فاقت ريماس من نومها على حركة بجانبها،لم تجفل بحكم اعتيادها على الظلام من حولها،فردت جسدها تتمطى في **ل شعرت بعدها براحة تشمل كل كيانها،تكرر الصوت من حولها مما أجبرها على محاولة معرفة مص*ره ،نزلت ببطء من على الفراش و هى تتحسس ما حولها وعندها وجدت شق الحائط ينف*ج مرة أخري ليعم الغرفة النور و تدلف من الشق ريماس وهي تلقي التحية على إيما بإبتسامة جميلة مشرقة مما استرعى دهشة إيما تلك المرة أن ريماس عندما دلفت من الباب سبقها النور و لم تسبقه هي كالمرة السابقة لحضورها ،فكرت في الأمر لثوانى معدودة قبل أن تلقي به جانبا و تسأل ريماس التي جلست على طرف الفراش و ما زال وجهها مبتسما نفس الابتسامة
-ريماس الحمدلله انك جيتي بسرعة ومتأخرتيش عليا،عندى اسئلة كتير محتاجة أسألها ليكى
ردت ريماس
-أنا مينفعش اتاخر عليكى يا حبيبتي و لو على الأسئلة قولي و اسئلى براحتك وانا كل اللى اعرف جوابه هقوله ليكى على طول ،انا هنا علشان اساعدك يا إيما
أعطي رد ريماس ريماس دفعة كبيرة من التفاؤل خاصة و أنها لم تضع قدمها بعد على أول الطريق لمحاربة الظلام المحيط بها ،كان كل ما تريد حقا هو معرفة لما هي هنا و لما كل هذا الظلام و لما هي لا تتذكر أي شئ،تمنت إيما بداخل نفسها ان تعرف الردود لأسئلتها
تردد من جديد الصوت القادم من حولهم و الذي يشي بحركة كائن ما و لكن في غمرة انشغال إيما بانتهاز الفرصة و الكلام مع ريماس لم تعر الأمر انتباه وقالت في لهفة
-يعني أسأل و تجاوبي
ردت ريماس وعيناها تشي بالصدق التام
-طبعا قولت ليكى أن كل اللي عندي له أجابه هقوله ليكي بس سامحيني بقى فى اللى ملوش اجابه
قالت إيما
-أنا هنا ليه؟
ردت ريماس
-علشان ده قدر و الشخص صاحب القدر هو الوحيد اللى يقدر يجاوب على السؤال دة و دة مش هيحصل غير لما تخرجي من هنا ،أنا عارفة أن جوابي دة مريحكيش دلوقتى لكن صدقيني قريب جدا هتفهمي
قالت إيما
-أنتي حقيقة و المكان دة حقيقة ؟
ردت ريماس
-هو يعني اية حقيقة يا إيما ، تقصدى يعنى الحاجات اللى نقدر نمسكها و نلمسها و نشوفها صح كده ؟ تقدري تمسكي موجات الراديو أو اشعة الشمس أكيد لا مع أنها حقيقة ،الحقيقة نسبية يا إيما،لكن علشان أطمنك أيوه أنا حقيقة والمكان ده حقيقة بالنسبالك و بالنسبالي
استغرقت إيما في التفكير و عندها ابتسمت ريماس وهي تنظر الى إيما ثم قامت بالنهوض و النظر تحت الفراش وقامت بمد ذراعاها لمكان ما مسلطة عليه نظرها وقامت بسحب شئ ما وسط نظرات صديقتها المتسألة فى فضول و ما أن أخرجت يدها وهي تحمل ذلك الكيان حتى شهقت إيما بخوف و هي تتراجع للخلف و ترفع يدها أمام وجهها
*******
التفت ع**ت وأحمد حولهم ليجدوا جسد كريم يفترش أرض الغرفة الرخامية ليكتشفوا أن سقوطه هو ما سبب صوت الارتطام القوي ،هبط أحمد بجانب جسد صديقه وحاول إفاقته وهو يحدث ع**ت قائلا
-هو ده اللى كنت خايف منه ،كنت عارف أنه ممكن ميستحملش بس كمان أنا عارف أنه عنيد وعاطفي جدا وكان مستحيل ميحاولش يشوف ريماس قبل ما تدفن ،واضح أنه هو كمان أعصابه مستحملتش
عندها بدأت تص*ر عن كريم أصوات همهمة توضح أنه في طريقه للإفاقة ،**ت أحمد وتعاون هو وفرد الأمن على رفع كريم ووضعه برفق على أحد الأسره المعدنية الموجودة فى الغرفة والتى تستخدم غالبا لنقل الجثث من والى المشرحة،ثم تحرك باتجاه ع**ت الشارد فى ملامح ريماس،وضع يده على كتف ع**ت و هو يقول بنبرة يملؤها الحزن و الاسي
-شد حيلك يا عمي و الله انا ما عارف ازاى ؟بس لازم كلنا دلوقتى نكون شادين حيلنا و صامدين لحد المحنة دى ما تعدى ،صحيح الموت يفرق الأجساد لكن أنا واثق أن روح ريماس هتفضل معانا و حوالينا,مصيبتنا فيها كبيرة بس لازم نرضى بالقضاء والقدر
وهنا انفعل ع**ت و هو يقول
-بس ده مش قضاء وقدر يا أحمد،أبن الششتاوي قفل عليهم الطريق بعربيته قصد و لو أهل ريماس سابوا حق بنتهم أنا بقى مش هسيب حقها ولا حق بنتى المرمية بين الحياة والموت وحتى مش عارفين فيها أيه ولا ايه اللى حصل لها بالضبط
شهق أحمد و هو يتراجع للخلف و ينظر لجسد ووجه ريماس المش*هين أمامه ثم يرد بصره إلى ع**ت مرة أخري و قال
-عمى اللى بتقوله ده معناه انه قتل ريماس حرفيا و هو اللي أتسبب في حالة أيما بس السؤال هنا ليه ؟
وهو أصلا يعرفهم منين علشان يعمل معاهم كدة قصد و الاهم من ده كله دلوقتى ان اللى هنقف قصادهم دول عيلة الششتاوي و الخوف كله من اللى وراهم
قاطع ع**ت كلام أحمد وقال في غضب
-يعني أية عيلة الششتاوي يا احمد دى بنتى واللى ها تدفن كمان كام ساعة دى كمان في مقام بنتي و لو الموضوع هيكلفنى عمرى كله هدفعه بس الحيوان ده ياخد جزاءه
قال أحمد وهو يبرر
يا عمي انا مقصدش اللى وصل لحضرتك من كلامى ده ،انا كل قصدي ان أحنا لازم يكون عندنا دليل وقوي كمان و ان الدليل ده لو موجود لازم نكون سابقين بخطوة علشان نلحقهم قبل ما يتم التغطية عليه أو اختفائه
رد ع**ت بعد أن هدأ قليلا
متقلقش الدليل موجود و فى الحفظ والصون كمان و مش بس دليل واحد ده أكتر من دليل و على الرغم من أن الحادثة حصلت الصبح بدرى و الطبيعي كان أننا هنتلهي فيها و ده طبعا كان هيدى وقت لهم انهم يطمسوا الحقايق لكن ربنا ستر و هما كمان اتلهوا فى ابنهم اللى حظه الوحش أنه كانت اصاباته هو كمان كبيرة لكن مش قاتلة يعنى و اللى حصل ببساطة أن السكرتارية عندى اول ما اخدت خبر كان كل واحد فيهم قرر يتحرك في اتجاه علشان يعرفوا معلومات عن الحادثة فى نفس الوقت اللى كانت البنات بتتنقل لهنا وانا بحصلهم انا و شاهي و الحمد لله ربنا مش هيضيع حق البنات ،بص يا أحمد لريماس ..بص كويس و اتخيل كدة البنت دى حست بايه وهي بيحصل فيها كل ده ،أنا مش هقولك بص ل إيما علشان على الاقل بنتي لسة عايشة لكن المسكينة دى و اللى فدت بنتي بروحها ،تفتكر ممكن أسيب حقها!
**ت أحمد تماما لأنه يعلم جيدا أن ع**ت في احتياج للكلام خاصة وأنه مجبر أن يتحمل كل ما يحدث لأبنته و زوجته و تبعات تلك الحادثة،شعر أن الكلام الصادر عن ع**ت في ها الوقت ربما يسمح له بأن يخرج مكنون ص*ره من شحنة الغضب و الحزن و لطالما أعتاد أحمد أن يتحمل تلك المواقف على الرغم من الألم المتنامي بداخله ،هو حقا يحتاج هو الآخر لمن يخرج مكنون ص*رة له و لكن أحتياج ع**ت لذلك أكثر منه بكثير خاصة و أن سن ع**ت و ظروفة الصحية مع الكتمان قد تقضيان عليه
أكمل ع**ت كلامه وهو ينظر تجاه كريم ليكتشف أنه وفى أثناء حديثهم قد أفاق و يستمع له فى أهتمام و ترتسم على وجهه علامات الغضب والتوعد
-كويس أنك فوقت يا كريم يا أبنى ،أنت سمعت كلامنا أنا و أحمد مش كدة ؟
رد كريم وهو يفرك جبهته بيده
-سمعت كل حاجة
قالها كريم وهو ينظر للأرض في وجوم،ثم أكمل ع**ت كلامه قائلا
الوضع دلوقتى علشان تكونو معايا في الصورة أحنا هنطمن على استقرار حالة إيما و نستنى جنازة ريماس و بعدها نتفق هنعمل أية ولو أنى خلاص وكلت أكبر محامين في البلد و بدأ فعلا فى رفع قضية من النهاردة على سامر و كمان أخدت تقرير حالة أيما من الدكاترة ومنتظر بس أهل ريماس علشان لازم تقرير عن سبب الوفاة والإصابات و حالتها عند وصول عربة الاسعاف و بعد وصولها المستشفى و للاسف دى تقارير مش بتطلع غير أقارب الدرجة الأولى و اللى كنت أتمنى والله أنى اكون منهم.
أتى صوت طرقات من الخارج ،ذهب أحمد وفتح الباب وعندها وجد موظف الأمن يطلب منهم الإسراع بالخروج لأن أقارب المتوفاة قد أتوا لاستلامها و هو لا يريد أن يحدث له مشاكل بالعمل ،هم الثلاثة بالخروج بعد أن قاموا بإلقاء النظرة الأخيرة على ريماس وكان آخر المودعين لها هو كريم الذى شعر بعدم اتزان مجددا عندما رأى ابتسامة ترتسم على وجهها المش*ه الجروح والسحجات وهو يقول لها
هنجيب حقك يا ريمي والله لو اخر حاجة هعملها فى حياتي هعملها و أنا راضي بس مش هسيب المجرم ده يفلت باللى عمله ، أنا أسف انكم أتعرضتم لكل ده و مفيش حد فينا كان عارف ولا عرف يبعد عنكم الأذى اللى أتعرضتم له ده كله، أنا خايف تكوني زعلانه مني أنى معرفتش أجي معاكم يومها بسبب زعل أحمد مع إيما أنا فعلا خايف تكوني موتي وأنتى زعلانه مني،مع أنك عارفة معزتك عندى و أنى كنت بعتبرك الأخت اللى ربنا بعتها ليا بعد عمر طويل من الوحدة بس والله يا ريمي ما هسيب حقك وحق إيما حتي لو أهاليهم نفسهم سابوا الحق ده، نامى و اطمنى يا حبيبتى
******
قالت ريماس وهي تقترب من إيما حاملة الكائن الصغير بين يديها في حنان بالغ
-مفيش فايدة فيكى يا بنتى والله
ثم ضحكت بصوت عال وقالت
-أيه بس يا ريمى مالك دى قطة صغيرة بصى حتي جميلة ازاي؟
صرخت فيها إيما
-لا مبحبهمش و انتى لو عارفانى كويس زى ما بتقولى هتعرفي ده عنى ما هو أكيد يعني أنا كده من زمان ،وبعدين هو أنتي جاية تساعدينى و لا جاية ترعبيني مش كفاية عليا الرعب اللي أنا فيه ،أقولك حاجة خدى البتاعة دى و أمشي من هنا أنا خلاص أخدت على المكان و الضلمة
ضحكت ريماس مجددا و هي تقول
-حتى لو عرفتى أن البتاعة دى هتكون أول طريقك للخروج من هنا وأول خطوة ليكى على الطريق الصح علشان ترجعلك حياتك وذكرياتك
قالت إيما في دهشة وهي تنظر الى القطة الصغيرة القابعة فى وداعة في حضن ريماس وتتمسح بوجهها الصغير فى ايديها وتموء بصوت خافض محبب متودد
-دى هتخرجني من هنا ،ده اللى هو ازاى يعنى؟
ردت ريماس وهي تمسح على جسد القطة بحب
-الخوف يا إيما،الخوف هو أكبر ضلمة ممكن يواجهها الإنسان في حياته و هو كمان المخلوق الوحيد اللى بيخاف منها و لما يخاف منها تشل حركته و تفكيره،القطط فى كل الثقافات كائن نورانى،كائن محبوب و إليف بالفطرة لكن كمان هو كائن روحانى و ده بيخليه حلقة وصل بين العوالم في ثقافات كتير،حتى الفراعنة أجدادنا قدسوه وبنوا له المعابد وفى اعتقادهم أنه كان حارس وحتى في ثقافات تانية كان له نفس المنزلة و المكانة و الغريب أنك تدخلى معبد من المعابد ومتلاقيش رسومات القطط الفرعونية بكل جمالها و هيبتها بتزين جدرانه لكن مش هو ده موضوعنا الاساسي دلوقتي
قالت إيما
-أومال أيه هو موضوعنا طيب؟
ردت ريماس وهي تعيد المحاولة بالاقتراب من إيما بحملها الجميل
-موضوعنا هو مواجهة الخوف،ازاى تواجهى خوفك و مش بس كدة لا انتي كمان لازم تتغلبى عليه لحد ما يختفي و ميبقاش موجود،الخوف لازم يكون له سبب وده خوف مبرر لكن الخوف الغير مبرر زى خوفك دلوقتي من القطة دى هو خوف ملوش أساس زيه زى حاجات كتير بتعدى علينا فى حياتنا ،نتجنبها بس لاننا خايفين منها،طيب ليه خايفين محدش عنده إجابة واحدة!!
نظرت ريماس لإيما وعندما وجدت على وجهها نظرات عدم الفهم قالت
-هفهمك بالراحة بصى يا ستى مثلا يعنى فى ناس كتير جدا تخاف من المرتفعات أو أنها تعدى الطريق لو فى عربيات أو تخاف من البحر و الاماكن اللى فيها كميات ميه كبيرة صح ؟
أشارت إما برأسها بالإيجاب
أكملت ريماس قائلة
-أهو ده مثلا خوف مبرر ،بخاف من حاجه انا عارفه ان فيها ضرر ليا و متأكدة من الضرر ده يا حصلت ليا تجربة قبل كده بشكل مباشر خوف*ني زى أنى غرقت أو عديت الطريق وعربية خبطتنى أو وقعت من مكان مرتفع و جسمى حصله ضرر يا حصلت لحد قريب منى أو حتى حد معرفوش لكن حصلت قدامى وهنا خوفى ده له سبب صح كده؟
ردت إيما
-تمام فهمت
أكملت ريماس
لكن بقى لو بصينا لخوفك دة دلوقتى هتلاقى أنك خايفة من قطة صغيرة ،عمرها بالكتير أو شهرين او تلاته تقدرى تقوليلى ايه هو الضرر اللي ممكن تسببه ليكى و أيه هي التجربة اللى خلت الخوف ده موجود ؟
عم ال**ت الغرفة تماما و لانت ملامح إيما وهي تفكر في قول ريماس
تحولت نظرات إيما لتلك القطة الصغيرة من نظرات خوف لنظرات أقرب إلى التقبل
ثم قالت ريماس
المجهول دايما يخوف ،الإنسان بطبعه يخاف من اللى ميقدرش يشوفه أو يلمسه أو يتحكم فية زى الموت كدة ولو أن حتى الموت ممكن ميخوفش لو الانسان فكر فيه بعقله وقلبه مش بغريزته للبقاء ،لسه الفرصة معاكى و معاكي كل حواسك يا إيما اللى تقدري تغلبي بيها خوفك
واجهي خوفك يا إيما علشان تلاقي النور
ثم تركت القطة الصغيرة بجانب إيما علي الارض و توجهت الى الحائط الذى فعل مثل كل مرة و ابتلعها فى نعومة تاركه خلفها صديقتها الناظرة الى القطة فى توجس ومع أخر شعاع نور وجدت إيما نفسها تواجه أول مخاوفها وخاصة عندما شعرت بحركة القطة على الأرض وصوت خطواتها تقترب منها فى سرعة