أغلق حاسوبه بعد عدة أبحاث مطولة وزيارة لكثير من الصفحات التي تتحدث عن الهلع والخوف .
لقد جلس منذ أكثر من ساعة أمام هذا الشاشة الصغيرة يحاول معرفة ما يحدث .. بالأصح لماذا يحدث .
بعد ساعة كاملة من البحث بين صفحات بلغات مختلفة التي استطاع أن يصل إليها ..
لم يصل لنتيجة ترضي فضوله وتهدأ قلبه .
أغلق شاشة الحاسوب دون أن يكلف نفسه عناء إغلاقه ليتن*د بتعب وملل ( ما كل هذا .. هناك ألف سبب للهلع والخوف . كيف سأعرف أسبابها هي
فرك ما بين عينه بطرف أصبعيه بتعب ليستقيم مبتعدا عن الطاولة يجوب الغرفة بتوتر يسند يديه على خصره ( ماذا سأفعل .. ما هي الطريقة
بقي على حاله عشر دقائق دون نتيجة تذكر ليرمي نفسه على السرير وهو ينفث بغضب ( كم أتمنى أن أغور في أعماقك لأعرف سبب خوفك الكبير .. فأقتلعه من جذوره لتعود الابتسامة لشفتيك و أرى النعناع بعينيك من جديد فيهدأ قلبي وترتاح روحي
ابتلع طعم المرارة بحلقه وهو يسند رأسه بين يديه وما حدث اليوم يعود لباله من جديد خوفه ا يحطمه .. ارتجافها يكاد يفتك به .
كان يراقبها من بعيد وهي خائفة لم ينتبه أحد منهم إليها كما هي العادة إلا هو كان يراقب ب**ت .
لا يمكنه التقدم ولا التراجع وكأنه بين نارين .
فقط يقف ويشاهد ويسجل بعقله ليعود في الليل ويسترجع ما خزنه ويقضي ليلته في العذاب والوجع .
همس بوجع ( ماذا أفعل .. كيف أتصرف.. مجرد صوت من أركان باسمها جعلها ترتعد من الخوف وجسمها يرتجف
تن*د بتعب وهو يفرك شعره بأصابعه ( ماذا حدث معك يا رفيف لتتحولي لجثة لا روح فيها ... كيف تحولت رقتك لجمود . وراحتك لقلق
نظر للحاسوب مرة أخرى ليذهب إليه ويفتح شاشته لتظهر صورة تجمعه معها ومع بقية العائلة .
لقد كانت قبل شهر من حدوث الكارثة التي قتلته .. كان يجلس بقربها تبتسم بحالمية ورائحة النعناع تفوح منها .
ارتسمت ضحكة على شفتيه وهو يذكر أنه سبب هذه الرائحة .. لقد كان هو من أهداها زجاجة عطر تحمل تلك الرائحة
لتسأله وعلامات الصدمة ترتسم على محياها بعد أن اشتمت العطر ( أنه نعناع أليس كذلك
ابتسم لها يومها مجيبا ( بالضبط هو نعناع
هزت كتفيها بدلال وهي تجمع شعرها لكتف واحد ( نعناع ؟؟ كيف وهل هناك عطر بهذه الرائحة .. ولماذا هذه بالذات
ضحك بخفة وهو يجيبها ( هل نسيتي أن هوايتي هي العطور .. ثم أن هذه الزجاجة كانت طلب خاص .
ليقترب منها وهو يأخذ الزجاجة منها ليرش القليل منها عليها ويتابع ( ثم أنه نعناع لأن هذا لون عينيك .. كلما رأيت تلك النبتة تذكرت عينيك .. لذلك هذه هديتي لك
عاد ليغلق الحاسوب مرة أخرى والحزن يسيطر عليه ( كل هذا ولم تشعري بي يا رفيف ... لقد قتلتي روحي والآن روحك تموت أمام ناظري وأنا عاجز تماما .
..............
ابتعدت باتجاه زوجها بعد أن احكمت الغطاء على ولدها لتبتسم بحب وهي تقول ( ولدي الحبيب
ليبتسم زوجها وهو يراقب ذلك المشهد بحنان أبوي خالص فهو ماكان يتمنى رؤيته طول حياته .
فرغم ما حدث ورغم قسوته كان يريد أن يرى زوجته هانئة البال .. لطالما سمعها تبكي ب**ت كي لا يشعر .
لطالما رأى صورة ابنهما بين يديها .. في خزانتها .. ولكنه كان يعتمد إظهار عدم الاهتمام ولكن الآن لا بأس بتأمل بعيون مفتوحة . وقلب تواق
لتنتشله زوجته قائلة ( لماذا تبتسم يا عمر ؟
أمسك يديها يسندها لتجلس بقربه وهو يقول ( ولدك الحبيب أصبح والد وفوق هذا الشيب لم يترك مجال لأي شعرة سوداء في رأسه وأنت تقولين ولدي الحبيب
اسندت رأسها على كتف زوجها برغم سنوات عمرها الثمانون كانت ومما زالت تلجأ لكتفه في كل مرة تشكي إليه وتشتكي له وتفرح وتبكي على هذا الكتف ... فيمسك يدها بحنان وهي تجيبه ( سيبقى ولدي الصغير ليوم موتي
قبل يدها بحب مجيبا ( بعيد الشر عنك
تن*دت ب**ت لتقول ( شكرا لك لأنك سامحته
أبعدها عنه وهو يتأملها بهدوء قائلا ( تشكريني يا نور لأنني سامحت ابني . بل أفضل ابنائي اعترف أنني كنت قاسيا معه ولكن هو في النهاية ابني . وسيبقى ابني واجبي هو مسامحته
عادت لحضنه مرة أخرى ( أصبح لدي حفيدات كثر الآن
ضحكة برزانة وهو يطبطب على يدها ( حفيدات جميلات ينشرن العبير في كل مكان
شاركته ضحكته وعيناها لا تفارق ذلك الراقد أمامها بهدوء وراحة بال جديدة عليه .
