17

2446 Words
 أخذ الشرطي العسكري يلف سيجارة أخرى ، شاخصاً نحو الحَاكِم ، وقد ارتسم على وجهه تعبير ثائر وحانق وفاتر في آن . لحس السيجارة ثم بادرني :  " حين جئت إلى هذا البلد اللعين كنت أحسب الز**ج ز**جاً . لكن فلأكن ملعوناً الآن لو كنت أعرف ما هم . ما هو ؟ حاو ؟ " .  قلت : - " أجل ، إنه حاو " .  - " يُستحسن إذن أن يُخرج أفعاه ويذهب من هنا . على أن أسلم هذا السجين . انظروا إلى أولئك الضفادع هناك " . حين نظرت إلى الفرنسيين الثلاثة كانوا يهمون بالمغادرة ، والإحساس بالإهانة والغضب يتفصد من ظهورهم .  قال الألماني : - " عرفت من المصحف أن فرانس أصبح عقيداً ثم لواء ، وأنٌ الطالب في الكلية الحربية ، الذي كان دائماً جزءاً من عصابة ما ، أصبح طياراً حربياً- آيس – وحصل على ميدالية " الصليب الحديدي " من القيصر شخصياً . ثم جاء العام 1916 ، رأيت أن الطالب قُتل على يد طياركم بيشوب . . . " - أحني رأسه قليلاً ل( كومن ) - " ذلك الرجل البارع . فصرت طالباً في الكلية الحربية . كأنني كنت أعرف مال الأمر . فصرت طياراً ، رغم معرفتي بأن فرانس أصبح جنرالاً ، ورغم أنني كل ليلة أقول لنفسي : لقد عدت ثانية ، أعرف أن هذا ليس بالجيد " .  " هذا إلى أن فر قيصرنا . ثم علمت أنٌ فرانس بات في برلين . أعتقد أن هناك حقيقة لم نخسرها جميعاً في الكبرياء ، لأننا نعرف أنها لن تطول أكثر ، وفرانس بأمان في برلين ، بعيداً عن القتال " .  " ثم هذا الصباح وصلني رسالة من أمي التي لم أراها من سبع سنوات وتخاطبني فيها كبارون ، وتخبرني أن فرانس أُردي بالرصاص وعلي صهوة جواده ، على يد جندي ألماني في برلين . كأن كل شئ قد نُسي ، لأن النساء سريعات النسيان ، ما دام كل شئ بالنسبة إليهن غير حقيقي – الحقيقة ، العدالة ، كل شئ – كلٌ ما لم يكن حمله باليد ولا يموت . فأحرقت جميع أوراقي ، وصورت زوجتي وابني الذي لم أره بعد ، وبطاقة هويتي ، وأزلت كل الشارات عن سترتي . . . " ، وأشار إلى ياقته .  قال ( بلاند ) : - " أتعني أنك لم تكن تنوي العودة ؟ لماذا لم تطلق الرصاص على نفسك وتوفر على حكومتك طائرة ؟ " .  قال الألماني : - " الانتحار يطاول الجسد فحسب ، والجسد لا يحل شيئاً . ليس بالمهم . كل ما يمكن فعله به هو تنظيفه كلما أمكن ذلك " .  قال الحَاكِم : - " إنه مجرد غرفة في النزل ، إنه المكان الذي نختبئ فيه فترة وجيزة " .  قال ( بلاند ) : - " إن المرحاض ، التواليت . . " .  وقف الشرطي العسكري . ولكز الألماني على كتفه . راح ( كومن ) يحدق بالألماني . وقال :                  - " إذن تعترف أنكم هُزمتم " .  - " أجل ، كان دورنا أولاً لأننا كنا الأشد مرضاً . وسيأتي دور بلدكم إنجلترا ثانيا . ثم سيتعافى هو الآخر " .  فقال ( كومن ) : - " لا تقل بلدكم ، أنا من الأمة الأيرلندية " . والتفت إلى ( مونهان ) ، " قلت ملكي اللعين . لم يكن لأيرلندا ملك منذ سلالة الإرنيل ، ليبارك الرب ذ*ل جواده الأحمر " .  أومأ الألماني إيماءة باهتة . وقال :  - " أترى ؟ ، من دون أن يوجه كلامه لشخص محدد . "  فقال الحَاكِم : - " المنتصر يخسر ما يربحه المهزوم " .  وقال ( بلاند ) : - " وماذا ستفعل الآن ؟ " .  لم يجب الألماني . جلس منتصباً بوجهه العليل وضمادة رأسه النظيفة . وجه الحَاكِم كلامه إلى ( بلاند ) : - " ما الذي ستفعله أنت ؟ ما الذي سنفعله جميعاً ؟ جميع أبناء هذا الجيل الذين خاضوا هذه الحرب ماتوا الليلة . لكننا لا نعرف ذلك بعد " .  نظرنا إلى الحَاكِم ، ( كومن ) بعينيه الحمراوين الشبيهتين بعيني خنزير . ( سرتورس ) بمنخريه الأبيضين . ( بلاند ) المتكاسل على كرسيه ، ب*عره الشبيه ب*عر النساء المدللات ، وبسمته التي لا تطاق ، وقف الشرطي العسكري فوق رأس الألماني .  قال ( بلاند ) : " يبدو أن الأمر يقلقك كثيراً " .  قال الحَاكِم : " ألا تصدق ؟ انتظر وسترى " .  قال ( بلاند ) : " أنتظر ؟ لا أعتقد أنني فعلت شيئاً خلال السنوات الثلاث الفائتة لكي أكتسب عادة الانتظار . ولا خلال الستة والعشرين عاماً الماضية . قبل ذلك لا أذكر . ربما أكون فعلت شيئاً " .  قال الحَاكِم : - " سترى إذن دونما حاجة إلى الانتظار " . ونظر إلينا ، بهدوء تام :  - " أولئك الذين يتعفنون في الخارج هناك . . . " ، وأشار بيده الغليظة القصيرة ، " ليسو أكثر موتاً منا " .  مجدداً لمس الشرطي العسكري كتف الألماني : - " ا****ة ، هيا بنا يا صاح " . ثم أدار رأسه ونظرنا جميعاً إلى الجنديين الفرنسيين ، الضابط والرقيب ، الواقفين عند طاولتنا . ظللنا صامتين لبرهة . كان الأمر كأن البق الصغيرة اكتشفت فجأة أن مداراتها متواجدة جنباً إلى جنب ، وأنها غير مضطرة إلى أن تكون بلا هدف أو أن تستمر في الحركة . بتأثير الكحول بدأت أحس بتلك الكرة الصلبة الحارة في معدتي ، كما في المعركة ، كما حين تعرف أن شيئاً ما سيحدث؛ تلك اللحظة التي تفكر فيها أن الأمر سيحدث الآن . الآن يمكنني أن أرمي كل شئ وأكون نفسي . الآن . الآن ، يا للشعور الرائع . قال الضابط الفرنسي : - " لماذا هذا الشخص هنا يا مسيو ؟ " . نظر ( مونهان ) إليه ، ثم رجع بكرسيه إلى الخلف ومال جانبياً ، موازناً نفسه على إربتي فخذيه ، طارحاً ذراعه على الطاولة . قال الضابط : - " لماذا تفعل ما يهين فرنسا يا مسيو ؟ "  أمسك الشرطي العسكري بـ ( مونهان ) بينما هو يهم بالوقوف . وقال : - " انتظر لحظة ، على رسلك " . وراحت السيجارة تترجرج على شفتيه بينما يتكلم ، ويداه على كتفي ( مونهان ) ، وقد ارتفع عضد ذراعه إلى أعلي زنده قليلاً ، ثم قال : - " وما شأنك أنت أيها الضفدع ؟ " . وراء الضابط وقف الفرنسيون الآخرون ، ومعهم المرأة العجوز التي راحت تحاول اختراق الجمع . قال الشرطي : - " هذا سجيني ، وسآخذه أينما شئت ، وأبقيه قد ما شئت . ما رأيك بهذا ؟ " . قال الضابط : - " بأي سلطة يا مسيو ؟ " . كان طويلاً ذا وجه شاحب ومأساوي . ورأيت عندئذ أن إحدى عينيه من زجاج ، فقد بدت متجمدة تماماً ، ميتة في وجه يبدو أكثر مواتاً منها .    نظر الشرطي العسكري إلى عضد ذراعه ، ثم إلى الضابط مجدداً ، ولمس مسدسه الذي يتأرجح على خاصرته . - " سأصحبه في طول هذه البلاد اللعينة وعرضها . سآخذه إلى مجلس شيوخكم اللعين وأُقيم الرئيس وأجلسه مكانه ، ويمكنك أن تموت غيظاً حتى آتي وأمسح البراز عن قدميك مجدداً " .  قال الضابط : - " آه ، أنت جندي أمريكي . . فهمت " . قال " جندي أمريكي " زاماً شفتيه ، ومن دون أن يتحرك شئ في وجهه الميت ، الذي يشكل إهانة في حد ذاته . وراءه راحت صاحبة الحانة تصرخ بالفرنسية : - " طاخ! طاخ! طيخ! طوخ! كل فنجان ، كل طبق ، كل كأس, كل صحن . . .كله كله! سأريكم ، لقد احتفظت بها لهذا اليوم . ثمانية أشهر منذ سقطت القذيفة ، احتفظت بها في علبة لهذا اليوم : الأطباق ، الصحون ، الكؤوس ، كل ما امتلكه خلال ثلاثين عاما ، كله دٌمر ، تحطم دفعة واحدة! ويكلفني خمسين سنتيما للكأس بحيث أخزي نفسي لكي أجعل زبائني . . . " .    يصل السأم أحياناً إلى نقطة ، إلى ذروة ، لا تحتمل . حتى الكحول لا يمكنه الدنو منها . لكنه يحفز الغوغاء ، مثلما تحفزها تلك الضعة الكاملة النابغة من الرتابة التي لا تحتمل . ثم بدا كأننا جميعاً تخلصنا من أحمالنا دفعة واحدة ، مواجهين بلا خزي ولا تحفظ الشبح الذي بالغنا طوال أربع سنوات في تزيينه بكلمات كبيرة ، مندفعين في كتلة واحدة متراصة . رأيت الشرطي العسكري يقفز على الضابط ، ثم نهض ( كومن ) وتصدى له . رأيت الشرطي العسكري يلكم ( كومن ) ثلاث مرات على فكه قبل أن يرفعه ( كومن ) و يرميه فوق الحشد ، حيث اختفى أفقياً في الهواء ، وهو يحاول سحب مسدسه . ثم رأيت ثلاثة جنود فرنسيين على ظهر ( مونهان ) والضابط يحاول ض*به بقنينة ، و( سرتورس ) يقفز على الضابط من الخلف . غاب ( كومن ) عن الوعي ، ومن الفسحة التي خلفها مكانه اندفعت مالكة الخانة صارخة ، بينما حاول رجلان ردها إلى الخلف ، و هي تحاول أن تبصق على الألماني . - " باش! باش! " ، راحت تصرخ ، وهى تبصق ويسيل ل**بها ، وقد غطى شعرها الرمادي وجهها ، ثم استدارت وبصقت بصقه كاملة علي : - " وأنتم أيضا! " ، صرخت ، " ليست إنجلترا التي دٌمرت! أنتم أيضا جئتم لتلتقطوا عظام فرنسا . كلاب! ح*****ت! كل شيء تحطم! تحطم! تحطم! " وفى خضم ذلك كله ، من دون أن ينبسا بحركة أو كلمة ، والحَاكِم المق*فص مثل تمثال ، وكلاهما يضعان الطربان مثل نبيين من العهد القديم .  * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * ** * * * * * * * * * * * ** * * * * * * * * * * * ** * * * * * * * * * * * *    لم يطل الموضوع . لا علاقة للوقت بما جرى . أو بالأحرى كنا نحن خارج حدود الزمن ، ضمن ، وليس في ، ذلك السطح ، عند الحد بين القديم الذي نعرف أننا لم نمت فيهـا ، والجديد الذي قال الحَاكِم إننا موتى فيه . وراء الأيدي التي تلوح بالقناني والأكمام الزرقاء والأيدي المتسخة ووجوهنا التي تشبه أقنعة تبتسم ابتسامات صفراء في صرخات متجمدة معدومة الصوت لتخيف الأطفال ، رأيت ( كومن ) ثانية . جاء مندفعاً مثل محملة في بحر عاصف ، تحت ذراعه كان النادل القديم ، وفى فمه صفارة الشرطي العسكري . ثم قذف ( سرتورس ) كرسيا على اللمبة الوحيدة في المكان .  * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * ** * * * * * * * * * * * ** * * * * * * * * * * * ** * * * * * * * * * * * *    اخترق صقيع الشارع ثيابنا ومسام جلودنا المترعة بالكحول وتسلل إلى عظامنا . كانت الساحة خالية ، و الأضواء خافتة وبعيدة . وكان الجو هادئا إلى حد أنني سمعت صوت المياه الراكدة في البركة . من مسافة بعيدة تحت السماء المنخفضة السميكة سمعت صوتاً ، صراخاً أنثوياً حاداً مثل كل الصراخ ، ثم صراخ حشد من الرجال ، يقطعه من وقت لأخر صوت فرقة تعزف نشيداً وطنياً . وقف ( كومن ) و( مونهان ) مستظلين بالجدار ، محاولين إبقاء الألماني واقفاً على قدميه . كان غائبا عن الوعي ، وكانت الظلمة تكتنفهم باستثناء لمعان الضمادة الباهت على رأس الألماني ، ولم يصل إلى مسامعي من طرفهم سوى سيل الشتائم الرتيبة من فم ( مونهان ) .  قال الحَاكِم : - " لم يكن من المحبذ أن يتحالف الإنجليز والفرنسيون " . كان يتكلم بسلاسة؛ بصوت أشبه بصوت الأرغن ، لا يتناسب البتة مع حجمه . - " لا ينبغي أن توحد الأمم المختلفة قواها وتحارب تحت راية واحدة . فلتقاتل كل منها لهدف مختلف؛ فلا ينشأ نزاع بينهما ، ويمضى كل منها في طريقة " . مر ( سرتورس ) بنا ، آتيا من البركة ، حاملاً بحرص قبعته المليئة ماء التي تنقط بين رجليه . ثم انضم إلى الكتلة القاتمة التي تومض فيها الضمادة ويشتم ( مونهان ) برتابة وفتور . وتابع الحَاكِم : - " وكل واحد يتبع تقاليده . شعبي مثلا ، أعطاه الإنجليز البنادق ، فراحوا يحملقون بها ثم جاءوني قائلين : هذه الحربة قصيرة جداً : كيف يمكن أن يقتل المرء عدواً سريعاَ بحربة بهذا الحجم والوزن ؟ كما أعطوهم حلل عسكرية ينبغي أن تظل مزررة؛ مررت بمجموعة كبيرة من الجنود الجالسين الق*فصاء وقد غطوا أنفسهم حتى الآذان بالبطانيات وبأكياس الخيش ، واسودت وجوههم من البرد؛ وحين رفعت البطانيات وجدت أنهم لا يلبسون السراويل القصيرة " .  * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * ** * * * * * * * * * * * ** * * * * * * * * * * * ** * * * * * * * * * * * *  " يقول لهم الضباط الإنجليز اذهبوا إلى هناك وافعلوا كذا؛ فلا يتحركون البتة . ثم ذات يوم ، تحت ضوء القمر المكتمل ، سمعت الكتيبة حركة تنبعث من وراء حفرة ما فخرجت من الخندق جارة إباى وضابطاً آخر معي . تركنا الخندق من دون أن نطلق رصاصة واحده ، ومن تبقى منا ، الضابط وأنا وسبعة عشر جندياً آخرين ، علقنا ثلاثة أيام على خطوط العدو الأمامية وقد تطلب الأمر لواء بأكمله لإخراجنا من هناك . سألهم الضابط : لماذا لم تطلقوا الرصاص ؟ لقد تركتموهم يتصيدونكم مثل الطيور السمان . . .  " لم ينظر الجنود إليه . وقفوا كالأطفال صامتين ، دونما أي إحساس بالخزي . سألت قائدهم : هل كانت البنادق محشوة بالرصاص يا داس ؟ فهبوا واقفين كالأطفال ، دونما أي إحساس بالخجل ، وقال داس : أوه يا ابن الأكابر . فقلت له : قل الحقيقة للسيد ، فأجابني ، لا لم تكن البنادق محشوة " .   * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * ** * * * * * * * * * * * ** * * * * * * * * * * * ** * * * * * * * * * * * *  سمعنا صوت الكتلة يهدر من بعيد في الهواء البارد . كانوا يسقون الألماني من قنينة . وقال له ( مونهان ) : - " والآن أتشعر ببعض التحسن ؟ "  غمغم الألماني : - " إنه رأسي " . كانوا يتكلمون بهدوء كأنهم يتناقشون حول اختيار ورق الجدران .  سب ( مونهان ) ثانية ، وقال :  - " سأعود لهم . بحق الله . . . " .  قال الألماني : - " لا ،لا ، لن أسمح بذلك . لقد دافعتم أصلاً . . . " .  وقفنا في العتمة تحت جدار نحتسى الشراب . بقيت معنا قنينة واحدة . وحين فرغت حطمها ( كومن ) بالجدار . قال ( بلاند ) : " والآن ماذا " .
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD