدري تفرح لما قاله أم تحزن، يتردد داخلها صوتان، أحدهم ينادي بالمزيد من مشاعره التي تحتاجها منه گ أنثي، والأخر يصده ويترجاه ليرحل عنها دون رجعة.
أشار لها لتتقدمه ب**ت، فسارت أمامه بخطي هادئة وهي شاردة تفكر، حتي اقتربت لمسكنها، ودون كلمة واحدة ابتعد عنها رضا بخطي سريعة لا ينظر خلفه، كأنه اطمئن لوصولها حيز منزلها حتي ابتعد، هو مثلها يحارب ذاته، يحارب قلبه كي يلفظها منه، تن*دت وصوت ضميرها يهمس بأن يا ليت بوسعها منحه ما يريد، يا ليت.
*سمعتوا أخر الاخبار يا ولاد؟ بدور بنت اخت الحاجة أم سارة طلع جوزها مطلقها عشان اخلاقها كانت مش ولابد، عشان كده سابت بلدها وجت تعيش هنا وسطينا.
*الله يسترها علي ولايانا يا جماعة، ده بيقولوا كمان إن استغفر الله العظيم يعني، في علاقة بينها وبين الدكتور اللي بتشتغل معاه، وأنهم كل ليلة بعد ما الزبائن بيمشوا، بيغضبوا ربنا من غير ما حد يشوفهم، الله يسترها علينا وعلي بناتنا يارب.
*ده في صور كمان متاخدة ليها هي والدكتور، صحيح ياما تحت السواهي دواهي، والله ما كان يبان عليها.
بغتة ودون ترتيب قامت القيامة عليها و صارت سمعة بدور مثل العلكة بأفواه العالمين، بعد أن تأمر عليها طليقها عزت مدعيا عليها زورا برواية كاذبة حاكها ضدها، وهي أنها تمارس البغاء في الخفاء مع الطبيب حين تخلو العيادة من مرضاه كل ليلة، مدعما قوله الزور هذا بصور ملفقة ومفبركة لهما بأوضاع مشينة، ولكن من سيحاول ان يتحقق من كذب هذه الصور؟ العار مثل الغراء يلتصق بصاحبه دون خلاص، تشعر أن نيران عار لم تقترفه يحرقها حرقا وروحها تتبخر، و الجميع ينظر لها بشك وظنون، فقدت العمل مع الطبيب ، كما أجبره كبار القاطنين في المنطقة لمغادرة لعيادته المؤجرة والبحث عن أخرى، و غادرها الرجل منعًا للقيل والقالو هو كان بغنى عن كل هذا!
ماذا تفعل؟ اين تذهب؟ وهل أن رحلت لتعيش بمفردها سيتركها الناس؟ ام سيغزلون عنها القصص الملفقة ثانيا؟ دائما سيكون هناك عزت وتكون هي ضحيته، لا تدري كيف تتخلص من هذا العذاب والظلم الذي يلاحقها أينما ذهبت، هذا كثير عليها، كثير كثير، أنهارت تبكي بغرفتها قليلة الحيلة وليس لها حول ولا قوة.
گ الأسد الجريح يتلوي رضا من فرط غضبه وهو عاجز عن فعل شيء لأجلها، كيف لهذا الحقير ان يؤذيها ويلطخ سمعتها بهذا الشكل، لوث سيرتها وهو الأعلم بكل ما حدث، هل لو تحدث بما رأه سيصدقه أحد؟ ام ربما يؤذيها أكثر لو قال ما عنده؟ ماذا يفعل لينقذها من هذا المأزق؟ ماذا يفعل.
وهنا برقت عيناه بقوة وعزم، وحل وحيد هو ما يينقذها من كل هذا وينصفها بين الناس ويعيد لها كرامتها من جديد.
"أنا طالب منك ايد بدور يا عمي صابر"
فاجأه بحق طلب رضا وتمتم بدهشة: أنت بتتكلم جد يا رضا يا ابني؟ يعني انت مصدق انها مظلومة؟
_ أنا أكتر واحد متأكد انها بريئة من كل اللي اتقال ياعمي، عشان كده جيت اقول لحضرتك انه يشرفني انها تبقا مراتي.
لمعت عين الرجل بدموع لا تخلو من أعجاب وهي يربت بقوة علي كتفه قائلا: والله بدور لو لفيت الدنيا شرق وغرب ما هتلاقي راجل زيك يا رضا، خلاص يا ابني انا هوصلها طلبك وان شاء الله خير.
صاحت زوجته بذهول بعد أن أخبرها بطلب رضا: انت بتقول ايه يا حاج؟ رضا طلب بدور بنت اختي تاني رغم اللي حصل وكلام الناس عنها؟!"
أقر لها مبتسما: أيوة يا حاجة، الراجل شاريها وعايزها، وقالي انه مش مصدق حرف اتقال عنها، ولا حتي الصور اللي فبركها عزت الله ينتقم منه.
تنفست براحة وفرحة غامرة: الحمد لله يارب الحمد لله، عارف يا حاجة لو بدور اتجوزت رضا دلوقت؟ هتخرس كل الألسنة اللي بتتكلم عليها ومحدش هيجيب سيرتها تاني.
_ بس المشكلة انها توافق يا حاجة ومش ترفض زي كل مرة.
لمعت عين زوحته بحزم وهي تغمغم بثقة: هتوافق يا حاجة صابر، معندهاش خيار غير انها تتجوز رضا.
