بعد عشرين دقيقة كانت تودع سما وطاهر الذي عاملها لأول مرة بطريقة طبيعية بعيدا عن دور الطبيب النفسي الذي لا يتقن سوى إدراك خبايا نفسها، فقد كان يصب اهتمامه على سما التي تستحق حبه واهتمامه فهي كتلة متحركة من الطيبة فلولاها لضاعت فسما منقذتها الأولى، لن تنسى أبدا كيف كانت تحتويها كلما إصابتها نوبة فزع، كيف لم تشعرها بالغربة أو الوحدة، كيف أتاحت لها كل ما تستطيع إتاحته فلم تبخل عليها أو تنبذها، لمعت عيون تولين بشيء قوي وأقسمت داخلها أنه سيأتي يوما وترد لها الجميل ….....
سارت بجوار عمها صلاح لافتة أنظار شباب الحي، كان شعورها غريبا وهي تشاهد نظرات الإعجاب بعيون الجميع وكأنها قمر يخطو على الأرض فبرغم جمالها لم تكن ملفتة للنظر في الخارج، فملابسها المحتشمة لم تجعلها تعيش لحظة كهذه، لم تفوتها غمزات الشباب وكلمات الغزل خاصتهم التي جعلتها لا تتوقف عن الابتسام رغم أنه لم يقترب منها أحد احتراما للعم صلاح، لكنها كانت تشعر بسعادة لا توصف فالجميع كان يشبهها بالموز، هل أصبح الموز شعارا للغزل؟ أوقف الكثير من الشباب عمها صلاح بحجة أنهم اشتاقوا إليه ويريدون إفشاء السلام فتفاجأت أنها مستمتعة بما يحدث لأبعد حد فكان هناك نظرات وهمسات تصل إليها جعلتها تشعر أنها رغم كل شيء متحمسة جدا لهذه الحياة، لتأتي مغامرة المواصلات بعد ذلك رائعة وفريدة من نوعها جعلتها في قمة الذهول فما يحدث هنا عبارة عن تشويق وإثارة كأنه سباق بين الجميع ليصلوا إلى المواصلات كل حسب قوته وخفته وخبرته، لو كان الأمر بيدها لجعلت وسائط النقل تلك تحمل علامة (الفورمولا وان) وأتت ببطل السباقات إلى هنا ليعلم أنه لم يقد سيارات من قبل، فهنا كل شيء يملك نكهة ومذاق آخر، كانت تشاهد كل ما حولها بابتسامة لم تخبُ، حتى وصلت إلى شركة الجوهري …….
لم يبهرها صرح الجوهري فقد رأت من قبل الأفخم والأضخم لكن أبهرها بشاشة الناس ومقابلتهم لها كأنهم يعرفونها منذ زمن، كان من الواضح أن الجميع يحمل نحو عمها صلاح احتراما بالغا ليس بسبب سنه أو كونه المسؤول ولكن كونه إنسان طيب بشوش وأب بالفطرة ويستحق هذا، وقفت تشاهد العمل ب**ت فاقترب منها شاب وقال بهدوء "أنا نبيل أعمل مع العم صلاح هنا منذ عام ونصف" ردت عليه بابتسامة "أهلا يا نبيل أنا حور...العم صلاح عمي أخو والدي" تهللت أساريره وقال "أنارت المخازن والله، لكن ماذا تفعلين هنا؟" جاءه الرد من خلفها بصوت عمها صلاح يقول "نبيل، أحتاج إلى أن توقع هذه الأوراق حالا قبل أن أخرج أي شيء من المخزن، أما الآنسة حور فهي ابنة أخي وجاءت لتقيم معي أخيرا لكننا نواجه بعض المشاكل بسبب أوراقها وكنا سنتحدث مع السيد مؤيد بهذا الشأن لعله يساعدنا" قال الفتى بحماس "خير إن شاء الله، لماذا لا تأتي معي لترى الشركة من الداخل؟ ستعجبك كثيرا" هزت كتفها وقالت "ما رأيك يا عمي؟" قال لهما "حسنا ولكن لا تتأخرا فأنا أحتاج هذه الأوراق" سارت تولين بجانب نبيل بخفة تحاول أن تخلق بينها وبين من حولها لغة تواصل، كان نبيل شخصية لطيفة يطلق النكات وعندما لا تفهمها يشرحها لها بهدوء لتنطلق ضحكتها الجميلة، وصل بها إلى صالة واسعة تحتوي على العديد من المكاتب وقال لها "انتظريني هنا، سأنهي الأوراق وأعود إليك، لن أتأخر" هزت رأسها بابتسامة وهي تشاهده يبتعد، ودارت بعينيها بالمكان تشاهد تفاصيله فهي تعشق التفاصيل واختلاف البيئة والثقافة بين مكان وآخر، سارت بين المكاتب وعقلها يفكر أن صاحب هذا المكان يعشق السيطرة على الأمور فجميع العاملين يجلسون بهدوء وآلات التصوير تملأ المكان كما أن هناك تنظيم ملحوظ في الد*كور وتنسيق في ملابس العاملين، فجأة أوقفها صوت صراخ أنثوي جعلها تقترب بتوجس لتجد فتاة تقربها سنا لكنها لا تشبهها لا شكلا ولا مضمونا بثوبها القصير وكعبها العالي وشعرها الأحمر وبشرتها الذهبية التي تملك لمعة طبيعية تصرخ بشاب في منتصف العشرينات وتقول "هذا يعتبر تعدي، وأنا لن أ**ت على هذا الظلم…. اتركني" رد عليها الشاب بغضب "كنزي، أخفضي صوتك وهيا أمامي إلى المنزل فلا يصح أن نتكلم هنا" رفعت يدها بتوعد وقالت "لن تجبرني على الذهاب إلى منزلك، فأنا حرة ولست أَمَةً لد*ك" جذبها عمر من ذراعها وقال "هيا بنا" صرخت كنزي بتمثيل لم تدركه تولين "فليساعدني أحد، أليس هناك من يقف بوجه هذا الكائن؟" نظرت تولين بتعجب للمحيطين بها فلم يتحرك أحد لنجدة الفتاة ولم ينظروا نحوها حتى كأن ما يحدث لا يراه غيرها، اقتربت من مكتب مجاور لها وقالت للجالس عليه "سيدي، لماذا لا يساعد أحدكم تلك الفتاة؟ إنها تصرخ" رد عليها بملل "لا أحد منا يتدخل بأمور كنزي، دعيه يربيها قليلا ولا تتدخلي وهذه نصيحة" نظرت له بذهول ثم عادت تنظر إلى كنزي التي تقاتل لتتخلص من يد عمر فلم يكن أمامها سوى التدخل، اقتربت منهما وقالت بصوت ثابت "يا سيد هل يمكنك أن تترك الفتاة؟" التفت عمر لمن يحدثه فوجدها فتاة مراهقة جميلة لكنه حقا لا ينقصه مراهقات الآن فيكفيه أخته التي لا تهدأ إلا عندما تجعل منه أضحوكة أمام الجميع فرد عليها بهدوء "من فضلك يا آنسة لا تتدخلي" …...ثم جذب كنزي ثانية وهم بالخروج فقطعت تولين دربه وقالت "لثاني مرة أحذرك اترك الفتاة وعاملها بلطف" كان عمر قد فقد أعصابه فصرخ بها "ابتعدي عن طريقي أيتها الصغيرة واذهبي لتلعبي في الحديقة في الأسفل" شعرت تولين بالإهانة لكن عليها أن تلتزم بالقواعد فجابهته قائلة بت**يم للمرة الثالثة والأخيرة "تكلم معي باحترام واترك الفتاة" جذب كنزي التي تشاهد ما يحدث بسعادة وقال بغضب "ابتعدي عن طريقي فلا ينقصني جنون مراهقين" فجأة وبدون سابق إنذار ض*بت تولين أنفه بطريقة محترفة جعلته يصرخ فاستغلت ألمه وطرحته أرضا لتهلل كنزي وتشجيعها "أحسنتِ يا فتاة انتقمي لي منه لقد آلمني كثيرا، لم يستوعب عمر ما حدث وهو يحاول النهوض لترتفع ركبة تولين إلى معدته بقوة فانحنى بألم فضمت يديها ونزلت بهما على عنقه فوقع على الأرض ثانية يصرخ برعب "هل أنت مجنونة؟ ماذا تفعلين؟" صرخت تولين بقوة "أدافع عن نفسي ضد أي اعتداء" كانت تأخذ وضعية لاعبي الكاراتيه فوقفت كنزي بجانبها بسعادة وأخذت نفس الوضعية بكعبها العالي وفستانها القصير فصار شكلها مضحكا للغاية وهي تكرر جملة تولين بميوعة "أدافع عن نفسي ضد أي اعتداء، لقد ض*بتك فتاة يا للهول" انطلقت الضحكات من حولهما ، فنظرت تولين حوها بضياع لتجد نبيل يقول لها بعدم تصديق "هل ض*بتِ السيد عمر حقا؟" نظرت تولين إلى عمر الذي ينظر لها بغضب ثم تنبهت إلى وضع جسدها فعادت تقف باعتدال وقالت "لقد كان يمسك بالآنسة ويضايقها فلم يتحرك أحد لنجدتها" فمالت كنزي تقبلها بعفوية وتقول وهي تقول "أحبك، أحبك، أحبك" أبعدت تولين وجنتها بفزع عن تلك المجنونة ليأتي صوت من خلفها جعل الجميع يتجمد مكانه برعب "ومن الكابتن ماجد الذي ضحى بنفسه وأنقذ الآنسة؟" استدارت تولين برعب لهذا الصوت الأجش فرأته يقف على أرضه مسيطرا وينظر لها كدخيلة ،عليها أن تعترف، فقد مرت لسعة هواء باردة بجسدها قد تكون بسبب المكيف لكنها أكثر من ذلك إنها رجفة البداية............
