الفصل السادس عشر
يعلم أنه خالف عهده الذي قطعه علي نفسه إلا يطلبها ثانيا، لكن وعوده تبخرت في الهواء حين، تلطخت سمعتها بسبب الوعد عزت، لم يجد نفسه إلا وهو يذهب لزوج خالتها ويطلبها مرة أخرى، كرامته التي زعم انه لن يهدرها؟
وما قيمة الكرامة أن تركها فريسة مجتمع ينهشها كيفما شاء، والله لا يكون رجلا أن تخلى عنها، شاء أم أبى هي حبيبة قلبه حتي لو لم تبادله مشاعره.
"هتاخدنا معاك يا أبيه رضا عشان نشوف دهب العروسة؟"
استدار مبتسما لشقيقته الصغري "نهى" ذو العشر أعوام، كان يتمني لتلبية. طلبها وأخذها هي وشقيقهما الأصغر معه، لكن لا يريد أول لقاء بينهما وبين عروسه يكون فاترا، هو يتفهم جيدا نفسية بدور الأن، حتما لو عاشروها فيما بعد يختلف الأمر، انتشل نفسه من شروده الطفيف قائلا وهو يجثو للصغيرة: معلش يا نونو يا حبيبتي، احنا هنروح بسرعة ومن غير زحمة كتير نشتري شبكة طنط بدور، واوعدك لما ارجع هجيبها معايا تشوفيها انتي ووائل.
طوقته الصغيرة بحب: ماشي يا أبيه، بس انت شكلك حلو خالص وزي القمر، لما اكبر هتجوز واحد زيك.
ضحك وهو يلثم رأسها بحنان: ربنا يديني العمر لحد ما أجوزك يا قلب اخوكي، وأكيد عريسك هيكون أحسن مني.
_ مفيش أحلي منك أصلا.
مزح وهو يقلدها: أصلا أصلا يعني؟ طب يلا هسيبك وخدي بالك من وائل أخوكي لما يصحي، أوعي يلعب في حاجة غلط
_ متخافش يا أبيه أنا كبيرة وهعرف اخد بالي منه، هجيب كرتون ونتف*ج لحد ما هيجي.
بدت وكأنهم يسوقها لحكم إعدام صارت بدور معهم والجمود يرسم ملامحها بريشة الاستسلام المقهور علي ما لا يريد، لم تضع أي مساحيق كمان نصحتها سارة، لم ترتدي أفضل ما عندها بل ارتدت عباءة سوداء تع** سرادق الحزن المنصوبة برروحها الأن، ألا يفهمون ما هي مقدمة عليه؟ هم بنظرها لن يشتروا لها ذهبا، بل أساور تقيدها بجحيم سجنها الأبدي بقبو صنعه رجل جديد سيمتلكها بأسم الزواج، مهما زعموا لها الخير منه لن تصدق، رضا مثل عزت مجرد رجل سيحقق رغباته بها فقط، وحين يزهدها سيرميها ويض*بها ويحرق ما تبقا من روحها، يا وجع قلبها البائس علي مصيرها القادم.
"ايه رأيك يا بدور في الخاتم ده؟"
تسائلت سارة. وهي تنتقي معها ذهب شبكتها بينما يترك لهم رضا كل المجال ليختاروا ما يشاؤن بقدر استطاعته المادية كما أبلغ العم صابر، لم يغب عنه شرودها وفتورها الواضح لكل شيء، من أول هيئتها التي لم تتكلف أن تظهر بها اي شيء من الفرحة والاهتمام، كأنها تخبرها وتؤكد له انها وافقت عليه مجبرة، ورغم انه يعلم هذا لا يحزن، القدر ساقها إليه بكل الطرق، وربما حين تعاشره وتلمس قدر عشقه لها تتغير وتحبه هي الأخري.
"أي حاجة يا سارة"
هكذا غمغمت لابنة خالتها لتختار أي شيء، وبالفعل انتقت لها سارة قطع ذهبية مناسبة وانتهوا من شراء الشبكة، أصر العم صابر ان يعزم الجميع علي الغداء بإحدي المطاعم المناسبة علي وجبة خفيفة، جلسوا جميعهم منتظرين قدوم شطائر الشاورما، ليهتف الرجل: ليه مش جبت اخواتك الصغيرين معاك يا رضا يفرحوا ويغيروا جو معانا؟
أجابه وعيناه تحيد أخيرا عن عروسه الصامتة كتمثال:
معلش يا عم صابر خوفت نتأخر وهما بيناموا بدري.
_ خلاص هتاخد نصيبهم من العشا معانا.
الخالة متدخلة بحوارهما والفرحة لا تساعها: وخد كمان الشبكة يا رضا عشان يشوفوا شبكة اخوهم.
رمقها بامتنان لذوقها: بإذن الله، أنا فعلا وعدتهم بكده وانا راجع، هاخدها وارجعها بكرة عندكم ان شاء الله.
_ علي راحتك يا ابني.
سارة بحماس: هتحددوا الفرح امتي ياجماعة انا متحمسة، اوي عشان فساتين الفرح.
_بعد شهرين.
تلقت بدور جوابه بصدمة وهي تنظر إليه بحنق، كانت تظن ان خطبتهما ستطول قليلا. لكن ببدو ان سجانها متعجل لنيل حقه بها گ غنيمة، تلقف نظرتها الحانقة هذه بحنان ودفء عجيب لتشيح بوجهها عنه بعبوس، بينما صاح العم صابر: خير البر عاجله، واللي تقدر عليه اعمله يا ابني، وانت عفشك حلو و.!
"بس انا عايزة كل عفش البيت يكون جديد وعلي ذوقي"
تعجب الجميع من بدور و طلبها المباغت بعد ان كانت ملتزمة ب**ت تام غير مهتمة بكل ما يقال، وحده "رضا" هو من ابتسم وهو يفهم ويعي غرضها جيدا، صار يعرفها كأنها ولدت علي يديه، ولأنها فرصة ليتجاذب معها أطراف الحديث رد بقوله الواثق ووجه المبتسم: قولي طلباتك يا ست الكل وانا ملزم أوفرها.
رفعت حاجبها الجميل بتحدي وقالت: بس أكيد مش هتقدر تجيب كل طلباتي في شهرين بس، هتحتاج سنة مثلا.
ابتسم وهو يتأكد له صدق ظنه، هي لا تريد شيء أكثر من أن تطيل فترة خطبتهما، ع** نيران شوقه لها الأن، حتي عنادها ونظرتها العدوانية صار يعشقهما.
_ اطلبي اللي انتي عايزاه يا بدور، وتوفيرهم ده شيء يخصني.
لم تكتفي أو تستسلم لقبوله المتفهم وهي تقوله: معلش بقا انا عايزة حاجات معينة وغالية ولازم اختارها كلها.
رمقتها الخالة بحنق شديد ولكزتها بالخفاء وهي تهمس لها بخفوت: لمي الدور يا بدور وبلاش تعقدي الدنيا علي الراجل.
وصل لسمعه لوم الخالة لها فقال: سيبيها يا خالتي، من حقها تطلب اللي يعجبها، وربنا يقدرني وانفذ طلباتها.
ثم حدجها بمكر وهو يقول: بس هنضطر نخرج سوا كتير عشان نشتري كل طلباتها، ولا ايه يا عروسة؟
بنظرة ضاجرة حدجته ثم شاحت وجهها عنه، ليبتسم العم صابر وهو يعي تماما كل ما يدور حوله، وراضي عن معاملة رضا لها، الأن يطمئن علي تلك الصغيرة بدور، القادم لن يشبه سابقه، هذا يقينه في الله.
حاول ترتيب البيت بقدر استطاعته والفرحة لا تساعه، وبين لحظة وأخرى ستأتي خطيبته بدور مع عائلتها لتري المنزل التي ستعيش به، اطمئن ان كل شيء كما يجب، وتفقد الطعام الذي طهاه بنفسه لها وللجميع، هل سيعحبها؟ ابتسم داخله بتهكم، حتي لو راقها طهوه لن تقول، ولن يتعجب لو بصقت الطعام من فمها كي تضايقه، الغريب انه يحب تلك الحالة بينهما من التنافر منها وتفهمه لكل ما تفعله بصبر، كأنها ابنته وليست حبيبته.
"هي طنط العروسة جاية أمتي يا آبيه رضا"
ابتسم لصغيره: خلاص قربت تيجي يا لول، مبسوط ان عروسة اخوك الكبير جاية انهاردة؟
_ أيوة مبسوط خالص، هي حلوة؟
قهقهة لأخيه: أيوة ياسيدي حلوة جدا، أوعي تعا**ها بقا، ثم قبا رأسه مع قوله: ان شاء الله تحبها يا وائل.
نهي التي أتت من خلف أخيها تقول بحماس: وصلوا يا آبيه وصلوا، شوفتهم من البالكونة.
توتر قليلا وتسارعت دقات قلبه، لكنه تماسك كي يستقبلهم بما يليق، أكد علي صغاره بحسن التصرف أمام الجميع، ثم ذهب ليشرع بابه ويستقبل "قمره" وحياته للمرة الأولى في بيته، ويتمني بقلبه أن المرة القادمة ستكون محمولة بين ذراعيه وهي عروسه.
"بت يا بدور، إياكي تعملي أي حاجة تضايقي بيها الراجل في بيته، فاهمة ولا لأ؟"
زفرت بحنق قائلة: خلاص بقا ياخالتي عرفنا، انا مش عيلة يعني هتنطط علي الكراسي وأ**ر الكوبايات.
خالتها ساخرة: بس مجنونة وعايزة تحرجيه زي ما عملتي يوم الشبكة كده.
_ وانا عملت ايه يا خالتي، مش انا عروسة؟ يبقا من حقي اقول شروطي واتجوز علي عفش جديد وغالي، لو مش عاجبه والله محدش جبره وض*به علي إيده.
سارة متدخلة لتهدئهما: خلاص يا ماما انتي وبدور، احنا طالعين علي السلم ورضا ممكن يسمعكم.
أشرع بابه واستقبلهم رضا بحرارة شديدة هاتفا:
يا ألف أهلا بيكم يا جماعة البيت نور بيكم والله.
العم صابر: بنورك يا رضا يا ابني، ثم تبعه الجميع مرحبا وهو يمرون من أمام رضا حتي حان دور جميلته ال**بسة وهي ترمقه بغير اكتراث وتلج دون ان تصافحه ومع هذا غمغم مرحبا وابتسامته الدافئة تتحدي صقيع مشاعرها نحوه: أهلا بيكي في بيتك يا بدور.
تلفتت حولها واطمأنت أن خالتها بعيدة لتهمس له بتحدي: لسه مبقاش بيتي، مش يمكن متقدرش تنفذ طلباتي ونفض الموضوع من أصله؟!
حدجها بتسليه ثم مال قليلا نحوها ليهمس لها بخفوت مماثل: هنفذ طلباتك وهيبقي بيتك اللي هتنوريه قريب وانتي مراتي.
رمقته بغيظ وتركته لتجلس وسط عائلتها، وراح هو يقدم لهما العصائر قبل ان تتجول بدور وخالتها في أرجاء المنزل لتقرر كيف ستقوم بفرشه، البيت بدا لها مريح ودافيء، مرتب وكل شيء في موضعه تماما، أكثر شيء أعجبها الشرفة الكبيرة والتي تطل علي الشارع الرئيسي من الجهة الخلفية للبناية، لم يكن لديها شرفة گهذه من قبل، لوهلة انفصلت عن العالم وهي تعيش تفاصيل هذا الحلم الصغير كأنها تتزوج برغبتها، وتحب ما هي مقدمة عليها، تخيلت كيف ستزين سياجها بالفروع الخضراء وتعلق بها عصفوران لتناجيهما كل صباح.
خيالاتها تشعبت وهي ترسم لها أشياء جميلة كأنها خالية من أي ندوب تذكرها بالماضي، كأنها وكأنها، عالمها الافتراضي لم يطول وصوته يخترقها بقوله: شكل البلكونة عجباكي يا بدور.
التفت لتجد خالتها ابتعدت وهو فقط من يقف جوارها، همت بالرحيل قبل ان تقطع سارة طريقها حاملة قدحان من مشروب ساخن قائلة: اتفضلوا الشاي عملته بنفسي، وماما قالتلي اجيبه هنا تشربوه سوا.
واستطردت: علي فكرة يارضا مطبخ بيتك يجنن واسع وحلو اوي ويشجع الواحدة تقف تطبخ وتبدع فيه، يا بختك يابنت خالتي بمملكتك الجديدة، أوعدنا يارب.
