مدرسة السنطي ( 14 )

2069 Words
جلس عبد الحميد في غرفته وحيدًا منتظرًا مكالمة هامة، راجع ساعته أكثر من مرة، تعدت الساعة السابعة والنصف مساءً موعد اتصال وجدان به كما اتفقا معًا، تقدم له تقرير شفهي ليتناقشا فيه في الأمور اليومية المهمة الخاصة بالمدرسة، رن هاتفه وبدأت نجوان في القاء تقريرها، حكت له كل ما حدث ورأته، لم تترك شاردة أو واردة إلا وقالتها، تناقشا في بعض الأمور الروتينية واص*ر اوامره بشأنها، سجلتها في ورقة معها، ولم تنسى ارسال تقرير مكتوب عبر البريد الإلكتروني، كانت المكالمة شبه تقليدية لا شيء جديد أو مميز، لكن زيارة هذا الرجل الغريب لفتحي والذي تأكد لها أنه سكرتير صفوان بعد مراجعة دفتر أمن المدرسة أثار داخل عبد الحميد الفضول، ماذا يريد صفوان الوزير السابق من رجل بسيط مثل فتحي عامل في مدرسة حتى يرسل له سكرتيره الخاص؟ سؤال لم يجد له إجابة، لكنه احتفظ به خصوصًا بعد التغيير المفاجئ الذي الم بفتحي وخروجه من المدرسة، هل كان صفوان وراء هذا التغير؟ وهل كان فتحي في استضافته؟ حاول تجميع شتات أفكاره لم يجد أي مرشد يرشده عن سر هذه العلاقة وتوطدها بهذه السرعة، لم يخطر في باله أن رجائي وراء كل هذا. * * * عاد سميح لغرفته مجددًا وقف مرة أخرى يتأمل ملامحه وشعره في المرآة، ابتسم وهو يلقى نظرات سريعه على اجناب شعره، مسح على شعره وعاد لمكتبه، التقط الورق الخاص بالمسرحية ولكنه تذكر كل كلام تامر وراغب له، اعاد الورق مرة أخرى على المكتب وبدأ في مذاكرة ومراجعة دروسه التي اخذها اليوم في المدرسة، لم يشعر بالوقت يمر، من المرات القليلة التي يذاكر بها بكل هذا النهم، واحساسه بأنه فاهم لكل الدروس ومتجاوب معها اسعده أكثر من سعادته بقصة شعره الجديدة. انهى مراجعة كل الدروس التي أخذها في المدرسة وعمل كل واجباته، طرقات خفيفة على الباب وانفتح ودخلت أمه، نظرت له مندهشة وهو جالس على مكتبه وقالت: · الله يا سميح.. قصة شعرك دي حلوة قوي. وقف سميح واحتضن أمه وقال: · بجد يا مامي عجباكي؟ · جدًا يا حبيبي.. واللي عاجبني أكار وأكتر إنك قاعد بتذاكر. · انا لسه حالا مخلص مذاكر وحللان الهومورك.. عندي ليكي خبر حلو. قبلته أمه وسألته: · خير يا قلب مامي؟ خبر حلو ايه؟ · انا اشتركت في فرقة التمثيل بتاعت المدرسة والمخرج مبسوط مني قوي. · مبروح يا حبيبي.. يبقا ده سر التغيير اللي حصل بقا. هز سميح رأسه موافقًا على كلام أمه وعلى وجهه ابتسامة طفولية جميلة، ربتت أمه على ظهره واخبرته بأنها ستذهب لغرفتها لتغيير ملابسها بعد عودتها من العمل وتقديم برنامجها على الهواء مباشرة، وانها بعد ذلك ستعد عشاء خفيف لهما يتناولانه معًا ثم ينام، وافق سميح، تركته وعادت لغرفتها. بدأ سميح في مراجعة النص المسرحي والتأمل في ملاحظات راغب والاختيار بين الحلول التي اقترحها وهو يجرب هذه الاقتراحات باداء تمثيلي أمام المرآة حتى استقر على ما يناسبه. * * * رن هاتف سكرتير صفوان، كانت زوجته هي المتصلة، مشى بعيدًا عن صفوان الجالس يدخن سيجاره، تحدث مع زوجته في أمر عادي كأي محادثة بين زوجين، أنهى المكالمة، رسم على وجهه ابتسامة واسعة حاول أن تكون طبيعية، قال له بصوت رتفع قليل قبل الوصول إليه: · الف مب**ك يا باشا. التفت صفوان نحوه وهز رأسه مستفهمًا، قال السكرتير وهو يقف أمامه: · الواد طلع زي الفل يا باشا.. أول مرة نظرتي تخيب. · مانا قولت لك. عاد صفون مثبتًا نظره في نقطة وهمية لا يراها أحد، بينما جلس سكتيره بالقرب منه يلعن كل من اتصل عليهم وأنهم خذلوه في أول طلب له بعد تركه الخدمة، وهو من قدم لهم النصح ليصبحوا ضباط يشار لهم بالبنان. * * * انهى عبد الحميد اجتماعه الهاتفي مع نجوان، وقف امام المرآة يمشط شعره الذي غزاه الشيب من سنين، ارتدى جاكت خفيف فوق قميصه وغادر الغرفة، كان قد اتخذ قراره بعدم الاختلاء بسعاد بعد الذي حدث بينهما في الاستراحة أثناء سفرهم للفيوم، لهذا قرر أن يجلس بعيدًا منفردًا في مكان بعيد من حديقة المنتجع اللمتدة، في طرف قصي منها جلس على معطيًا ظهره للحديقة ناظرًا نحو مشارف الصحراء، خط وهمي يفصل بين خضرة حديقة المنتجع والصحراء، هو نفس الخط الذي يفصل بين كل شيء وضده، بين الحب والكراهية، بين الحياة والموت، بين الإيمان والكفر، تعددت الأضداد في ذهنه، حتى ظن أنه حسرها كلها، لكنه دائمًا ما يرى أنه حتى في هذه الصحراء القاحلة الممتدة أمامه في ظلام الليل نوع من الجمال، تمنى أن تبتلعه ظلمتها ويبقى هو ورمالها ونجوم السماء ولا رابع معهم، قد تبدو الصحراء موحشة للبعض، لكنها مليئة بأحاسيس ومشاعر دفينة، الرمال تعزف لحن البقاء، والنجوم ترسم على صفحة السماء لوحة باهية، " و أنا اتنفس الألحان واشتم النجوم. " ما أروع أن تعيش الحياة البدائية، لا هواتف ولا كهرباء ولا انترنت ولا أي شيء يفصلك عن الأرض والسماء، حينها وحينها فقط ستتعرف على رب العالمين دون تعب، لأنك ستتعرف على ذاتك، يعتقد عبد الحميد أن جزء لا يتجزء من الله، قطعة منه، بنا من روحه، خلقنا بيده ولم يخلقنا بين الكاف والنون، ميزنا عن سائر خلقه لأننا منه.. لمسة خفيفة على كتفه من يد صغيرة اخرجته من تفكيره الذي استغرق فيه، نظر خلفه رأها، ردد في نفسه: " ماذا لو كنتِ يا سعاد رابعنا؟ " وقف مرحبًا بها، سألته وابتسامتها تف*نه وتفتك بلبه: · قاعدك لوحد ليه؟ · والله يا مدام سعاد... قاطعته وابتسمتها تتسع لتشمله كله: · ما بلاش مدام وحضرتك وسيادتك.. نرفع التكليف أحسن. هز رأسه متسمًا وكأن الأبتسام مرض معدي: · والله يا سعاد... قاطعته مرة أخرى وهي تضحك هذه المرة: · أيوه يا عبده.. هزته الكلمة، ليست المرة الأولى التي يسمع اسمه، لكنها المرة الأولى من عقود، لم يناديه به أحد إلا أمه وزوجته في لحظات الصفا، شعر بفرح يخامره غصة، لم يدري لمن منهنا ينسب اسمه الذي نادته به الآن، لاحظت سعاد عبوسة، انسحبت ابتسامتها من على وجهها فجأة، شعرت بالخجل يسيطر عليها، لكنها امرآة اعتادت التحدي، وقفت أمامه وقالت: · واضح إنك ما بتحبش الهزار.. لكن مقولتليش ليه قاعد لوحدك بقا؟ افسح لها الطريق واشار لها لتجلس، جلست على مقعد بجواره وجلس هو الاخر في مكانه، قال وهو يحاول صبغ كلامه بصبغة مرحة: · لا ابدا يا سعاد.. انا بس مش متعود على الهزار.. من سنين مهزرتش ولاحد هزر معايا.. فبقا بالنسبة لي شيء غريب لكن صدقيني مش مستهجن. · اسلاك شايكة. · تصدقي اني كنت بفكر فعلا في اني خلاص اشيل الاسلاك الشايكة اللي على سور المدرسة، حاسس إنها مقبضة قوي.. وبعدين ملهاش لازمة اصلًا.. المدرسة عمرها اكتر من قرن وعمرها ما اتعرضت للسرقة. نظرت له بجدية هذه المرة، تعاملت معه كعميل في شركتها، قالت بصوت يخلو من الحدة لكنه لا يخلو من لمحة سخرية: · انا اقصد حياتك يا عبد الحميد مش المدرسة. **ت ولم تنطق هي بعدها وثبتت نظرها على افق الصحراء الممتد أمامها في الظلام، تمسمر هو كتمثال جرانيتي صلد، لكن داخله يغلي ويفور يكاد جسده أن يتشقق وينشطر من الضغط الداخلي. * * * ظل عبد الحميد وسعاد صامتان لا يحركا ساكنًا، ينظرا نحو الصحراء برمالها الصفراء التي اكتست بلون أ**د من ظلمة الليل، أو للسماء التي تزينت بنجوم لامعة تشاركهم سهرتهم لكنها لا تشعر بما يدور داخل كل واحد منهما، سعاد شيء غريب يشدها نحو هذا الرجل مذبذبة هي لكنها تشعر بالإنجذاب له، وعبد الحميد خائف من تجربته السابقة ولا يريد أن يكررها، لكن الأثنين اشتركا في شيء واحد أنها صاما طويلًا عن علاقات الجنس الأخر واهتما فقط بعملهما وحققا فيه نجاح منقطع النظير. التفتت سعاد لـ عبد الحميد والقت عليه نظرة بطرف عينها، اكتفى هو بسماع صوت تنهيداتها التي ص*رت منها دون وعي وبتلقائية شديدة، كانت له ونس في وحدة الليل البهيم المفرود امامه في الصحراء، وكان هو لها مشعل يشعل داخل نفسها ضياء من نوع خاص لا تعرف كنهه ولم تتعرف عليه من قبل. في مكان أخر من الحديقة وتحت شجرة ضخمة جلس رشيدي مع إنبهار ونعمات، ارتدى رشيدي معطفه رغم أن الجو لم يكن باردًا لهذه الدرجة التي تستحق أن يرتدي معطفه الصوفي الثقيل، قالت نعمات له ممازحة: · إيه يا مستر رشيدي.. انت عجزت واللا ايه؟ ضحك رشيدي وهو ينظر لإنبهار لتنقذه من نعمات، فهمت إنبهار مغزى نظراته، قالت وهي تض*ب كتف نعمات برفق: · خفي شوية يا نعمات.. إحنا في رحلة وكلنا جايين ننبسط. رد رشيدي بسرعة: · اه والله يا إنبهار.. قصدي يا ميس إنبهار. ضحكت نعمات بصوت مرتفع وقالت من وسط قهقتها وهي تكاد تقع على قفاها: · إنبهار ميس إنبهار كله زي بعضه يا رشرش.. دي رحلة وكله جاي ينبسط.. يا راجل ما دقش. شعرت إنبهار بالحرج ربما أكثر من رشيدي لكنها هذه نعمات وهذا هو اسلوبها وبعد ان عرفت إنبهار قصة ماساتها لن تعارض أو تعترض مهما قالت، لكن ما ذنب رشيدي فيما تقوله، لابد أنه يعلم بقصتها هو الأخر لذلك لم يعاتبها ولو بنظرة لوم. الواقع أن رشيدي يعلم جزء من قصتها لكن دون تفاصيل، لكنه يعلم جيدًا أنها تعرضت لأزمة نفسية حادة ذات يوم ويشعر بالشفقة نحوها، يدري أن كل ما تفعله وردود أفعالها ما هو إلا سبب أو عرض لازمتها النفسية وقد يكون وسيلة للعلاج، فـ لا داعي للغضب منها. وعلى الرغم من أن رشيدي قليل الخبرة أو يمكننا القول أنه عديم الخبرة بعالم النساء إلا إنه يتمتع بقدر كاف من الذكاء الاجتماعي الذي اهله أن يجتاز الاختبارات القاسية التي مرت بها نعمات قبل زواجها من زميل لهم في المدرسة، نظر نحو إنبهار وقال: · عاوزين ننسق بينا في وادي الريان، انا يمكن اتكلمت عن السو**ي تاريخيًا وده مش من اختصاصي بس انا يمكن قولت لك إني بحب التاريخ جدا قبل كده. · عادي يا مستر رشيدي والحقيقة إني كإنبهار انبهرت بمعلوماتك. ضحكوا جميعًا على تعليقها، أكملت قائلة: · بخصوص وادي الريان بقا.. عندك اقتراحات؟ · يعني أنا ممكن اتكلم عن جيولوجيا المكان وانتِ تتكلمي عن تاريخها. انبرت نعمات مازحة كعادة: · وانا هتكلم عن إيه؟ ردت إنبهار مازحة هي الاخرى بطريقة نعمات: · نقطينا بسكاتك. تبادلوا جميعًا النكات والقفشات حتى شعروا برغبتهم في النوم، استأذن رشيدي اولا لكن قبل رحيله نكزته نعمات بقفشة أخرى معلقة على المعطف. * * * لم يعتاد عبد الحميد على السهر متأخرًا ليلًا، شعر برغبة ملحة للنوم بعد يوم سفر طويل ومجهد، استأذن من سعاد وعاد لحجرته، خلع ملابسه وارتدى بيجامة للنوم، جلس على سريره قبل أن يغفو، اسند رأسه على شباك السرير وفكر فيما حدث منذ قليل، حاول وجاهد أن يبتعد عن سعاد قدر الامكان، تخير مكان بعيد وجلس فيه ومع ذلك رماها القدر في طريقه مرة أخرى وأتت هي بنفسها له، هل هو حقًا القدر أم أنها من تتابعه وتراقبه وربما تطارده؟ اجاب متحيرًا على السؤال بسؤال أخر؛ وهل يطارد مثلها مثله؟ هي الرياضية الشهيرة وسيدة الأعمال الناجحة، ظهرت أكثر من مرة مع وزير التجارة الخارجية ومع وزير الاستثمار ورافقتهما في مؤتمرات عديدة داخل وخارج البلاد، وهو أيضًا ليس شيء بسيط في عالم الأموال أو الشهرة، تردد اسمه أكثر من مرة لحقيبة التربية والتعليم في أكثر من تشكيل وزاري، لا يقل عنها شهرة وصيت ونجاح وغنى، لم لا تتبعه أو تطارده أو على الأقل تعجب به؟ هكذا أجاب وتمدد بعدها على السرير واغمض عينيه لينام استعدادا لزيارة الغد لوادي الريان. * * * لا تعلم نعمات أن رشيدي يتمنى لو ينام وهو مرتدي هذا المعطف حتى لو كانوا في منتصف شهر أغسطس، ولا تعلم إنبهار أن حبه لها نهر هادر يعصف بين جبال عواطفه فيعريها وينحتها ويشكلها من جديد، " لكن هل حقًا تحبها يا رشيدي؟" سؤال سأله لنفسه، لم يرد أن يجيب عليه خوفًا من الخروج من حالة الحب التي لأول مر تنتابه ويشعر بها، ويعود مرة أخرى لحالته الأولى من النسيان لنفسه والانشغال عن ذاته بأي شيء حتى لو اضطر أن يشجع كرة القدم ويصبح أحد متعصبيها. * * * لم تتوقف نعمات عن الثرثرة في الغرفة مؤكدة لإنبهار أن هناك شيء يدور في نفس رشيدي نحوها، لابد أنه يحبها، انكرت إنبهار كلامها وكأنه اتهام موجه لها في محكمة عسكرية، لكن في قرارة نفسها تشعر بالغبطة كأنثى بأن هناك شخص ما معجب بها، ومع ذلك هي لا تريد الزواج حتى لو رحل شادي واستقل بحياته كما هو متوقع، لم تعد تريد رجل أخر في حياتها بعد أن اعتادت الاستقلالية الكاملة وتمتعت بحرية مطلقة لا أحد يحاسبها إلا ضميرها، اعطت ظهرها لنعمات واغمضت عينيها تستدع صورة رجلها الوحيد الذي يعانق حبه روحها. * * * ظلت سعاد جالسة وحدها تتأمل ظلمة الفراغ الممتدد أمامها، حاسبت نفسها على ما فعلته، هي من تمنى رجال كثر الارتباط بها ورفضت لأنها اخلصت لعملها كما اخلصت لرياضتها من قبل وتشعر أن زواجها من أي رجل سيأخذ من اهتمامها بعملها تنجذب لرجل وهي في هذا السن؟! أليست انثى لها قلب و أحاسيس و مشاعر؟ أليس من حقها أن تعيش الباقي من عمرها في كنف رجل لا لأي احتياج مادي لكن لرغبات نفسية، من الطبيعي أن يشاركها رجل احلامها والأمها، و هي ترى عبد الحميد شخص مناسب لها. هكذا أجابات رمال الصحراء ورددت نجوم الليل لها. * * * طلبت إنبهار من نعمات أن تطفئ الأنوار وتستقر في سريرها وتنام، اطفئت نعمات السيجارة التي اشعلتها ونفذت ما طلبته إنبهار، لحظات وكانت تغط في نوم عميق شاركتها فيه إنبهار دون أن تتصل على شادي وتسمع صوته، لكن هناك شخص ثالث لم يستطع مشاركتهن النوم، مازال رشيدي يتقلب على فراشه لا يستطيع النوم.
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD