انزعج عبد الحميد عندما سمع موسيقى صاخبة تنبعث من مشغل أغاني ( M P 3 ) مع إحدى الطالبات، الموسيقى عالية تعزف في رتم واحد، وصوت المغني غير واضح وكأنه صادر من كائن فضائي، والكلمات غير متناسقة لكنها ملتزمة بقافية غير لطيفة، نظر نحو سعاد الجالسة على مقعدها بجانب حفيدتها لا يفصلهما عن مقعد عبد الحميد إلا سنتيمترات قليلة هي عرض الممر الموجود بين المقاعد في الحافلة، وجدها تضع كفيها على أذنيها، قال لها:
· هي إيه الأغاني دي يا سعاد هانم؟
لم تسمعه سعاد من الموسيقى الصاخبة التي ملأت المكان حولهما ولأنها تضع يديها على إذنيها، هزت مريم ذراع جدتها، نظرت لها سعاد مستفهمة ويديها مازالا مكانهما، اشارت مريم نحو عبد الحميد، نظرت له سعاد ووضعت يديها بعيدًا عن وجهها، كرر عبد الحميد سؤاله، لكن سعاد لم تسمع هذه المرة أيضًا، هزت رأسها مستفهمة و طالبة من أن يعيد ما قاله، كرر عبد الحميد سؤاله بصوت أعلى لكنها لم تسمع أيضًا، مال عبد الحميد بجزعه مقتربًا وفعلت سعاد مثله، سأل هذه المرة بصوت أعلى من المرتين السابقتين، ردت سعاد و الامتعاض يظهر على ملامح وجهها:
· دي يا سيدي المهرجانات.
· مهـ أيه؟ مهرجانات؟! يعني إيه مهرجانات؟
بدلت سعاد المقاعد مع مريم، وجلست في المقعد المجاور للممر، تزحزح عبد الحميد من المقعد الذي يجلس عليه بجوار النافذة ليجلس هو أيضًا بجوار الممر، مالا بجذعيهما حتى يسمعا بعضهما جيدًا، قالت وهي تلوح بيدها تعبيرًا عن الانزعاج:
· المهرجانات دي اغاني شبابية، وزي مانت سامع لا كلام ولا موسيقى ولا صوت، بس الشباب بيحبوها قوي وبيشغلوها في مناسباتهم الخاصة، الرحلات، على البلاج، في أعياد الميلاد، والدي جي بيشغلها دايما في الأفراح وزي مانت شايف اههوه ما بيبطلوش رقص عليها.
· العيال دي بيحفظوا الكلام ده إزاي؟!
· سبحان الله.. أنا نفسي سألت السؤال ده لنفسي قبل كده وملقتش إجابة.
مد عبد الحميد شفته السفلى ممتعضًا وقال متأسفًا:
· الله يرحم الست و حليم.. انا كنت لما بسمع قنديل أو محمد فوزي بحس نفسي عايش وبتنفس.. مستحيل يكون ده نفس احساسهم لما يسمعوا الرزع والخبط ده.
· عارف يا أستاذ عبد الحميد.
· أيوه يا سعاد هانم.
اقتربت منه أكثر برأسها وقالت:
· زمان لما كنت بتدرب تنس.. كنت بعد التدريب ببقا تعبانة ومجهدة جدا.. مكنتش ارتاح إلا لما اسمع خوليو أجلاسيس أو فرانك سانترا.. بس عارف ده حتى عبد المطلب اللي كانوا بيقولوا عليه مش عارف إيه كده الإذاعة.. صوته كان فيه إحساس ودفا وعمق.
ضحك عبد الحميد وبدا يغني:
ساكن في حي السيدة وحبيبي ساكن في الحسين وعشان انول كل الرضا يوماتي اروحلة مرتين
رددت سعاد معه المقطع الأخير:
م السيدة لسيدنا الحسين
ضحكا سويًا وهي تمد يدها له ليصافحها ممازحًا، صافحها و قال لها:
· الله يرحم زمان وأيام زمان.
· و الله يا أستاذ عبد الحميد كل وقت وفيه جماله ومتعته.. تعرف إني بروح الأوبرا اسمع اغاني زمان من مطربين شباب.. والله ما يقلوا خالص عن محمد رشدي و العزبي ومطربين الزمن الجميل ده.
· معقول في مطربين ومطربات دلوقتي يقدروا ويعرفوا يغنوا أغاني الزمن الجميل ده؟!
· أه في.. عندك مثلا في بنت جميلة قوي اسمها مي فاروق.. بتغني أغاني الست بأحساس رائع وتمكن كمان.
· طب ياريت نبقا نروح سوا.. انا سميع قديم.
هزت رأسها موافقه، عادت بجزعها واسندت ظهرها على المقعد، هو ايضا عاد بظهره ووضع ساق على ساق عقد يديه على ركبتيه وأخذ يدندن مع نفسه: " يا حاسدين الناس.. مالكو ومال الناس.. ده كل قلب في ألم.. ولكل واحد كاس.. يا حاسدين الناس مالكو.. ومال الناس.. "
* * *
استيقظ صفوان مبكرًا هذا الصباح، فعل ما أوصى به فتحي في تلك الليلة، بمجرد أن عاد ضاحي من توصيل فتحي للمدرسة، طلب من رئيس الخدم أن يعطيه باقي حسابه ويستلم منه مفاتيح السيارات التي معه ويخبره بفصله من العمل، لم يتأثر ضاحي مطلقًا بما حدث، شعر أنها تصديق لوعد فتحي له.. وأن الخير قادم لا محاله في بلدته وبعد زواجه الثاني من الامرأة التي اختارتها له أمه العجوز، عاد لشقته، انتظر حتى عاد كل أولاده وبناته من مدارسهم، اخبرهم بقراره بعودتهم جميعًا لقريتهم في الصعيد، اعترضوا على قراره، لكنه **م واقسم أغلظ الأيمان، انصاعوا لأوامره، وفي اليوم التالي بدأ اجراءات نقلهم من مدارسهم لمدارس بلدتهم كلًا حسب عمره، لم يتخيل ضاحي ولو لمرة واحدة أنه سيأتي عليه اليوم الذي يقرر مغادرة القاهرة بأضواءها وزحامها ورزقها الوفير ليعود مرة أخرى لقريته عديمة الخدمات تقريبًا، لكنها نبؤة الرجل البركة والتي بدأت بشائرها في الظهور.. أنهى الأوراق الرسمية، حزم هو وأولاده حقائبهم، وتوجهوا جميعًا لمحطة مصر، استقلوا القطار السريع، ضاحي يحلم بالخير الوفير الذي ينتظره، وأولاده يهاجمهم كابوس المعيشة في الصعيد الذين لا يعرفون عنه شيء تقريبًا إلإ من خلال الدراما التي تعرض في مسلسلات وأفلام التلفاز.
* * *
اتصل صفوان برجائي وطلب منه تدبير زيارة أخرى لفتحي، اخبره رجائي أن فتحي ليس لديه هاتف محمول وانه لابد أن يذهب بنفسه أو يرسل أحد يستدعيه، لم يهتم صفوان بهذه الاجراءات وارسل سكرتيرة الخاص للمدرسة لمقابلة فتحي وترتيب موعد للمقابلة، دخل السكرتير الخاص بصفوان الحديقة المدرسية حيث كان فتحي يزرع الخضروات التي نوى زراعتها، نادى عليه لم يعرفه فتحي، اقترب منه وصافحه، سأله من يكون، اخبره أنه سكرتير صفوان باشا الخاص وهو يريد تحديد موعد معه لمقابلته كالمرة السابقة في فيلته، شعر فتحي بهزة تجتاحه، لكن أظهر تماسكه واخبره أن يمر عليه غدًا في تمام الساعة الثامنة مساء في نفس موعد المرة السابقة، لكنه لم ينس أن يسأله عن ضاحي وما حدث له، اخبره السكرتير أنه عاد إلى قريته بالصعيد وأنه بنفسه ساعده لينهي أوراق نقل أولاده للمدارس هناك ولولا مساعدته له ما تمكن من انهاء هذه المهمة في هذه السرعة، سأله فتحي عن سبب قرار ضاحي المفاجئ هذا، رد عليه أنه لا يعرف تفاصيل غير أن صفوان باشا أنهى خدمته ومنحه كل مستحقاته وأن ريهام هانم هي من كلفته بمساعدة ضاحي في إنهاء الأوراق الرسمية وطلبت منه إلا يخبر زوجها بهذا، وبالطبع طلب السكرتير من فتحي أن لا يخبر صفوان بما حدث، وعده فتحي بذلك، رافقه حتى البوابة وصافحة وغادر.
عاد فتحي للعمل بالحديقة لكنه لم يرى نجوان في شباك مكتبها وفي يدها دفترها تسجل كل ما يحدث أمامها بالساعة والدقيقة.
توقفت الحافلات أمام استراحة على طريق القاهرة الفيوم الصحراوي، تراصت جنب بعضها، لم يفتح السائقون الأبواب إلا بعد توقف الخمس حافلات تماما بجانب بعضهن، كان عبد الحميد أول النازلين وخلفه سعاد وحفيدتها مريم، وقف عبد الحميد وبجانبه سعاد يراقب نزول الطلاب والطالبات من الحافلات، قالت له سعاد:
· إحنا مش هنقعد واللا إيه يا عبد الحميد بيه؟
· إزاي بقا يا سعاد هانم.. حضرتك اتفضلي اسبقيني وياريت تطلبي لي قهوة سادة مغلية بن غامق ما تكونش محوجة.. اتطمن بس على الطلاب واجي نشرب القهوة سوا.
نظرت له سعاد نظرة إعجاب، هذا الرجل من وجهة نظرها أب مثالي، يسعى لتحقيق الأمن لكل طلابه ويعتبرهم أولاده.
ذهبت إنبهار في النوم فعلا، لم تنم الليلة الفائتة إلا ساعة أو ساعتين بعد ساعات من البكاء الطويل، لم تشعر بتوقف الحافلة في الاستراحة، اشار رشيدي للطلاب بالهدوء وهم يغادرون الحافلة حرصًا ألا تستيقظ، وقف للحظات مترقبًا أن تستيقظ ويصحبها لكنها لم تشعر بما يدور حولها، وضع عليها معطفه الثقيل الذي أحضره معه ونزل من الحافلة، كان هو أخر النازلين، أشار له عبد الحميد أن يقترب، سأله عن إنبهار اخبره بحالها، عرض عبد الحميد على رشيدي أن يرافقه الجلسة مع سعاد، نظر نحوها وجدها تجلس بالداخل مع حفيدتها، اعتذر رشيدي بأدب وفضل الجلوس على منضدة خارج الإستراحة يراقب باب الحافلة متمنيًا استيقاظ إنبهار ومشاركتها له شاي الصباح.
توجه عبد الحميد نحو المنضدة التي تخيرتها سعاد في ركن من أركان الاستراحة، جلس قبالتها وبينهما جلست مريم، سألها وهو ينظر حوله في أرجاء المكان المتسع:
· اشمعنى المكان ده بالذات واللا بالصدفة؟
· لا مش بالصدفة.. من زمان وانا ما بعملش حاجه بالصدفة، انا دايما بحب ابقا قاعدة في ركن زي ده كده.. القاعدة في الأماكن دي ليها فايدة مش أي حد يعرفها.
· إيه بقا الفايدة دي؟ منك نستفيد.
ضحكت سعاد ضحكة قصيرة وقالت:
· في الركن اللي زي ده تقدر تبقا شايف كل الناس بس مش كل الناس شيفاك.. انا عندي هواية غريبة جدا.. بحب اراقب تصرفات و سلوك الناس و الـ body language بتاعتهم واحللها.. في الركن تقدر تعمل ده بسهولة من غير ما حد ياخد باله.
· هواية غريبة فعلا.. بس تعرفي إنها مفيدة.
ابتسمت سعاد وهي تنظر نحو رشيدي تراقب لفتاته، احضر النادل القهوة لعبد الحميد وعصير برتقال طازج لسعاد ومشروب الشيكولاته الساخن لمريم كما طلبت هي من جدتها، رشف عبد الحميد رشفة قصيرة من قهوته وقال لسعاد:
· انا مستغرب جدا من نوعية الأغاني اللي الولاد بيسمعوها.. مع إن المدرسة مهتمة جدا بحصص ونشاط الموسيقى ايه اللي يخليهم يسمعوا حاجات زي المهرجانات وهم المفروض متربين على الذوق الراقي.
نظرت له سعاد وانتهت من متابعة رشيدي، امسكت كوب العصير وقلبته بالماصة البلاستيكية المغموسة فيه وقالت ردًا على سؤال عبد الحميد:
· حصص الموسيقى مش كفاية يا عبد الحميد بيه.. المدرسة لوحدها مش كفاية علشان تغير المجتمع ككل.. صحيح هي أهم مؤسسة إجتماعية وأكتر واحد مؤثرة فيه.. لكن في الفنون في حاجات تانية بتشاركها ويمكن بتتفوق عليها كمان..
· زي إيه؟
· الإذاعة.. السينما.. الإعلام بشكل عام.. و دلوقتي كمان السوشيال ميديا ليها اليد العليا في الموضوع ده.
هز عبد الحميد رأسه موافقًا والحزن بادي في عينيه، قالت سعاد بعد أن شربت بعض العصير:
· تعرف إن نسبة الطلاق في مصر والوطن العربي زادت مع انتشار مواقع السوشيال ميديا زي f*******: و twiteer؟
· لاحظت إن نسبة الطلاق زادت في الفترة الأخيرة فعلا لكن ما ربطتش بينها وبين السوشيال ميديا.
· الزوجين بيشوفوا السوشيال ميديا على إنها حقيقة وبيصدقوا كل اللي بيتقال عليها.. مع إن تقريبا معظم اللي بيتقال مجرد هبد بتعبير شباب اليومين دول.. تخيل زوج وزوجة بيسمعوا نصايح من واحد فاشل أو واحدة معقدة وبيطبقوها في حياتهم العملية.. النتيجة هتبقا إيه؟
· كارثية أكيد.
· بالظبط.. هو احنا وقفنا في الاستراحة ليه.. المسافة كلها من القاهرة للفيوم حوالي 100 كيلو مش مستاهلة استراحة يعني.
ابتسم عبد الحميد وهو يشير للأطفال من طلابه المنتشرين في المكان وقال:
· الحقيقة إني غلطت لما سافرنا باتوبيسات المدرسة...
قاطعته سعاد:
· ليه مع إنها مريحة؟
· بس مش مجهزة للرحلات وللسفر الطويل.. مفيهاش دورات مياة مثلا.. وزي ما حضرتك شايفة.. العيال مصدقوا ينزلوا وجريوا على الحمامات.
وقفت مريم وهمست لجدتها:
· انا فعلا عاوزة أروح التوليت يا سعاد.
فتحت سعاد حقيبتها واخرجت علبة مناديل مبللة واعطتها لها، اخذتها واتجهت نحو الحمام، عندما ابتعدت قالت له وهي تبتسم:
· عندك حق فعلا..
· سمعتها بتناد*كي سعاد حاف من غير تيتا أو آنا.
· انا اللي طلبت منها كده من أول ما جت تعيش معايا.. كانت بتقولي يا تتا.. قولت لها لا.. قولي لي باسمي على طول.
ضحك عبد الحميد وقال ممازحًا:
· خايفة تكبرك؟! ما تخافيش انتي مش باين عليكي خالص إنك خمسينات.
ابتسمت سعاد في خجل تلاهت في كوب العصير لكن نظرات عبد الحميد ظلت تلاحقها، وضعت سعاد الكوب جانبًا وقالت ردا على كلامه:
· مش مسألة تكبرني أو لا.. كل الناس عارفة إنها حفيدتي وإني جدتها.. بس انا عاوزاها تبقا صاحبتي مش بنتي.
لم تتوقف نظرات الرجل الجالس امامها من متابعة شفتيها وهي تتكلم، وانتقلت إلى عيونها عندما انتهت من كلامها في محاولة لـ اختراق نفسها من خلالهما، اردفت وهي تنظر نحو الحمام:
· هي مريم اتأخرت كده ليه؟ هقوم أشوفها.
وضعت يديها تستند على المنضدة وهمت أن تقف، امسك عبد الحميد يدها برفق وقال وهو يشير لمريم متجه نحوها:
· مفيش داعي.. مريم جت أهيه.
سحبت يدها في رفق من تحت يده، اسرعت نحو حفيدتها، سمعتها تقول لها:
· غسلتي ايدك كويس يا مريومة؟ يللا بقا ع الباص يا حبيبتي.
رأهما يتجهان نحو الحافلة، لاحظ احمرار وجنتيها بمجرد أن لمس يدها، لام نفسه على ما فعله، قال هامسًا لذاته: " انت هتعيده تاني يا عبد الحميد؟! ما كفاية اللي حصل لك قبل كده.. سنين صابر لما نسيت صنف الستات خالص.. إيه هيرجعك تاني لوجع القلب؟! "
نادى على النادل، حاسب على ما طلبته سعاد ومشى نحو الحافلة متباطئًا حتى لا يلحق بها، مر على رشيدي الذي وقف عندما رأه، قال له عبد الحميد:
· ايه اللي قاعدك في الشمس كده يا استاذ رشيدي؟ مش كنت جيت قعدت معانا جوا في الضلة أحسن؟!
لم يرد رشيدي على كلام الأستاذ عبد الحميد، ظل نظره معلق على باب الحافلة منتظرًا أي حركة تظهر في داخله، ربت عبد الحميد على ظهره وقال:
· يللا علشان هنتحرك.. اتاكد إن كل طلابك في الباص تمام.. ما تعمدش على المشرف بس.. راجع عليه كمان.. عينين أحسن من عين.
هز رشيدي رأسه موافقًا، اتجه عبد الحميد متثاقلًا نحو باب الحافلة، بالفعل تمنى أن يشاركهم رشيدي تلك الجلسة القصيرة، ربما كان وجوده سيحميه من تهوره وما فعله، عليه أن لا يختلي بـ سعاد مرة أخرى، لن يترك لها الفرصة لتتملك قلبه، وتتحكم في مصيره، وهبه من قبل لأنثى مثلها وما ناله منها إلا الوجع والألم، تذكر المشهد الذي يمنع به نفسه عن كل النساء وزوجته تتقلب على الفراش في أحضان حبيبها القديم، أغمض عينيه حتى يرأه بوضوح، وضع يده على مقبض باب الحافلة، صعد الدرجات القليلة ودلف داخلها، وجدها جالسة بجانب الشباك ومريم بجانبها في المقعد المطل على ممر الحافلة، لم تنظر له وهو يجلس بجانب الشباك في مقعده ينظر منه محاولا تجنب النظر لها، وكما فعل هو فعلت هي بعد أن تحدثت بكلمات قليلة مع مريم واعطتها سندوتش تأكله ملفوف في ورقة بيضاء ناصعة.
لم يبق أحد على الأرض إلا رشيدي، مشى نحو حافلته يجر أذيال خيبته، لم تستيقظ إنبهار أو ربما استيقظت لكنها لم تتحرك وتنزل من الحافلة، شعر أنها تتهرب منه أو أنه لم يعد ذلك الرجل الذي يمكن لسيدة أن تنظر إليه، حس أنه فقد كل معالم جاذبيته وربما رجولته، لم يكن ذات يوم مثل كل شباب جيله يستطيع أن يوقع الفتيات في حبه، لم يملك الوقت لمثل هذه الرفاهية، وهاهو يريد أن يلفت انتباة سيدة لا يستطع، دلف للحافلة رأى إنبهار مستيقظة وتبتسم له، وقف على الباب لا يتحرك، جلس بجانبها غير مصدق ما يرأه، معطفه على ساعدها، قالت له وهي تعيده له:
· ميرسي يا مستر رشيدي.. انا فعلا كنت حاسة بالبرد ولولا البالطو بتاعك كان زمان خدت برد دلوقتي.
· طب خليه والبسيه.
· انا معايا جاكت بس فس الشنطة بتاعتي.. وخلاص صحيت.. اتفضل.
اخذ من إنبهار معطفه، تحسسه، تلك القطعة من القماش كانت تلامس جسدها منذ قليل، احتضنه وقربه يشم رائحة عطرها فيه.