هذا كثير عليها، يجبروها علي كل شيء حتي الوقوف معه، تركتهما سارة وهي تمنحها نظرة تترجا منها التصرف بلياقة.
أما رضا فكم يقدر داخله تلك المرأة الحنون، هي تعلم كم يطوق لصحبتها فصنعت له فرصة ليتحدث معها، يوما ما سيشكرها بطريقته، حاول بدء حديث معها قائلا بعد رشفة شاي صغيرة: مش عايزة تعرفي عني أي حاجة أو تسأليني أي سؤال يابدور؟ أحنا هنتجوز قريب والمفروض تكوني.!
قاطعته بفظاظة: مش عايزة ولا مهتمة اعرف.
يُدهشها دائما بابتسامته المستفزة هذه وهو يقول: ومع كده هكلمك عن نفسي، أنا عمري خمسة وعشرين سنة، شغلتي انتي عارفاها، المطعم ده ورثته عن والدي الله يرحمه وورثت الشقة دي كمان، كنت ممكن ابيع المطعم ومكملش في طريق مهنته خصوصا اني خريج جامعة وكنت ممكن اشتغل حاجة حكومي مثلا، بس انا اختارت اكمل طريق والدي وحبيت اسمه يفضل موجود علي المطعم بتاعه، والحمد لله الدنيا ماشية ومرتاح وربنا بيكرمني.
هذه اول مرة تعرف انه خريج جامعي، لا تدري لما ظنت تعليمه متواضع گ هيئته ومهنته، واصل رضا استرساله: وطبعا عندي اخواتي اللي شوفتيهم دول، نهي ووائل، هما كل حياتي وقد ما بقدر بحاول اعوضهم عن بابا وماما، انا فعلا اوقات بحس انهم. ولادي مش اخواتي خصوصا انهم لسه صغيرين اوي.
**ت لينظر إليها ثم استطرد مع صوته الأرق: بس ماكنتش اعرف ان الايام مخبيالي حاجة حلوة كده، واني هشوفك صدفة في فرح واحد اعرفه، وتمر الايام وتجمعني الصدف بيكي تاني.
توقف عن ما قال وهي تحدجه متعجبة بتساؤل: هو انت شوف*ني قبل ما اجي القاهرة؟
أومأ اها مبتسما: أيوة، كنتي واقفة في بالكونة القاعة بتاعة الفرح، فجأة غمضتي عيونك وانتي بتبتسمي، وقفت اتف*ج عليكي وانا مشدود ليكي ومش عارف السبب.
صاحت بدهشة: يعني انت تعرف أستاذ رأفت جوز قمر؟
هز رأيه مؤكدا: أيوة، عشان كده حضرت فرحه.
**تت وهي تفكر بتلك الصدفة العجيبة، لقد رأها رضا حين كانت زوجة عزت، ما معني هذه المصادفة التي ساقتها إليه؟ وكأن كل شيء حدث معها فقط لتصل إليه ليراها من جديد.
عاد يسرد لها: لما شوفتك هنا استغربت بس فرحت اوي، حسيت ان ربنا عايزنا نتقابل يا بدور، يا ترى اللي حكيته ده له اي تفسير عندك؟ أنا عن نفسي فاهم معناه كويس، ربنا جمعنا عشان نكمل طريق الحياة سوا، ومفيش أجمل من تدابير وتريب ربنا للبشر، بدور أنا.!
_ أنا معنديش أي تفسير ولا عايزة اعرف ليه اتقابلنا تاني، بس اللي متأكدة منه اني كنت اتمني اعيش لوحدي، والامنية دي للاسف هتنتهي وتموت للأبد بجوازي منك، جوازنا ده انا مجبورة عليه، وانت عارف بس بتخدع نفسك يا رضا، وانا كمان بحاول اضحك علي نفسي اني راضية، بس انا كل حاجة بتحصل حتي وقفتي في بيتك دلوقت مش راضية عنها.