......
نزلت السلم بخفة تستعد للذهاب إلى المستشفى لترى الجميع حول مائدة الطعام حتى شقيقتيها وطبعا السيد أركان الذي يتلذذ بالطعام وكان شيء لم يحدث وكأنه لم يرتكب ذنب بحق احد طوال حياته .
نظرت له بغضب والكره يصل أعلى درجاته لديها وهي تتوعده في سرها ( حسنا استمتع بطعامك لنرى من سيستمتع في النهاية
لينتشلها صوت عمتها الحنون ( تعالي ريحان لماذا تقفين بجمود عندك
رسمت ابتسامة كاذبة على شفتيها لتهم بالإجابة لكن صوت أركان اسكتها وهو يوجه كلامه لعمتها (اتركيها عمتي ربما لا تحبذ تناول الإفطار
أغمضت عيناها وهي تلعن وتشتم أركان ول**ن حالها يقول (كيف له أن يذكر كل ذلك عني
لكنها لا تكون ريحان أن جعلته يفوز عليها فتعود لواقع وتبتلع باقي الشتائم التي خطرت ببالها وهي تسير بكبرياء لتجلس بهدوء مقابل أركان وهي تنظر إليه باستفزاز ( من قال أنني لا أتناول الإفطار يا ابن عمي
ترك فنجان الشاي من يده بغضب لتبتسم بانتصار فهذه المرة حققت فوزها عليه وعمتها تعرض عليها فنجان شاي فترد ريحان ( شكرا عمتي .. لا أرغب بالشاي
فتبادلها فاتن الابتسامة قائلة ( كما ترغ*ين صغيرتي
تابعت طعامها وهي توجه كلامها للتوأم قائلة ( ألن تذهبان معي للمستشفى
أجابتها جوري وهي تتناول حبة زيتون بهدوء ( لقد أخبرنا العم زياد بأننا لن نذهب اليوم وحتى أنت
وضعت قطعة الخبز من يدها وهي تستدير نحو زياد المراقب ب**ت لتسأله ( ولكن لماذا عماه ؟
ابتسم لها بحنان ( والدك من طلب ذلك وفي كل حال هو اليوم سيخرج ..لذلك لا يوجد داعي لذهابكن
هزت رأسها ب**ت فهي لا يمكنها الاعتراض على شيء أقره والدها
منذ أن كانت طفله وهي تفعل ذلك . لديها كل الحرية في فعل ما تشاء ولكن أوامر والدها لا تثنى ولا يتم الاعتراض عليها
ليكمل زياد وهو ينقل نظراته بينها وبين التوأم ( ثم أنا أفضل عدم قول عماه لي
لتسأله جودي ( بماذا نناد*ك
وضع فنجانه على الطاولة وهو يستقيم مغادرة ولكنه قبل أن يغادر أهدى رفيف قبلة قمة رأسها ثم اتجه نحو الفتيات ( ناديني زياد كما يفعل أبناء عمك
هزت رأسها بتفهم وهي تراقب زياد ب**ت لتعيد نظراتها لريحان الصامتة الهادئة فتسألها ( لكن ريحان هل سنبقى هنا أم نعود لبيتنا
همت ريحان بالإجابة لتسبقها زوجة عمها قائلة ( ستبقين هنا . لقد أمر جدك بتجهيز كل شيء لذلك
نظرت جوري وجودي باتجاه ريحان للحصول على استفسار فرفعت ريحان كتفيها بعدم معرفة ( صدقاني لا أعلم شيء
لتسأل جوري غير مهتمة بجميع من حولها ( ريحان أريد حاسوبي
فتكمل جودي ( وأنا أريد دفتري الخاص
فتتابع جوري ( وألبوم صوري أيضا
فتزيد جودي ( وثيابي أيضا
هزت ريحان رأسها بهدوء وهي تهم بالمغادرة ( حسنا حسنا .. سوف أحضر لكما كل شيء
فستوقفها جودي قبل أن تغادر ( ريحان
لتجيبها ريحان بهدوء ( نعم
فترتسم ابتسامة جميلة على شفتي جودي وهي تجيب ( لقد اتصل منير وهو بانتظار اتصالك
نظرت باتجاه هاتفها الذي بيدها تتفحصه لتعود لجودي ( لكنه لم يتصل على هاتفي
فتتابع جودي طعامها غير مهتمة ( لا أعلم حقا .. اسأليه بنفسك
هزت رأسها بتفهم وهي مغادرة غرفة الطعام تاركة خلفها شخص تكاد رائحة الاحتراق تفوح منه
فيسأل جودي غير مهتم بأحد ( ولكن من هذا المنير
لتجيبه جوري وعلامات الفرح مرتسمة عليها (منير ابن العم يحيى
ليهز رأسه بتفهم ويعود ليسأل ( حسنا ومن هذا العم يحيى
لتطلق جودي ضحكة عالية وهي تلحق بأختها الكبرى ( صديق والدي المقرب ورفيق عمره حتى أن منير يعمل لدى والدي لذلك يأتي الينا كثيرة
وتغادر لتتبعها جوري ب**ت وأركان يكاد يموت من الغيظ والفضول وهو يتمتم بحقد ( إذا كان يحيى صديق عمي .. ما دخل منير بريحان ويأتي اليهم كثيرا لماذا؟
هل يمكن أن يكون هناك شيء بينه وبين ريحان ..هل يمكن أن ريحان قد نستني كليا وهي الآن .. لا لا مستحيل نظراتها وتصرفاتها ع** هذا كليا
انتهى