الفصل الثالث عشر

2025 Words
الفصل الثالث عشر لم تجف نبوع دموعها منذ اخبرها ولدها يوسف بسفره لإحدى فروع شركته في محافظة، اندابا لعمله فترة ربما تطول بعض الشيء، لم يحتاج بالطبع لتوضيح انه من سعى لهذا النقل المؤقت، الأمور لم تعد تحتمل تواجده بعد ان تحطن عالمه الهاديا المستقر، لكن عزائه انه سيترك مساحة للجميع يتداوي من أثر حماقته، حتي لو كان لديه بعض التبرير، يظل اتهام. أخيه وزوجته بالخيانة أمر جلل يحق وقفة من الجميع، هم يحتاجون النسيان، وهو يحتاج إعادة تهذيب لقلبه بألا يغار لدرجة تفقده من يحبهم، سهام نيران الغيرة التي رشقت بقلوب أحبائه هي سبب ما يعاني ويكابد الأن. بمحاولة أخيرة من والدته تمسكت بأمل بقائه وهي تلقي اقتراحها عليه: طب بلاش تطلع شقتك خالص لحد ما روان مراتك تهدي وعيش معايا هنا، بلاش هبعد عني و تسيبني يا يوسف انا مقدرش اعيش من غيرك انت واخوك اللي هو كمان واخد جنب لوحده ومش راضي يرجع. صوتها الباكي قطع نياط قلبه وهي تترجاه بهذا الوجع والضعف كي يبقا ويتراجع عن سفره المزعوم، لكن هو خير من يعلم انه لا سبيل للتراجع الأن، لابد له من الرحيل كي تستقيم الأمور، وتكون عودته بروح جديدة مهذبة، هو يحتاج أن يعيد تقيم الكثير من الأمور، وربما ابتعاده هذا هو نوع من العقاب لذاته قبلهم، وهل فراقه أحبائه يسير عليه؟! _ صدقيني يا أمي ده أفضل للكل عشان لما نرجع كلنا نتقابل تاني، نكون واقفين علي أرض صلبة مفيش عواصف تهزها تاني، روان من حقها تاخد فرصة مع نفسها وتهدى وتسامحني، وأدهم أنا مش هقدر ابص في عينه دلوقت بعد اللي حصل، وانا نفسي محتاج أعيد حساباتي واشوف ليه وصلت بشكي للمرحلة دي. حولقت بأسف وهي مازلت تبكي: لا حول ولا قوة إلا بالله، عين وصابتنا يا ابني، مكنا حلوين وما أحلانا أزاي نتفرق كده وتتقلب فرحتنا بنكد وفراق! غمغم بنبرة لا تقل حزن وأسى عنها: نصيب يا أمي، المهم مش هوصيكي علي روان وصحتها، وانا كل يوم هكلمك عشان اطمن عليكم. رحل دون وداع، دون ان يلقي عليها نظرة واحدة، لا تدري أكان جدير به ان يفعل أم لا! لكنها تشعر بالاختناق لابتعاده رغم انه تنفيذ لرغبتها هي، رغبتها التي تلومها الأن علي قرارها الذي لم يعد منه مفر، ليعود صوت أخر داخلها يجادل صوت عتابها ليعزز فكرة أن هذا افضل للجميع حتى تتعافي ندبتها من وجع ظنونه بها واتهامه الشنيع لها بالخيانة، فليصبرها الله علي بعده ويكون في عونها وعونه. "اظن كده لازم ترجع البيت يا أدهم" رمقه الأخير بنظرة جامدة ليواصل عماد: أخوك يوسف خلاص هيسافر زي ما بعتتلك والدتك وانت لازم تكون معاهم تراعيها هي ومرات اخوك، لحد ما ربنا يهدي النفوس تاني يا صاحبي. بدا غير راضٍ عن عودته هذه، كان يود لو أخذ مساحة أخري يقضيها مفرده دون عبء مواجهة أحد، لكن الظروف أحيانا هي من تفرض علينا ما يقتضي لنا فعله. _ معنديش اختيار تاني يا عماد، حتي لو كان ع** رغبتي. بصوت متعب قالها ليتمتم رفيقه بوجهة نظر أعمق: وليه متقولش انه ترتيب ربنا عشان ترجع تقرب تاني، بعدك مكانش حل. _ واشمعني بُعد يوسف حل؟ أحابه دون تردد: لأن أخوك هو اللي زرع المشكلة جواه وكبرها لحد ما اتشعبت وخرجت عن سيطرته وانفجرت في الكل، تصرف يوسف مكانش وليد اللحظة يا أدهم ده نتاج صراع وهواجس أكيد لازمته فترة، يوسف اختار يبعد عشان يحارب أفكاره دي وينتصر عليها، عشان لما يرجع ليكم يكون اتخلص من ظنون كانت هتدمر بيته وعلاقته بيكم للأبد. _ وهو لسه علاقتنا مش مدمرة؟ قالها بيأس ليصيح عماد بقوة وثقة: لأ طبعا، لكن نقدر نقول إن في تصدع بينه وبينكم حصل مقدرش انكر، بس الأساس لسه موجود يا أدهم، وانتو تقدروا تبنوا جسور الود والثقة والمحبة من جديد. واستطرد يوضح وجهة نظره: يعني اكيد مرات أخوك زعلانة ومصدومة، بس لسه بتحبه، وانت صعبان عليك اخوك باتهامه وشكله فيك، بس برضو اكيد بتحبه وتتمني ترجع علاقتكم زي الاول، نفس الأمر مع يوسف، شيطانه غلبه وخلاه يشك فيكم، بس ندمان و يتمنى يمحي اللي حصل من نفوسكم. كل اللي قولته ده هو الاساس اللي هتبنوا عليه علاقة جديدة زي ما قلت بإذن الله، فهمتي يا صاحبي. أومأ له بشخوص: فهمت يا عماد. وكعادة صاحبه المرحة لكز كتفه بقوة مازحا: المهم يا أخينا تهوينا وترجع بيتك بقا وتحل عني، مش فندق هو عشان تبات عندي كل ده يا عم انت. ابتسم لرفيقه مقدرا محاولته ألا تتعاظم الفُرقة بينه وبين عائلته ليجد هاتفه يهتز برقم الأخير. _ والدتك بترن عليا..! لوهلة تسمرت عيناه علي شاشة هاتفه ليدفعه عماد برفق: ماترد يا ابني علي والدتك مستني ايه؟ تحرر أدهم من **ته وهردده قبل ان يجيب: السلام عليكم ازيك يا أمي. - خلاص نسيت امك يا أدهم. هاجمه صوتها العاتب الباكي لبههز قلبه ويرتجف لأجلها هامسا: أنا أنسي روحي ولا أنساكي يا أمي، بس أنا.! انت لازم ترجع يا ابني، أخوك يوسف خلاص سافر الليلة، والله أعلم راجع أمتي، ارجع يا أدهم انا تعبانة من غيركم وحاسة اني هموت من وحع قلبي. اندفع يتمتم بلهفة: ألف بعد الشر عليكي يا أمي، خلاص هرجع متخافيش، أنا مقدرش استغني عنك، بس.! أدركت سبب تردده فقالت بحزن: أنا فاهمة يا أدهم اللي عايز تقوله، ثم وصله تنهيدة مؤلمة منها وهي تقول: مرات اخوك الدكتور أمرها ترتاح قد ما تقدر، هي خلاص مش هتنزل عندي تاني علي الأقل لحد ما ترجع الأمور بينها وبين جوزها تاني، يعني اللي قلقان منه مالوش أساس أصلا. تفهم كل ما قالته وشعر بغصة داخله، الأن محرم عليه التودد لزوجة أخيه، الأن شُيدت بينهما سدود شاسعة لن يقدر علي تخطيها، حزين لما أصابها وحتي لأضطرار شقيقه لقرار ابتعاده، لكن ليس بيده شيء وهو ضلع أساسي بتلك الأزمة. أنهي المكالمة مع والدته وظل شاردا ليجد عماد يربت علي كتفه بدعم: معلش يا أدهم أنا عارف ان ااأجواا دلوقت متعجرة وكئيبة وطول الوقت هضطر تتعامل بحذر وتتخلي عن عفويتك، بس صدقني كل ده مؤقت والزوبعة دي هتمر زي غيرها، ويمكن في يوم من الأيام تعذر يوسف وتفهم إحساسه وسبب تصرفه. ظل أدهم يرمقه لمزيج من الامتنان والراحة، ماذا كان سيفعل لو لم يكن له هذا الصديق الوفي؟ عانقه بقوة: مش همل ابدا اني اقولك شكرا يا عماد، ومش هنسي ابدا انك كنت مرايتي اللي وريتني أمور كانت فعلا غايبة عني، وفي نفس الوقت عرفت ازاي تخليني أهدى شوية. بربتة قوية علي ظهره قال: عيب يا أدهم احنا اخوات، وكل واحد فينا طبيعي يكون مراية للتاني يا صاحبي. بعد تمهيد طويل وحذر أخبرتها خالتها بطلب رضا للزواج منها، فيكون رد بدور حاد و قاطع وحاسم كما توقعت: لو اتكلمتي في القصة دي تاني ياخالتي، هسيب البيت واروح اعيش لوحدي، عريس مين اللي لقطة ده عايزني اخدمه هو و اخواته وابقى جارية تحت رجله، ده عزت جديد ياخالتي بس باسم تاني، وأنا خلاص مش هسمح لحد يبيع ويشتري فيا وفي صحتي وشبابي، مش هتخدع ويضحك عليا تاني ولا عايزة اتجوز اصلا، انا بشتغل ومش محملة حد همي!. عن اذنك يا خالتي،انا خلاص قلت اللي عندي وياريت السيرة دي تتقفل نهائي، وإلا هعتبر انك متضررة من وجودي معاكي. ( ورحلت عنها لعرفتها والخالة تغمغم بحزن) يا خسارة يا بدور، رضا عمره ما كان عزت وكان هيصونك بس مقدرش الومك يابنتي، اللي شوفتيه مش هين ياحبة عيني) ثم تمتمت بدعواتها وهي تهب لأداء الصلاة! هناك في مكان أخر يقف رضا بين يدي الله يصلي ويسجد داعيا بنا في حنايا قلبه، ملرشيا به يريدها، يتمناها، يشتهي وصالها، لم تجتاحه هذه المشاعر من قبل، العجيب ان تقصيه عنها ومعرفته لما عانته مع طليقها لم بجعله بنفر او بتراجع، رغم ان فكرة لمس رجل لها قبله تحرقه لكن هذا قدره ألا يتعلق بأحد قبلها، أبواب خافقه المغلقة ما شُرعت إلا لتلك الجميلة الحزينة، يرسم ألاف الصور لهما معا، لو وافقت عليه يتأتي هنا تشاركه غرفته وتنكه أيامه وصباحاته بمحياها، ستوافق، نعم لم يفترض غير هذا، فلا يحتمل عواقب احتمال رفضها علي قلبه. فاضت بما حدث لزوجها بحزن ليهتف بحكمة: _ اعذري بدور يا حاجة، بنت اختك اتعقدت من جوزها بعد النرار اللي عاشته معاه، وطبيعي ترفض فكرة الجواز دلوقت، دي زي سجين فضل محبوس سنين وسنين وما صدق شم نسايم الحرية وحس انه عايش، بدور بتحاول تبني نفسها من جديد من غير ما تحس انها محوجة لحد، عايزة تحس انها قوية لوحدها، علتها وندبة العمر كلها كانت من راجل، ازاي بقا ببساطة عقلك صورلك انها هتوافق علي رضا او غيره؟ قالت بصوت يغلفه الشجن: _ والله فاهمة كل كلامك ده بس لحد امتي يا حاج؟ ما انت عارف مش اول عريس ترفضه وحالك كتي. ورفضانهم، بس رضا الوحيد اللي عارفاه كويس وحسيته مختلف، وانا زي أمها عايزة اطمن عليها قبل لما اموت. ربت علي ظهرها بحنان: بعد الشر عنك يا حاجه ما تقوليش كده كل شيء باوانه، وربك قادر يف*جها من عنده، دوام الحال من المحال كل يوم هو في شأن. تن*دت بقولها: ونعم بالله يا ابو سارة، وربنا يسمع منك ويبدل حالها ويطمنا عليها هي وبنتنا قادر يا كريم. أي أمان هذا الذي ستجده بكتف رجل بعد ما عاشته؟ هل بعد ما حاربت لتنال حريتها تعود وتدخل قفص الذل والع****ة من جديد تحت مسمي الزواج وضل رجل؟ هراء، كله هراء، لا ضل سيحميها غير ضل روحها القوية، لا ذراع سوف تحتويها غير ذراعها هي، لا سلطة لأحد عليها، ما أحلي عيشتها الأن، كيف تبدد أمان السلام بخطر الأسر لقيد رجل مهما كان، يزعمون ان رضا هذا رجلا بحق، أسفة هي للجميع، لن تخوض تجربة الزواج لكي تختبر صدق قولهم، لا يعنيها هو ذاته، رجلا كان أم نصف رجل لن تكترث. بصدمة حقيقية: هتسيبي شغلك في الصيدلية ليه يا بدور؟ في حاجة حصلت زعلتك؟ الأخيرة بتفهم وملامحه عابسة: معلش يا أميرة مش هقدر اقولك السبب، بس انا هرتاخ لو مشيت من هنا. _ بس انا اتعودت عليكي يا بدور، ربنا يعلم اتعلقت بيكي كأنك اختي، يمكن معوفش عنك كل حاجة بس مرتحالك. ربتت علي وجنة رفيقتها: والله ربنا عالم يا أميرة انا كمان حبيتك، بس ليه مفترضة اننا مش هنتقابل؟ بالع** علاقتنا زي ماهي مش هتتأثر، وبمرة تيجي واحدة تشتغل معاكي مكاني وتتسلي معاها. تتصاحبوا. _خلاص يا " بدور" لقيتي شغلانة جديدة؟ _ مش زيك يا بدور، مفيش حد أتأثرت به وحبيته زيك. ابتسمت لها بود: ربنا يديم المحبة حبيبتي، زي ما قولتلك هنتقابل دايما متخافيش. أخيرا أنتهت صلتها لهذا العمل، لن تترك فرصة لرضا هذا ان يتودد إليها ويحاول معها، فالأن حين راجعت بعض تصرفات أدركت لما كان يأتي كل يوم، ليشتري شيء او يقيس ضغطه، الماكر كان يختلس رؤيتها، وستقطع عليه هو أو غيره تلك الحيل، قلبها صد منيع لن يخترق حدوده أحد. منذ اخبرته الجارة أم شيماء برفض طلبه، والحزن والكآبة يسكن قلبه وروحه ويغبر ملامحه الباسمة دوما، والأكثر وجعًا له له عزوفها عن أخذ الشطائر منه كما تعودت كل صباح بعد ان علمت بطلبه لها! كأنها تعاقبه علي عشقه اللامشروط، ضنت عليه برؤيتها تلك الدقائق القليلة كل صباح حتي تشرق شمسه بها، ربما يتفهم لرفضها له عذرًا ويلتمس سببا لخوفها للزواج ثانيا، ولكن من يروض هذا القلب الثائر الذي عشقها حد الوجع وكان يأمل بقبولها. " أربعة فول وواحد بطاطس يا رضا" قاطع تجهمه الشارد أحد زبائنه، فنزع نفسه من هوة الحزن الإحباط، وانغمس بأكل عيشه مستغفرا ربه داعيا أن يبدل الأحوال ويصرفه قلبه عنها أو تلتفت له سارقة الليل بأهدابها السوداء، وسارقة قلبه قبل كل شيء! ودعوته الأخيرة كانت الأقرب له. "ليه بس سبتي شغلك يا بدور؟ بتعجب تساءلت ابنة خالتها لتجيبها: عشان مش عايزة حد يضغط عليا بأي شكل يا سارة، اللي اسمه رضا ده كان يوماتي يجي الصيدلية، مرة بيشتري علاج ومرة بيقيس ضغطه وانا هبلة مش واخدة باله من نواياه. بدفاع قالت: ومالها نواياه يا بدور؟ تنكري ان الراجل كان واضح، كون انه كان بيجي يشوفك ده طبيعي، مش يمكن كان محتاح يختبر مشاعره ناحيتك ويفهم نفسه؟ ولما أتأكد انك ملكتي قلبه دخل البيت من بابه واتبع الأصول، ولأنه مالوش حد كبير يتوسط له عندنا، لجأ لجارتنا تعرف رأيك، غلط في ايه بقا رضا؟ وبثقة دافعت عنه بقولها: طب اقطع دراعي من هنا لهنا انه مكانش هايجي الصيدلية تاني يشوفك بتهكم قالت: وليه بقا مكانش هايجي يا ست سارة؟ ايه هيمنعه؟ _ كرامته! أنعقد ل**نها لحظات، كرامة؟ تلك البضاعة الغالية تظنها معدومة بجنس الرجال، هل حقا كان سيمتنع عن رؤيتها؟ لا تدري ولن تهتم بتحليل سلوكه، الموضوع برمته لا يعنيها بشئ، قالت لتحسم هذا الأمر: مهما كان تصرفه مش فارق معايا ولا مهتمة اعرف، خلاص دي قصة اتقفلت وبجد كفاية كلام فيها لحد كده. _ طب وشغلك؟ مش هتشتغلي خلاص؟ _ هشتغل طبعا، في دكتور محترم كان بيجي ساعات الصيدلية كان قالي لو احتاجت مساعدة اكلمه، معايا الكارت بتاعه، هتصل بيه. طب خير ان شاء الله يساعدك ويجيبلك شغل. _ يارب يا سارة. اضجعت كلا منهما على جانبها لتنام، لكن ظل عقلها يعيد عليها كلمات سارة عن ذاك الرجل، هل حقا كرامته كانت ستمنعه من المجيء لرؤيتها؟ تعلق السؤال داخلها وهزمها النوم لتسدل جفناها وتغفو، وصورته تتسرب لصفحة عقلها الغائب دون إرادة.
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD