أخذ الشرطي العسكري يلف سيجارة أخرى ، شاخصاً نحو الحَاكِم ، وقد ارتسم على وجهه تعبير ثائر وحانق وفاتر في آن . لحس السيجارة ثم بادرني :
" حين جئت إلى هذا البلد اللعين كنت أحسب الز**ج ز**جاً . لكن فلأكن ملعوناً الآن لو كنت أعرف ما هم . ما هو ؟ حاو ؟ " .
قلت :
- " أجل ، إنه حاو " .
- " يُستحسن إذن أن يُخرج أفعاه ويذهب من هنا . على أن أسلم هذا السجين . انظروا إلى أولئك الضفادع هناك " .
حين نظرت إلى الفرنسيين الثلاثة كانوا يهمون بالمغادرة ، والإحساس بالإهانة والغضب يتفصد من ظهورهم .
قال الألماني :
- " عرفت من المصحف أن فرانس أصبح عقيداً ثم لواء ، وأنٌ الطالب في الكلية الحربية ، الذي كان دائماً جزءاً من عصابة ما ، أصبح طياراً حربياً- آيس – وحصل على ميدالية " الصليب الحديدي " من القيصر شخصياً . ثم جاء العام 1916 ، رأيت أن الطالب قُتل على يد طياركم بيشوب . . . " - أحني رأسه قليلاً ل( كومن ) - " ذلك الرجل البارع . فصرت طالباً في الكلية الحربية . كأنني كنت أعرف مال الأمر . فصرت طياراً ، رغم معرفتي بأن فرانس أصبح جنرالاً ، ورغم أنني كل ليلة أقول لنفسي : لقد عدت ثانية ، أعرف أن هذا ليس بالجيد " .
" هذا إلى أن فر قيصرنا . ثم علمت أنٌ فرانس بات في برلين . أعتقد أن هناك حقيقة لم نخسرها جميعاً في الكبرياء ، لأننا نعرف أنها لن تطول أكثر ، وفرانس بأمان في برلين ، بعيداً عن القتال " .
" ثم هذا الصباح وصلني رسالة من أمي التي لم أراها من سبع سنوات وتخاطبني فيها كبارون ، وتخبرني أن فرانس أُردي بالرصاص وعلي صهوة جواده ، على يد جندي ألماني في برلين . كأن كل شئ قد نُسي ، لأن النساء سريعات النسيان ، ما دام كل شئ بالنسبة إليهن غير حقيقي – الحقيقة ، العدالة ، كل شئ – كلٌ ما لم يكن حمله باليد ولا يموت . فأحرقت جميع أوراقي ، وصورت زوجتي وابني الذي لم أره بعد ، وبطاقة هويتي ، وأزلت كل الشارات عن سترتي . . . " ، وأشار إلى ياقته .
قال ( بلاند ) :
- " أتعني أنك لم تكن تنوي العودة ؟ لماذا لم تطلق الرصاص على نفسك وتوفر على حكومتك طائرة ؟ " .
قال الألماني :
- " الانتحار يطاول الجسد فحسب ، والجسد لا يحل شيئاً . ليس بالمهم . كل ما يمكن فعله به هو تنظيفه كلما أمكن ذلك " .
قال الحَاكِم :
- " إنه مجرد غرفة في النزل ، إنه المكان الذي نختبئ فيه فترة وجيزة " .
قال ( بلاند ) :
- " إن المرحاض ، التواليت . . " .
وقف الشرطي العسكري . ولكز الألماني على كتفه . راح ( كومن ) يحدق بالألماني . وقال :
- " إذن تعترف أنكم هُزمتم " .
- " أجل ، كان دورنا أولاً لأننا كنا الأشد مرضاً . وسيأتي دور بلدكم إنجلترا ثانيا . ثم سيتعافى هو الآخر " .
فقال ( كومن ) :
- " لا تقل بلدكم ، أنا من الأمة الأيرلندية " . والتفت إلى ( مونهان ) ، " قلت ملكي اللعين . لم يكن لأيرلندا ملك منذ سلالة الإرنيل ، ليبارك الرب ذ*ل جواده الأحمر " .
أومأ الألماني إيماءة باهتة . وقال :
- " أترى ؟ ، من دون أن يوجه كلامه لشخص محدد . "
فقال الحَاكِم :
- " المنتصر يخسر ما يربحه المهزوم " .
وقال ( بلاند ) :
- " وماذا ستفعل الآن ؟ " .
لم يجب الألماني . جلس منتصباً بوجهه العليل وضمادة رأسه النظيفة .
وجه الحَاكِم كلامه إلى ( بلاند ) :
- " ما الذي ستفعله أنت ؟ ما الذي سنفعله جميعاً ؟ جميع أبناء هذا الجيل الذين خاضوا هذه الحرب ماتوا الليلة . لكننا لا نعرف ذلك بعد " .
نظرنا إلى الحَاكِم ، ( كومن ) بعينيه الحمراوين الشبيهتين بعيني خنزير . ( سرتورس ) بمنخريه الأبيضين . ( بلاند ) المتكاسل على كرسيه ، ب*عره الشبيه ب*عر النساء المدللات ، وبسمته التي لا تطاق ، وقف الشرطي العسكري فوق رأس الألماني .
قال ( بلاند ) : " يبدو أن الأمر يقلقك كثيراً " .
قال الحَاكِم : " ألا تصدق ؟ انتظر وسترى " .
قال ( بلاند ) : " أنتظر ؟ لا أعتقد أنني فعلت شيئاً خلال السنوات الثلاث الفائتة لكي أكتسب عادة الانتظار . ولا خلال الستة والعشرين عاماً الماضية . قبل ذلك لا أذكر . ربما أكون فعلت شيئاً " .
قال الحَاكِم :
- " سترى إذن دونما حاجة إلى الانتظار " .
ونظر إلينا ، بهدوء تام :
- " أولئك الذين يتعفنون في الخارج هناك . . . " ، وأشار بيده الغليظة القصيرة ، " ليسو أكثر موتاً منا " .
مجدداً لمس الشرطي العسكري كتف الألماني :
- " ا****ة ، هيا بنا يا صاح " .
ثم أدار رأسه ونظرنا جميعاً إلى الجنديين الفرنسيين ، الضابط والرقيب ، الواقفين عند طاولتنا . ظللنا صامتين لبرهة . كان الأمر كأن البق الصغيرة اكتشفت فجأة أن مداراتها متواجدة جنباً إلى جنب ، وأنها غير مضطرة إلى أن تكون بلا هدف أو أن تستمر في الحركة .
بتأثير الكحول بدأت أحس بتلك الكرة الصلبة الحارة في معدتي ، كما في المعركة ، كما حين تعرف أن شيئاً ما سيحدث؛ تلك اللحظة التي تفكر فيها أن الأمر سيحدث الآن . الآن يمكنني أن أرمي كل شئ وأكون نفسي .
الآن . الآن ، يا للشعور الرائع .
قال الضابط الفرنسي :
- " لماذا هذا الشخص هنا يا مسيو ؟ " .
نظر ( مونهان ) إليه ، ثم رجع بكرسيه إلى الخلف ومال جانبياً ، موازناً نفسه على إربتي فخذيه ، طارحاً ذراعه على الطاولة .
قال الضابط :
- " لماذا تفعل ما يهين فرنسا يا مسيو ؟ "
أمسك الشرطي العسكري بـ ( مونهان ) بينما هو يهم بالوقوف . وقال :
- " انتظر لحظة ، على رسلك " .
وراحت السيجارة تترجرج على شفتيه بينما يتكلم ، ويداه على كتفي ( مونهان ) ، وقد ارتفع عضد ذراعه إلى أعلي زنده قليلاً ، ثم قال :
- " وما شأنك أنت أيها الضفدع ؟ " .
وراء الضابط وقف الفرنسيون الآخرون ، ومعهم المرأة العجوز التي راحت تحاول اختراق الجمع .
قال الشرطي :
- " هذا سجيني ، وسآخذه أينما شئت ، وأبقيه قد ما شئت . ما رأيك بهذا ؟ " .
قال الضابط :
- " بأي سلطة يا مسيو ؟ " .
كان طويلاً ذا وجه شاحب ومأساوي . ورأيت عندئذ أن إحدى عينيه من زجاج ، فقد بدت متجمدة تماماً ، ميتة في وجه يبدو أكثر مواتاً منها .
نظر الشرطي العسكري إلى عضد ذراعه ، ثم إلى الضابط مجدداً ، ولمس مسدسه الذي يتأرجح على خاصرته .
- " سأصحبه في طول هذه البلاد اللعينة وعرضها . سآخذه إلى مجلس شيوخكم اللعين وأُقيم الرئيس وأجلسه مكانه ، ويمكنك أن تموت غيظاً حتى آتي وأمسح البراز عن قدميك مجدداً " .
قال الضابط :
- " آه ، أنت جندي أمريكي . . فهمت " .
قال " جندي أمريكي " زاماً شفتيه ، ومن دون أن يتحرك شئ في وجهه الميت ، الذي يشكل إهانة في حد ذاته .
وراءه راحت صاحبة الحانة تصرخ بالفرنسية :
- " طاخ! طاخ! طيخ! طوخ! كل فنجان ، كل طبق ، كل كأس, كل صحن . . .كله كله! سأريكم ، لقد احتفظت بها لهذا اليوم . ثمانية أشهر منذ سقطت القذيفة ، احتفظت بها في علبة لهذا اليوم : الأطباق ، الصحون ، الكؤوس ، كل ما امتلكه خلال ثلاثين عاما ، كله دٌمر ، تحطم دفعة واحدة! ويكلفني خمسين سنتيما للكأس بحيث أخزي نفسي لكي أجعل زبائني . . . " .
يصل السأم أحياناً إلى نقطة ، إلى ذروة ، لا تحتمل . حتى الكحول لا يمكنه الدنو منها . لكنه يحفز الغوغاء ، مثلما تحفزها تلك الضعة الكاملة النابغة من الرتابة التي لا تحتمل . ثم بدا كأننا جميعاً تخلصنا من أحمالنا دفعة واحدة ، مواجهين بلا خزي ولا تحفظ الشبح الذي بالغنا طوال أربع سنوات في تزيينه بكلمات كبيرة ، مندفعين في كتلة واحدة متراصة .
رأيت الشرطي العسكري يقفز على الضابط ، ثم نهض ( كومن ) وتصدى له . رأيت الشرطي العسكري يلكم ( كومن ) ثلاث مرات على فكه قبل أن يرفعه ( كومن ) و يرميه فوق الحشد ، حيث اختفى أفقياً في الهواء ، وهو يحاول سحب مسدسه . ثم رأيت ثلاثة جنود فرنسيين على ظهر ( مونهان ) والضابط يحاول ض*به بقنينة ، و( سرتورس ) يقفز على الضابط من الخلف .
غاب ( كومن ) عن الوعي ، ومن الفسحة التي خلفها مكانه اندفعت مالكة الخانة صارخة ، بينما حاول رجلان ردها إلى الخلف ، و هي تحاول أن تبصق على الألماني .
- " باش! باش! " ، راحت تصرخ ، وهى تبصق ويسيل ل**بها ، وقد غطى شعرها الرمادي وجهها ، ثم استدارت وبصقت بصقه كاملة علي :
- " وأنتم أيضا! " ، صرخت ، " ليست إنجلترا التي دٌمرت! أنتم أيضا جئتم لتلتقطوا عظام فرنسا . كلاب! ح*****ت! كل شيء تحطم! تحطم! تحطم! "
وفى خضم ذلك كله ، من دون أن ينبسا بحركة أو كلمة ، والحَاكِم المق*فص مثل تمثال ، وكلاهما يضعان الطربان مثل نبيين من العهد القديم .
* * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * ** * * * * * * * * * * * ** * * * * * * * * * * * ** * * * * * * * * * * * *
لم يطل الموضوع . لا علاقة للوقت بما جرى . أو بالأحرى كنا نحن خارج حدود الزمن ، ضمن ، وليس في ، ذلك السطح ، عند الحد بين القديم الذي نعرف أننا لم نمت فيهـا ، والجديد الذي قال الحَاكِم إننا موتى فيه . وراء الأيدي التي تلوح بالقناني والأكمام الزرقاء والأيدي المتسخة ووجوهنا التي تشبه أقنعة تبتسم ابتسامات صفراء في صرخات متجمدة معدومة الصوت لتخيف الأطفال ، رأيت ( كومن ) ثانية . جاء مندفعاً مثل محملة في بحر عاصف ، تحت ذراعه كان النادل القديم ، وفى فمه صفارة الشرطي العسكري . ثم قذف ( سرتورس ) كرسيا على اللمبة الوحيدة في المكان .
* * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * ** * * * * * * * * * * * ** * * * * * * * * * * * ** * * * * * * * * * * * *
اخترق صقيع الشارع ثيابنا ومسام جلودنا المترعة بالكحول وتسلل إلى عظامنا . كانت الساحة خالية ، و الأضواء خافتة وبعيدة . وكان الجو هادئا إلى حد أنني سمعت صوت المياه الراكدة في البركة .
من مسافة بعيدة تحت السماء المنخفضة السميكة سمعت صوتاً ، صراخاً أنثوياً حاداً مثل كل الصراخ ، ثم صراخ حشد من الرجال ، يقطعه من وقت لأخر صوت فرقة تعزف نشيداً وطنياً . وقف ( كومن ) و( مونهان ) مستظلين بالجدار ، محاولين إبقاء الألماني واقفاً على قدميه .
كان غائبا عن الوعي ، وكانت الظلمة تكتنفهم باستثناء لمعان الضمادة الباهت على رأس الألماني ، ولم يصل إلى مسامعي من طرفهم سوى سيل الشتائم الرتيبة من فم ( مونهان ) .
قال الحَاكِم :
- " لم يكن من المحبذ أن يتحالف الإنجليز والفرنسيون " .
كان يتكلم بسلاسة؛ بصوت أشبه بصوت الأرغن ، لا يتناسب البتة مع حجمه .
- " لا ينبغي أن توحد الأمم المختلفة قواها وتحارب تحت راية واحدة . فلتقاتل كل منها لهدف مختلف؛ فلا ينشأ نزاع بينهما ، ويمضى كل منها في طريقة " .
مر ( سرتورس ) بنا ، آتيا من البركة ، حاملاً بحرص قبعته المليئة ماء التي تنقط بين رجليه . ثم انضم إلى الكتلة القاتمة التي تومض فيها الضمادة ويشتم ( مونهان ) برتابة وفتور . وتابع الحَاكِم :
- " وكل واحد يتبع تقاليده . شعبي مثلا ، أعطاه الإنجليز البنادق ، فراحوا يحملقون بها ثم جاءوني قائلين : هذه الحربة قصيرة جداً : كيف يمكن أن يقتل المرء عدواً سريعاَ بحربة بهذا الحجم والوزن ؟ كما أعطوهم حلل عسكرية ينبغي أن تظل مزررة؛ مررت بمجموعة كبيرة من الجنود الجالسين الق*فصاء وقد غطوا أنفسهم حتى الآذان بالبطانيات وبأكياس الخيش ، واسودت وجوههم من البرد؛ وحين رفعت البطانيات وجدت أنهم لا يلبسون السراويل القصيرة " .
* * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * ** * * * * * * * * * * * ** * * * * * * * * * * * ** * * * * * * * * * * * *
" يقول لهم الضباط الإنجليز اذهبوا إلى هناك وافعلوا كذا؛ فلا يتحركون البتة . ثم ذات يوم ، تحت ضوء القمر المكتمل ، سمعت الكتيبة حركة تنبعث من وراء حفرة ما فخرجت من الخندق جارة إباى وضابطاً آخر معي . تركنا الخندق من دون أن نطلق رصاصة واحده ، ومن تبقى منا ، الضابط وأنا وسبعة عشر جندياً آخرين ، علقنا ثلاثة أيام على خطوط العدو الأمامية وقد تطلب الأمر لواء بأكمله لإخراجنا من هناك . سألهم الضابط : لماذا لم تطلقوا الرصاص ؟ لقد تركتموهم يتصيدونكم مثل الطيور السمان . . .
" لم ينظر الجنود إليه . وقفوا كالأطفال صامتين ، دونما أي إحساس بالخزي . سألت قائدهم : هل كانت البنادق محشوة بالرصاص يا داس ؟ فهبوا واقفين كالأطفال ، دونما أي إحساس بالخجل ، وقال داس : أوه يا ابن الأكابر . فقلت له : قل الحقيقة للسيد ، فأجابني ، لا لم تكن البنادق محشوة " .
* * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * ** * * * * * * * * * * * ** * * * * * * * * * * * ** * * * * * * * * * * * *
سمعنا صوت الكتلة يهدر من بعيد في الهواء البارد . كانوا يسقون الألماني من قنينة . وقال له ( مونهان ) :
- " والآن أتشعر ببعض التحسن ؟ "
غمغم الألماني :
- " إنه رأسي " .
كانوا يتكلمون بهدوء كأنهم يتناقشون حول اختيار ورق الجدران .
سب ( مونهان ) ثانية ، وقال :
- " سأعود لهم . بحق الله . . . " .
قال الألماني :
- " لا ،لا ، لن أسمح بذلك . لقد دافعتم أصلاً . . . " .
وقفنا في العتمة تحت جدار نحتسى الشراب . بقيت معنا قنينة واحدة . وحين فرغت حطمها ( كومن ) بالجدار .
قال ( بلاند ) : " والآن ماذا " .