سمع الجميع جلبة تتردد بين جنبات المستشفى مما استرعى انتباه الكل مرضي وزائرين وأطباء،خرج الكثير من الأشخاص فى محاولة حثيثة منهم لتبين الأمر،تحرك طاقم التمريض فى سرعة بين الغرف لبث الطمأنينة فى قلوب المرضى و ذويهم و لمحاولة شرح الأمر وخاصة وقد أتى لهم الأمر من مدير المستشفى و مالكها،علم ع**ت و الشابين أن أهل ريماس قد أتوا لاستلام الجثمان و ان تلك الجلبة منهم و من والدتها فتحرك الثلاث استعدادا للنزول إلى الطابق السفلي وسط نظرات الدهشة من شاهي التى افزعتها الجلبة والاصوات من غفوتها التى غفتها على مقعد صغير ولكن وثير بجانب فراش إبنتها الطبي وهي ممسكة بيد ابنتها ،قال لها ع**ت و هو يتجة لباب الغرفه
-متقلقيش يا شاهي، دول أهل ريماس بيستلموا المرحومة،اسمعي احنا لازم ننزل لهم تحت وأنتي انتبهى ل إيما وخليكي جنبها
ردت شاهى و دموعها تهمر
الله يرحمها و يحسن اليها و يصبر قلوبهم،بس انا عايزة انزل معاكم أشوفها يا ع**ت قبل ما تمشى،دى عاشت معايا أكتر ما عاشت مع أهلها وكفاية انى مش هقدر احضر جنازتها،يا قلبى يا بنتي.
ثم انخرطت في نوبة جديدة من البكاء
قال لها ع**ت
-لا يا شاهي مش هينفع خلاص تشوفيها ،ادعيلها بس بالرحمة و مش هينفع كمان تسيبي إيما
ردت شاهي فى حزن
-ليه مينفعش أشوفها يا ع**ت لية ،انا هبص بس عليها وابوس راسها و مش هعمل أى حاجة والله و ممكن انزل مع كريم و أحمد و أستني أنت هنا مع إيما وأنا مش هتأخر والله ،هشوفها بس.
لم يستطيع ع**ت شرح سبب رفضه لزوجته و هو يعلم جيدا أنها لن تتحمل رؤية ريماس فى تلك الحالة حتى وإن كانت قد فارقت الحياة مما دفعه إلى اختلاق الغضب وقال لزوجته في حدة
-خلاص يا شاهي انا قولت مش هينفع يعنى مش هينفع ثم التفت في سرعة متجها إلى باب الغرفة حتى لا يعطيها الفرصة للمجادلة أو الحديث
انفجرت هي فى نوبة من البكاء و هي تقبل رأس إبنتها في حنان وخوف وقالت بصوت خافض
-ريماس ماشية خلاص يا إيما،مش عارفة لما تفوقي و تعرفى هيحصل ايه يا بنتى
هنا انتبهت شاهى إلى سقوط دمعة انحدرت بسرعة من جانب عين إيما مما أوحي لها أن أبنتها تسمعها و أن ما حدث يمكن أن يكون ناتج لذلك ،اسرعت شاهي بالضغط على زر استدعاء طاقم التمريض وهي تنظر الى إيما في لهفة
*******
أغمضت إيما عينيها بقوة وهي تحاول السيطرة على دموعها التي انهمرت كالشلال بمجرد أن شعرت باقتراب تلك القطة من قدمها ،ضمت يديها الى ص*رها و هى تتحدث الى نفسها بصوت عال وتقول
-دى مجرد قطة صغيرة يا أيما،مفيش حاجة تخوف،لازم اتغلب على خوفي زي ما قالت ريماس
ترقبت إيما أفعال القطة التالية فى حذر و ما **تت حتى بدأت القطة في المواء وهي تنتقل بين أقدام إيما وتتمسح فيها بحب ،رفعت إيما أقدامها بحذر شديد فوق الفراش أمله أن لا تصعد لها القطة علي الاقل حتي تستطيع السيطرة على خوفها و تفكيرها ولكن القطة الصغيرة لم تترك لها الفرصة لذلك إذ سرعان ما سمعت ما صوت المخالب الصغيرة وهي تتسلق الفراش في خفة مما جعلها تتكور على نفسها و تحكم التفاف الغطاء حولها في محاول للاختباء من ذلك الوحش الأسطوري ذو الفراء الناعم والانف الوردي في تصورها الخاص،حاولت القطة أختراق الغطاء بمكر وذكاء فطري دفعها إلى ذلك احتياجها إلى الأمان و الدفء و ربما هي غريزة تلك الكائنات السنورية الأليفة و التي لا تشعر بالحب إلا عند اقترابها من الإنسان،و اخيرا اخترقت الغطاء من فتحة صغيرة أغفلتها أيما من عند أقدامها و تسللت فى خفة صعودا الى حضن إيما التي شلتها المفاجأة فما كان منها إلا أنها تصلبت في وضعيتها تلك وكل ما كانت تفكر فيه هو ماذا يمكن أن يحدث بعد؟
******
هبط ع**ت و الشابين الى الدور السفلي ليجد والدا ريماس ممسكا بتلابيب مدير المستشفى و يتجمهر حولهم بعض من أهله و الكثير من طاقم العمل،حاول أحمد الدخول بين الجميع للوصول الى والد ريماس و تبعه كريم على ع** ع**ت الذى لزم مكانه وهو يحاول أن يفهم من الكلمات المتبادلة بين الطرفين ما سبب تلك المشاجرة و أن كان حدسه ينبه بالاسباب و لكن لا مجال الآن للحدس هو يحتاج الأسباب المؤكدة وبلا ذرة شك واحدة،وفي أثناء ذلك كان كريم بالفعل قد وصل الى والد ريماس ووقف بينه وبين مدير المستشفى و هو يحاول تهدئته ببعض الكلمات و في لحظة كان أحمد هو الآخر بجانب كريما يحاوطان الرجل و يخرجان به في سرعه من وسط الجمع و مازال هو يردد كلمات التهديد و الوعيد لمدير المستشفى والذي كان ينظر لوالد ريماس في تحد واضح وهو يرد على كلماته بالتهديد هو الآخر
قال أحمد موجها كلامه لوالد ريماس
-البقاء لله يا عمي ،أرجوك تهدى علشان أحنا لازم نفهم منك أيه الحكاية علشان نلحق نتصرف كلنا معاك و متقلقش كلنا معاك و حواليك لحد ما ناخد حق ريماس وإيما
نظر والد ريماس إلى أحمد نظرة تنم عن أنه لم يتعرف عليه إلا الآن نظرا" لانفعاله الشديد من القليل من الوقت ثم قال
-أزيك يا أحمد يا ابنى ،معلش اعذرنى انا مكنتش شايف حد
رد أحمد بنبرة حزينة
- ولا يهمك يا عمي ،أنا مقدر كلنا مقدرين واللة بس أرجوك تمسك نفسك لحد بس ما ناخد ريماس من هنا و نخلص الجنازة و كمان والد إيما منتظر حضرتك هناك أهو ومعاه كريم علشان فى موضوع لازم حضرتك تعرفه منه و لأن الموضوع ده يخص سامر الششتاوي و حق البنات ،الموضوع مش صغير يا عمى ولا هي مجرد حادثة عادية .
أشار في تلك اللحظة لهما ع**ت وهو يتقدم بأتجاهما بجانبه كريم و الذى بدأ يتلفت حوله في حركة غير اعتيادية منه وهو ما جعل أحمد يوقن بأنه هناك شئ ما يحدث أو على أقل تقدير قد حدث ،وما ان اقترب ع**ت من والد ريماس حتى بادرة بكلمات العزاء ثم مال على أذنه وقال كلمات قليلة أشار له بعدها والد ريماس بالإيجاب ثم قال لهم بصوت عال
أنا لازم أروح أستلم جثمان بنتي وتدفن و بعدها هنشوف أحنا ولا عيلة الششتاوي؟
رد كريم فى سرعة
-الله يرحمها و يحسن اليها،عين العقل يا عمي كلنا معاك
ثم توجه الجميع للمشرحة تشيعهم نظرات مدير المستشفى الواقف بترقب وما أن أختفي الجمع من مجال نظرة حتى ذهب إلى مكتب الاستقبال وطلب حضور الطبيب المسئول عن تقارير الوفاة إلى مكتبه و أن يحضر معه ملف ريماس الطبي الكامل قبل تسليمه الى ذويها
******
حضرت الممرضة لغرفة إيما واستمعت الى شرح والدتها شاهي عن ما حدث و لكن جاء ردها مخيبا لأمال الاخيرة، شرحت لها في سرعة وعدم أهتمام ان ما حدث هو طبيعي و يحدث كثيرا في حالات الغيبوبة الطويلة أو القصيرة و لا علاقة له بالافعال الإرادية و ان مريض الغيبوبة يمكن يتحرك حركات لا ارادية و ان ينتفض جسده أحيانا كرد فعل لا إرادي من الجسد على بعض الإشارات الكهربائية القادمة من المخ و أن الدموع يمكن أن يسببها الكثير من المسببات الخارجية و عندما رأت نظرات الإحباط ترتسم على وجهة شاهي قالت لها
علي فكرة يا مدام شاهي أنا مش بقول الكلام ده لحضرتك علشان تفقدي الامل بالشكل ده ،أنا بس بعرف حضرتك أية الطبيعي و اية اللى جايز جدا يكون مؤشر على تحسن الحالة خصوصا و انا عرفت من الدكتور أن حضرتك هتكوني مقيمة مع المريضة بشكل دايم الفترة الجاية يعني حضرتك هتكون دايما عيونك عليها ومعاها وبإذن الله ربنا يكتب لها الشفاء عن قريب وانا تحت امر حضرتك طول الشيفت بتاعى.
قالت لها شاهي في تفهم
-أنا فاهمة طبعا ،بس انتى اكيد فاهمة أحساسي،دى بنتى الوحيدة و كل ما املك من الدنيا دى وقلبى بيتقطع كل ما ابص عليها وأشوفها كده ونفسي أعمل أى حاجه بس تقوم من الحالة دى والله أدفع عمرى كله بس هي تفتح عيونها أو حتى ترمش بس
ردت الممرضة فى تفهم
-هتقوم بإذن الله يا مدام شاهي متقلقيش
ثم استأذنت في الانصراف
أقتربت شاهي من فراش إيما وهي تتمتم بالدعاء ثم مالت على رأسها تقبلها فى حنان وقالت لها
-أنا أسفة يا بنتي أني مكنتش موجودة معاكي ولا عرفت أبعد عنك الخوف والأذى، عارفة يا إيما أيه هي مشكلة الأم الحقيقية فى الحياة دى؟مشكلتنا أننا اول ما بيكون لينا طفل أو طفلة بنبرة له كل يوم و احنا بنراقب كبر قد ايه و أتعلم ايه و بنفضل كده علشان نفسنا نشوفه بيكبر و طول الوقت بنحاول نبعد عنه الضرر ،طول الوقت بنكون حواليه ،بنأمن مكان خطواته و أكله و شربه حتى اللعب بناخد بالنا أنها متكونش مؤذية له،طول الوقت بنعمل حواليه سور كبير من الحماية و لكن اللى عمرنا ما بنكون عاملين حسابنا عليه أنه يوم ما بيكبر و يبتدى يعتمد على نفسه ويخرج بره حضننا و بره السور خوفنا عليه بيبقى أضعاف وأضعاف لأنه خرج برة حيز الحماية ده هنا بتكون أكبر مشاكلنا الحقيقة بدأت ،جايز اكون مكنتش ليكى الأم اللى تتمنى انى كنت اكونها لكن والله انا حاولت بكل الطرق لكن غصب عني كنا نختلف،نختلف على فرق فكر أو فرق إستيعاب للمشاكل،أنا بعترف انى اوقات كتير مكنتش بفهم اللى بين السطور في تصرفاتك و انى كنت بتكلم عليكي فى الأفعال،لكن والله ده كان لمصلحتك ولاني عايزة اشوفك احسن و أنجح مني، كنت عايزه اشوفك قوية واقفة على أرض صلبة ليكي كيانك و محدش يقدر يتحكم فيكي مهما كان ….عارفة انا ليه كنت بحاول أصلح بينك و بين أحمد؟ كنتي دايما تتهميني اني باجي في صفة عليكي و مكنتش بعرف اشرح لك ليه باجي في صفة ،جايز ده الوقت المناسب انى اتشجع و أقولك و انا كلى أمل انك تكونى سمعاني،أنا كنت شايفة فى أحمد تصرفات راجل بيحب بجد و من قلبه و بكل مشاعره إنسان فيه كل الصفات الحلوة اللى اي بنت تتمناها،حنون و طيب و عاقل و بيحترم و بيحترم العلاقة اللى بينك وبينه وعمره في يوم ما هيجبرك على حاجة انتي مش عايزاها،مش هتخلي عنك وقت احتياجك لوجوده ولا هيقول لك فى يوم ظروفى كده و لازم تستحملي ولا هيبعد عنك بالشهور و يقول لك أصل أنتى عارفة من الأول أن ده وضعي،الحقيقة يا إيما ..مكنش هيكون زى أبوكي وعلاقته معايا،علاقة جافة مفيهاش حتى الكلمة الحلوة اللى بتستناها كل ست من جوزها
ثم تن*دت فى مرارة وهي تكمل
حاجات كتير أوي كان نفسي أقولها لك و احكيها معاكي ،حاجات وجعانى لكن كمان كنت بخاف بخاف كل ده يأثر على نفسيتك،خصوصا و انا شايفاك بتتخبطي بين مشاعر كتير وأفكار أكتر،أوعي تكوني كنتي فاكرة انى مش حاسة بيكي أو مش فهماكى يا بنتي ..ابدا والله انا كنت عارفة و شايفة بس مكنتش عارفة ممكن اساعدك ازاى؟ سامحيني يا إيما سامحيني
******
ظلت إيما على تلك الوضعية المتصلبة فترة ليست بالقليلة و كل تركيزها منصب على وضع القطة الصغيرة التي استكانت بين ذراعيها بالقوة الجبرية و فى لحظة خاطفة وجدت إيما الضوء يغمر الغرفة وهو ما أجبرها على فتح الغطاء عن رأسها بحذر شديد حتى لا توقظ الكائن المستكين كانت متوقعة وصول ريماس ولكن ما أثار دهشتها أنها لم تكن موجودة ولأول مرة ترى إيما ما حولها بوضوح، شعرت إيما بالانبهار و الروعة تطل من جميع الموجودات حولها حتي انا للحظات غفلت عن تلك القطة الصغيرة الراقدة على ذراعها وعندما حاولت النهوض تذكرتها خاصة مع حركتها الخفيفة والتي قامت فيها بمد ذراعها للتشبث فى ملابس إيما و كأن ل**ن حالها يقول لا تتركيني،نظرت لها إيما تتأمل لون فرائها الأ**د اللامع كقطعة من الأبنوس و كفوفها الصغيرة ذات الباطن الوردى وأنفها الصغير عندها شعرت بقلبها يرق لها و بأن مشاعرها تتحول في نعومة عجيبة من الخوف الى الحب الشديد وهنا أمسكتها إيما ونهضت وهي تضعها بين ذراعيها وضمتها بحب لتجد أن النور الشديد من حولها يخفت تدريجيا ليصبح فى مستوى مناسب تماما ليكون مع الموجودات لوحة جميلة امتزج فيها اللون الأبيض الذي يغلف الحوائط بلون الأرض الرمادي المغطى بطبقة زجاجية خفيفة توهم الناظر أنه يتحرك على لوح كبير من الزجاج الشفاف ولكنه بصلابة الصخر و سجادة كبيرة من الفراء الأبيض الناعم وفراش من الحديد الأبيض الجدول المزين بورود وردية ذات وريقات صغيرة من اللون الأخضر الناعم و مرأة بعرض الحائط زينت حوافها بنفس الحديد المجدول و نفس الورود و خزانه بيضاء مقسمه الى ضلف صغيرة منتظمة المقاس ، و طاولة صغيرة بنفس اللون الأبيض الناصع وضعت عليها مزهرية زجاجية بديعة الصنع رمادية اللون وضعت بداخلها بعض الورود وردية اللون زاهية وبجانبها وضع قلم من اللون الفضى و دفتر كبير مزين بزيارة ناعمه وضع على غلافة قفل من نفس لون القلم ،حركت عينيها فى باقى أنحاء الغرفة ورأت أنه يعانق أركان الغرفه الكثير من النبات الخضراء المتسلقة الحوائط فى نعومة و تصل إلى السقف فى شموخ و لكن ما لفت أنتباة إيما أنه لا يوجد مص*ر واحد لذلك الضوء،حاولت كثيراً البحث ولكن بحثها لم يسفر عن نتيجة وقررت ترك هذا الأمر وهي تذهب لتواجه المرأة فيصعقها ما رأت حتي أنها تشبثت بقوة بالقطة الصغيرة بين ذراعيها و هي تتقهر للخلف ..