16

1979 Words
 يمد الكابتن المصباح أمامه . ينهض الرجال ويحتشدون ب**ت وراءه ، وبينهم الجريح ، ينشج باكياً . ثم يمضي الكهف باتجاه الضوء بينما تميل الرؤوس الهياكل القاعدة ب**ت نحو الضوء أثناء مرورهم بهم . يصبح الهواء أثقل؛ سرعان ما يبدأون بالسير خبباً ، وهو يتنفسون بتثاقل ، ثم يصير الهواء أخف ويكشف ضوء المصباح منحدراً آخر من الأرض ، يسد النفق . يكف الجنود عن السير ، ويحتشدون في كتلة واحدة . يرتقي الكابتن المنحدر . يزحف ببطء على حافته حتى يصل إلى سقف الكهف . يلتمع الضوء ثانية .  يهتف : " فليتقدم اثنان مع أدوات الحفر " .  ليتقدم جنديان نحوه . يريهما الفتحة التي يدخل منها الهواء في دفقات صغيرة مستمرة . يبدآن بالحفر ، بتوحش وحماس ، مهيلين التراب إلى الخلف . يبدأ آخران بمساعدتهما ، ثم يصبح الشق نفقاً ويصبح في وسع أربعة جنود أن يحفروا معاً . يزداد تدفق الهواء . يحفرون بشراسة ، صارخين صرخات أشبه بالعويل . الرجل الجريح ربما سمعهم ، ربما أصابته عدوى الحماسة ، فيبدأ بالضحك مجدداً ، هستيرياً وبأقوى وبأعلى ما أوتي من صوت . ثم يندفع الجندي عند رأس النفق إلى الأمام . يتدفق الضوء حوله كالمياه؛ يحفر بجنون ، في الظل يرون مؤخرته تختفي ثم يدخل نور النهار .  يترك الآخرون الجريح ويصعدون المنحدر ، متصارعين عند الفتحة بمعول الحفر شاتماً بهسيسه المخيف .  يقول الكابتن : - " دعهم أيها الرقيب " . يتوقف الرقيب . يتنحى جانباً ويراقب الرجال يمضون مبعثرين إلى خارج النفق . ثم ينزل هو والكابتن ويساعدان الجريح على صعود المنحدر . عند فتحة النفق يصرخ الجريح في سُعار :   يدفعونه بالقوة إلى الخارج وهو ما زال يزمجر . . . . " لست ميتاً! لست ميتاً " .  يقول الكابتن : " فلتخرج أنت أيها الرقيب " .  فيرد الرقيب : " من بعدك سيدي " .  " فلتخرج يا رجل " ، يقول الكابتن . يدخل الرقيب النفق . يتبعه الكابتن . يخرج إلى المنحدر الخارجي من الركام الذي كان يسد الكهف ، والذي يقعي الرجال الأربعة عشر في أسفله . زاحفاً على يديه ورجليه كحيوان ، يتنفس الكابتن في لهاث حاد . يقول في سره " قريباً سيأتي الصيف " ، وهو يبتلع الهواء أسرع مما تحتمل رئتاه . " قريباً سيأتي الصيف والأيام طوال " . يحتشد الرجال الأربعة عشر أسفل المنحدر . ذلك الذي في وسطهم يحمل الكتاب المقدس ويرتل الترانيم واجما ، وقد طغى على صوته هذيان الجريح الواهن المصر .  * * * * * * * * فهمت عندها لماذا يكرهه الرجال وتحبه النساء . وأخذ ( كومن ) ، شابكاً يديه على الطاولة ، وطرفا كميه غارقان في بركة من الشراب المراق ، يحملق بالألماني بعينين محمرتين جاحظتين بعض الشئ . تحت قبعته السخيفة راح الجندي العسكري يدخن سجائره القليلة ، شاحب الوجه تماماً ، تتدلي من جيب ص*رته سلسلة صفارته ، وقد برز مسدسه عند وركه . ورائهم احتشد الفرنسيون من جنود وندٌل وزبائن حول نضد صاحبة الحانة ، وسمعتهم يتهامسون عن بعد ، مثل الصرصار في عشب سبتمبر ، بينما ظلال أيديهم ترتفع على الجدار ثم تختفي .  قال ( مونهان ) ملوحا كفيه : - " لست جندياً ، لست أرستقراطياً . لست شيئاً " . أسفل كل إشارة على كتفيه كان ثمة قطع صغير ، يوازيهما قطع أكبر فوق جيب سترته الأيسر حيث شارة كتيبته . - " لا أعرف ما أنا . إنني في هذه الحرب اللعينة منذ ثلاث سنوات وكل ما أعرفه أنني ميتاً ، و . . . . . . . . . " .  سأل ( بلاند ) : - " وكيف تعرف أنك لست ميتاً ؟ " .  نظر ( مونهان ) إلى ( بلاند ) ، فاغراً فمه كالأبله .  قال ( كومن ) بحنق : - " سأقتلك لقاء شلن . لا يعجبني وجهك اللعين أيها الملازم اللعين " . وقال ( مونهان ) بفخر : - " أنا كادح أيرلندي ، هذه حقيقتي . كان أبي كادحاً أيرلندياً . ولا أعرف ماذا كان جدي . لا أعرف إذا كان لي جد . أبي لا يذكر أباه . على الأرجح نتج من مضاجعات جدني الكثيرة ، لذا لم يضطر أبي إلى أن يكون نبيلاً . لم يكن عليه ذلك البتة . لهذا استطاع أن يجني مليون دولار من حفر البلاليع ، بحيث يستطيع رفع رأسه إلى النوافذ الطويلة المتلألئة ويقول . . . لقد سمعته وكن يدخن الغليون وكانت رائحته تكفي لكي تتقيأ أيها الحقراء التافهون . . . " .  قال ( بلاند ) بتحد : - " أتتبجح الآن بمال أبيك أم ببلاليعه ؟ " .  " . . . وينظر إليهم ويقول لي : حين تكون مع أصدقائك الراقين ، الذين التقيت آبائهم وأمهاتهم وأخواتهم في يال ، ذكٌرهم أن كل رجل هو عبد فضلاته ، لذا فإن أباك الذي يرسلونه إلى مطابخهم الخلفية ليصلح مواسيرهم ، وهو ملكهم جميعاً . . . ماذا قلت ؟ "  توقف فجأة ثم قال وهو ينظر إلى ( بلاند ) .  قال الشرطي العسكري : - " اسمع يا بني ، هذا كاف . على أن أسلم هذا السجين " .  قال ( مونهان ) من دون أن ينزع ناظريه عن ( بلاند ) : - " ماذا قلت ؟ " .  - " سألتك إذا كنت تتبجح بمال أبيك أم ببلاليعه ؟ " .  قال ( مونهان ) : - " لا ، لماذا أتبجح بذلك ، أكثر مما قد أفعل حول الثلاثة عشر ألمانياً الذين أرديتهم ، أو حول الشارتين اللتين تلقيتهما من ملكة اللعين " . وأشار إلى ( كومن ) فقال : - " لا تناده هكذا . " وابتل كما سترته بالخمر المراقة على الطاولة .  قال ( مونهان ) ، واضعاً وضع يده على شريطي كتفيه المفكوكين ، وعلي المزقين أعلي جيب سترته : - " اسمع ، هذا رأيي في الأمر ، في كل ما تتبجح به حول المجد والنبلاء . لقد كنت شاباً؛ وظننت أنه يفترض أن أنخرط في الحرب . ثم انخرطت فيها ، ولم يكن من وقت للتوقف حتى حين اكتشفت أنها غير مهمة . لكنها انتهت الآن . انتهت الآن . الآن أستطيع أن أكون من أريد ، كادحاً أيرلندياً ، ابن مهاجر لم يجد شيئاً سوى حفر البلاليع حتى انقضى شبابه قبل أن يبدأ . لقد جاء من مستنقعات البراز ، وابنه ذهب إلى مدارسهم الفاخرة ، وعاد ليتبجح بذلك أمام كل الذين يمتلكون مستنقعات البراز ، وقال الملك فيه كلاماً حسنا " .  قال ( كومن ) : - " سأعطيك شلناً وأبرحك ض*باً " .  رد ( بلاند ) : - " لكن لماذا تريد أن تعيده معك ؟ "  واكتفي ( مونهان ) بالتحديق به ب**ت . كان ثمة في ملامحه ما يشبه شهداء المسيحية أيضاً : ثائر ، عاجز عن التعبير ليس بفعل الذهول ، كأنما ، وأكثر من أي واحد آخر منا ، قد تكثف في داخله قرع الطبول المعطلة ، طبول الجشع والشهوة التي استيقظت مذعورة على عجزها ويأسها المتراكم . جلس ( بلاند ) ماداً رجليه ، واضعاً يديه في جيبي سرواله ، وقد علا وجهه الوسيم صفاء لا يطاق . وقال : - " علي أي آلة سيعزف في أمريكا ؟ ربما على رفش وضعت له أوتار صنعت من أحشاء قطط الأزقة ؟ سيعزف ربما موسيقي مياه مراحيض مانهاتن لأبيك بعد العشاء " . اكتفي ( مونهان ) بالنظر إلى ( بلاند ) من دون أن تفارق وجهه تلك الشراسة وذلك السهو . التفت ( بلاند ) بوجهه ال**ول صوب الألماني .  قال الشرطي العسكري : - " يا جماعة " .  وقال ( بلاند ) : - " أأنت متزوج يا حضرة الملازم ؟ " .  رفع الألماني رأسه . وجال بناظريه سريعاً على الوجوه ، ثم قال :  " أجل شكراً على الاهتمام " . كان يحمل الكأس دون أن يشرب منها . لكنه لم يكن أكثر صحواً من ذي قبل . أصبحت الخمرة جرح رأسه النابض بها . قال : - " أسرتي متحدّرة من بارونات بروسيا الصغار . لدي أربعة أشقاء؛ الثاني في الجيش ، الثالث لا يفعل شيئاً في برلين ، الصغير طالب في الكلية العسكرية؛ وأنا ، الأكبر ، في الجامعة . هناك تعلٌمت . كان ثمة متسع من الوقت وقتذاك . ربما تم اختيارنا وجمعنا ، نحن الشباب ، من الأرض المنعزلة ، لأننا نستحق أن نشهد الولادة السريعة لعصر جديد . كأنما القمامة القديمة ، قمامة الإنسان القديمة ، ستُكنس لكي يولد عرق جديد يتمتع بالبساطة البطولية التي عرفتها الأزمنة القديمة ، ويسير الأرض الجديدة . تذكرون ذلك الزمن ، أليس كذلك ؟ حين التمعت العيون وفارت الدماء في الشرايين ؟ " . ثم أنه راح يحملق بنا وقال : - " لا أظن أن الحال لم يكن كذلك في أمريكا . أمريكا الجديدة ، وقمامة المنزل الجديد لن تكون كثيرة كقمامة المنزل القديم " .  أطرق لبرهة ناظراً إلى كأسه وقد طفح وجهه رقة . ثم قال : - " عدت إلى البيت وقلت لأبي لقد تعلمت في الجامعة أن هذا ليس بجيد؛ لن أصبح باروناً . فلم يصدق ما يسمعه . وراح يحدثني عن ألمانيا ، أرض الأجداد؛ فقلت له لكنها هناك؛ أنت تسميها أرض الأجداد ، وأنا أسميها أرض الإخوة ، ذلك أن كلمة أجداد هي تلك البربرية التي ستُكنس أولاً ، إنها رمز تلك الهرمية التي و**ت تاريخ الإنسان بالظلم والعسف ، بدلاً من الأخلاق ، بالقوة بدلاً من الحب " .  " استدعوا من برلين أخي الثاني؛ وعاد أخي الثالث من الجيش . ظللت أقول لن أصير باروناً ، لأن هذا غير جيد . ووقفت مع أبي في القاعة الصغيرة حيث أسلافي معلقون على الجدران؛ وقفت أمامهم كأنهم أعضاء محكمة عسكرية؛ وقلت أن فرانس يجب أن يكون باروناً بدلاً مني ، لأني لا أستطيع كذلك . وقال أبي بلي تستطيع ، وستصبح باروناً من أجل ألمانيا . ثم قلت ، إذن أينبغي أن تكون زوجتي بارونة كرمي لألمانيا ؟ وكأنني أمام محكمة عسكرية ، اعترفت لهم أنني تزوجت ابنة موسيقي ، ابنة فلاح " .   " هذا ما يجب أن يحدث إذن . ذلك الذي ذهب إلى برلين سيصير باروناً . هو وفرانس توأمان ، لكن فرانس صبح ضابطاً ، والأكثر تواضعاً في جيشنا يستطيع تناول وجبة طعام من قيصرنا؛ لا يحتاج إلى أن يكون باروناً . أما أنا فعشت في بايروث مع زوجتي وموسيقاي . بالنسبة إليهم صرت أشبه الميت ، فلم تصلني منهم أي رسالة سوي تلك التي أخبروني فيها بوفاة أبي ، قائلين إنني قتلته ، وإن أخي عاد من برلين ليصبح باروناً . لكنه لم يبق في البيت . في 1912 قرأت خبر مقتله في صحيفة في برلين ، على يد زوج سيدة ما ، وهكذا صار فرانس البارون في نهاية المطاف " .  " ثم اندلعت الحرب . لكنني في بايروث مع زوجتي وموسيقاي ، لأننا ظننا أنها لن تطول ، بما أنها لم تطل قبلاً . أرض الأجداد الفخورة بحاجة إلينا لا تعرف ذلك . وحين تدرك أنها بحاجة إلينا يكون قد فات الأوان ، وأي فلاح قوي يجب أن ينخرط في الجيش . وهكذا . . . . " .  سأله ( بلاند ) : - " لماذا شاركت في الحرب إذن ؟ أأجبرتك امرأتك ؟ أرشقتك بالبيض ربما ؟ " .  نظر الألماني إلى ( بلاند ) ، وقال : - " أنا ألماني؛ وهذا يتجاوز الأنا . لم أُخلق لأكون باروناً ولا قيصراً " . ثم غامت عيناه ، وقال : - " كانت ألمانيا قبل البارونات " - " وستبقي بعدهم " .  " حتي بعد هذه الحرب ؟ " .  - " بل أكثر . في السابق كان هناك الكبرياء . . مجرد كلمة في الفم . أما الآن ، فماذا يمكن أن نسميه ؟ " .  قال الحَاكِم : " أمة تن** راياتها ، إنسان يهزم نفسه " .  قال الألماني : " أو امرأة تحمل طفلاً " .  قال الحَاكِم : " من الشهوة يأتي المخاض ، ومن المخاض يولد البرهان ، الألوهية العظيمة؛ الحقة " .    أخذ الشرطي العسكري يلف سيجارة أخرى ، شاخصاً نحو الحَاكِم ، وقد ارتسم على وجهه تعبير ثائر وحانق وفاتر في آن . لحس السيجارة ثم بادرني :  " حين جئت إلى هذا البلد اللعين كنت أحسب الز**ج ز**جاً . لكن فلأكن ملعوناً الآن لو كنت أعرف ما هم . ما هو ؟ حاو ؟ " .  قلت : - " أجل ، إنه حاو " .
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD