حين كانت تجلس مع سالي على الشرفة في شقتهما قالت بشرود :
" ربما علي ان انسى امر اختصاص التمريض هذا "
" ماذا تقولين ؟! "
راقبتها سالي بحاجبين معقودين وهي تتابع :
" هل تمازحيني ؟. انت قوية جداً في مجال الاطفال .. وقد نذرت نفسك لذلك منذ البداية .. انه الشيء الذي تحبينه اني "
" لا ادري .. لكن سالي .. حقاً ..هل تظنين ان ديف سيعطيني فرصة؟ هه."
والتوت شفتها بابتسامة مريرة
" اه من ذلك الرجل .. لقد احبط عزيمتك "
" لقد هددني سالي .. قال بانه سيحول حياتي لجحيم .. وربما سيفعلها "
" لا اراه فعل اي شيء لغاية الان .. ربما هو ذو فم ثرثار فقط .. معظم الرجال هكذا.. يقولون ولا يفعلون "
احنت اني راسها تفرك جفنيها برؤوس اصابعها تطلق تنهيدة ثقيلة ثم عادت لتنظر نحو المشهد المطل على الشرفه :
" لا اعلم .. لست واثقة مما سيفعله بي "
" جربي حظك بامر الاختصاص اني .. لا تيأسي "
سمعتا رنين جرس الشقة فوقفت سالي تترك مكانها :
" وصلت الفتيات "
واختفت في الداخل .. ثوان وعادت الاصوات النسائية للظهور فابتسمت اني مرغمة ..
انها تحب الحياة هنا .. تحب هؤلاء الناس والتعامل معهم ..لا تريد لذلك ان ينتهي او يتوقف
" مساء الخير "
" اهلا ايلا "
ووقفت تحتضنها
" كيف حالك ؟ "
" بخير .." وابتمست ثم جاء دور الشابتين الاخريتين " كليو .. مارغو "
" لقد افتقدناك آني .. جداً "
" كم مضى من الوقت حقاً ! "
" اسبوعين تقريباً .. ظروف العمل .. اجلسن .. لد*كن ثلاث ساعات فقط ثم ساذهب "
" يا لسوء الحظ "
وجلسن جميعاً معها على الشرفة
" لو اننا خرجنا لنسهر في مقهى ما "
" دعينا من ذلك الجو الخانق كليو "
" ايلا على حق .. يكفي ضجة المشفى "
" كنا على الاقل رأينا وجوه جديدة جميلة "
ضحكن جميعاً فيما سالي تضع كؤوس عصير على الطاولة وتسال :
" وجوه جميلة .!. كوجه من ؟ السيد ما**ل "
حصل الجميع على الشراب وهن يضحكن من جديد
" لا دكتور ادوارد .. او .. دكتور سام "
قاطعتها ايلا بعيون لامعه :
" او ذلك الوجه الجامد مثلاً "
" تقصدين ديف كليتون ؟ "
" ومن غيره "
توقفت انفاس اني رغماً عنها لمجرد ذكر اسمه فنظرت سالي بطرف عينيها نحوها وهتفت :
" دعونا من الرجال.. ممكن .. هل ستتقدمن بطلب اختصاص ؟ "
ردت كليو تهز براسها :
" بالطبع .. اليوم قصدت مكتب كليتون لاقدمه لكني لم اجده "
" هه .. ومتى نقصد مكتبه ونجده .. انه دائماً غير موجود .. وكانه لا يملك المشفى "
همست اني وهي عابسة :
" غير صحيح .. انه متواجد دوماً.. وكانه لا يملك عملاً اخر "
حل التعجب على الشابات وسالتها مارغو :
" هل تمزحين ؟. لقد قصدته مرتين لاجل امر الاجازة ولم يكن موجود "
" وانا فعلت بشان المراقبة ولم اعثر عليه .. لا مساء ولا صباحاً "
" ربما هو يتواجد في مناوبات محددة "
قالت سالي بابتسامة ساخرة :
" غير صحيح .. نحن لا نراه في المشفى ابداً لا في المناوبة ( A ) ولا( C ) ولا ( D )"
حدقت اني بهن لا تدري بم تجيب فقالت كليو :
" ربما هو ملتزم بمناوبة واحدة "
" على كلن انه مسافر الان .. هذا ما قالته لوري لي صباحاً "
" مسافر لاين ؟. ان كنا لانراه وهو هنا .. فكيف لو كان مسافر .. هه "
" معك حق "
" ربما قصد موطنه .. هذا ما سمعته فلديه اعمال كثيرة هناك "
قالت ايلا ساخرة وهي تمسك بكأس شرابها:
" اه صحيح .. علينا الا ننسى انه رجل غني وصاحب اعمال معروفة ومشهورة "
" فلتهنئ تلك المراة اذاً "
" تقصدين زوجته ؟ "
قطبت اني حاجبيها وهي تسال كليو :
" لماذا ؟ "
" لماذا .. لانها لا تضطر للعمل مثلنا .. تملك كل تلك الثروة اسفل قدميها "
ضحكت سالي بقوة على سخف افكارهن فيما اني تضم فمها كي لاتفعل المثل
" مابك ؟!. "
" لاشيء .. تذكرت بعض الامور فقط "
" على ذكر زوجته .. اين هي ؟. الم ترونها آني ؟ "
" لا هو يسكن لوحده على مايبدو "
اكدت سالي كلامها قائله :
" صحيح "
" غريب !. ربما لذلك يسافر كل مدة الى بريطانية.. لكي يتفقد امورها "
" كم اشعر بالفضول لرؤية ملامحها .. حقاً .. كيف تترك رجل مثله ياتي بمفرده الى بلد اخر الا تشعر بالغيرة عليه ؟ "
ضحكت اني في داخلها ووضعت يدها على فمها تكتم ملامحها الضاحكة قدر المستطاع ثم رشفت من شرابها فيما سالي تزفر بسام وتهتف :
" دعونا منه بحق السماء .. مارغو .. ما الذي جرى مع ذلك الشاب .. حدثينا ؟ "
" نعم مارغو .. هيا "
" حسناً .. لقد ..... "
؛؛؛؛؛؛؛؛؛
؛؛؛؛؛
كان يوم السبت يمضي ببطء عليها فرتبت الشقة وقررت الخروج للتنزه قليلاً ..
ارتدت ثيابها ووقفت امام المرآة تنظر الى شكلها ..الثوب الابيض كان بسيط جداً وقد ارتدت فوقه سترة سوداء رقيقة .. ابقت شعرها الاشقر القصير منسدل يلامس حواف كتفيها
وارتدت سلسلتها الفضية من الجارور تطلق تنهيدة عميقة.. تتوقف وتستدل نظراتها باتجاه الجارور المفتوح.. حيث توجد المجله التي تحمل رقم هاتف والدها ..
رفت بجفنيها تسال نفسها ما العمل .. بقرب المجله علبة مجوهرات سوداء صغيرة مدت يدها تمسك بها وترفعها ثم تفتحها .. انها لم تفتحها منذ شهور .. لا تدري حتى لما لاتزال تحتفظ بها .. وتاملت ب**ت ثقيل خاتم الزواج الذهبي وبقربه الخاتم الماسي..
شفتها التوت بمرارة .. كيف يمكن للاحلام ان تنقلب بسرعه .. كيف للسعادة ان تغدو وهماً
وجرحاً لايعرف الشفاء ؟. كيف ؟
واعادت العلبة بيد قاسية لمكانها ثم اغلقت الجارور على كل ما يذكرها بالماضي.. وتراجعت تتن*د باسى .. لايمكنها ان تستمر بهذا الشكل .. لا يمكنها والا تحطمت روحها اكثر مما هي
محطمة ..
وتركت الغرفة تحمل حقيبتها ومفاتيح الشقة ثم غادرت المكان لا تدري لاين ...
كانت الساعة تقارب السابعة مساء حين عادت الى المبنى .. سارت بشرود داخل الردهة ثم
وقفت تضغط زر استدعاء المصعد وتنتظره .. ماهي الا ثوان حتى فتح الباب الحديدي فتقدمت تصعد داخله تتوقف مندهشة وهي تلمح ديف يلتحق بها سريعاً ليستطيع الصعود قبل اغلاق المصعد لابوابه .. حلقها بات جاف واطرافها واهنة ووقفت في الزواية ..في ابعد نقطة عنه.. نظراتها مسمرة امامها وجسدها منكمش تلاحظ بانه يتصرف بالطريقة عينها .. يتجاهلها ولا ينظر نحوها وكانه لايعرفها ..
هل فقد هذا الرجل عقله ؟؟ .. ما الذي جرى له ؟؟ منذ تبادلا القبل وهو على هذه الحال ..!!. كان منذ اسبوع فقط يتحين الفرص ليغدق عليها بسخريته وتعليقاته الجارحة التافهة ..
رن هاتفه فاطلق تنهيدة عميقة وكانه قد انقذ واخرجه يتحدث بها فوقعت نظرات اني الجانبية على يده التي تحمل الهاتف .. اصابعه الطويلة وذلك الخاتم الذهبي الذي يحيط باحدهم ..
" الو .. مساء الخير .. نعم وصلت للتو .. فهمت .. حسناً .. سنتحدث بذلك صباح الغد .. نعم ساكون موجود "
اختفى صوته واني تدخل حالة شرود وتفكير عميق .. تشعر بنفسها تكاد تضحك لسخرية القدر .. هي وهذا الرجل متزوجان منذ عام ونصف ..يعيشان في المبنى عينه .. في شقتين مختلفتين .. يعملان في المكان نفسه .. في المصعد هما كالغريبان .. لا يتحدثان ولا ينظران الى بعضهما..
من يمكنه ان يصدق ذلك !!.
ال**ت حل من جديد بينهما .. وحالما انفتح باب المصعد خطت اني للخارج وهي تكاد تختنق من الجو المتوتر .. تقدمت ولم تنظر نحو الخلف ابداً ..
** *** **
حين حملت ورقة طلب الاختصاص كانت مترددة بشدة .. تتنفس بصعوبة ولا تدري ان كان عليها ان تقدم على خطوة كهذه وهي تعرف يقيناً بان زوجها لن يسمح لها بالحصول عليها..
" ما الامر ؟ غيرت رايك ؟"
اجابت ميغ وهي تقف بقربها في مكتب الاستقبال :
" أ .. لا .. لا .. لكنني قلقة فقط "
" لا داع للقلق .. انت تستحقين هذه الشهادة اكثر من اي احد اخر .. هيا تشجعي واصعدي لتقدميها في مكتب السيد كليتون "
" هنا المشكلة "
" ماذا ؟! "
" لا شيء .. لاشيء "
وهزت راسها تبتسم بلطف لزميلتها
مكتب سكرتيرته كان فارغ ساكن وهي تتقدم داخله وتهمس :
" صباح الخير لوري "
" اهلا اني "
" جئت لاسلم طلب الاختصاص .. لقد ملئت الخانات كلها .. هلا تقدميه للسيد كليتون ؟ "
وقدمت الورقة البيضاء لها فاجابت لوري :
" عليك ان تقدميها له شخصياً .. لانه عادةً يطرح عدة اسئلة على المتقدم ثم يضم الطلب "
" اها .. وهل هذا ضروري ؟! "
" نعم .. لسوء الحظ "
وابتسمت لها مما جعل اني تضحك وتتململ في وقفتها
" حسناً .. وهل هو هنا ؟ "
" لا لم يصل بعد .. لكن هذا هو وقته المحدد .. انتظريه قليلاً "
" لما لا .."
وجلست على الكرسي المقابل لها لتنتظره .. عليها ان تنهي الامر وترتاح والا فستظل تفكر بالموضوع طوال اليوم
" كيف عملك ؟ "
" مرهق جداً .. ماذا عنك ؟ كيف تجدين المدير الجديد ؟ "
ابتسمت لوري ذات الثلاثون عام تقريباً واجابت :
" انه متطلب جداً.. وجدي.. لكن عادل.. ويقدر المجهود "
اومأت براسها متفهمة وسالت مجدداً :
" هنالك طلبات كثيرة ...صحيح ؟ "
" حوالي المئة "
" وفي مجال تمريض الاطفال ؟ "
قطبت لوري حاجبيها تحاول التذكر ثم قالت :
" حوالي ثلاثة عشر .. ومعك .. اربعة عشر "
" اربعة عشر !! "ورفعت حاجبيها " وااو .. قد لا اجد الحظ اذاً "
" لا تجزمي.. ثم هنالك اختصاص القلب ثلاثون طلب.. والتوليد ثمانية وعشرون .. اشكري الله على العدد القليل "
ضحكت آني موافقة وهتفت :
" الشكر لله اذاً "
" صباح الخير "
ابتسامتها اختفت فوراً ونظرت نحو الباب تلمحه واقف هناك .. لوري هبت على قدميها تحييه باحترام :
" سيد كليتون ..صباح الخير "
تقدم ديف داخل مكتب السكرتيرة وعينيه لا تتركانها مما زاد الارتباك فيها فرفعت يدها تبعد خصل شعرها عن عينيها .. اخيراً حررها ونظر الى لوري يسالها :
" هل اتصل احد ما ؟ "
" جاءت الدكتورة ماغن لرؤيتك .. فقط "
" حسناً "
وعاد الى اني مقطباً بتساؤل فوقفت تلوح بورقة الطلب :
" جئت بشان تقديم الطلب .. ان كنت مشغول يمكنني العودة لا... "
" لا داعي.. الحقي بي .. لوري اريد قهوة "
" حاضر سيدي "
دخل ديف المكتب يتقدمها فابتسمت هي للوري بوهن ولحقت به ..
لمحته ينزع سترته ويعلقها على ظهر كرسيه وهو يقول لها :
" اغلقي الباب خلفك واجلسي "
انه يعاملها وكانها حشرة .. تباً له .. وضغطت فكها ثم ردت الباب بهدوء .. عليها الا تفقد
هدوئها كي لاتخسر ما جاءت من اجله .. وتقدمت ثم جلست مقابلاً له..
ديف استراح على كرسيه خلف المكتب وراح يتفقد الاوراق امامه بعيون جادة فظلت صامته تنتظر.. تطلق تنهيدة عله يلاحظ وجودها لكنه لم يفعل
" ان كنت مشغول يمكنني ان.. "
" قلت لك لا "
وقلب الصفحات فجمعت قبضتيها في حضنها ثم هتفت حانقة :
" هلا تنظر الي على الاقل .. لدي عمل .. ولست متفرغه طوال اليوم "
توقفت يديه ورفع راسه يتاملها فمدت يدها تسلمه ورقة الطلب وتراجعت
" لقد ملات الخانات .. انه جاهز "
اصابعه امسكت الورقة باهمال واضح وتفحصها ثم سال :
" اطفال ؟ "
والتوت زاوية فمه بابتسامة ساخرة
" ماذا ؟! "
" لاشيء .. كنت اشك بذلك .. بما انك تحوزين على موافقة دكتور الاطفال المسؤول "
عبست به رافضة وهزت راسها :
" لم اختر هذا القسم لاجل ذلك .. اني احب هذا الاختصاص "
" واضح .. تحبينه لانه اشقر وعينيه زرقاوتين.. اليس كذلك ؟ "
تضيقت حدقتيها على ملامحه الغاضبة وفكه المشدود تهمس بحذر :
" وبماذا يهمك الامر ؟ "
" لا .. لايهمني "
ورمى الورقة من يده لتستقر على الطاولة امامه ثم وقف :
" هذا اختيارك لكن في النهاية .. هو قراري "
وتقدم نحو مكتبته الصغيرة الخشبية يبحث فيها عن ملف ما ..
اطلقت اني تنهيدة نافذة للصبر ووقفت :
" ربما ما كان علي فعل ذلك .. هه .. كم انا حمقاء ..كنت متاكدة ..انت لن تسمح لي بالتنفس حتى "
رفع حاجبيه وهو غارق في ملف ما واجاب :
" فتاة ذكية ! "
عينيها تاملتاه ب**ت من بعيد ولما كادت تقول شيء قاطعها رنين هاتفه الخاص
" اجيبي على الهاتف "
" انا ؟! "
" نعم .. هيا "
اقتربت مترددة من مكتبه وحملت هاتفه تقرا الاسم .. (( باتي )) .. من هذه ؟!.
وفتحت الخط تجيب :
" الو .. هاتف ديف كليتون .."
" مرحباً .."
" من يتكلم ؟."
" انا باتي .. أ .. هل يمكنني التحدث الى ديف ؟ "
من هي هذا ؟!. وتناديه باسمه ايضاً ..يبدو من صوتها انها شابة صغيرة ..اه ولماذا تهتم ؟
" انه مشغول قليلاً "
" الموضوع ضروري .. هلا تقولين له ذلك لو سمحت؟ "
" حسناً .. لحظة فقط "
وانزلت الهاتف تبعده عن فمها وتقول له:
" باتي .. تريدك بامر ضروري "
اقترب ديف وهو يزفر بتعب واخذ الهاتف منها
" الو .. " وظل يقف قريباً " اهلا بات .. بخير وانت ؟ .. من ؟!. "
نظر الى اني وابتسامة ساخرة تداعب شفتيه
" انها زوجتي .. "