فى منزل اسماعيل...
بعدما عادت ملك إلى منزلها انتابتها حالة من التيه و الشرود، فقد احتل سفيان جُل تفكيرها، تسأل نفسها لما كان يتطلع إليها بشغف هكذا دون الآخرين، لماذا هو بالذات قال لها(انتى بجد مش فكرانى)، ترى كيف كانت علاقته بها فى الماضى، تعلم أمر كذب أبيها عليهم و من المؤكد أن تلك الكذبة قد أثرت على مجرى حياة من تعلق قلبه بها و تعلق قلبها به...أيعقل أن يكون هو حبيبها فى الماضى أثناء مرضها؟!...و عند هذا الحد و بدأ قلبها ينبض بعنف و كأنه سيهرب من مخضعه..بدأت عيناها تغرورق بالدموع...فها قد وجدت ضالتها و ليتها ما وجدتها...فالحبيب الذى لطالما حلمت به و انتظرت لحظة لقائه متزوج و لديه طفلة...
دلف إليها أبوها الغرفة لكى يطمئن عليها، فرآها بحالة ترثى لها، فتقدم منها و جلس بجوارها و أحاط كتفيها بذراعه و هو يقول بحنو:
ــ مالك يا حبيبتى؟!
نظرت له بملامح متجهمة و عينين دامعتين و سألته بلوم جارح:
ــ ليه يا بابا؟!..ليه تكدب عليهم الكدبة دى و تفرق بينى و بين سفيان.
جحظت عيناه صدمة من حديثها و سألها بترقب:
ــ ملك..انتى افتكرتى.!!..الذاكرة رجعتلك؟!
أجابته بحدة طفيفة:
ــ لا يا بابا مش فاكرة...بس قلبى اللى فاكر..قلبى اللى كان بيقولى دايما أنا مش فيكى...أنا ف مكان تانى...و النهاردة بس عرفت قلبى كان فين....
أجهشت فى بكاء مرير جعله يشعر بتأنيب الضمير و قالت من بين شهقاتها العالية:
ــ ليه تعمل فينا كدا...مين قالك انى طالما فقدت الذاكرة إنى هنساه هو كمان...طاب مفكرتش فيه هو؟!..كل اللى فكرت فيه الشقة الحلوة و الشغلة المرتاحة و الدنيا اللى بدأت تضحكلنا فى الغربة؟!..انت دمرتنا...دمرتنا و قلبتلنا حياتنا اللى كنا بنتمتى نعيشها مع بعض و فى بيت واحد....أنا متأكدة إن كان فى بينا وعد بكدا...و متأكدة كمان ان كلكم عارفين حكايتنا حتى مراته اللى كانت بتبصيلى طول الوقت بغيرة.
أطرق اسماعيل رأسه بخذى و ندم ثم قال:
ــ انا سبق و حكيتلك اللى حصل كله من ساعة ما سافرنا ألمانيا لحد ما رجعنا تانى و عديتى الموضوع عادى و مكانش مهم اوى بالنسبالك...ايه اللى غير رأيك دلوقتي؟
هزت رأسها بعدم تصديق و هى تقول:
ــ انت مقولتليش انى سايبة هنا روح و قلب متعلقين بيا و متعلقة بيهم...كنت فاكرة ان ماليش فى الدنيا غيرك..قولت كفاية عليك شيل الهم و البهدلة اللى شوفتها معايا و التمستلك العذر...بس دلوقتي و بعد ما شوفت سفيان حاسة ان سكاكين بتقطع فى قلبى...
قالت عبارتها الأخيرة بصراخ مزق نياط قلبه و جذبها إلى حضنه و هو يبكى و يقول:
ــ سامحيني يا بنتى حقك عليا... أنا كنت عايزك تنسى الماضى باللى فيه و تعيشى حياة جديدة و الفرصة جاتلى هناك على طبق من دهب... مالكيش نصيب فيه يا حبيبتى... صدقينى مالكيش فيه نصيب..
هزت رأسها بإيجاب و هى ما زالت تبكى قائلة:
ــ أيوة... نصيب.. النصيب..
عندما هبط سفيان إلى شقته و دلفها وجد داليا تجلس فى الصالة بإنتظاره و يبدو على ملامحها القلق و الغضب فى آن واحد، ألقى عليها السلام ثم سألها:
ــ فين ملك؟!
أجابته بوجوم:
ــ نامت.
هز رأسه بموافقة ثم تخطاها و دلف غرفة نومه دون أن يُزد حرفا واحدا، الأمر الذى أشعل فتيل حنقها و غيرتها الثائرة، و هبت من مجلسها و دلفت خلفه بخطى غاضبة، فوجدته يبدل ملابسه إلى ملابس النوم فقالت له بحدة:
ــ انت هتعمل ايه؟!
أجابها ببرود:
ــ زى ما انتى شايفة كدا...بغير هدومى علشان أنام..
جزت على أسنانها بحنق قائلة:
ــ هتنام دلوقتي؟!...دى الساعة لسة ٩.
زفر بملل ثم قال بحدة:
ــ داليا لو سمحتى سيبينى دلوقتي.
اقتربت منه حتى وقفت قبالته و قالت بعصبية:
ــ لا يا سفيان...مش هسيبك تنام قبل ما تقولى ناوى على ايه بعد رجوعها و موقفك ايه منها.
استكمل ارتداء ملابسه بملامح شاردة و لم يرد عليها، فاغتاظت منه أكثر و قالت بحدة:
ــ رد عليا يا سفيان...أنا لازم أعرف راسى من رجليا و الليلادى.
جلس بحافة الفراش و دفن رأسه بين كفيه بتفكير و لم يرد أيضاً، طال انتظارها لرده، فلكزته من كتفه و احتدت نبرتها بانفعال:
ــ انت ساكت ليه؟!..أفهم ايه أنا من سكوتك دا؟!
هب من جلسته بانفعال قائلا بعصبية:
ــ معرفش...معرفش..
صُدِمت داليا من رده، فهى كانت لا تريد منه هذه الإجابة، بل كانت تنتظر إجابة حاسمة بإختياره لها و لإبنته، تنتظر أن يحتويها بين أحضانه و يختارها هى بدون أدنى تفكير أو حيرة، و لكن إجابته تلك جعلت آمالها و توقعاتها تتهاوى إلى القاع، إذن هناك احتمال و لو صغير بإمكانية عودته لها....بعد مدة من ال**ت و الذهول قالت بنبرة خاوية:
ــ لما تعرف ابقى تعالى قولى...أنا لا يمكن أقعد معاك لحظة واحدة بعد الرد دا.
ثم اتجهت إلى خزانة ملابسها و استخرجت منها حقيبة صغيرة ضبت بها بعض الملابس تحت نظراته الخاوية، حتى إنه لم يحاول إثنائها عن فعلتها أو يسترضيها و يعتذر لها، مما زادها ذلك الأمر قهرا و حنقا، خرجت من غرفتها و سارت لغرفة صغيرتها و أخذت لها بعض الملابس و حملتها على كتف و الحقيببة على الكتف الآخر و تركت الشقة و العبرات تنزل من عينيها فى قهر صامت..
بينما سفيان بعدما سمع صوت الباب يُقفل، هب إلى الخزانة و أخذ يض*ب رأسه بها و هو يصرخ بعصبية:
ـُ فوق...فوق يا سفيان بيتك بينهار...فوووق.
ابتعد قليلا عن الخزانة ثم أخذ ينظم أنفاسه المتلاحقة و يسيطر على أعصابه التالفة و هو يستغفر ربه بخفوت و يستعيذ بالله من الشيطان الرچيم، ثم خرج إلى شرفة غرفته يراقب زوجته و ابنته التى ابتعدت كثيرا عن مرئى عينيه و اقتربت من منزل والدتها، فى ذات اللحظة خرجت ملك إلى شرفتها فرأته ينظر إلى نقطة ما، فنظرت بنفس الإتجاه و صُعقت من المشهد الذى رأته، فيبدو أنها قد عادت و جلبت معها الوقيعة بين هذين الزوجين، الأمر الذى أثار شعورها بالذنب و الضيق البالغ من نفسها، فنظرت له بعتاب و قد فهم نظراتها، فالمسافة التى تفصلهما قصيرة لا تزيد عن ثمانية أمتار، و لكنه لم يبالى بنظراتها، و إنما فقط يشعر باشتياق بالغ لها، و عطش لملامحها أجحف عينيه، يريد أن يرويها حتى تكتفى و هو يعلم أنه لن يكتفى أبدا منها، لقد نسى العالم بما فيه و نسى حياته التى انقلبت رأسا على عقب، و زوجته الغاضبة المقهورة، فقط من مجرد طلة منها من شرفتها، ماذا إذن لو رافقته لبقية حياته، حتما سيتحول عالمه إلى جنة معها و ماذا يريد أكثر من ذلك.
ابتسم لها رغما عنه بينما هى طالعته بغضب و حاولت قدر الإمكان أن تتظاهر بعدم الإهتمام لأمره حتى تُثنيه عن هيامه بها و لا تكون سببا فى هدم عُشه الزوجى، و دلفت سريعا إلى غرفتها و قلبها يكاد ينخلع من مكانه من فرط الحسرة على حبيب امتلكته أخرى و أصبح لا يحق لها.
بينما سفيان خيَّم عليه حزنا أكبر من تجاهلها له، و شعر بالإحباط و لم يصدق أن ملك حبيبته لا تتذكره و تتعامل معه و كأنها لا تعرفه و لم تره من قبل.
أما داليا وصلت منزل والدتها، و ما ان دلفت بحقيبة ملابسها حتى ألقتها و ركضت إلى حضن أمها تستنجد به و تبكى بحسرة حتى أعياها البكاء، و بعدما هدأت قليلا قالت لها فاطمة بحزن:
ــ ايه اللى حصل بس يا بنتى؟!
أجابتها و هى تبكى:
ــ اللى كنت خايفة منه حصل يا ماما...بقوله انت ناوى على ايه...بدل ما يقولى مالناش دعوة بيها و أنا مش هخرب بيتى علشان خاطرها بيقولى معرفش...معناها ايه معرفش دى يا ماما.؟!..
قالت عبارتها الأخيرة بصراخ و نحيب و هى تض*ب على فخذيها بحسرة، فراحت أمها تزجرها بحدة:
ــ و انتى يا خايبة سيبتيله البيت عشان تخليله الجو و تديله فرصة يفكر فيها أكتر...هتفضلى طول عمرك متسرعة كدهوه...المفروض كنتى فضلتى قاعدة على قلبه و تخليه قدام عنيكى عشان عينه متزوغش عليها مش تسهليله الأمور..
كفكفت عبراتها و هى تقول:
ــ لا يا ماما سفيان ميعملش كدا...سفيان أعقل من إنه ينتهز فرصة غيابى و يعمل معاها علاقة...لا لا لا...دا بيخاف من ربنا و استحالة يعمل كدا..
قالت عبارتها الأخيرة و كأنها تحاول اقناع نفسها التى تأثرت بكلام أمها، فلكزتها أمها مسترسلة:
ــ لا يا حبيبتى...سفيان دلوقتي تحت تأثير الصدمة و ممكن يعمل أى حاجة و يطلعلها مليون مبرر...اخذى الشيطان يا داليا و ارجعى لجوزك و اتمسكى بيه و فهميه ان انتى مش هتسمحيله يهد بيتكم بالسهولة دى...و صدقيني يا بنتى هى أزمة هتاخد وقتها و هتعدى و يمكن ملك الجو ميعجبهاش هنا و ترجع ألمانيا تانى و كأن مفيش حاجة حصلت..
شردت داليا فى حديث والدتها المقنع و أومأت بأمل قائلة:
ــ يا رب يا ماما...يسمع منك ربنا..
ابتسمت الأم بحنان ثم قالت:
ــ طاب قومى يا حبيبتى خدى حاجتك و ارجعى بيتك و اخذى الشيطان..
أجابتها بترجى:
ــ طاب سيبينى أبات الليلادى بس على ما أعصابى ترتاح شوية و هبقى أرجع الصبح ان شاء الله..
ربتت على فخذها بحنان:
ــ ماشى يا حبيبتى اللى يريحك...اهى لوكا نامت على الكنبة أهى...شيليها بقى و نيميها جوا..
داليا:
ــ حاضر يا ماما...
فى صباح اليوم التالى...
كان سفيان واقفا أمام باب شقة عمه و بيده ملف به أوراقاً ما، تردد كثيرا أيطرق الباب بنفسه و يعطيه لها أم يرسله مع أى احد غيره، و لكنه فى الأخير حسم أمره و طرق الباب لعله يراها و يروى عينيه منها حتى و لو لثوانٍ معدودة..
فتحت له ملك فارتبكت من مثوله المُهلك أمامها، بينما هو كلما رأى عينيها الخلابتين لا يستطيع أن يُخفى بسمته، كادت أن تبتسم و لكنها منعت نفسها بشق الأنفس و قالت بنبرة باردة:
ــ أيوة؟!
صُدِم سفيان من ردها البارد و قال باستنكار:
ــ أيوة؟!...انتى بتقوليلي أنا كدا؟!
لوت شفتيها لجانب فمها بابتسامة ساخرة و قالت بتهكم:
ــ ليه.. هو محرم حضرتك انى أقولك أيوة؟!
هز رأسه بعدم تصديق قائلا بتقطيبة بسيطة:
ــ ملك انتى عمرك ما كلمتنينى كدا...انتى لما كنتى بتشوفينى كنتى بتدارى وشك من الخجل و صوتك بيطلع بالعافية من ال**وف...انتى ملك تانية غير اللى أنا عارفها و حبتـ...
بتر كلمته و لم يكمل بينما هى أجابته بجدية رغم مشاعر الحنين الثائرة بقلبها:
ــ بالظبط كدا...انت جاوبت على نفسك...ملك اللى كانت بتت**ف منك كانت لسة طفلة بنت ١٧ سنة، مكانتش بتتعامل مع حد غيرك انت و شوية من جيرانها، كانت علاقتها محدودة و متعرفش حاجة عن فن التعامل مع الناس، انما ملك اللى قدامك دلوقتي بقت بنت ناضجة عندها ٢٣ سنة، اتعلمت و اشتغلت و اتعاملت مع أشكال و ألوان من الناس و شخصيات كتير من جنسيات مختلفة...طبيعى دا يكون ردى عليك دا غير إنى أصلا مش فاكرة أنا كنت بكلمك ازاى؟
هز رأسه بتفهم و مازالت ملامحه متجهمة من أثر الصدمة ثم قال بغيظ مكبوت:
ــ ماشى يا ملك...هحاول أصدقك، و لو انى حاسس ان قناع البرود اللى انتى لابساه دا مخبية وراه ملك اللى أنا عارفها كويس أوى..
ارتبكت من كلامه فقد صدق حدسه و بالفعل تحاول جاهدة التظاهر باللامبالاة فى حضرته و لكنها سرعان ما استعادت برودها و قالت:
ــ كنت عايز حاجة؟!
امتعضت ملامحه بضيق ثم قال بنفاذ صبر:
ــ طاب أنا هفضل واقف على الباب كدا كتير؟!
أفسحت له المجال على مُضض ليدخل، فهى تخشى أن يهوى ثباتها و يكشف أمر حنينها له، و لكنه دلف و جلس بالأريكة القريبة من الباب و جلست قبالته قائلة بجمود:
ــ على فكرة بابا لسة نايم...يعنى يا ريت تقول بسرعة انت عايز ايه علشان ميصحش قعدتك معايا كدا لوحدنا.
زفر بعنف و هو يهز رأسه بحنق ثم قال:
ــ ملك انتى مش فاكرة أى حاجة؟!...أى كلمة قولتيهالى..اى وعد وعدتيهولى؟!
ارتجف قلبها و اهتزت مقلتيها لتهدد بنزول دموعها ما إن استشعرت الأمل و الرجاء فى كلماته و نظرة عينيه، و أجابته بصوت متحشرج:
ــ لا...مش فاكرة أى حاجة..
هز رأسه يمنة و يسرة بعدم تصديق و هو يقول:
ــ مش قادر أصدقك...شايف فى عنيكى حب و شوق مش عارفة تخبيهم...عيونك بتصرخ و كأنها بتنادينى بس انتى بتحاولى تبينى إنك مش فاكرانى مش عارف ليه؟!
اجابته بلهفة:
ــ أنا مبكدبش عليك...أنا فعلا فاقدة الذاكرة و مش فاكراك بس...
سكتت و هى تفرك يديها بتوتر فحثّها سفيان على إكمال كلامها:
ــ بس ايه يا ملك...كملى..
بدأت تجهش فى البكاء ثم قالت:
ــ قلبى حاسس بيك...ساعة ما شوفتك قلبى كان هيخرج من مكانه و حسيت إحساس غريب و كأن فى رابط قوى بينا و كأنى عارفاك من سنين...سيطرت على قلبى و تفكيرى من أول نظرة، انت أصلا مفارقتنيش طول الخمس سنين اللى فاتو، لأنك كنت بتجيلى فى أحلامى دايما بس صورتك مش واضحة، و بابا كان بيقولى دى مجرد أحلام...مقاليش ان فى حد بيحبنى و أنا بحبه، و أنا صدقته لحد ما شوفتك..
دفنت رأسها بين كفيها و بكت بشدة، و هو يناظرها تارة بسعادة لأن قلبها مازال محتفظا بحبه، و تارة بحزن لضياع فرصة اجتماعهما كزوجين.
ظل يتطلع لها بعشق جارف إلى أن هدأت تماما و جففت وجنتيها من الدموع فباغتها بقوله:
ــ ملك...تتجوزيني؟!
نظرت له بصدمة بعدما اتسعت عيناها على آخرهما و احتدت نبرتها بانفعال قائلة:
ــ انت مجنون!!...أنا استحالة اوافق على الجنان دا...أنا معنديش أدنى استعداد إنى أكون سبب فى خراب بيت زوجة مالهاش أى ذنب فى إحساسى ناحيتك..
أجابها بحدة أكبر:
ــ المفروض انتى اللى تكونى مكانها دلوقتي..لو مكانش عمى كدب علينا استحالة كنت هرتبط بداليا حتى لو مكنتيش هترجعى تانى..بس على الأقل عارف انك موجودة و مسيرنا هنتقابل.
ردت عليه بانفعال:
ــ لا يا أستاذ يا متعلم...مفيش حاجة اسمها المفروض...فى حاجة اسمها القدر و النصيب...حتى لو انت عارف انى عايشة و لو مفيش لينا نصيب فى بعض استحالة كان هيحصل.
هب من كرسيه بعصبية و صاح بها بصوت مرتفع و قد نفرت عروق رقبته للغاية:
ــ بس أنا لسة بحبك...و عايزك ليا...هنسى اللى فات و خلينا نبدأ من جديد و نتجوز..
قال عبارته الأخيرة برجاء إلا أنها هبت هى الأخرى و صرخت به:
ــ مينفعش...مينفعش..انت متجوز و معاك طفلة...يعنى ليك حياتك و رسالتك اللى لازم تكملها على أكمل وجه...انسانى و كمل حياتك من غيرى زى ما أنا هكمل من غيرك.
اقترب بوجهه من وجهها للغاية و هدر بحدة:
ــ اذا كان منستكيش من خمس سنين و المفروض انك ميتة، هنساكى ازاى دلوقتي بعد ما عرفت انك عايشة؟!..انتى بتطلبى منى المستحيل.
أجهشت فى البكاء مرة أخرى و هى تقول:
ــ يا ريتنى ما رجعت...أنا هسافر تانى...هسافر و استحالة هفكر أرجع هنا تانى.
تلك المرة أثارت غضبه للغاية فلم يشعر بنفسه إلا و هو يقبض على كتفيها بشدة و يهزها بانفعال و يهدر بغضب:
ــ إياكى يا ملك...انتى عايزة تموتيني؟!..كفاية عذاب بقى..كفاية فراق حرام عليكي...الخمس سنين اللى فاتوا كانوا أسوأ خمس سنين عدوا عليا فى حياتى...كنت حاسس بحسرة و أنا متجوز غيرك...كان نفسى بنتى تكون منك...مستكترة عليا إنى أشوفك قدامى و أكلمك و أملى عينى منك؟!
أنزلت يديه عن كتفيها ثم ردت عليه ببكاء:
ــ سفيان ارحمنى...كلامك دا بيقطع فى قلبى..بس هو نصيبنا كدا و لازم نرضى بيه..
أومأ برأسه ثم قال بت**يم:
ــ عايزك بس تفكرى فى طلبى...أنا مش هطلق داليا...يعنى هتجوزك عليها...يعنى انتى مش هتكونى سبب فى خراب بيتى زى ما انتى فاهمة...و ان شاء الله هعدل بينكم..
طالعته بغيظ و غضب فيبدو أنه فقد عقله تماما لكى يتفوه بهذا الهراء، و إن وافقته فحتما ستكون مجنونة مثله، و لكنها أومأت بالإيجاب لكى تُنهى ذلك الحوار العقيم ثم قالت بجدية:
ــ انت كنت جاى ليه؟!
سكت قليلا يتذكر إلى أن انتبه أخيرا للملف الذى بيده و قال:
ــ أنا كنت جاى أد*كى الملف دا...فيه شهادة الثانوية العامة و أوراقك اللى كانت فى المدرسة، أنا اللى سحبت ملفك من المدرسة و احتفظت بيه لما كنتى لسة فى الغيبوبة، فقولت أجيبهولك يمكن تحبى تقدمى فى الجامعة و تكملى تعليمك هنا.
هزت رأسها بتفهم و اخذت منه الملف و هى تشكره ثم قال لها:
ــ أنا همشى و هستنى ردك.
امتعض وجهها بحنق أخفته سريعا ثم أومأت له بابتسامة مصطنعة و تركها و انصرف بأمل جديد فى إمكانية اجتماعه بها كزوجة.
عاد سفيان إلى شقته و فوجئ بـ داليا جالسة بالصالة تنظر له بغضب و الشرر يتطاير من عينيها و لكنه بادلها بنظرة باردة و قال لها:
ــ حمد الله على السلامة.
هبت من جلستها و سألته بهدوء ما قبل العاصفة:
ــ كنت فين يا سفيان؟!
وقف قبالتها و سألها بتحدى:
ــ و انتى من امتى بتسألينى السؤال دا؟!
ردت بانفعال:
ــ سفيان..متجاوبش السؤال بـ سؤال.
اومأ لها ببرود قائلا:
ــ كنت عند عمى اسماعيل علشان أدى ملك شهادة الثانوية العامة بتاعتها.
جحظت عيناها من بروده و فعلته الاستفزازية و قالت بقهر:
ــ انت كمان روحتلها لحد عندها يا سفيان؟!..لا و كمان بتقولى عادى و لا كأنك عملت حاجة غلط.
هدر بها بعصبية:
ــ يعنى المفروض أكدب عليكى؟!..تمام...بعد كدا هكدب علشان تكونى مرتاحة.
انهمرت الدموع من مقلتيها و هى تقول له بنبرة عاتبة:
ــ سفيان انت اتغيرت معايا كدا ليه؟!..طاب أنا ذنبى ايه فى كدب عمك عليك؟!..انت بتعاملنى و كأنى طرف فى الكدبة دى و بتعاقبنى عليها.
أطبق جفنيه يعتصرهما بحزن بالغ و قال بنبرة معذبة:
ــ داليا انتى مش حاسة بيا..انتى كل اللى همك نفسك و بس...أنا حاسس انى فى كابوس مش عارف أصحى منه...عارف ان مالكيش ذنب بس ف نفس الوقت مش قادر أنسى ان انتى اللى جيتى بيتنا و طلبتى أتجوزك و أمى و أبويا أقنعونى و مقدرتش أرفض طلبهم، أنا حاسس فعلا ان انتى طرف أساسى فى فراقى عن ملك، لأنى متأكد ان لولا اللى انتى عملتيه مكنتش اتجوزت لحد دلوقتي، و مكانش فى أى حاجة هتمنع جوازى من ملك بعد ما رجعت..عارف ان كلامى هيجرحك أوى، بس أنا كمان مجروح أكتر منك، و من كتر ما أنا موجوع مش فارق معايا وجع اى حد...
ألقى بعبارته الأخيرة و تركها إلى غرفة نومه، تركها تنظر فى أثره بذهول، حقا لقد جرحها جرحا صعب اندماله، جُرح عميق للغاية، لا تدرى كيف يمكنها أن تغفر له ذلك الألم الذى خلّفه بقلبها.
بينما هو نام بفراشه و هو يشعر بوخز حاد فى قلبه بعدما ألقى على مسامعها من كلمات ذابحة، يشعر بالذنب و الغضب من نفسه، فرغم عدم محبته الخالصة لها إلا أنه لم يدع لها فرصة لتشعر بذلك، بل كان يُحسن معاملتها كما لو كان يعشقها بالفعل، كان يُسمعها معسول الكلام كذبا، فهو يعلم ان الكذب حلال فى هذه الأمور، و لكن الآن انقلب حال قلبه الذى صفعه الواقع المرير صفعة أطاحت بالرحمة و المودة التى كان يحويها لها، لقد أصبح قاسيا...قاسيا إلى أقصى حد، حتى أنه لم يعد يعرف نفسه.
نامت داليا تلك الليلة بجوار صغيرتها، فقد بنى سفيان بينهما حاجزا منيعا بعد عباراته اللاذعة لا تعلم متى ستتخطاه.
يتبع.....
مع تحياتي / دعاء فؤاد