فى شقة ريان بالقاهرة....
استيقظت سيرين من إغمائتها فى صباح اليوم التالى و هى ممسكة برأسها من شدة الصداع، و تأِن بألم و هى مازالت تائهة لا تتذكر ماذا حدث، ظلت تعتصر رأسها إلى أن تذكرت أخيرا أحداث الأمس، و بدأت كلمات ريان بطلاقها و زواجه من سلمى تتردد بأذنيها، فهبت من الفراش بعصبية و انخرطت فى نوبة جديدة من الصراخ الهيستيرى و هى تركل كل ما يصادفها فى طريقها و تقذف أدوات التجميل و زجاجات العطر الخاصة بها فى كل مكان، حتى اصطدمت بالمرآة و تهشمت و أصبحت الغرفة عبارة عن فوضى...
عندما لم تجد ما تقذفه و تُنفث فيه غضبها المستشيط، ألقت بجسدها بإهمال على الفراش و هى تلهث من فرط الإنفعال، إلى أن هدأت قليلا، ثم لم تجد لها بداً من الاتصال بـ فدوة علها تساعدها أو تخفف عنها قليلا.
نهضت و بحثت عن هاتفها إلى أن وجدته و اتصلت بها سريعا قائلة بجزع و لهاث:
ــ ألو...فدوة..الحقينى يا فدوة..ريان عرف كل حاجة و اللى بابى عمله فى الزفتة اللى اسمها سلمى و طلقنى و لم هدومه و سابلى الشقة و مشى...
ثم انهارت فى البكاء و هى تتحدث، فأجابتها فدوة بمواساة:
ــ اهدى بس يا سيرين و كل حاجة هتتحل..
ردت بعويل:
ــ هتتحل ازاى؟!..بقولك طلقني.
ردت فدوة بهدوء:
ــ طيب بصى أنا هجيلك الشقة و نفكر براحتنا لأن الكلام مش هينفع فى التليفون.
هزت رأسها بموافقة قائلة:
ــ أوكى هستناكى متتأخريش.
فدوة:
ــ مسافة السكة يا قلبى سلام.
أغلقت سيرين الخط و ظلت تجوب الشقة كلها بجزع و عصبية مفرطة إلى أن أتت لها فدوة بعد نصف ساعة من الإنتظار...
جلسا سويا بغرفة الصالون و قصت عليها سيرين ما حدث بالتفصيل و بعدما انتهت سكتت فدوة لوهلة ثم قالت بهدوء و رزانة:
ــ اسمعى يا سيرين...ريان كدا خلاص مفيش فيه أمل و استحالة هيرجعلك تانى...أصلا علاقتكم كانت متوترة و مش مستقرة، و بالنسبة للولاد كويس إنها جات منه و أخدهم، هو هيعرف يربيهم أحسن منك، و أنا من رأييى تخليكى فى ضهر أونكل مجدى علشان تحافظى على الشركات و الفلوس بدل ما تضيع من ايد*كى و مش هتلاقى حد يصرف عليكى بعد كدا...
وقفت سيرين و هى تنظر لنقطة ما بشرود زائغة العينين بتفكير، إلى أن قالت:
ــ انتى صح يا فدوة...أصلا ريان عمره ما حبنى و مكنتش مرتاحة فى السجن اللى كان معيشنى فيه، ألبس واسع و أغطى شعرى، لا عارفة أدخن براحتى و لا عارفة أخرج و لا أتفسح و حاجة آخر خنقة..
وقفت فدوة بمحاذاتها قائلة باستنكار:
ــ أنا مش عارفة ايه اللى كان مصبرك على الخنقة دى.
ردت سيرين بغيظ:
ــ كنت مغفلة و مبهورة بشكله و كاريزمته و ضحيت بكل حاجة عشان حبيته...بس من النهاردة أنا خلاص فوقت و هرجع لحياتى القديمة تانى و هخرج و هتفسح و هرقص و هعمل كل اللى حرمنى منه.
اتسعت ابتسامة فدوة بحماس و هى تقول بسعادة:
ــ أيوة بقى هى دى سوسو حبيبتى اللى أعرفها...دا احنا هنخربها يا بيبى.
حانت منها نصف ابتسامة لكن سرعان ما انكمشت ملامحها بغضب قائلة:
ــ بس أنا هسيبه كدا يتهنى معاها و لا كأنه عمل حاجة..
هزت فدوة رأسها بضيق و هى تقول:
ــ يا بنتى هو اللى انتوا عملتوه فى خطيبته دا شوية؟!..و بعدين أديلك عيشتى معاه يومين حلوين و أخدتى اللى كان نفسك فيه، سيبيهولها بقى تشبع بيه...هما الاتنين أصلا خنقة و زى بعض...
هزت رأسها بشر و هى تفكر هل تقتنع بكلام صديقتها أم تفكر فى خطة للإنتقام، و لكن الذى تعرفه الآن أنها عليها أن تعوض سنوات الحرمان التى عاشتها فى كنفه، و تنطلق إلى ملذاتها و تحرُرها الذى افتقدتهما كثيرا....
عودة مرة أخرى لمدينة المنصورة..
أخبر ريان والديه بجريمة حماه و زوجته التى اكتشفها مؤخرا بمحض الصدفة، كما أخبرهم بأنه طلق سيرين و أنه سيكتفى بذلك من أجل مصلحة ولديه، و أنه ينوى الزواج من سلمى و لكن بعدما تمر تلك المحنة على خير...
أحلت بهما صدمة مفجعة، فحقا كان ذلك الأمر آخر شيئ يمكن أن يخطر ببال أحدهم، بل كان من المستحيل أن يَرِد على خواطرهم من الأساس، و أيّداه فى رأيه الزواج منها، فها قد حان وقت العودة للطريق الصحيح و إن طال الإعوجاج، و ها هو عوض الله يأتى لها من حيث لا تدرى.
مر يومان هادئان لم يحدث بهما شيئاً يذكر، إلى أن حان موعد سفر ملك و والدها، الأمر الذى تكتّما عليه، حيث طلب اسماعيل من شقيقه ألا يخبر سفيان حتى لا يلحق بهما فى المطار و يُثنى عزيمتهم على السفر، فأمر العودة هو الأفضل لجميع الأطراف.
تجلس ملك بصحبة أبيها فى سيارة جارهم سالم فى طريقهم إلى المطار، عيناها لم تكفان عن ذرف العبرات الساخنة، و لكنها تجلس ب**ت تحاول ال**ود و التصبر، و أبوها يراقبها و يرى دموعها، فانفطر قلبه لأجلها و لكنه تركها تفيض بما يحويه ص*رها من هموم و أحزان لعلها تكون فترة عصيبة تمر و تنقضى على الجميع، و يأتى بعدها الاستقرار و الاستسلام للأمر الواقع.
و بعد ثلاث ساعات من السفر وصلوا المطار سالمين، و دلف معهما سالم و أبى أن يتركهما إلا حينما يستقلان الطائرة، و جلسوا جميعا بمقاعد الانتظار...
بدأت شهقات ملك تعلو و تزداد كلما ورد بخاطرها عدم رؤيتها له مرة أخرى، و أن الفراق هذه المرة بكامل إرادتها و اختيارها، يا لها من قاسية...و لأن قلبها حقا ليس بقاسى و متعلق به بشدة؛ لم يتحمل فكرة الفراق بعدما اطمئن بقرب مالكه حتى و إن كان القرب ظاهرى، و عيناها لم تتحمل فقدان النظر له، و جوارحها تأبى فراقه بعدما سكنت برؤيته و العثور عليه بعد رحلة بحث طويلة، لذلك...آلمها قلبها بقسوة، فوضعت يدها على موضع قلبها بتلقائية و بدأت تأِن من الألم بخفوت حتى لا يشعر بها أبوها، و لكن الألم فاق احتمالها، فأص*رت تأوها عاليا و هى تقول بأنين:
ــ ااااه...بابا...قلبى بيوجعنى أوى يا بابا...اااه مش قادرة...
