فى سرايا النيابة بالقاهرة...
تم ثبوت تهمة الاتجار بالم**رات على مجدى و بعض من أعوانه، أعقبه ذلك التحفظ على أمواله بالبنوك و الحجز على الشركات و الفيلا، و حبسه على ذمة القضية لحين البث فيها، كما تم مواجهته بالجناية التى ارتكبها فى حق سلمى، فى بادئ الأمر أنكرها و لكن عندما تمت مواجهته بالتسجيل المقدم من قبل ريان و تقارير الطب الشرعى، نصحه وكيل النيابة بالاعتراف ربما يخفف له الحكم و بالفعل اعترف بالجريمة و أسبابها و دوافعها.
عودة لمدينة المنصورة...
عاد ريان من منزل سلمى بعدما أثارت حنقه بردها الجائر من وجهة نظره، كان يسير فى طريق العودة و هو ينفث نيران الغضب من أذنيه و عينيه، و هو فى طريقه للبيت لمح سفيان واقفا على سطح المنزل و مستند بذراعيه على السور المطل على الشارع، فعبر البوابة عازما الصعود له، و بالفعل صعد إلى سطح المنزل و سار بخطى بطيئة نحوه حتى وقف بمحاذاته تماما، و استند أيضا بذراعيه إلى السور، فأدار ريان دفة الحديث قائلا و هو ينظر إلى السماء بشجن:
ــ مبتجيش تقعد هنا غير لما يكون جواك هم كبير أوى و زى ما يكون الهوا هيشيل منه شوية..
أطلق سفيان تنهيدة عميقة تنم عن كبت و معاناة لا يعرف قدرها إلا الله، ثم قال و هو ينظر أمامه بشرود:
ــ عمك حطنى فى خانة اليك...دخلنى تحدى صعب أوى، لو فشلت فيه عقابه حرمانى من ملك للأبد، و أنا مش عارف هكون قد التحدى دا و لا لأ..
قطب ما بين حاجبيه باستغراب قائلا:
ــ تحدى ايه دا أنا مش فاهم حاجة..
قص عليه سفيان ما حدث فى ذلك اليوم بدئا من سفر ملك سرا بدون علمه، و عودتها مرة أخرى من المطار، و تهديد عمه له بالرحيل المؤبد إن لم يتراجع عن فكرة الزواج بها، و ما إن انتهى من سرد الأحداث حتى قال له ريان بجدية:
ــ عمك اسماعيل معاه حق يا سفيان...الراجل معذور بردو...دى مهما كان بنته الوحيدة اللى كان عنده استعداد يبيع هدومه علشان تخف، و الحمد لله ربنا شفاها بمعجزة، فمش هيكون بالساهل عليه إنه يجوزها لواحد متجوز أيا كانت الأسباب.
نظر له بعتاب قائلا:
ــ المفروض انك أكتر واحد حاسس بيا و بالنار اللى جوايا، لأنك تقريبا عيشت نفس المأساة اللى أنا عايشها.
رد عليه بجدية:
ــ و لما عرفت الحقيقة و اللى حصل لـ سلمى رضيت بنصيبنا و كملت مع سيرين و مروحتش طلبت أتجوز سلمى سواء كزوجة تانية، أو طلقت سيرين علشانها، و لولا عرفت بجريمتها هى و أبوها كان زمانى لسة مكمل معاها علشان خاطر الأولاد...يعنى أنا دوست على قلبى و ركنت حبى لـ سلمى على جنب عشان أحافظ على بيتى، بس للأسف كنت بحافظ على حية متستاهلش منى ذرة احسان، و لسعتنى بسمها و أنا مش دريان و لا حاسس، لحد ما ربنا كشفلى كل حاجة....انما داليا حاجة تانية خالص، داليا بتحبك و بتتقى ربنا فيك و محافظة على بيتك و مالك، بصراحة و نعم الزوجة، يعني تستاهل أى تضحية منك...
كان سفيان يستمع لشقيقه و هو يحاول أن يقتنع بحديثه الرزين، ربما عقله يستجيب، إلا أن قلبه يأبى أى حل لمعضلته، يشعر بقلبه الممزق يستغيث بين أضلعه، يطالبه باستعادة نبضه المتمثل فيها، فأجابه بعد برهة من التفكير:
ــ صعب...صعب عليا أوى يا ريان...
ربت ريان على كتفه بمواساة قائلا بحنو:
ــ ربنا معاك يا سفيان...
أومأ برأسه عدة مرات، و خيّم عليهما **تا وجيزا، كل منهما محدقا فى البدر المنير، و يبث فيه بعضا من شجنه الكامن بقلبه، كل منهما يرى وجه محبوبته فى وجه القمر و كأنها تراه و تسمع نبضات قلبه الباكية، إلى أن قطع **تهما سؤال سفيان:
ــ ناوى على ايه بعد طلاق سيرين و بعد ما أبوها اتحكم عليه؟!
أجابه بجدية ممزوجة بالغضب:
ــ ست سيربن هانم مع نفسها، معادش ليا أى علاقة بيها و لا عايز أعرف عنها حاجة...أصلا زمانها دايرة على حل شعرها و رجعت لأصلها الزبالة...
زفر ريان بعنف بعدما أنهى عبارته، عله يتخلص من حالة الغضب التى خلفتها سيرة تلك المرأة، ثم استرسل حديثه بنبرة أكثر هدوئا:
ــ أنا روحت لـ سلمى البيت و فاتحتها فى موضوع الجواز و سيبتلها مهلة يومين تفكر و ترد عليا..
انف*جت أسارير سفيان بسعادة قائلا:
ــ أخيرا يا ريان!!...ربنا يجمع شملكم على خير يا حبيبى.
أجابه بابتسامة بسيطة قائلا:
ــ يا رب يا سفيان...لو وافقت ان شاء الله هعملها فرح و هخليه فى أقرب وقت، مفيش داعى للتأخير أكتر من كدا...كفاية السنين اللى عدت من عمرنا و كل واحد فينا فى وادى بس قلوبنا و أرواحنا متعلقين ببعض..
اومأ سفيان بتأييد قائلا:
ــ فعلا معاك حق...الخمس سنين اللى فاتوا دول كانت أمرّ سنين عمرنا.
سكت ريان لوهلة ثم أردف بجدية:
ــ اسمع يا سفيان...انت لازم تلتزم بوعدك مع عمى اسماعيل و تبعد عن ملك، و تبتدى تصلح علاقتك مع داليا علشان حياتك تستقر و تقدر تعيش مع بنتك و مراتك فى هدوء...علشان كدا بكرة ان شاء الله نروح أنا و انت و ناخد معانا الحاج و الحاجة و نروح لداليا نصالحكوا على بعض، و بالمرة أطلب ايد سلمى رسمى من طنط فاطمة...ها؟!..ايه رأيك...
زم شفتيه بحيرة ثم ما لبث أن أومأ باستسلام قائلا:
ــ ماشى يا ريان....أدينى ماشى وراكم زى الانسان الآلى لحد ما نشوف آخرتها إيه...
ابتسم ريان بود قائلا:
ــ آخرتها خير ان شاء الله ياشقيقى.
فى اليوم التالى....
اتفق سفيان مع والديه على زيارة داليا بمنزل والدتها للصلح بينهما، فهتف ابراهيم قائلا بسعادة:
ــ عين العقل يابنى...أيوة كدا يا سفيان، بنتك و مراتك أولى بيك.
أومأ بقلة حيلة ثم قال بجدية:
ــ المهم يا بابا مش عايز داليا تعرف اللى حصل بينى و بين عمى اسماعيل و الاتفقاق اللى اتفقنا عليه، عشان متاخدش الأمور بحساسية و تحس إنى مغلوب على أمرى أو إنها مجرد بديل، يعنى كأنى أنا اللى صرفت النظر عن جوازى من ملك من نفسى مش تحت صغط من حد...فاهمنى يا بابا؟!
ربت على فخذه و هو يومئ بتفهم قائلا:
ــ متقلقش يا حبيبى...كلامك كله مظبوط..
نظر لزوجته قائلا:
ــ انزلى يا أم ريان جهزى زيارة حلوة كدا ناخدها فى ايدنا و احنا رايحين، و انت يا سفيان روح يا حبيبى اشترى لمراتك هدية حلوة كدا تليق بيها و تراضيها بيها و ربنا يهدى سركم يابنى..
أومأ بملامح واجمة لا تنم عن أى سعادة أو راحة و لكنه حقا مغلوب على أمره، فقط يساير الأيام لكى تمر إلى أن تنقضي و ينقضى معها عمره.
فى المساء ذهبت العائلة لمنزل داليا و بأياديهم الهدايا للأختين و الأل**ب للأطفال علاوة على حقيبة كبيرة بها ما لذ و طاب من الفاكهة و الخضر.
كانت الزيارة مفاجئة، ففرحت الفتيات بها، و دب الأمل بداخل داليا من جديد و أحست بارتياح شديد قبل حتى أن يتحدث أيا منهم.
بعد التحيات جلس الجميع بغرفة الصالون يتجاذبون أطراف الحديث عدا ريان و سلمى، فقد كان يراقبها بشغف بينما هى تجلس بتوتر و حيرة فهى لم تحسم أمرها بعد فى شأن زواجهما.
قدم سفيان اعتذاراته لـ فاطمة و داليا و وعدها بنسيان أمر الزواج من أخرى، و أنه سيلتفت فقط لزوجته و ابنته، فأحلت بهم حالة من السعادة البالغة، ثم طلب سفيان الاختلاء بـ داليا قليلا، فأخذته و دخلا غرفتها و جلسا سويا بحافة الفراش فأدار دفة الحديث قائلا بجدية زائفة متظاهرا بالسعادة:
ــ لسة زعلانة منى يا داليا؟!
نظرت له نظرة خاوية ثم قالت بأسى:
ــ هحاول مزعلش منك يا سفيان...هحاول أنسى الفترة فاتت دى و كأنها محصلتش...هحاول نبدأ من جديد...وحشتني الأيام اللى كنا فيها عايشين هاديين بنضحك و نهزر و نقول لبعض أحلى كلام...بالسهولة دى نسيت يا سفيان و كأن مكانش فى بينا عشرة و أيام جميلة؟!
أطرق رأسه بخذى، فهو يرى أنها محقة، و لكن الذى لا تعرفه أنه كان يغتصب البسمة من شفتيه، الفرحة من قلبه و الكلام العذب من ل**نه حتى يحافظ على سير مركب حياته الزوجية لأطول مدة ممكنة...
رفع رأسه يطالعها بندم ظاهرى و لكن قلبه يأبى الندم و الاستسلام، تنف*ج شفتيه ليتحدث إلا أن ل**نه يأبى طاعته، فازدرد ل**به بصعوبة ثم استرسل بكذب:
ــ أنا..احم..أنا ندمت على كل الكلام اللى جرحتك بيه و عرفت غلطى، و أنا جايلك النهاردة و عايز أصلح غلطى و نفتح مع بعض صفحة جديدة أولها الليلادى...
همس بكلماته الأخيرة بابتسامة أذابتها و لم تشعر بنفسها إلا و هى تلقى بجسدها بين أحضانه و تلف ذراعيها حول عنقه و تتمسك به بقوة و كأنه سيهرب منها، فقام هو بدوره بلف ذراعيه حول خصرها، مستندا بذقنه على كتفها و هو يعتصر جفنيه و يعض على شفتيه يحاول أن يمحى صورة ملك الحاضرة الآن بذهنه و المتعلقة بعينيه، يحاول قدر استطاعته أن يشعر بزوجته المستقرة بين ذراعيْه بتملك، إلا أن قلبه يصرخ باسم مليكته و يأبى الخنوع لإشارات العقل، لقد فقد سيطرته عليه حتى تمرد و انقلب عليه...
و لكن هل ستستمر الحياة بينهما على هذا المنوال؟!....
بينما على الجهة الأخرى عرض ريان طلبه الزواج من سلمى غير مباليا بتلك التى تنظر له جاحظة العينين و مصتكة الفكين، فلم تنتهى بعد المهلة التى أمهلها إياها، الأمر الذى أثار حنقها و جعلها تشتعل غيظا منه، و لكن رحبت فاطمة بعرضه و أحلت بها سعادة عارمة من أجل ابنتها المسكينة، و أخيرا سيُلم الشمل بعد انتظار طويل، فعندما لقى ريان ترحيبا من قبل فاطمة تجرأ أكثر قائلا:
ــ طالما حضرتك موافقة يا طنط يبقى مفيش داعى نستنى أكتر...ايه رأيك نقرا الفاتحة دلوقتي و ننزل بكرة نشترى الشبكة و نعمل خطوبة بسيطة كدا و الفرح بعد أسبوعين؟!
انتفضت سلمى من مكانها و كأنما لدغتها كلماته، قائلة باستنكار:
ــ أسبوعين؟!..و دول هلحق أعمل فيهم ايه؟
ردت عليها أمها قائلة بهدوء:
ــ أسبوعين مهلة كويسة يا سلمى...كدا كدا جهازك موجود و محافظة عليه زى عنيا، يعنى مش هنجيب بس غير شوية الهدوم و حاجات بسيطة كدا مش هتاخد مننا يومين..
توترت سلمى أكثر و بدأ قلبها يهرع بمخضعه، لا تدرى لما تخشى تلك المواجهة التى لطالما تمنتها مع من عشقه قلبها، تشعر و أن هناك سببا خفيا يُرعبها من زواجه بها رغم أنه قد علم بحادثها الأليم، فردت بارتباك و تلعثم:
ــ احم..لا...لا أسبوعين مـ مش كفاية.
طالعها ريان بتحدى و وجّه حديثه لـ فاطمة و كأنه لم يسمعها ثم قال:
ــ يبقى على خيرة الله نقرا الفاتحة...
أشارت له سلمى و هى تلوح بذراعيها قائلة بتذمر:
ــ ايه!! حيلك حيلك...انت مسمعتش أنا قولت ايه.؟!
نظر لها بابتسامة تهكمية ساخرا منها بتعبيرات وجهه ثم التفت برأسه لوالديه:
ــ يلا يا بابا...يلا يا ماما مستنيين ايه؟!..اقراوا الفاتحة معانا يلا...
رفع كل منهم كفيه أمام وجهه و شرعوا فى قراءة الفاتحة و كل يكبت ابتسامته بصعوبة حتى لا يثيروا حنقها أكثر، بينما هى تتابعهم بذهول و استنكار، و فى تلك اللحظة خرج سفيان و داليا و تلاهم الصغار من غرفة سلمى، فغمزه ريان بعين واحدة و قال بابتسامة عريضة:
ــ تعالى يا أبو ملك...تعالوا اقرأوا الفاتحة معانا يلا...
ابتسمت داليا بسعادة و راحت تحتضن شقيقتها المذهولة و تقبلها و تنهال عليها بالتهانى و المباركات، و الأخرى جامدة تشتعل غيظا منه، و ترمقه بحنق و هو يبادلها النظرة بتحدٍ، و يغمزها بعينه قاصدا استفزازها أكثر.
بعد مدة قليلة استأذن إبراهيم بالانصراف بصحبة زوجته لأنهما ينامان مبكرا و غادر معهما ريان تاركا ولديه لدى سلمى بطلب منهما.
تناول سفيان العشاء بمنزل حماته ثم استأذنها للإنصراف مصطحبا داليا و ملك ابنته.
ما إن خرجا من بوابة المنزل حتى قبضت على كفه بتملك و هى تطالعه بابتسامة هائمة، فبادلها الابتسامة و شدد من قبضته على كفها و سارا سويا فى جو عائلى دافئ، و كانت الصغيرة تسير أمامهما بحرية تارة و تركض تارة أخرى، و الضحكات تتعالى منها و أبويها يراقبانها بسعادة و يضحكان على حركاتها الطفولية، استمرا على هذا المنوال إلى أن اقتربا من المنزل، و فى تلك الأثناء كانت ملك تقف بشرفة غرفتها و رأتهم من بعيد و هما على هذه الشاكلة الحميمية، الأمر الذى أشعل نيران الغيرة بص*رها، تلك النيران التى لطالما أخمدتها بتفكيرها العقلانى الرشيد، و لكن هيئتهم جعلتها تتمنى لو كانت هى مكان داليا الآن، شعرت بنصال الحسرة تمزق بقلبها حتى بكت رغما عنها و لم تستطع كبت حزنها الكامن بقلبها أكثر من ذلك، راحت تراقبهم بعينيها من خلف ستار الشرفة و هى تكمم فمها لتمنع شهقاتها من الانفلات، و أخذت تتخيل نفسها مكان داليا و أن ملك ابنتها منه فازداد نحيبها و بكائها أكثر و دلفت غرفتها سريعا و ارتمت على الفراش و دفنت وجهها فى وسادتها و بكت حتى أعياها البكاء....
ياللمفارقة، فمنذ خمس سنوات كانت داليا هى من تتمنى أن تحل مكان ملك فى علاقتها بسفيان و الآن انقلبت الآية، و لكنها الأيام السِجال التى يُداولها الله بين الناس...
فى اليوم التالى أخذ ريان سلمى و ذهبا لمحل الصاغة و اشتريا خاتمى الخطبة، و فى طريق العودة مرا على منزل اسماعيل و صعدا إلى الشقة و طرق ريان الباب ففتحت له ملك و استقبلتهما بابتسامة رقيقة و أفسحت لهما المجال ليدخلا...
جلسوا بغرفة الصالون و بعد قليل حضر اسماعيل و جلس معهم فأدار ريان دفة الحديث قائلا بسعادة:
ــ يا ريت تشرفنا انت و ملك يا عمى و تحضروا حفلة خطوبتنا أنا و سلمى بالليل فى بيت طنط فاطمة ان شاء الله.
تهللت أساريرهما و قالت ملك بفرح:
ــ ألف مب**ك يا ريان...ألف مب**ك يا سلمى...
قال اسماعيل بسعادة:
ــ ألف مب**ك يا حبيبى..الحمد لله إن ربنا لم شملكم على خير و لو انى كنت متوقع أرجع من ألمانيا ألاقيكم متجوزين و مخلفين كمان، بس اتفاجئت لما لقيتك متجوز واحدة تانية غير سلمى و قولت يمكن محصلش نصيب بينكم.
تجهمت ملامح سلمى و أطرقت رأسها بحزن بينما أجابه ريان بشجن واضح بين طيات كلماته:
ــ الخمس السنين اللى غيبتوا فيهم دول يا عمى كانوا أسوأ خمس سنين مروا علينا..
ثم قص عليه ما حدث أثناء فترة غيابه و لم يتطرق إلى كون الحادث مدبر من قبل حماه و زوجته السابقة، لأن سلمى لم تعلم بعد و لم تتذكر أيضا ما حدث.
أشفقت ملك عليهما للغاية و أحست بنيران الفراق التى لفحتهم بحرارتها، فهى قد ذاقت ويلاتها مثلهم تماما و ما زالت تعانى منها.
فى المساء التم الجميع بالمنزل فى جو من السعادة و أغانى الخطبة تصدح فى الأجواء، لتضفى بنغماتها جوا من الفرح و البهجة، كان العروسان فى أبهى حُللهم يطالع كل منهما الآخر بعدم تصديق و كأنهما فى حلم جميل يخشيان إنتهائه.
حضر اسماعيل و ملك لاحقا، و ما إن أطلت عليهم حتى التفتت إليها الأنظار بإعجاب، حيث كانت ترتدى فستان وردى طويل أبرز رشاقة قوامها رغم حشمته، و حجاب أ**د لامع أبرز بياض بشرتها، مع استعمالها لبعض زينة الوجه و كحل العينين الذى أظهر مدى جمال لونهما.
ما إن رأتها داليا بهذه الطلة الخاطفة للأنظار حتى اشتعلت سريرتها بغيرة ملتهبة، و راحت تراقب زوجها الذى كان واقفا بجوار شقيقه و بعيد عنها نسبيا، فاحمر وجهها من الغضب حين رأته ينظر لها بابتسامة هائمة و نظره مسلط على عينيها، بينما الأخرى تتحاشى النظر إليه حتى لا تفضحها نظراتها كما فضحته نظراته لها و أصبحت واضحة للجميع.
تقدمت من مجلسهم و قامت بتهنئة العروسين، ثم اتخذت مقعدا و استقرت به و هى فى غاية الخجل من نظرات سفيان التى تلاحقها، تنظر كل حين و آخر لـ داليا لترى ان كانت منتبهة لنظرات زوجها لها، فرأت علامات الغيرة و الغضب جَليّة على ملامحها، الشيئ الذى أصابها بالتوتر و جعلها تشعر بتأنيب الضمير أن حضرت الحفل من الأساس، فحتما ستنشب بينهما مشكلة بسببها الليلة.
و على الجهة الأخرى كان ريان هائما فى بحر عشقه لسلماه، غارقا بين أمواج الشوق، غافلا عن الحضور و كأنهما منفردين فى عالم خاص بهما، همَّ ليُمسك كفها إلا أنها سحبتها سريعا و هى تنظر له بغضب قائلة:
ــ ريان لسة مش مسموحلك تمسك ايدى.
عقد ما بين حاجبيه و زم شفتيه بحنق قائلا:
ــ تصدقى إنى غبى لأنى مخليتهاش خطوبة و كتب كتاب!!...خطوبة ايه دى اللى احنا بنعملها!!..هو احنا لسة هنتعرف على بعض؟!
انفلتت منها ضحكة خافتة ثم قالت بتشفى:
ــ الخطوبة أدب...يعنى مفيش تمسك ايدى...مفيش نخرج مع بعض كل شوية...مفيش..
قاطعها قائلا بتهكم:
ــ اصبرى بس...كلها أسبوعين و هتيجى تحت ايدى و ساعتها هوريكى الأدب على أصوله.
تغيرت ملامحها للقلق و عاد قلبها لسرعة خفقانه مرة أخرى على ذكر تلك السيرة التى أصبحت تؤرقها ليلا و نهارا، و لا تدرى ما سبب هذا القلق الغير مبرر بالنسبة لها.
بمجرد أن ارتدى العروسين خاتمى الخطبة و تعالت التهانى و المباركات، هبّت ملك من مقعدها و همست فى أذنى أبيها تطلب منه المغادرة فاستجاب لها على الفور، و قاما بتهنئة العروسين و اتجها إلى الباب تحت أنظار سفيان المتعلقة بها، فسار خلفهما و استوقفهما قائلا:
ــ استنى بس يا ملك انتى رايحة فين لسة بدرى..
نظرت له بعينين متسعتين و قالت له بهمس:
ــ سفيان كفاية بقى...انت كدا زودتها أوى..مراتك مرقباك على فكرة من أول ما جيت و واخدة بالها من نظراتك ليا..
تجهمت ملامحه قائلا بعتاب:
ــ انتى كمان مش عايزانى أبصلك يا ملك؟!...للدرجادى قلبك قسى عليا!!
انفعل اسماعيل قائلا بحدة طفيفة:
ــ اللهم أطولك يا روح...و بعدهالك يا سفيان...احنا اتفقنا على ايه يبنى؟!
اصتك أسنانه بغيظ مكبوت و قال من بين أسنانه المطبقة:
ــ هو فيه ايه يا عمى؟!..كل دا عشان بقولها خليكى شوية...هو حرام الواحد يقول لبنت عمه خليكى..و بعدين دى خطوبة ابن عمها مش حد غريب..
هز اسماعيل رأسه بقلة حيلة مشفقا عليه فى نفسه، بينما ملك قالت له برجاء:
ــ بالله عليك يا سفيان ابعد عنى بقى...أنا ماشية من هنا مخصوص بسببك، لأن مراتك زعلانة جدا من اللى انت بتعمله دا، حرام عليك انت خليتها تكرهنى.
أصابته كلماتها بالشعور بالخذى من ذاته و من أنانيته و هز رأسه بتفهم ثم قال بشجن:
ــ ماشى يا ملك...عموما انتى معاكى حق، هى مهما كان بردو انسانة من لحم و دم و لازم أراعى مشاعرها أكتر من كدا..
تن*دت بارتياح ثم ألقت عليه نظرة أخيرة و خرجت من الشقة تبعها أبوها، بينما سفيان التفت لمكان وقوف داليا فوجدها تنظر له بملامح جامدة و عيناها تنطق بالشرر، فزفر بعنف و أخذ يلعن غبائه الذى يفسد علاقته دائما معها.
بعد بضع ساعات انتهى الحفل و عاد كل منهم إلى شقته، و دلف سفيان بزوجته و ابنته، و وضعت داليا صغيرتها النائمة بفراشها و دثرتها جيدا بالغطاء ثم خرجت لـ سفيان الذى كان متأهبا لجدال مشتعل بينه و بينها.
جلست قبالته و قالت له بملامح متجهمة و نبرة حادة:
ــ هو دا كان كلامك معايا يا سفيان؟!..هو دا اللى عرفت غلطتى و ندمان و هنبدأ صفحة جديدة، و مع أول موقف جمعكم مع بعض رميت كل وعودك ورا ضهرك و مفتكرتش غيرها هى و بس؟!..
دفن رأسه بين كفيه لعله يجد من الحجة ما يبرر به موقفه، ثم نظر لها قائلا بنبرة هادئة:
ــ داليا.. المفروض هى اللى تغير منك لأنى أنا ملكك انتى و بين ايد*كى...علشان خاطرى بطلى الغيرة دى بقى علشان نعيش مع بعض فى هدوء.
احتدت نبرتها بصراخ قائلة:
ــ معنى كلامك انى المفروض أشوفك و انت مش منزل عينك من عليها و اسكت!!....
أشاح بوجهه للجهة الأخرى و لم يعقب، الأمر الذى زاد حنقها و تذمرها، فقالت بنبرة حزينة ممزوجة باللوم:
ــ يا خسارة يا سفيان...كنت فاكرة انك هتكون صادق فى وعدك معايا و هتتخطى ملك و نرجع تانى لأيام زمان، بس يظهر كدا إن ملك هتفضل الحاجز اللى بينا طول ماهى عايشة على وش الدنيا...ملك هى اللقمة اللى وقفالى فى الزور طول ما أنا على ذمتك...
هدرت بعبارتها الأخيرة بغصب بالغ ثم انصرفت من أمامه و دلفت غرفتها التقطت منها ملابس للنوم ثم خرجت إلى غرفة صغيرتها لتنام معها تاركة إياه يتلوى بألم الحيرة، لقد أوشك عشه الهش على الانهيار و هو يراقبه بقلة حيلة مكتوف الأيدى غير قادرا على أخذ خطوة جدية فى سبيل انقاذه من الدمار.
يتبع....
مع تحياتي/ دعاء فؤاد