يجلس طاهر داخل غرفة مخصصة لمبيت الأطباء وسما تنام على سرير أمامه ويبدو أنها أخيرا بدأت تشعر بالنعاس فهي لم تنم منذ عودتهم من الخارج بل ظلت تتألم وتتأوه ب**ت رغم أنه أعطاها دواءها وساعدها لتسترخي، لكنها لم تشعر بتحسن يذكر فهاتف طبيبتها التي طلبت منه إحضارها إلى المشفى وها هو ينتظر وصول الطبيبة برعب ينهشه رغم ادعائه التماسك وال**ود، مد يده يداعب شعرها بحنان قائلا "حبيبتي نامي قليلا وعند وصول الطبيبة سأوقظك، تبدين مرهقة جدا" كانت تشعر بنعاس رهيب وجفناها أُطبِقا بمفردهما لكنها ردت عليه وقالت "أنت أيضا لم تنم، لماذا لا تأتي بجانبي وتغفو قليلا؟" تثاءب طاهر بتعب وهو يفكر بعرضها المغري فهو حقا مرهق لكنه قال "لا، سأظل بجوارك، فقط أغلقي عينيك وارتاحي" ارتفع طرف شفتها ببسمة وهي تغلق عينيها وقالت "أؤكد لك أنك إذا ضممتني الآن سأغفو خلال دقيقة" نظر حوله وهو يشعر أنه حقا لم يعد يستطيع فتح عينيه وقال "هل تريدين مني أن أضمك حتى تنامي؟"هزت رأسها بوهن فوقف واتجه نحو الباب ليغلقه من الداخل ثم خلع حذاءه واقترب من السرير ونام بجانبها وضمها لص*ره وقال وهو يشعر بالنعاس الشديد "متى كانت آخر مرة أخبرتك بها أنني أحبك؟" لم ترد عليه سوى بدفن رأسها بص*ره بنعومة بثت بداخله الدفء، فقبل جبهتها قبل أن ينسحب وعيه وينام فقد تعلم معها أنه ليس هناك قواعد للمكان ولا الزمان ما دامت معه وحوله دائما ما يختل ميزان عقله وحكمته …….
كان يريد أن يكمل نومه لكن هناك صوت طرق مزعج شوش السكون حوله ففتح عينيه بصعوبة وانزعاج وهو يسمع صوت أم سعيد يأتي من الخارج تنادي "دكتور طاهر، هل أنت في الداخل؟ الجميع يبحث عنك والدكتور هاني يريدك لأمر مهم" قفز واقفا بهدوء لكي لا يوقظ سما التي لا يصدق أنها غفت أخيرا، ونظر إلى ساعته وهو يتجه للباب فوجد أنه غفا بجانبها لساعة تقريبا، فهندم ثيابه بسرعة وفتح الباب بشكل جزئي ليجد أم سعيد تبتعد عن الغرفة ويبدو أنها ظنت أنه ليس في الداخل، فناداها "أم سعيد" التفتت له وقالت "أنت هنا يا دكتور! لقد طرقت الباب كثيرا، ألم تسمعني؟" كانت تحدثه وهي تقترب منه فقال لها "آسف لقد وضعت سماعات هاتفي لأستمع للقرآن قليلا بجانب سما، إنها متعبة وأتيت بها لكي تراها الدكتورة هدير" ض*بت أم سعيد ص*رها وشهقت قائلة "ما بها؟ هل هي بخير؟" ابتعد قليلا فدخلت أم سعيد الغرفة وهو يقول "لا أعلم، أظنه ربما طلق مبكر، هل أتت الدكتورة هدير؟" ردت عليه أم سعيد "لا لم تصل بعد لكن الدكتور هاني يبحث عنك منذ مدة" قال لها باستعجال "حسنا سأذهب إليه، هل يمكنك البقاء بجانبها حتى عودتي؟ فأنا لا أريد أن أتركها بمفردها فالألم يذهب ويعود وهي لا تحتمله" قالت له بطريقتها الطيبة "من هذه العين يا دكتور، اذهب أنت ولا تقلق سأبقى معها حتى عودتك فقد أنهيت عملي منذ الصباح" رد عليها وهو يشيع سما بنظراته "شكرا يا أم سعيد، إذا حدث أي شيء، رقم هاتفي معك ولا تغفلي عنها ولو لثواني من فضلك" خرج من الغرفة وهو يسمع تمتمة أم سعيد بكلام مطمئن فأسرع بخطاه نحو مكتب هاني.........
كان يسير في الرواق المؤدي لمكتب هاني ليجده يقترب منه حاملا بعض الأوراق ويقول بغضب "أين أنت يا طاهر؟ لقد سألت عنك جميع من في المشفى ولا أحد يعرف مكانك لو أنني لم أرك في الصباح لظننت أنك لم تأت اليوم" رد عليه طاهر بملل "هاني أرجوك رأسي سينقسم إلى نصفين من الصداع، لذلك أخبرني باختصار، لماذا تريدني؟" دقق هاني في وجهه وقال باهتمام "طاهر هل أنت بخير؟ إذا كنت متعبا يمكنني .. " قاطعه طاهر قائلا "أنا بخير يا هاني فقط أخبرني، هل هناك حالة جديدة؟" سار هاني فتحرك طاهر بجواره يسمعه يقول "حالتان دخلتا قسم الطوارئ قبل الفجر بقليل لشابين أحدهما مصاب بجرح غائر في خصره نتيجة لض*بة قوية بجسم حاد والآخر مقعد وفي حالة انهيار شديدة" رد عليه طاهر بهدوء "انهياره طبيعي جدا وسببه الاعتداء الذي تعرض له وصديقه، أين المشكلة؟" قلب هاني صفحات الملف الذي بيده ورفع ورقة وقدمها لطاهر قائلا "انهياره ليس المشكلة، لكننا اكتشفنا أنه مصاب بسرطان الدم وعلى علم بمرضه ويرفض العلاج بشكل قاطع، وهذا قرار تحويله لطبيب نفسي فيبدو أنه يحتاج تأهيلا نفسيا ليتقبل العلاج وبأسرع وقت فحالته ليست مستقرة" مرر طاهر أصابعه بخصلاته وهو يحاول أن يرتب المعلومات التي يتلقاها ليستعد من أجل مريضه الجديد وسأل باهتمام "كيف علمتم بمرضه بهذه السرعة؟" أجابه هاني وهو يضغط زر المصعد قائلا "هو أخبرنا بذلك بمجرد أن هدأ قليلا، فأجرينا له فحوصات وتحاليل والنتائج لم تظهر بعد" سأل طاهر "أين هو الآن؟"رد عليه هاني "استعد يا صديقي ،نحن في طريقنا إليه"
بعد دقائق دخل هاني و طاهر إحدى الغرف ليجدا عادل يجلس على كرسي متحرك أمام النافذة، أشار هاني بعينيه لطاهر كأنه يقول له هذا هو فأمره طاهر بالانسحاب بإشارة من يده، خرج هاني وأغلق الباب خلفه كل هذا وعادل لم يلتفت حتى فوضع طاهر يديه بجيبه وقال "مساء الخير سيد عادل، أنا الطبيب طاهر صلاح، طبيب نفسي وأحتاج للحديث معك قليلا" التفت عادل ينظر للشاب الواقف أمامه بلامبالاة وقال "لا أظن أنني أحتاج لطبيب نفسي، كل ما أريده هو الاطمئنان على صديقي الذي أتى معي" سحب طاهر مقعدا وجلس أمامه بهدوء قائلا "يبدو أنك تهتم به كثيرا، كنت أظن أنك لا تهتم بأحد أبدا" رد عليه عادل بامتعاض "ومن أنت لتحكم عليّ؟ سيد صديقي و يهمني أمره كثيرا، أنت لا تعرفني لتتكلم بكل هذه الثقة" نظر طاهر له بقوة وقال "من ينتظر الموت بص*ر رحب مثلك يكون قد زهد الدنيا وقطع خيوطه بها ما عاد يهمه أحد أبدا، أليس كذلك؟" نظر له عادل بضياع و لم يكن يعلم أن طاهر سيفتح له من الحياة بابا سيتمنى ألا يغلق أبدا...............
وقف بشر يراقب الفوضى التي أحدثها في الغرفة أمس كتنين يسكن قاع قلبه ولا يتوقف عن نفث نيرانه فيكوي حناياه، دار حول نفسه يشاهد عرائسها، صورها، دبابيس شعرها، ملابسها، أوشحتها ومسجلها الضخم الذي كان يرتج القصر بصخبه كأنه يعلن عن هوية صاحبته، نظر إلى مرآتها الجميلة وكل أشيائها المرصوصة أمامه بترتيب فوضوي فدائما ما كانت غريبة في اهتمامها بأشيائها، حل أزرار قميصه بهدوء كأنه يطبق على ص*ره وبدأ يلملم الفوضى من حوله، فتح خزانتها وبدأ يطوي أوشحتها بهدوء ويعيد ترتيب ملابسها، كان يضعها بحنان كأنه يلمس صاحبتها، فله مع كل كنزة قصة ومع كل سترة حكاية ومع كل وشاح رحلة، كان كالهائم الذي انفصل عن الدنيا وعاش في عالمها، كان يرتب صورها بإتقان كما كانت وكأنه يريد أن يشعر أن صاحبة الغرفة ستعود لتجد كل شيء بمكانه كما تركته، أغلق خزانتها بعد أن ربط وشاحها الأحمر على مع**ه، وقام ليرتب السرير باهتمام كأنها ستحزن إذا علمت أنه قد نام عليه أو عبث بأشيائها، كان أحيانا يبتسم وأخرى يدمع والذكريات تتابع أمامه كأنها شريط مسجل، اقترب من الكرسي الصغير القابع أمام المرآة وجلس عليه ليتذكر كم كانت هذه الغرفة محرمة عليه في السابق، كان يتفحص كل شيء، يفتح الأدراج كأنه يمتلك الحق فيما لم يستطع أن يملكه فيه من قبل، لمس زجاجة عطرها وقربها من أنفاسه مغمضا عينيه بدمعة عالقة بين رموشه وتاه ….وداخله طريق مظلم كالمتاهة يسحبه عطرها إليه وهو كطفل يصرخ برعب ويبحث بيديه عن طيفها في ظلمة متاهته "صغيرتي دعي الظلام يبتلعنا لكن وأنت معي، حبيبتي عودي ولو للحظات سأعيشها عمرا وليفنَ من بعدها عمري، غرامي توقفي لأجل قلب يكتوي لعلي أصل إليك قبل أن تجعلني النيران رمادا تنثره رياح الشوق في قاع من جحيم" كان يهز رأسه بحركة لا إرادية وهو منفصل عن عالمه وليعود به الزمن إلى لحظات كان يجري بها خلفها في الحديقة وهي تجري أمامه وتصرخ بسعادة وتنطلق من عينيها شرارات يلتقطها قلبه بشغف، شعر بشيء مزعج يسحبه من قوقعة أفكاره ففتح عينيه لتتضح له الصورة المنع**ة بالمرآة، صورته عاري الص*ر ومن خلفه كارما تقف بقميص أحمر يفسر مفاتنها جعلته يدرك أن هذه كانت صورتهما في تلك الليلة السوداء التي لا يذكر منها شيئا فانتفض واقفا وهو يقول بشراسة وتقزز "ماذا تفعلين هنا؟ وكيف خرجت من الغرفة وأنت ترتدين هذا الشيء؟ يبدو أنك لم تفهمي كلامي بالسابق و….." قاطعته قائلة "بشر، اهدأ لقد كنت أرتدي هذا" أشارت بيدها لثوب طويل ملقى على الأرض وفوقه وشاح، فمال يجذبهما بسرعة ليلقيهما في وجهها وهو يقول "اخرجي من هنا حالا" تركت ملابسها تسقط على الأرض واقتربت من ص*ره بإغراء وقالت "بشر دعنا نعيش، دعنا ننسى ما حدث، لتكن هذه ليلتنا الأولى، أول همسة ... أول لمسة .. جنون وشغف" كانت تتكلم وهي تتلمس ص*ره برغبة تتأجج بداخلها