ثم انفلتت منها صرخة مدوية و سقطت بعدها مغشيا عليها...
فزع أبوها و أخذ يستنجد بالناس من حوله و ينادى على الإسعاف إلى أن أسرع الطاقم الطبى الخاص بالمطار بحملها و نقلها لغرفة الكشف..
بعد الكشف عليها تبين أنها تعرضت لهبوط حاد فى الدورة الدموية بسبب ضغط عصبى شديد لم يتحمله القلب، و تم توصيل محاليل وريدية بذراعها إلى أن بدأت تعود لوعيها رويدا رويدا...
عندما استفاقت تماماً جلس أبوها بجوارها و جذبها إلى حضنه و هو يشعر بأن قلبه كاد أن يتوقف من فرط الهلع و الخوف عليها، فنطقت ملك أخيرا بعد فترة من ال**ت و التفكير قائلة بصوت خافت متحشرج:
ــ بابا..أنا مش هسافر..خلينا نرجع تانى..أنا مش هقدر أعيش بعيد عنه...حاسة إنى هموت من غيره يا بابا...
قالت عبارتها الأخيرة ثم أجهشت فى بكاء مرير و أبوها يستمع إليها و لم يقوى على الرد من الحيرة و التردد، فأردفت ببكاء:
ــ مش مهم نتجوز يا بابا...بس كفاية إنه قدام عينى...كفاية إنه قريب منى..بس خلينى جنبه و أنا أوعدك إنى مش هوافق على الجواز منه، بس نبقى قريبين من بعض و أنا هخليه ينسى فكرة جوازنا دى و يكمل مع مراته و يربى بنته، لحد ما تيجى من عند ربنا و نبقى زى الاخوات و الحب اللى بينا يبقى حب أخوى...خلينا نجرب يا بابا يمكن اللى بقولك عليه يحصل..
ربت على ظهرها عدة مرات بحنان، ثم اعتصر جفنيه بحيرة و تفكير و قال باستسلام:
ــ ماشى يا ملك...أهم حاجة عندى راحتك يا بنتى...بس أنا مش هسيبك رابطة نفسك بيه و لو جالك عريس مناسب هوافق عليه و ساعتها حاولى تدى نفسك فرصة تقربى من غيره يمكن يكون آن الأوان..
أومأت عدة مرات و هى تجفف وجنتيها و تقول بأمل:
ــ حاضر يا بابا..حاضر..بس بلاش سفر و بعد تانى..
هز رأسه باستسلام و نيران القلق و الخوف من القادم ناشبة بص*ره، و لكن ما باليد حيلة أخرى، و عادا فى سيارة سالم إلى المنصورة مجدداً...
بينما على الجهة الأخرى عندما نزل سفيان إلى محل الأقمشة، وجد منزل عمه بوابته مغلقة بقفل كبير، فهوى قلبه بين قدميه و شك فى سفرهما دون علمه، فعاد أدراجه سريعا إلى أبيه و طرق الباب طرقات متتالية سريعة إلى أن فتحت له أمه باستغراب من دقاته المتتالية، فدخل باندفاع و هو ينادى على أبيه، فخرج من غرفته بقلق قائلا بعتاب:
ــ فيه ايه يا سفيان...هى الدنيا اتهدت علشان تخبط كل الخبط دا؟!
سأله بجمود:
ــ عمى و ملك فين؟!..بوابة البيت مقفولة بقفل و جنزير ليه؟!
ازدرد ابراهيم ريقه بتوتر قائلا بارتباك:
ــ ايـ..ايـ..سافروا ألمانيا تانى..
اتسعت عيناه على آخرها بصدمة ثم ما لبث أن أصابته حالة من الهياج و راح يقول بصياح
ــ سافروا ازاااى...و لييه..سافروا تانى؟!..يعنى مش هشوف ملك تانى؟!..
ربتت أمه على ظهره بقلب منفطر و هى تقول:
ــ استهدى بالله يابنى و اخذى الشيطان..محدش يقدر يمنعهم من السفر و هما شايفين راحتهم هناك مش هنا..
احتدت نبرته بانفعال صارخا:
ــ لا...ملك بتهرب منى علشان طلبتها للجواز...بتهرب علشان متكونش السبب فى طلاق داليا...اختارت أصعب حل...ليه كدا يا ملك...انتى عايزة تموتينى..
هتف به والده بعصبية عله يعيده لرشده:
ــ ملك عملت الصح يا سفيان و منقدرش نلومها، بالع** المفروض نشكرها انها عايزة تحافظ على بيتك و متكونش السبب فى خراب بيتك..فوق بقى لمراتك و بنتك و عيش حياتك زى الناس و راعى مصالحك و انساها بقى.
اغرورقت عيناه بالعبرات و هو يطالع أباه بحسرة قائلا بصوت متحشرج:
ــ طاب ترجع يا بابا و أنا هبعد عنها و مش هفاتحها فى موضوع الجواز تانى...ترجع و تكون قدام عينى بس مش عايز أكتر من كدا...أنا تعبت من الفراق...الفراق دا أصعب احساس بيمر على البنى آدم..خلاص قلبى مش هيتحمل بُعدها تانى...كفاية بقى ارحمونى...ارحمونى..محدش حاسس بالنار اللى فى قلبى..قولها ترجع و أنا هبعد عن طريقها صدقنى يا بابا..
قال عبارته الأخيرة برجاء يُدمى القلب و يُبكى العين، حتى أن عفاف لم تتحمل هيئته المثيرة للشفقة و بكت حزنا على حاله و قلبه الذى يتمزق بين أضلعه و كأنه كُتب عليه العذاب للأبد، إلا أن أباه هز رأسه بأسى قائلا بحزن:
ــ معادش ينفع يابنى...زمانهم ركبوا الطيارة دلوقتي..
جحظت عيناه أكثر صارخا بعصبية:
ــ يعنى اييييه!!...خلاص كدا مش هشوفها تانى!!...أنا مش مسامحكم...مش هسامح حد فيكم أبدا...انتوا السبب فى كل اللى بيحصلى..فى قلبى اللى ات**ر، فى سنين الحسرة اللى عيشتها...انتوا السبب فى جوازى من داليا...و جايين دلوقتي بتلومونى على خراب بيتى؟!..مش هسامحكم أبدا..
ألقى بكلماته بحدة و انفعال و خرج من الشقة صافعا الباب خلفه، ثم خرج من المنزل بأكمله يهيم على وجهه فى الشوارع لا يدرى ماذا يفعل و لا إلى أين يذهب لكى يسترد حبيبته الراحلة.
أثناء عودتهم من المطار اتصل اسماعيل بشقيقه أخبره بإلغاء السفر بسبب تعب ملك أثناء انتظارهم موعد الإقلاع خوفا من أن تسوء حالتها أكثر أثناء السفر بالطائرة، فأسرع اسماعيل بالإتصال بـ سفيان حتى يخبره لعله يهدأ قليلا، فقد أشفق عليه من شدة الصدمات المتتالية التى تض*به من كل جانب، فأحس سفيان ببعض الارتياح و عاد إلى المنزل مرة أخرى ينتظرهم هناك.
بعد قرابة الثلاث ساعات وصل اسماعيل و ابنته للمنزل فوجدوا سفيان ينتظرهم أمام البوابة، و ما إن ترجلت ملك من السيارة حتى لاحظ شحوب بشرتها و إعياء ملامحها، الشيئ الذى زاد قلقه عليها أكثر فقال لها بعتاب:
ــ كدا بردو يا ملك؟!..أنا مش حذرتك قبل كدا من إنك تسيبينا و تسافرى..
أطرقت رأسها بحزن و لم تجيبه، فجذبها أبوها من يدها و هو يقول:
ــ معليش يا سفيان نبقى نتعاتب بعدين أصلها تعبانة و عايزة ترتاح..
أومأ بتفهم ثم قال:
ــ طيب اطلعوا انتوا و أنا هجيب الشنط و أحصلكم.
بعد عدة دقائق كانوا جميعا جالسين بغرفة الصالون و قد لحق بهم ابراهيم و زوجته..
بعدما اطمئنوا على حالتها الصحية سألهم سفيان بترقب:
ــ انت لغيت السفر نهائي يا عمى؟!
طالعه بحيرة ثم قال بتردد:
ــ اه.. لأ.. احنا.. احنا هنأجل السفر شوية لحد ما ملك تبقى كويسة.
هز رأسه برفض قاطع و هو يقول بحدة:
ــ لا يا عمى...بلاش تسافروا تانى أرجوك..
رد عمه بملامح جادة:
ــ لا يا سفيان... سفرنا مصلحة للكل.. أنا مستحيل هجوز بنتى على ضرة، و انت مبتهمدش و لا بتبعد عنها.
أطرق سفيان رأسه بخذى، فاسترسل اسماعيل بنبرة أكثر حدة:
ــ لولا ملك تعبت فى المطار كان زمانا سافرنا و مستحيل كنا هنرجع تاني أبدا...احنا فى غنى عن المناهدة قصاد بعض.. و انت بتصرفاتك الطايشة دى خلتنى ندمت إنى جبتها و رجعت تانى.
نظر سفيان لـ ملك برجاء و كأنه يستنجد بها ضد هجوم أبيها عليه، و لكنها فقط تتابع فى **ت، فهى تحاول الإلتزام بوعدها لأبيها، بعدما وضعت نفسها بإختبار صعب عليها تخطيه بنجاح و إلا حُرمت حتى من مجرد رؤيته للأبد، فأردف سفيان باعتذار:
ــ أنا آسف يا عمى...أنا عارف إن أنا زودتها شوية، بس صدقنى غصب عنى، كان نفسي نكون لبعض لآخر العمر..
هب اسماعيل قائلا بحدة:
ــ و ربنا مش رايد يا أخى.. ايه؟!..هتعترض على إرادة ربنا؟!..
كتم سفيان غيظه من عمه الذى هو أساس أحزانه و همومه، و استغفر ربه بخفوت حتى لا يندفع و ينفعل عليه، فهو لا يريد إغضابه خوفا من أن يأخذ ملك و يسافر مرة أخرى و قال بغضب مكبوت:
ــ قولتلك خلاص يا عمى أنا آسف..
تدخل ابراهيم فى الحوار ملطفا الأجواء بعدما لاحظ انتفاخ أوداج ولده من كبت الغضب و قال:
ــ صلوا على النبى يا جماعة...احنا مهما كان أهل و عيلة واحدة و عايزين نعيش فى هدوء و محدش يسمع حسنا.
تفوهوا جميعا بالصلاة على الرسول صلى الله عليه و سلم ثم قال اسماعيل بنبرة يشوبها بعض التهديد:
ــ خلاص يا أبو ريان... عايزنا نعيش سوا فى هدوء يبقى ابنك يبعد عن بنتى و ميفتحش معايا و لا معاها موضوع الجواز دا تانى.. أمين؟!
تن*د سفيان بعمق قائلا باستسلام و هو مطرق الرأس:
ــ حاضر يا عمى...اللى تشوفو صح هعمله...بس بلاش سفر.
تن*د اسماعيل بارتياح و لاحت منه ابتسامة بسيطة كناية عن اطمئنانه و فرحه بما وصل إليه مع سفيان.
على الناحية الأخرى، قام ريان بزيارة سلمى و ما إن فتحت له باب الشقة حتى ركض إليه الصغيران بسعادة غامرة و هما يهتفان بإسمه:
ــ بابى...بابي..بابى..
تعلق الصغيران برجليه فانحنى إليهما و حملهما و هو يضحك بسعادة و يقبلهما بحب و حنان قائلا:
ــ حبايب قلب بابي..وحشتوني موت..
ثم احتضنهما بحب بالغ و عاطفة جياشة و أنزلهما من على ذراعيه، ثم استخرج من جيب سترته قطعتين كبيرتين من الشيكولاتة قائلا:
ــ يلا خدوا الشيكولا دى و روحوا العبوا جوا مع تيتة فاطمة...
ردت چود ببراءة:
ــ فين سيكولا(شيكولا) بتاعت لوكا؟!..انت مس(مش) عالف(عارف) انها هنا و لا إيه؟!
ض*ب جبهته بكف يده و هو يقول:
ــ أوبس...أنا نسيت خالص إنها هنا..
ضحكت سلمى بصخب ثم قالت:
ــ خلاص يا چوچو اديها من بتاعتك لحد ما بابى يشتريلها واحدة زيكم...أوكى؟!
زمت شفتيها بضيق ثم قالت باستسلام طفولى:
ــ ماسى..أملى(أمرى) لله.
ضحك الاثنان من شقاوة تلك الصغيرة و برائتها الخالصة، ثم أمسكت چود بكف شقيقها و سحبته خلفها إلى غرفة جدتها فاطمة..
لاحظ ريان تعلق ناظرى سلمى بالطفلين و مراقبتها لهما بشغف و حب فياض، الأمر الذى زاده فرحا و ارتياحا و دفعه لأن يسألها:
ــ قد كدا بتحبيهم يا سلمى؟!
ازدادت بسمتها اتساعا و نظرت له قائلة بحب صادق نابع من أعماق قلبها:
ــ كلمة حب دى قليلة أوى...أنا بعشقهم يا ريان.. حاسة إنهم ولادى اللى منزلاهم من على قلبى.
اتسعت ابتسامته بسعادة بالغة و أردف بحماس:
ــ طاب مش هتقوليلى ادخل و لا هفضل واقف على الباب كدا كتير..
شهقت بخفوت و هى تكمم فمها بيدها قائلة:
ــ يا خبر!!..أنا اتلهيت مع چوچو و كلامها العسل و نسيت أقولك اتفضل...
أفسحت له المجال ليدلف و هو يقول بمرح:
ــ معذورة يا ستى..مين لاقى احبابه نسي صحابه...
جلسا سويا بالصالون و أدار ريان دفة الحديث قائلا بجدية:
ــ سلمى... أنا عايز اتكلم معاكي فى موضوع مهم.
قطبت ما بين حاجبيها بترقب قائلة:
ــ خير يا ريان...اتفضل سمعاك..
أردف بجدية:
ــ أنا طلقت سيرين.
هبت سلمى واقفة بانفعال و صاحت به بحدة:
ــ ايه؟!..انت بتقول ايه؟!..انت ازاى تعمل كدا؟!
هب هو الآخر من مقعده و وقف بمواجهتها قائلا بتقطيبة تنم عن استنكاره لرد فعلها الغير متوقع:
ــ انتى مالك بتتكلمى كدا زى ما تكونى زعلانة انى طلقتها؟!
ردت باندفاع و عصبية:
ــ أكيد طبعا مش هفرح بطلاقكم و بهدلة الولاد بينكم...و بعدين تطلقها ليه أصلا؟!
ظل ينظر لها بتمعن و وجهه متجهم الملامح، فاستشف من انفعالاتها أمرا ما ثم قال بجدية:
ــ متقلقيش يا سلمى...أنا مطلقتش سيرين بسببك أو علشان أرجعلك.
اجابته باندفاع:
ــ لا..انت طلقتها علشان تقدر تتجوزنى بعد ما عرفت اللى حصلى و إنى لسة بحبك...شوفت!!..علشان كدا فضلت مخبية عليك و مكنتش عايزاك تعرف أى حاجة أبداً.
كور كفه بغضب جم من عنادها هاتفا بحدة:
ــ بقولك انتى مالكيش أى دخل فى طلاقنا...بيكى أو من غيرك كنت هطلقها...
اغرورقت عيناها بالدموع و اقتربت منه قليلا قائلة برجاء:
ــ ريان...راجع نفسك و فكر فى ولادك....أنا مش عايزة أكون السبب فى بعدهم عن مامتهم...مش هسامح نفسى و ذنبهم هيفضل ملازمنى طول العمر...لما يكبروا و يعرفوا سبب طلاقكم أكيد هيكرهونى و أنا مش هتحمل منهم كدا..
أطبق جفنيه يعتصرهما بحزن بالغ، فتلك المسكينة تفكر فى مصلحة جلادها، و تظن أنها سبب الخلاف غافلة عن كونها ضحية طمع تلك الشيطانة و هوسها بحب التملك، تن*د بعمق ثم قال بجدية ممزوجة بالوجع:
ــ سلمى أقسملك إن اللى فى دماغك دا غلط...بدليل إنى فصلت مكمل معاها بعد ما عرفت الحقيقة لحد ما الحياة بينا بقت مستحيلة...سيرين مستهترة و متحررة و مفيش بينا أى تفاهم و عاجلا أو آجلا كنا هنتطلق...
ازدردت ل**بها بقلق و نظرت له بعدم اقتناع، فاسترسل قائلا بعطف:
ــ متحمليش نفسك ذنب انتى معملتهوش و مالكيش أى دخل فيه...
هزت رأسها بحيرة و تردد ثم قالت بوعيد:
ــ بس لو اكتشفت فى يوم انك طلقتها بسببى مش هسامحك و لا هسامح نفسى..
لاحت منه ابتسامة ساخرة ممزوجة بالألم ثم قال:
ــ ممكن بقى نقفل الموضوع دا و نتكلم فى المهم؟!
أجابته بترقب:
ــ و ايه هو بقى المهم؟!
ابتسم بهيام قائلا:
ــ أنا طالب القرب منك.
طالعته بنظرة تحذيرية قائلة بعبوس:
ــ ريااان...انت كدا بتثبتلى شكوكى و مخاوفى.
هز رأسه بيأس من رأسها اليابس قائلا بضيق:
ــ أنا مش شايف فى طلبى حاجة تخوف...بالع** دا طلب بديهى جدا...أنا خالى و انتى مش مرتبطة، و فى بينا مشاعر حب، ايه اللى يمنع انى أطلبك للجواز؟!
أجابته بتوتر:
ــ انت عايز الناس تقول خ*فته من مراته و ولاده؟!
عند هذا الحد و قد بلغ منه الغضب أقصاه فرد عليها بانفعال حاد:
ــ ملعون أبو الناس...مش كفاية بُعد و عذاب بقى؟!..الناس عارفين الهم اللى احنا عيشنا فيه؟!..حاسين بالقهر اللى حسيناه فى بُعدنا عن بعض؟!..شافوا دموعك اللى مكانتش بتنشف كل ليلة؟!..شافونى لما عيشت أسوأ أيام حياتى بعيد عنك؟! لدرجة إنى بقيت مدمن م**رات و دى آخر حاجة كنت اتوقع إنى أعملها!!..سلمى هما يومين و تردى عليا بالموافقة، و لو مش هتوافقى هسيب البلد كلها و هغور من هنا...أنا خلاص جبت آخرى...سلام..
ثم انصرف من أمامها بخطى غاضبة صافعا باب الشقة خلفه بعنف، و تركها تنظر فى أثره الفارغ بتردد و حيرة تكاد تفتك بالبقية المتبقية من عقلها و سلامها النفسى.
يتبع......
مع تحياتي/دعاء فؤاد