لم ترى ابتسامته الهادئة هذه المرة، يبدو أنها نجحت بمضايقته وإيلامه من جديد، استأذنت وتركته لتعود وتندس بين عائلتها، وتبعها بوجه حزين لكن حاول نفض حزنه حتي لا يلاحظ احدا من ضيوفه، انتهت الزيارة وأعاد رضا ترتيب البيت واستمع قليلا لثرثرة صغاره اللذان علي ما يبدو لم يتقبلوا بدور، لكن يعذرهم فمازالت علافتهما غريبة، حين يتزوجها وتعاشرهم ستتغير، اضجع علي فراشه يفكر بكل كلمة قالتها الليلة، هو يعلم أنه سيحارب رواسب تجربتها السابقة بكل ما فيها من عقد وانه سيحمل علي عاتقه تغير مفاهيمها هذه، سيعلمها ان الحياة اجمل بكثير مما تظن، حبه سيكفيهما معا حتي تنبت زهرة عشقه بقلبها، فلن يرضي منها بغير العشق المطلق.
الزغاريد تملأ الأفواه وعزت يزف لعروسه الصغيرة الشهية، الأن فقط يشعر أنه انتقم من طليقته بعد أن شهر بسمعتها ولوثها ويتوقع الجحيم الذي تحياه، اما هو سيبدا حياه جديده مع اخرى، بينما والدته تلمع عيناها بانتصار، لقد حقق لها أبنها رغبتها وتزوج، وتراهن أنه سوف ينسى أن بدور "وش الفقر" كما كانت تنعتها دائما، قد مرت بحياته يوما، اما هذه الصغيرة ستكون عجينة لينة بين يديها تشكلها حسب هواها هي، صدحت الزغاريد حولها من جديد، لتتسابق معهم بفرحة،طاغية مذلقة الزغاريد الصاخبة وهي تتمايل واحدة تلو الأخرى. .
اصطحبها معه لتنتقي قطع الأثاث التي تريدها بدور، ولجت إحدي الزوايا وهي تتجول علي الغرف المنصوبة للعرض والشراء، الأسعار مرتفعة بشكل كبير، لن يقدر رضا علي تلبية ما تريده وهذا المطلوب، أشارت علي البعض وهي تقول: عايزة الأوضة دي، والأنتريه اللي هناك الناحية التانية، والنيش ده كمان حلو و.!
**تت بغتة وصوت العم صابر يخترق مدارك عقلها بقوله لها قبل ان يصطحبها رضا منذ قليل.
"عايز انصحك نصيحة يا بنتي بما إنك معتبراني زي والدك، أنا عارف انك بتحاولي تعجزي خطيبك عشان يسيبك او تطول فترة خطوبتكم، بس عايز اقولك بلاش تظلميه لأن عمره ما هيتراجع قصادك وهيشتري كل حاجة هتختاريها حتي ولو زنق علي نفسه واشتراهم بالقسط، اتقي الله يابنتي في ظروفه، ده في النهاية وقف معاكي موقف شهم بعد اللي عمله عزت ووثق فيكي ومصدقش كلمة اتقالت عليكي ونصفك قصاد الخلق وسكت ألسنة الكل عنك، بلاش تعاقبيه لأنك هتضيقي عليه وعلي نفسك بالديون، ونصيحة من راجل قد ابوكي وشاف كتير، أدي للجوازة دي فرصة يمكن يكون فيها سعدك وهناكي وانتي مش عارفة، محدش عارف مكتوبله ايه،
وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم ، والله يعلم وأنتم لا تعلمون"
_ هتختاري ايه تاني بابدور؟
نظرت إليه بشخوص وحديث العم يدور بعقلها دون تجيبه ليستطرد بقلق: طيب لو مش عاجبك تشتري من هنا ممكن أود*كي مكان تاني مفيش مشكلة.
غمغمت أخيرا: أيوة وديني مكان تاني غير ده، الذوق هنا كله مش عاجبني.
_ غريبة ما انتي كان عاجبك أوضة النوم دي جدا والأنترية والنيش كمان، ليه غيرتي رأيك؟
فالت بحدة: ياسيدي أنا حرة، هتوديني مكان تاني ولا ترجعني البيت أحسن؟
_ لا خلاص علي راحتك، هنروح مكان تاني مش مهم. اليوم لسه في أوله وإن شاء الله تلاقي اللي علي ذوقك، اتفضلي.
"أختارتي أوضة نوم بس؟! معقولة! "
قالتها سارة بتعجب حقيقي لتحيبها بدور ببساطة وهي تبدل ملابسها بأخري بيتيه مريحة: أيوة يا سارة مستغربة ليه؟
_ لأن اللي يشوفك وانتي بتقولي لرضا عايزة العفش كله جديد و غالي يقول هتشتري دمياط كلها.
قالت بعين غائمة بعد أن استقامت تسترخي فوق فراشها: أهو اللي حصل.
دنت إليها الأخرى ترمقها بعين متفرسة قبل ان تهتف: أشفقتي على رضا يا بدور؟
ظلت تنظر أمامها بتلك النظرة الشاخصة الصامتة، لتستطرد سارة: صدقيني يا بدور رضا مش الشخص اللي المفروض تحاربيه، بالع** ده الشخص الوحيد اللي محتاحة تتحدي معاه بروحك وكيانك وقلبك عشان تلاقي نفسك.
غمغمت بشرود: هلاقيها ولا هضيعها من تاني؟، أنا مبقيتش عارفة حاجة يا سارة، أنا تعبانة اوي ونفسي ارتاح، هو كتير عليا احس بالراحة؟ مش كفاية أنه يكون بي ليه مكتوب عليا الشقا واعيش حياة مش عايزاها مع ناس مش بحبهم.
_ مش يمكن ابتديتي تحبيهم من غير ما تحسي.
صرخت عليها بغتة: أنا مابحبش حد، صحيح ضميري وجعني اني أشيل رضا فوق طاقته واحنا بنشتري عفش البيت، بس ده مش معناه اني بحبه يا سارة، أنا كان نفسي ييأس مني ويسبني في حالي بس هو مش بييأس، ياريتني أموت عشان ارتاح واريح الكل مني.
أسرعت سارة تحتوي ثورتها هذه بعناق وهي تحاول تهدئتها كي تكف عن البكاء، وكم انتابتها الشفقة عليها، صراع ابنة خالتها لن ينتهي قبل ان تنعم بيقين يغير كل مفاهيمها ويقتل هواجسها ومخاوفها للأبد، أن رضا ليس گ سابقه.
وبذات اللحظة التي تبكي بها بدور بين ذراعيه سارة، كان رضا قابع بغرفته يفكر بعمق في تصرفها اليوم، وكيف بدت دهشته شديدة وهو يسألها بريبة: انتي عاجبك الأوضة دي يا بدور؟ بس دي رخيصة اوي واللي اختارتيها الأول افضل.
اخبرته دون حماس: لأ دي عجباني.
**ت برهة ليستوعب تغيرها المفاجيء قبل ان يقترب لها هامسا: بدور انا عارف ان الأوضة التانية هي اللي عجبتك، عشان كده هجيبهالك، انما أوضة النوم دي مش حلوة خالص.
حدجته بحيرة، المفترض ان يفرح لأنها اختارت غرفة بنصف ثمن الأخرى، لتصلها الإجابة علي ل**نه: هنشتري أوضة النوم اللي في المعرض التاني، ومايهمكيش الفلوس، ربنا ساترها علي وشك الحلو متخافيش.
ترددت برهة قبل ان تقول: يعني الأوضة الأولي سعرها مناسب ليك فعلا؟
ابتسم بسعادة جمة لدلالة قولها عنده وهو يقول: أنتي خايفة عليا يعني؟
زفرت بحنق مستعيدة ضجرها قائلة: بقولك ايه بلاش خيالك يسرح لبعيد الله يكرمك، انا بس مابحبش اظلم حد واحمله فوق طاقته، انا كنت فاكرة انك هترفض طلباتي واخلص من الجوازة دي وتيجي منك، بس انت.
_ بحبك.
انعقد ل**نها مع همسه المفاجيء، ليواصل همسه برقة: اللي بيحب حد وشاريه بيعمل المستحيل عشان يسعده يابدور، وانا واضح معاكي، مفيش حاجة هتخليني اتراجع ابدا، واللي اقدر اعمله عشانك هعمله وأنا راضي.
عاد بذاكرته وهو يستعيد ملامحها المرتبكة قبل أن تستعيد فظاظتها معه بعد ان صارحها بحبه دون ترتيب مظاهرة عدم اهتمامها لمشاعره، ابتسم وهو يتذكر كيف رفضت ابتياع شيء أخر مكتفية بالغرفة الفخمة التي أعجبتها أولا، ومع هذا قرر ان يشتري لها ما أختارته حتي لو أنفق الكثير، مازال لديه مبلغ لا بأس به، ويعلم ان الله سيرزقه بالكثير كما رزقه بها، هذا ظنه في الله دائما.