أجابت الفتاة وهي تلقي بخصلات شعرها الذهبية المنسدلة فى خفه وجمال وراء كتفها
-أنا ريماس يا إيما،أنا عارفه انك مش عارفة أنا مين دلوقتي ولا أكون لك أية فى حياتك اللى فاتت كلها :بس اللى اقدر اقوله ليكى دلوقتى انك لازم تصبري علشان تفهمى،و تركزى علشان تعرفى وتشوفى بس تشوفي بقلبك وبصيرتك وعقلك مش بعيونك وبس
قالت ريماس تلك الكلمات وهى تبتسم وتاخذ بيد إيما وهما يقتربان من الفتاتين وعنها اشارت ريماس ل إيما وهي تقول
-متخافيش هما مش شايفينا أصلا ولا حاسين بينا ،يعنى تقدرى تقربي زى ما تحبى.
أقتربت إيما في حذر وأنصتت السمع ليصدمها نداء الفتاتين على بعضهم البعض بنفس الأسماء،إيما وهى الفتاة الصغيرة ذات الأحداث عاماً،بيضاء الوجه واسعة العينات عسليتهما و الأخرى ريماس ذهبية الشعر خضراء العينين بنفس العمر،نظرت في دهشة لريماس الواقفة بجانبها و عيناها تنطق بالتساؤل لتجيب عليها ريماس بالايماء بالتأكيد على ما تتساءل عنه ثم قالت في نبرة حنونة
-أيوة يا إيما البنتين دول انا وانتى لما كنا صغيرين و الوقت ده تحديداً كان لما بابا وماما انفصلوا وانتي كنتي بتحاولى تواسيني،صحيح كنا صغيرين أوى ولسه مش فاهمين حاجة من اللى بيحصل حوالينا لكن كمان كنا على الفطرة الجميلة و حقيقي يا إيما انتى كنتى ليا و نعم السند و الأخت و الصديقة وده مش غريب على قلب طيب زى قلبك ثم مالت عليها لتضمها بقوة و ما أن فعلت ذلك حتى وجدت إيما نفسها قد انتقلت الى الغرفة المظلمة مره أخري و مازلت بين ذراعي ريماس التى ابعتها في رفق وهي تقول لها
-هرجع ليكي تاني،بس لازم تاكلى حاجه علشان تقدري تكملي الرحلة
ثم تركتها واتجهت الى شق الحائط ليتسع لها فى بطء ثم يبتلع جسدها بنعومة وسط دهشة إيما و عدم فهمها لكل ما يحدث ولكن قبل أن يغلق الشق صاحت إيما بسرعة وبصوت عال
أكل ايه و ازاى فى الضلمة دى يا ريماس؟
أتاها صوت ريماس وهي تبتعد
-الأكل جنبك، والضلمة دى من جواكى انتى،انتى الوحيدة اللى تقدرى تخلى النور ينتصر أو تفضلى فى الضلمة ده اختيارك واختيارك لوحدك.
أجابت إيما
-أنا مش فاهمة حاجة،ارجوكي ارجعي طيب فهمينى
أتاها صوت ريماس قائلا"
-دورى على النور و ارضى بالمكتوب واتبعي قلبك المخلوق على الفطرة الطيبة
أختفت ريماس مع اغلاق الشق تماما وعاد الظلام يلف الغرفة:شعرت إيما عنده ببعض الأمل فى الخروج من تلك المحنة و ان كانت لم تعلم بعد طريق الخلاص بالتحديد ولكن ظهور ريماس جعلها تشعر بالونس ولو قليلا و خاصة بعد وعدها لها بالعودة،استدارات تحاول الوصول لصينية الطعام بجانبها و التى شعرت منذ الوهلة الأولى عند لمسها أنما بها من طعام مازال ساخنا"و كأنه لم يمر عليه وقتا طويلا ،تحسست الأطباق في حذر،سرها ان وجدت من الاكل بعد التذوق ما تحب وهنا بدأت الاكل و بشهية مفتوحة
*******
تفاجأ ع**ت بوصول أحمد و كريم يهرولان فى الطرقة الطويلة المؤدية إلى غرفة ابنته،أنتظر حتى وصل الصديقان ثم قال أحمد وهو يحاول التقاط انفاسه بصعوبة
-أيه يا عمو ع**ت ،ايه اللى حصل وفين إيما وحالتها ايه؟
ربت ع**ت على كتف أحمد وقال
-خد نفسك بس الاول ياابنى و انا هقولك كل حاجة
ثم قال لكريم
-أهلا يا كريم يا حبيبي
رد كريم وهو مازال يلتقط انفاسه هو الآخر بصعوبة
-اهلا يا عمو ع**ت طمنا ارجوك
أشفق عليهم ع**ت من ما سوف يعلمان ولكن أسقط في يده فلا مناص من أن يعرفا ما حدث خاصة وأن جنازة ريماس سوف تكون بالصباح و يعلم ع**ت جيدا علاقة الثلاث ببعض و بأبنته وقوة ارتباط الاربعة ببعض خاصة بعد خطبة أحمد لابنته منذ ما يقرب من السنه ونصف وهو ما أجبره على الكلام
-هقولكم يا ولاد لكن مش هينفع الكلام هنا خلونا ننزل تحت الكافيتريا و اقولكم الموضوع كله
قاطعة أحمد وهو يقول
-طب أشوف إيما الاول و أطمن عليها و بعدين نشوف ريماس و ننزل
رد ع**ت فى حزن
إيما كويسه متقلقش بس للاسف هى مش هتحس بينا أصلا
قال أحمد وعلامات الفزع ترتسم على وجهه
ليه؟
قال ع**ت
-يلا ننزل نتكلم ولما نطلع تدخل تشوفها و كريم كمان يدخلها معاك
شعر كريم بأن هناك خطب ما و خاصة مع كلمات ع**ت التي تجنب فيها سيرة ريماس ولكن لم يكن بيده إلا الإذعان لرغبة ع**ت
توجه الثلاثة الى الطابق الارضى و بمجرد جلوسهم قال أحمد
-ارجوك يا عمي أنا خلاص مبقاش فيا اعصاب
قال ع**ت وهو يتجنب النظر في وجوههم
-البنات عملوا الحادثة النهاردة الصبح بدرى و اللى عرفناه من الشهود أن عربية أبن الششتاوي كانت هى السبب فى الحادث و أنه ساب حارة من الطريق و قفل على عربية إيما وكانت النتيجة أن عربية إيما انحرفت عن حارتها و عربية ريماس اللى كانت جنب عربية إيما مع الانحراف دخلت في المصد الخرسانى وأتدمرت تماما و عربية أبن الششتاوى دارت حوالين نفسها و فى الاخر اتقلبت ولما الاسعاف جت ريماس بأخر نفس كان فيها **مت ينقلوا إيما الاول
شهق كريم وهو يكرر
-بأخر نفس فيها ،أنت تقصد ايه يا عمى؟
قصدى زى ما فهمت يا كريم ،ريماس الله يرحمها و يحسن اليها وصلت المستشفى متوفية أصلا وإيما بعيد عن ال**ور اللى ماليه جسمها للأسف فى غيبوبة و محدش عارف ممكن تقوم منها أمتى ولا ازاى
هنا انهار أحمد تماما ودخل كريم فى نوبة من البكاء وهو يردد بلا وعى
-لا حول ولاقوة الابالله
نظر ع**ت ل أحمد ليجد الدموع تتساقط بلا توقف
قال ع**ت وهو يحاول السيطرة هو الآخر على دموعه
وحدو الله يا ولاد و أرجوكم أمسكوا نفسكم علشان شاهى لو شافتكم كدة المرة دى مش هتقوم منها
قال أحمد
-طنط شاهي كمان،هو فى ايه ياعمى ايه، اللى بيحصلنا ده ،لا اله الا الله اللهم لا أعتراض
قال ع**ت
-الحمد لله على اللطف فى القضاء يا أحمد و طنط شاهى الحمد لله الدكتور طمنى عليها هى بس أعصابها مستحملتش الصدمة بتاعت ريماس علشان أنا كنت مخبى عليها وهى دلوقتى بتفوق متقلقوش
قال كريم وهو يحاول إيقاف نزيف دموعه
-وجنازة ريماس هتطلع امتى يا عمو و هل هى لسه هنا ؟
رد ع**ت
-أيوة يا كريم لسه هنا أعتقد أهلها هيكونوا هنا أول ما يطلع علينا النهار
ثم نظر ع**ت فى ساعة يده وقال
يعنى كان ساعة بالكتير
رد أحمد أنا لازم أشوف إيما يا عمو ع**ت ده بعد اذنك طبعا
قال كريم
-وانا كمان ،كفاية واحدة راحت مننا وياعالم أهلها هيسمحوا ليا أشوفها ولا لا
ثم أنهار فى نوبة بكاء حادة ما جعل أحمد يضمه فى حنان أخوي وهو يقول له
-وحد الله يا كريم إحنا لازم نكون قد الموقف إيما و طنط شاهي و عمو ع**ت محتاجين لنا جنبهم دلوقتى و اول ما أهل ريماس يوصلوا هنكون معاهم كمان و لحد ما نطمن انها خلاص وصلت مكانها النهائى و مش دى النهاية صدقني كلنا نتقابل بالاخير
قام ع**ت من مكانه وهو يقول لهم
-يلا يا ولاد علشان نشوف إيما كلنا
قام الثلاثة متوجهين إلى الطابق الأعلى ليجدوا شاهي تقف أمام غرفة أبنتها بعد أن استعادت وعيها ولكنها مازالت تبكى ريماس من قلبها ،توجه اليها ع**ت و هو يقول
-حمدلله على سلامتك يا حبيبتى طمنينى عليكى و ليه قمتي من السرير دلوقتى بس
ردت شاهى بحزن
-انا الحمد لله كويسة يا ع**ت الدور والباقى على البنات اللى راحت واحدة منهم لربها و التانية مش عارفين هيحصل لها ايه
كانت شاهي تحدث ع**ت ومازالت لم تنتبه الى وجود كريم و أحمد خلفه وعندما انتبهت لهم قالت وهي تتقدم لهم
-أهلا يا ولاد أعذروني ما اخدتش بالى منكم والله انا ما شايفه ولا حاسه بحاجه حقكم عليا
تقدم أحمد وكريم وتبادلا مع شاهي الترحيب في كلمات مقتضبة فرضها عليهم الموقف العيب الذي وضعهم فيه القدر
ثم قال أحمد لها ول ع**ت
-ممكن ندخل نشوف إيما
ردت شاهي
-طبعا يا حبايب قلبي أتفضلوا ،هى الممرضه كانت بتوصل لها خراطيم الأكل من شويه صغيرين و الدكتور قال ليا احاول اتكلم معاها علي قد ما اقدر علشان هي ممكن تكون سمعانا و أنا حاولت أعمل كدة بس ملقتش اى رد فعل منها ولما سالت الدكتور قال ان الموضوع هياخد وقت و لازم نستمر و نصبر
دخل الجميع غرفة إيما وأقترب منها أحمد و قبل جبينها ويدها بحب ثم اقترب من أذنها وقال بصوت خفيض
-مكنتش متخيل أنك بالقسوة دى يا حبيبتى و ان سهل عليكى تغيبى عنى ،صحيح أنا وانتى بينا حاجات مختلفة لكن أنا عارف ان اللى يشبه بعضه أكتر انا هستناكى تقومى بالسلامة و تدينى الفرصة أوريكى المتشابهه ده يا إيما ،ارجوكى متغ*يش كتير عني كلنا محتاجين لوجودك مش بس أنا
ثم أفسح المجال ل كريم الذى وقف بجانبها وقال لها من بين دموعه
إيما لازم تقومى يا صديقتى ،أنا عارفك قوية و هتعدى من كل ده و ترجعي احسن من الاول كمان
ثم أبتعد عن الفراش وهو يتذكر ريماس
وفى أثناء ذلك لاحظت شاهي أن إيما تحرك فمها و كأنها تمضغ شيئا ما وهو ما جعلها تقترب وهي تحاول أستبيان ما هو هذا الشئ الذى بفم ابنتها وعندما لم تجد شىء ض*بت جرس الاستدعاء للمرضه وسط نظرات الفضول من الموجودين و قال لها ع**ت مستفسرا
-فى ايه يا شاهي
قالت له شاهي ما يحدث ثم دخلت الممرضة و قالت لها نفس الكلمات ،حاولت الممرضة معرفة السبب ولكن بلا فائدة تذكر وهو ما استدعى منها طلب الطبيب خوفا من ان يكون هناك شئ خاطئ يحدث ،دلف الطبيب الى الغرفة ونظر الى فم إيما وهي تمضغ و تبتلع الهواء وعندها قال لهم و للممرضة
-مفيش حاجة متركبه غلط الحمد لله حتى خراطيم التغذية اللى قولت للطاقم يركبها علشان لو الحالة طولت متركبة تمام جدا بس واضح كدة ان إيما بتحلم و جسمها ترجم الحلم دة و اتفاعل معاه على أنه حقيقة و جايز جدا هى دلوقت بتاكل فى الحلم وده كويس جدا على فكره،ده معناه ان معدتها كمان هتتحرك و ده فى صالح جسمها و حاجة تدعو للتفاؤل الحمد لله
تمتم الجميع بالحمد و علت وجه شاهي ابتسامة تحمل في طيها الاطمئنان و توجهت لجانب أبنتها وهي تقول لها
-انا عارفة انى مش هيهون عليكى يا قلبى تسيبنا و أنك هتقاومي كل ده و هتقومى لينا بالسلامة
**********
أكلت إيما كل ما وجدت بالاطباق و هى مستمتعة جدا بطعم الاكل و حدثت نفسها قائلة
-انا عمرى ما دوقت فى جمال الاكل ده قبل كدة والله ،سبحان الله على جماله و جمال طعم الفاكهة اللى حسسنى انى عمرى ما اكلت فاكهه قبل كدة و الله لولا الضلمة اللى انا فيها دى و عدم فهمي السبب كان زمانى بتمنى اعيش باقي حياتي هنا وخصوصا بقا وانا مش فاكرة اى حد ولا اى حاجة ممكن تخليني احن لحياتى قبل ما الاقى نفسى هنا ولا جايز انى مش فاكرة طعم الفاكهة اصلا وعلشان كدة حسيت ان دى جميلة ؟مم جايز ولا لا مش جايز انا كنت عارفة اسامى الاكل اللي اكلته وعارفه اسم الفاكهة يعنى انا اكلت مكرونه بالبشاميل وسلطة خضرا و فراخ بانيه و الفاكهه كانت موز وخوخ وتفاح يعنى انا فاكره كل ده و مش فاكرة اى حاجة تانية ؟غريبة جدا
ترددت كلمة تفاح بإلحاح فى ذهن إيما و هو ما جعلها تشرد وهى تفكر عندما قطع تفكيرها صوت قادم من بعيد،صوت أنثوى حنون يقول
-أنا عارفة إنى مش ههون عليكى و انك هترجعى علشانى يا قلبى
ظل الصوت يتردد حولها و هو أخذ فى الانخفاض حتى تلاشى تماما و حل ال**ت مجددا،شعرت إيما بثقل جفونها خاصة بعد تلك الوجبة الثقيلة و استسلمت للنوم بلا أي مقاومة تذكر
****
ترك الرجال شاهي مع إيما وتوجه الجميع للاستقبال للسؤال على موعد إستلام جثة ريماس وقال لهم موظف الاستقبال أن أهل ريماس فى طريقهم للمستشفى بالفعل وهنا لم يتمالك كريم نفسه و سأل الموظف فى ما يشبه الرجاء
-ممكن لو سمحت تساعدني اشوف المرحومة..أرجوك
رد الموظف فى اسف واضح
-والله يا أستاذ أنا مقدرش اعمل كدة للأسف حضرتك لازم تكون من أقارب الدرجة الأولى بالنسبة للمتوفى علشان يسمح لك أمن المشرحة بالدخول و الله فعلا سامحنى لأن ده مش فى ايدى انى اعمله
كانت كلمات الموظف كالمعتاد بالنسبة لكريم وهو ما شعر به ع**ت و زادت شفقته عليه ثم قرر التدخل و المحاولة قائلا للموظف فى رجاء
-المرحومة كانت زى بنتى واكتر ولو ممكن تسمحلى انا وهما يدخلوا معايا حتي لو هيكون معانا موظف من الأمن أنا بترجاك كأب لو فى اى طريقه اننا نشوفها أكون شاكر لك
شعر الموظف بالحرج من الرفض خاصة وهو يعلم أن الحادثة كانت فيها ابنته وهو ما يؤكد كلامه وفكر قليلا ثم قال بصوت خافض
-أستاذ ع**ت انا فعلا مش فى إيدي انى اعمل كده لكن هعمل محاولة علشان خاطر حضرتك و ربنا يسهل لكن خد بالك ان لو حد عرف ده هيكون وظيفتى و سمعتى كلها
رد ع**ت
والله ما تقلق حتى لو المحاولة دى فشلت هكون شاكر لك انك حاولت
رفع الموظف سماعة الهاتف و طلب رقم داخلي ثم تحدث مع أحدهم و شرح له الموقف و أجاب بالتأكيد على السرية ثم أغلق الهاتف وابتسم وهو يوجه كلامه لع**ت
-موظف الأمن هيدخل حضرتكم تشوفوا المرحومة و بشكل غير رسمي أتمنى بس محدش فيكم يعمل اى صوت ممكن يخلي اى حد ياخد باله و زى ما حضرتك سمعت كدة الموضوع دة هيكون فى ضرر ليا و لموظف الأمن
رد ع**ت
-أنا مقدر جدا الموقف و شاكر لك المحاولة و احنا نشوفها بس ونسيب المكان على طول و اطمن مفيش حاجه هتحصل تلفت الأنظار
ثم كرر له الشكر و توجه هو وأحمد وكريم الى الدور الأرضي بعد أن علم منه اسم الموظف المسؤول و بمجرد وصول الجميع لبوابة المشرحة حتى أنتابتهم قشعريرة هزت اجسادهم تزامناً مع تلك الرائحة القوية لمادة الفورمالين السامة و بمجرد أن طرق أحمد الباب طل عليهم الموظف المنوط بإيصالهم إلى مكان جثة ريماس و هنا وقف الثلاثة أمام باب ثلاجة الموتى و هم يتهيئون لمواجهة هذا الموقف العصيب خاصة وان لا احد منهم يعلم ما فعل الحادث بوجه وجسد الفتاة و عندها فتح العامل الدرج المحتوي على الجثة و قام بفتح تلك الحاوية البلاستيكية عندها سمع الجميع صوت إرتطام قوي