دنت إليها بحزن وعانقتها ب**ت قبل ان تهحس لها: خلاص بقا يا بدور متعمليش في نفسك كده حسبني فيه ولله ربنا هينصفك ويجيب حقك منه ويظهر براءتك
ببؤس رفعت بدور وجهها الشاحب الباكي وعيناها المنتفخة وهي تهتف بخفوت: براءتي هتظهر ازاي يا سارة؟ الناس عمرها ما بتصدق غير الوحش، ده لو حصلت معجزة وعزت ضميره صحي، وقال ليهم بل**نه انه افترى عليا، الناس مش هيصدقوا كلامه، أنا خلاص اتو**ت بالعار ولازم امشي من هنا، مبقاش ينفع افضل وسطيكم.
"فعلا لازم تمشي من هنا يا بدور"
بذهول التفتت سارة لوالدتها التي صاحت بجملتها السابقة، وقبل ان تلومها أخبرتها بهدوء: سيبيني مع بنت خالتك شوية يا سارة.
نقلت عيناها بينهما ثم امتثلت لأمر والدتها وتركتها هي وبدور بمفردهما، لتبادر الأخيرة بقولها البائس الحزين وقلبها ينغزها بقسوة: حاضر يا خالتي، همشي ومحدش فيكم هيشوفني تاني، انا عارفة ان من يوم ما جيت وانا عاملالك قلق ومشاكل، بس والله انا ماليش ذنب، انا كل اللي كنت عايزاه أعيش في أمان تحت جناحك واتكفل بنفسي واعيش وبس، أنا غلطت في ايه ياخالتي قوليلي؟ عملت ايه عشان عزت يأذيني كده؟ عملت ايه يا خالتي قوليلي.
وانهارت تبكي علي ص*رها لتحوطها الهالة بقوة وهي تبكي مثلها، قبل ان تتمالك أمرها وترفع وجه بدور قائلة بحنان:
هو انتي فاكرة اني ممكن اتخلي عنك ياع**طة؟
رمقتها بدور بدهشة هامسة: امال ليه قولتي لازم امشي؟
ابتسمت ثانيا وهي تهذب خصلات شعرها الناعم برقة: لأنك فعلا لازم تمشي، بس علي بيت جوزك يا حبيبة خالتك.
بلمح البصر استعادت بدور شراستها وهي تهمس: قصدك ايه يا خالتي؟ معقول عايزة ترجعيني لذل عزت تاني؟!
صاحت بتهكم: عزت مين ده اللي ترجعيله تاني، ده جوز جزمة قديمة يا بنتي، ماينفعش بعد ما تقلعيه من رجلك ترجعي تلبسيه تاني.
عقدت حاجباها بحيرة: امال تقصدي ايه؟
عادت ثانيا تداعب شعرها بحنان قائلة: قصدي رضا، الراجل اللي كتر خيره رجع طلب أيدك الجواز مرة تانية يابنتي، بعد فضيحة طليقك الله ينتقم منه ما انتشرت زي النار ، قولتي ايه بقا؟!
همت بدور بالرفض القاطع قبل ان تقاطعها الخالة بحسم وقوة: أسمعيني كويس يابنتي قبل ما تردي بآه أو لأ، انا متأكدة انك بريئة، وفاهمة حيلة عزت و افتراه عليكي بالكدب عشان يقهرك وينتقم منك عشان خلعتيه، بس الناس هنا مالهاش غير اللي قدامها، والسيئة للأسف بتطبع على الجلد زي الوشم مابطلعش غير بالويل والعذاب، وانتي خلاصك الوحيد هو قبولك لفكرة الجواز مرة تانية يا بدور، صدقيني يمكن ربنا عمل كده عشان تغيري رأيك، طلب رضا في التوقيت ده معناه الوحيد انه بيحبك فعلا وخايف على سمعتك وعايز يحميكي يا بنتي، ماتخليش حكايتك مع طليقك تضيع من ايدك شاب محترم زيه، والله هتندمي لو رفضيته ومش هتعوضيه، وقبل كل ده عايزاكي تفهمي حاجة مهمة، انتي مايرضكيش يا بدور بعد العمر الطويل ده، أن الناس تجيب سيرتنا بالباطل بعد ما عشنا عمرنا كله هنا بينض*ب بسمعتنا الطيبة المثل، أحنا عندنا بنت وأكيد انتي مش يرضيكي حالها يقف بعدين بسببك، لو خايفة علينا ويهمك أمرنا وافقي واتجوزي رضا.
بعين مغرورقة اطرقت رأسها بحزن غمر روحها وأشعرها أنها تختنق، ماذا تفعل؟ هل تخذل خالتها وذاك الرجل الطيب عم صابر الذي فتح لها بيته؟ هل تعرض سمعة ابنة خالتها سارة لاي شائبة مستقبلا؟ لا والله لن تسمح بحدوث شيء گهذا، نظرت لخالتها بعين دامعة وسلمت أمرها لله وقالت ب**رة نفس: معاش ولا كان اللي يجيب سيرتكم بالباطل يا خالتي! ثم رفعت وجهها وعبرة متحجرة تتلآلآ بعينيها: موافقة اتجوز رضا عشان خاطركم، حتى لو اتعذبت تاني وشربت المر والذل، بس كفاية اني انقذ سمعتكم وارد ليكم الجميل ياخالتي.
تلقفتها الخالة سريعا بفرحة طاغية وهي تقبل رأسها وتعدها بالخير، هي تعلم أنها أجبرتها كي توافق لكن لا يهم، هي طفلتها ويجوز لها أخذ يدها عنوة لتريها الطريق الصحيح أن كانت لا تدركه.
طلت تحوطها بعناق دافيء وسعادة حقيقية، وهي تمطرها بالقبلات على قمة رأسها وهنئتها ثم دعت لها بالتوفيق، وان تكون زيجة العمر كله، زيجتها هي ورضا لا ترى بها سوى خير تعويض عما عاشته سابقا، والأيام كفيلة بإثبات لها كل شيء.