تجاهه منذ سنوات، نفضها عنه بعنف وصرخ بها "أنت لعنة، أنا أكرهك، اخرجي من هنا حالا فأنا لن أضمن جنوني إذا بقيتِ أمامي" ردت عليه بغضب "لن تضمن نفسك، هذه الكلمة الوحيدة الحقيقية في هذا الحوار، أنت تحارب نفسك رغبتك في امتلاكي فقط لأنك تعتز بصورة المخلص لذكرى فتاة لم تكن لترضي رجولتك هذه بأي شكل، دعك من هذه المثالية واقترب وصدقني لن تندم فأنت بأعماقك تريدني" وقف أمامها مبهوتا من حديثها الذي لعب بقواعد عقله فض*ب يده بالمرآة خلفه بشدة فتحولت لشظايا تتناثر على الأرض بصوت مدوي وبعضها علق بيده لكنه لم يشعر بشيء سوى بل**نه الذي يصرخ "لا تتحدثي عني وعنها أبدا، لا تذكري ما كان بيننا بل**نك هذا، فماذا ستعلم حقيرة مثلك عما كان بيننا؟ مجرد تلميحك لأي شيء يخصها م***ع، اخرجي حالا وإلا سأقتلك" ضحكت بسخرية وقالت "كل هذا الغضب لأنني عريت حقيقتك أمام عينيك، ماذا كنت تظن يا زوجي؟ أنت لست ملاكا، أنت رجل كامل وأنا أنثى تقدر رجولتك وما سيحدث بيننا أمر عادي جدا، سأتركك الآن لتهدأ لكن لعلمك فقط قريبا وفي ليلة مثل هذه سنكون أنا وأنت ننصهر بنيران الرغبة على سريرك، وسترجوني لتعيد الكرة مرة تلو الأخرى" كانت و**ة جارحة واثقة فعليها أن تهدم بشر القديم وتبني آخر يشاركها حياتها لذلك أرادت أن تغرس بداخله فكرة أنه ليس مثاليا وأنه فقط يحاول أن يتمسك ب*عارات زائفة، **ته جعلها تشعر بانتصار وهي تنحني وتحمل ثوبها لتلبسه بإغراء وتضع وشاحها على رأسها وابتسامة سخرية تملأ ملامحها وهي تناظره يقف كمحارب خسر معركته، يده تنزف بغزارة ورأسه منحني لأسفل وجسده يرتعد بغضب، استدارت برأس مرفوع لتخرج من الغرفة فأوقها صوته قائلا "هناك أمر لم تعلميه عني يوما" التفتت إليه باهتمام وهي تمسك بباب الغرفة المفتوح فقال بقوة وهو يشير بيده السليمة باتجاه يده التي تنزف "دمي هذا يحمل جينات هاشم العزايزي، دمي كدم والدي تماما يحمل عدة لعنات أولهن الألم الذي لن يفارقني ما حييت، وثانيهن الفراق فأنا أعلم أنني دائما سأعيش في الدنيا غريبا كما عاش والدي، وأهمهن أنني مبتلي بحب صغيرة فراقها قهرني فأضحيت رجلا لا يصلح لأنثى بعدها، تلك الصغيرة لم ترضي رجولتي فقط لقد جعلتني بقربها رجلا فريدا من نوعه، رجلا يشتعل إذا ذكر اسمها فقط ، فما بالكِ لو كانت ضحكت لي الأقدار يوما وامتلكتها والله لن تتخيلي أي رجل كنت لأكون، لكنت ملكت العالم وما فيه عندما تتقافز حولي، صغيرتي لم تحتج يوما إلى أن تتعرى لتغريني فلا تقارني نفسك بها إطلاقا، فكيف يقارن القمر بحصا الأرض؟" جاء دورها لتشتعل وتتأجج نيران حقدها على تلك الصغيرة اللعينة فصرخت به بغل "سنرى …..يا بن العزايزي" وخرجت تصفع الباب خلفها وشياطينها تصور لها أنها تستطيع إنهاء ما بدأته، فقط تحتاج إلى الوقت وبعض الأفكار التي ستجعله يخر راكعا أمام ف*نتها..