الحلقة (١٢)

2916 Words
عاد سفيان إلى منزله فوجد أبيه فى انتظاره، ألقى عليه السلام و جلس معه بالصالون. كان إبراهيم يجلس بكرسيه بتوتر شديد و قد بدت علامات القلق عليه بوضوح، الشيئ الذى أثار ريبة سفيان و قال له باستغراب: ــ مالك يا حاج؟!.. شكلك مش مبسوط برجوع عمى و لا ايه؟! ازدرد ل**به بصعوبة ثم قال بتردد: ــ عمك واصل من امبارح يا سفيان.. جحظت عيناه من الدهشة و سأله بملامح مشدوهة: ــ طاب و حضرتك مقولتليش ليه و كان قاعد فين؟! دلفت داليا بصينية الشاى و من خلفها صغيرتها و وضعتها على الطاولة و جلست بجوار زوجها، رمقها إبراهيم بتوتر ثم قال: ــ أصله ما جاش لوحده.. ضحك سفيان و قال بمزاح: ــ اتجوز هناك واحدة أجنبية يعنى و جايبها معاه؟!... طاب و ماله... حقه بردو.. ازدرد ل**به بصعوبة و قد اصفر وجهه من فرط القلق ثم قال بترقب: ــ لا... جايب معاه.. مـ ملك.. شهقت داليا بصدمة و حينها تأكدت أن من رأتها بالمول أمس هى ملك ابنة عمها اسماعيل، بينما سفيان لم يستوعب بعد كلامه و سأله بعدم اقتناع: ــ ملك مين؟! اخذ ينقل بصره بينه و بين داليا بتوتر ثم قال بترقب: ــ ملك بنته.. صدمة....صدمة بالغة خيّمت على جوارحه، لم يصدق بعد و لم يفهم بعد أى ملك يقصد، و ماذا عن السنوات التى عانى فيها الأمرين و شرب فيها كؤس اللوعة و العذاب، أكان ينعى و يرثى حبيبة مازالت على قيد الحياة!! اقترب إبراهيم من ولده المصدوم و قال بنبرة معذبة ممزوجة بتأنيب الضمير: ــ عمك كلمنى من تلت تيام و قالى إنه راجع فى زيارة بعد ما ملك **مت إنها تزورنا، كلمت ام سيد و نضفت البيت و عملتلهم أكل و سابته فى التلاجة، وصل امبارح الصبح و انت كنت نايم، و ريح شوية كدا و خرجوا العصر يف*جها على البلد، بس من ساعة ما قالى انه راجع معاها و أنا مش عارف أقولك ازاى و منمتش طول الليل من التفكير، فى الآخر قولت مبدهاش بقى.. هز رأسه بعدم تصديق و مازالت الصدمة بادية على وجهه: ــ أنا مش فاهم أى حاجة...يعنى ملك مماتتش...طاب لو عايشة ليه مرجعتش من كام سنة فاتت!..لسة فاكرة ترجع دلوقتي!..طاب ليه عمى كدب علينا؟!..بابا انت كنت عارف انها عايشة..؟! هز رأسه بإيجاب دون رد، فنظر سفيان لـ داليا و قال: ــ و انتى كمان كنتى عارفة؟! هزت رأسها بنفى و قالت: ــ لا يا سفيان...انا زيك تمام معرفش حاجة. ضيق عينيه بترقب قائلا: ــ أومال ليه امبارح قعدتى تقوليلى لو ملك لسة موجودة هترجعلها و كأنك عارفة انها لسة عايشة؟! أجهشت داليا فى البكاء و قالت من بين شهقاتها: ــ شوفتها امبارح فى المول و مكنتش مصدقة انها هى...و حسيت انى فـ مصيبة كبيرة لو كانت هى بجد.. دفن وجهه بين كفيه و استند بكوعيه على فخذيه و هو يكاد يُجن مما سمع، و كل ما يجول بخاطره الآن، لما لم تعد لأجله، ألم تعد تحبه، أيعقل أن تكون قد لفظته من قلبها و أصبح لها كأى شخص عادى أو مجرد ابن عمها و حسب؟!.. استرسلت داليا قائلة ببكاء: ــ بس...بس كلمتنى و شاف*نى و لا كأنها تعرفنى و دا اللى خلانى أشك انها ممكن تكون واحدة شبهها. رفع سفيان رأسه من بين كفيه و نظر لها باستغراب إلى أن قال إبراهيم: ــ ما أنا نسيت أقولك إنها لما فاقت من الغيبوية لاقوها فاقدة الذاكرة، و مش فاكرة أى حاجة، و لحد دلوقتي لسة مش فاكرة حد، و أبوها هو اللى حكالها عننا و مفهمها ان انت و أخوك كنتوا زى إخواتها... قال عبارته الأخيرة بنبرة ذات مغذى و هو يضغط على كلماته، فوصل مغذاه لسفيان، و أحس بوخز حاد فى قلبه عندما تخيل أن ملك لا تتذكره من الأساس و أنها لن تعرفه...كيف هذا؟!...أيعقل؟!..يا حسرتاه على حب اندثر مع اندثار ذاكرتها و كأنه لم يكن. قطب سفيان جبينه باستنكار قائلا بحدة ممزوجة بوجع: ــ طاب ليه كدبتوا عليا؟!..ليه عمى يعمل فيا كدا...فى حد فى الدنيا يفول على بنته بالموت؟!...ازاى عمى يعمل كدا...فهمنى يا بابا أنا هتجنن.. تن*د أبوه بعمق و قال بحزن: ــ دى حكاية يطول شرحها يا سفيان و لما ييجى هو بنفسه هيحكيلك...بس بلاش يابنى عتاب دلوقتي...سيبهم يرتاحوا و يهدوا شوية و بعدين نتعاتب زى ما انت عايز.. نهضت صغيرته و جلست على قدميه و كأنها تقول له "ها أنا ذا يا أبى، لا تفكر فى ملك أخرى غيرى...أنا ملكتك الأولى و الأخيرة" فجذبها إلى أحضانه و اعتصرها بين ذراعيه حتى آلمها و كأنه يستغيث بها لكى لا يرى سواها، لكى يُبقى على صغيرته بكنفه و ألا يلتفت لغيرها و ينهار عشه الصغير الذى أسسه و اشتد بنيانه حين أتت صغيرته و أنارت دنياه بعدما أعتمت بعد فقدانه لملكته الأولى. لم يعد يقوى على ال**ود و التظاهر بالثبات أكثر من ذلك، يريد أن يبكى و يرثى حاله، فكيف له بعدما عرف أنها مازالت حية، كيف سيعيش و كأنها لم تعد، كيف سيُكمل حياته و هى أمامه، لن يكون بمقدوره التعامل معها على أنها إبنة عمه و حسب، ليتها لم تعد، فقد تأقلم مع غيابها بعد معاناة، و تحمل ما لايمكن تحمله من مشاعر كاذبة مع زوجته، فكم كان تمثيل الحب و الراحة أمرا عسيرا، و لكن ليس لها ذنب بذلك. رد سفيان أخيرا بصوت متحشرج من أثر الصدمة: ــ طاب احنا اللى هنروحلهم البيت و لا هما اللى هييجوا؟! أجابه والده بجدية: ــ لا هما زمانهم جايين دلوقتي، و أخوك ريان كمان زمانه على وصول. .. لم يكد ينهى حديثه حتى طرق أحدهم الباب، ففتحت داليا الباب و كان الطارق ريان و معه سيرين و ولديه، و دلفوا جميعا بعدما تبادلوا التحية و جلسوا فى انتظار قدوم اسماعيل و ملك... اتصلت داليا بـ سلمى و أخبرتها بالموضوع منذ بدايته، اندهشت سلمى للغاية و أحست بنيران الشوق المنضرمة بص*ر سفيان و التمست له العذر و أشفقت عليه كثيرا، فهى أول من انكوى بنيرانه و ذاقت ويلات الفراق. بعد قليل أتت سلمى و معها والدتها و ما إن عبرت باب الشقة إلى الداخل حتى صرخ چود و چاد و نادوها بلقب "مامى" أمام مرئى و مسمع والديهما المشدوهين من فعلتيهما، و ركض الطفلان إليها و انحنت و حملتهما و هى فى قمة سعادتها و اخذت تقبلهما و هى تقول: ــ كدا يا چوچو.. شهر بحاله ماشوفكوش فيه... هانت عليكم مامى سلمى.. تعلق الطفلان برقبتها و كأنهما قد وجدا ضالتيهما، بينما سيرين كانت تشتعل بمكانها من الغيرة، و ترمقها بنظرات مغتاظة و هى تصتك فكيها غضبا و غلا، بينما ريان كان يتابع المشهد بدهشة و سعادة فى آن واحد، و ابتسامة هائمة لاحت على ثغره فيمن عشقها حتى النخاع، و تمنى فى تلك اللحظة بالذات لو كانت هى أمهما الحقيقية، و حقق أحلامهما التى رسماها سويا فى الماضى، لكان أسعد إنسان فى الوجود.. اقتربت من مجلسهم و ألقت عليهم السلام متحاشية النظر فى وجه ريان، فحتما ان نظرت له بعد غياب عامين رغم زياراته المتكررة ستفضحها نظراتها المشتاقة، فجلست فى مقعد بعيدا عنه و الطفلان على رجليها.. ظلت سيرين تطرق الأرض بقدميها بتوتر و غضب إلى أن خرجت غيرتها عن السيطرة، فهبت من مقعدها و وقفت قبالة سلمى و جذبت الطفلان من يديهما و هى تقول: ــ بعد اذنك عايزة ولادى.. طالعتها سلمى ببرود قائلة بنبرة استفزازية: ــ أنا ما أخدتهمش منك على فكرة... هما اللى بيحبونى و بيجروا عليا كل ما يشوفونى. بينما الطفلان أبيا أن يستجيبا لأمهما و تمسكا بـ سلمى أكثر، فاغتاظت سيرين للغاية و حملتهما عنوة و هما يبكيان و جلست مرة أخرى بمقعدها، بينما ريان مشدوها لا يصدق أن طفليه متعلقين بـ سلمى إلى هذا الحد، الأمر الذى زاده سرورا و ارتياحا. بعد دقائق قليلة طُرِق الباب، فهوى قلب سفيان فى قدميه، و ارتفعت حرارة جسده من فرط التوتر، و زادت وتيرة تنفسه، يود أن يهرب إلى أى مكان قبل أن يراها، فحتما لن يستطيع السيطرة على أعصابه التالفة و ربما يفعل ما لا يُحمد عقباه. فتحت عفاف الباب، و كان الطارق اسماعيل، دلف إلى مجلسهم و سأله إبراهيم باستغراب: ــ أومال فين ملك يا اسماعيل؟! ــ طاب سيبنى أسلم على حبايبى الأول يا أبو ريان و بعدين نتكلم.. سلم عليهم جميعا و احتضن الشباب بشوق بالغ و بعدما انتهى قال بجدية: ــ ملك مستنيانى تحت.. أنا جيت أنا الأول علشان أتأسفلكم على كدبى عليكم بس انا لاقيت ان دا الأحسن للكل خاصة إن ملك فقدت الذاكرة و مش فاكرة أى حد منكم، و ليا رجاء عندكم... مش عايز حد يفكرها بأى حاجة حصلت زمان، كفاية عليها اللى شافته لحد ما ربنا قومها من الغيبوبة بالسلامة، ملك اتغيرت و بقت حاجة تانية... كبرت و درست و اشتغلت كمان، و متعرفوش أنا مبسوط قد ايه بحياتها الجديدة و هى كمان مبسوطة، لولا إن هى **مت إنها تتعرف عليكم علشان ماتشيلش ذنب قطيعة الرحم. ردت عفاف بسعادة: ــ متقلقش يا أبو ملك..إحنا كمان بنحبها و يهمنا مصلحتها فوق كل شيئ... اتوكل على الله و انزل هاتها... دى وحشتني أوى. أومأ بشبه ابتسامة و القلق مسيطر على جوارحه، يخشى لحظة لقائها بـ سفيان، فحتما ستشعر به خاصة و أنه كان دائما يراودها بأحلامها. بينما سفيان طالعه بغضب دفين، فـ لأول مرة يشعر أنه يمقت عمه الحبيب، و ما ان خرج عمه من باب الشقة حتى انحبست أنفاسه و ارتفع ضغط الدم بعروقه، يتمنى لو تنشق الأرض و تبتلعه قبل أن يراها و ينفضح أمر اشتياقه الدائم لها. هبط إبراهيم للطابق الأرضى حيث تنتظره غاليته و أخذها و صعد بها إلى شقة عمها، دلفا سويا فنهض الجميع من مجالسهم و تقدمت منهم ملك بخطى خجلى و أبيها بجوارها، ألقت عليهم السلام بصوتها الرقيق: ــ السلام عليكم.. ردوا جميعا السلام بصوت واحد، بينما قال أبوها بابتسامة واسعة: ــ ادى يا ستى قرايبنا و حبايبنا اللى نفسك تشوفيهم من زمان و نبدأ بالراس الكبيرة...عمك ابراهيم.. اقبلت عليه و انحنت لتقبل يده بينما هو يمتنع إلا إنها أصرت على ذلك فأخذ يمسح على حجابها بحب و هو يقول: ــ لسة قلبك طيب و حنينة زى ما انتى يا ملك. أجابته بابتسامة جميلة: ــ ربنا يخليك ليا يا عمو و يبارك فيك. استأنف اسماعيل قائلاً: ــ و دى يا ستى طنط عفاف مرات عمك إبراهيم.. اغرورقت عينا عفاف بالدموع فهى لا تصدق أن ملك التى تربت على يديها و أمام عينيها لا تتذكرها و لا تعرفها، و جذبتها إلى أحضانها و هى تبكى و تربت على ظهرها بحنان و تسمعها من كلمات الحب و المديح، فتأثرت ملك بكم الحب و المشاعر الفياضة التى أغدقتها عليها، و بعد فترة أبعدتها عن حضنها بشق الأنفس، و ها قد حان دور سفيان لكى يُعرفها أبوها عليه، فقد كان واقفا بأنفاس منحبسة و اعصاب تالفة، يتظاهر بالثبات و كم كان ذلك الأمر شاقا عليه.. وقفت قبالته و قال ابوها بقلق داخلى: ــ احم..و دا سفيان ابن عمك إبراهيم.. أماءت له بابتسامة أطاحت بعقله و كادت تفقده ثباته، يتأمل ملامحها بلاوعى، فقد نضجت بدرجة كبيرة، فالتى تقف امامه الآن ليست ملك ابنة الثامنة عشر عام ذات الجسد النحيل و الملامح الباهتة، بل على الع** تماما، ازدادت جمالاً و أ***ة و صَقُل قوامها، و عيناها.. و آهٍ من عينيها اللاتى ازدادت سحرا و جمالا بلونهما الخلاب الذى تغير من الأخضر الباهت إلى مزيج من الأخصر و العسلى، سحرهما يخ*ف العقل و القلب. لم يقوى على الكلام، يشعر و أنه قد فقد أحباله الصوتية و انما فقط رد لها الإماءة بملامح واجمة حتى أنه لم يستطع أن يبتسم فى وجهها من فرط المشاعر الجياشة الثائرة بوجدانه، بينما هى بمجرد أن تاملته لوهلة أحست بارتجافة بقلبها، أحست أن كيانها يهتز و كأنها رأته من قبل، شعور غريب خيّم عليها لم تستطع تفسيره، و لكنها تجاوزته و وقفت قبالة داليا فقطبت جبينها باستغراب قائلة: ــ مش انتى اللى شوفتك امبارح فى المول؟! هزت داليا رأسها بالإيجاب دون أن تنبس ببنت شفه، فأردف اسماعيل قائلاً: ــ دى يا ستى داليا جارتنا و فى نفس الوقت مرات سفيان...ما أنا حكيتلك عنها. هزت رأسها بتذكر ثم سلمت عليها و هى تشعر تجاهها بغيرة غير مبررة، و داليا أيضا تبادلها الشعور بالغيرة، و الخوف من المستقبل يكاد يفتك بها فتكا. ما إن انتهت ملك من التعرف علـى بقية أفراد العائلة حتى هب من مجلسه بغتة، فهو لم يعد يحتمل البقاء أمامها و هو يتعين عليه ألا ينظر لها و يروى عطش عينيه منها، و استأذن منهم قائلا بملامح واجمة: ــ بعد اذنكم يا جماعة عندى حصة برايفيت مينفعش تتأجل...حمد الله على سلامتكم يا عمى. و سار باتجاه الباب تحت نظراتهم المتعجبة، و لم يكد يفتح الباب حتى نادته ملك بنبرتها الرقيقة: ــ سفيان استنى لحظة. اعتصر جفنيه بألم بالغ، فكم اشتاق لسماع اسمه بصوتها، و هاهي تُصعب عليه الأمر و تصغط على جرحه أكثر و تذكره بما حاول كثيرا نسيانه. استدار لها و هو مازال بجوار الباب، فنهضت و سارت له و وقفت أمامه وقالت ببراءة: ــ لحظة بس.. دست يدها فى حقيبة يدها التى تحملها على كتفها و استخرجت منها ورقة و أعطتها له قائلة: ــ ممكن بس تجيبلى الأقراص دى، اصل محتاجاها ضرورى و ملاقيتهاش امبارح فى الصيدليات اللى جنبنا هنا. بينما هو تاه فى ملامحها الجديدة و نطق بلاوعى و بهمس مثير للأعصاب: ــ ملك... بينما هى تجمد جسدها و طالعته بملامح مشدوهة عندما سمعت اسمها منه، تلك النبرة التى تتردد بأذنيها دائما، فأردف قائلا بنفس الهمس و بنبرة مترجية: ــ انتى بجد مش فاكرانى يا ملك؟!.. مش فاكرة سفيان؟! بينما هى مازالت تطالعه بتمعن تقارن بينه و بين من يؤرق منامها، و سفيان هائما فى لون عينيها الجديد فابتسم رغما عنه من اعجابه بشدة جاذبيتها، و ما إن ظهرت غمازتيه حتى اتسعت عيناها على آخرها و بدأت تساورها الشكوك بكونه هو من أحبته من خلال أحلامها، و من المؤكد إنه تربطهما علاقة ما فى الماضى قبل فقدانها الذاكرة، و هناك فى الصالون المواجه لباب الشقة تجلس على غير هدى، تشرئِب برقبتها كل لحظة و أخرى لترى ملامحه و هو يتحدث معها، فلاحظها إبراهيم و اضطر لأن ينادى سفيان انقاذا للموقف و قال له بصوت مرتفع من مكانه: ــ سفيان... هاتلى علاج الصغط بالمرة و انت جاى.. انتبه سفيان لموقفه اخيرا و تنحنخ بحرج قائلا: ــ احم..حاضر يا حاج.. ألقى عليها نظرة أخيرة و تركها بصدمتها و انصرف، بينما هى عادت لمكانها بخطى تائهة و ذهن شارد. بعد وقت قليل التموا جميعا حول مائدة الطعام و قد كانت الأجواء مشتعلة بالغيرة من قبل داليا و ملك من ناحية، و سيرين و سلمى من ناحية أخرى. عند الغروب استأذن اسماعيل للعودة إلى منزله لكى يرتاحا قليلا، و غادرت أيضا سلمى بعدما أغدقت چود و چاد بوابل من القبلات تحت نظرات سيرين الغاضبة و نظرات ريان السعيدة، و ما إن خرجت حتى قبضت سيرين على كف ريان و قالت له بغضب دفين: ــ يلا نطلع احنا كمان شقتنا.. خلينا نرتاح شوية. رد ريان ببرود: ــ خدى الولاد و اطلعى انتى... أنا هخرج شوية.. اصتكت فكيها من الغضب فقد ظنت أنه سيذهب خلف غريمتها، و قالت بنبرة محملة بالغيرة: ــ لا يا ريان...انت هتطلع معانا.. طالعها بحدة و صرخ بها: ــ انتى بتؤمرينى؟!..اطلعى يلا ومالكيش دعوة بيا..أنا مش ههرب متخافيش.. نظرت له بغضب بالغ و لم تنبس ببنت شفه، ثم أخذت طفليها و صعدت لشقتها. بينما سفيان لم يَعُد بعد، الأمر الذى أصاب داليا بالقلق البالغ فاتصلت به عدة مرات و لكنه لا يجيب، اتصلت من هاتف والده و لكن أيضا بلا جدوى، فذهبت لـ ريان قبل أن يخرج و طلبت منه أن يتصل به أو يبحث عنه، فقد بلغ منها القلق مبلغه، و نصال الغيرة و الخوف من فقدانه تُمزق فى قلبها تمزيقا. اتصل به ريان عشرات المرات إلى أن أجابه اخيرا بنبرة حزينة: ــ أيوة يا ريان.. رد ريان بلهفة: ــ يا أخى حرام عليك موتنا عليك من القلق.. انت مختفى فين يا بيه؟! أجابه بنبرة متحشرجة خافتة: ــ أنا على السطوح يا ريان. هز ريان رأسه بغيظ ثم قال بحدة: ــ و مبتردش على تليفونك ليه يا بنى ادم انت؟! أطبق جفنيه بنفاذ صبر قائلا: ــ ريان أنا مخنوق و مش طايق نفسي و لا قادر أتكلم أصلا مع أى حد.. ريان بحزن: ــ اقفل أنا طالعلك.. أغلق ريان الخط ثم اتجه مباشرة لسطح المنزل قبل أن تراه داليا و تُدخله فى سين و جيم.. عندما صعد إلى السطح وجد سفيان متكئا بذراعيه على السور المقابل لشرفة ملك و هو شارد الذهن مهموم الملامح، اتكئ على السور بجواره ثم قال بتعاطف و اشفاق: ــ و بعدين يا سفيان...ناوى على ايه؟! أجابه بنبرة أليمة و نظره مسلط على شرفتها: ــ مش عارف...مش مصدق اللى بيحصلى دا...حاسس ان أنا فى كابوس..منك لله يا عمى اسماعيل..قلبتلى حياتى بعد ما كنت خلاص اتأقلمت على غيابها.. رد عليه ريان بتساؤل: ــ انت زعلان انها لسة عايشة؟! هز رأسه بنفى قائلا: ــ بالع** أنا مبسوط ان ربنا كتبلها الشفا حتى لو مش فكرانى...بس ليه يخبى علينا و يكدب علينا الكدبة السودا دى؟!..أنا كان عندى استعداد أستناها العمر كله طول ما هى عايشة...أنا جوايا نار يا ريان..محتار ما بين مراتى و بنتى و بينها...اختيار صعب أوى اوى...أنا هتجنن.. ربت على كتفه بمواساة و هو لا يدرى أيواسيه أم يواسى نفسه ثم قال بملامح منكمشة من فرط الألم: ــ حاسس بيك و بالنار اللى جواك...احنا الاتنين بنشرب من نفس الكاس...أنا كمان حبيبتى قدامى و مش طايلها. نظر له سفيان باستغراب قائلا: ــ انت لسة بتفكر فى سلمى؟! أجابه بنبرة حزينة: ــ ما غابتش عن تفكيرى لحظة، و حاسس ان فى سر هو اللى خلاها تبعد عنى و نفسى أعرفه... ازدرد سفيان ريقه و لم يُعقب، و أطبقت عليهما برهة من السكون قطعه ريان قائلا بابتسامة هائمة: ــ بس أكتر حاجة مخليانى مرتاح نفسيا ان الولاد بيحبوها، لا و كمان بيقولولها مامى... اهو على الأقل لاقوا أم تحبهم بجد... رد سفيان بجدية: ــ ربنا يخليلهم مامتهم.. لوى شفتيه لجانب فمه بابتسانة ساخرة قائلا بتهكم: ــ مامتهم؟!..هى فين مامتهم دى!!..دول هما آخر اهتماماتها...الحياة بينا بقت صعبة اوى و شبه مستحيلة.. رد عليه سفيان بلوم: ــ مش دا كان اختيارك يا ريان...و قولت بنت متربية و عاقلة و ناضجة وا وا وا.. انكمشت ملامحه بندم قائلا: ــ اكتشفت انها كانت بتمثل عليا و شوفت وشها الحقيقى بعد الحواز... لولا الولاد كنت طلقتها و خلصت...بس صعبانين عليا، مش عايزهم يتبهدلوا بينى و بينها. تنهّد سفيان بقلة حيلة قائلا: ــ ادعيلها ربنا يهديها.. زفر ريان بعنف عله يتخلص من بعض الهموم التى أثقلت ص*ره ثم قال بوجع: ــ يا رب... يا رب.. قضيا الشقيقان فترة لا بأس بها فوق سطح المنزل، كل منهما ينظر للقمر و كأنه يبث فيه همومه و أحزانه، ربما يحمل عنهما و لو القليل، ثم هبط كل منهما إلى شقته حيث تنتظره زوجته.. يتبع.... مع تحياتي/ دعاء فؤاد
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD