رفع مدير المستشفى سماعة الهاتف في غضب وقال للسكرتيرة :
انا مش طلبت الزفت الشرعي علشان يدينى تقارير الوفاة وطلبت ملف حالة الوفاة اللى دخلت فى حادثة ابن الششتاوي ؟
ردت عليه السكرتيرة بصوت يرتعش
-حصل يا افندم لكن الدكتور المسؤل مش هيقدر يتحرك غير بعد تسليم الجثة و ملف الحالة طلبته من الدكتور ومنتظرة وصوله يا أفندم
زفر في غضب و قال
-ما انا طلبته علشان أشوفه قبل ما يتسلم لأهلها وكان ممكن يخليهم ينتظروا بدون مايقول أسباب هو انا كل حاجة كدة لازم اعملها بنفسى ،أيه مشغل معايا بهايم،مفيش حد بيعرف يتصرف خالص كده ،أومال الفلوس اللى بياخدوها قد كده على قلبهم دى ليه ؟
ثم وضع سماعة الهاتف بدون كلمة واحدة زائدة وحدث نفسه قائلا :
-أنا قلبى حاسس انها مش هتعدي على خير أبداً
رن جرس هاتفه المحمول برقم خاص ،نظر إلى الهاتف ثم مد يده مرتعشاً متوجساً وضغط على زر استقبال المكالمة،أتاه صوت الطالب قائلاً:
أيه يا دكتور يعني وصلني خبر إن أهل البنت عندك بيستلموا الجثة و أعتقد أن اتفاقنا كان واضح مش كدة ولا ايه؟
رد متلعثماً:
-اه طبعا طبعا حضرتك ،أنا بس كنت مستني الناس تخلص الإجراءات وتمشي علشان اكلم حضرتك ونتفق نتقابل امتي علشان أدى لحضرتك التقارير القديمة و تشوف كمان نسخة من التقارير الجديدة ،لأن طبعا الأصل هيكون لأهل الحالة ،أنا و المستشفي كلها تحت امرك يا أفندم
أتاه الجواب يحمل لمحة من التهديد الغير مباشر ولكنها واضحة وضوح الشمس فى كبد السماء
-انا واثق من ده طبعاً وصدقني احسن لك أن تكون قد كل كلمة قولتها وإلا مضمنش بقا الجاى يكون ايه وانت فاهم كلامى طبعاً مش كده ولا ايه؟
رد مدير المستشفى وهو يجفف شلال العرق المنهمر على جبينه من التوتر
-طبعاً يا أفندم احنا تحت امر حضرتك أنا والمستشفى كلها و مش هيخيب ظنك ابدا ً
أغلق الطرف المتصل الخط بلا كلمة أخري و كأن عدالة السماء أبت إلا تقتص منه على ما فعله منذ قليل مع موظفة السكرتارية الخاصة به،تهاوي جالساً على مقعده و هو يفكر كيف يمكن أن يتخلص من تلك المشكلة التي وضعته فيها الأقدار
******
صعقت إيما برؤية مشهد تعرضه أمامها المرآة،تشعر بألفه عجيبة لذلك المنزل المعروض أمامها بكل تفاصيله،تشعر أنها أقامت به قبلاً وأنها قد لمست تلك التحف التي تزين جدرانه وأركانه وكانت صدمتها الكبرى حقاً عندما دخلت تلك السيدة الآسيوية الملامح إلى حيز الرؤية وعندها اتسعت دائرة الرؤية لتصبح المرآة كأنها شاشة عرض كبير تنقل مشهد كامل لبهو المنزل وهنا تأكد حدثها عندما رأت السيدة تقطع البهو الى ركن قصي و مازالت المرآة تتابعها حتى وصلت إلى أريكة زرقاء اللون تجلس عليها أيما فى هدوء تقراء كتاب ما ،كتاب لم تتبين هي عنوانه من تلك الزوايا ولكن سيطر عليها أحساس قوي في تلك اللحظة بالفضول خاصة مع تغيير ملامح تلك السيدة ذات الملامح الطيبة الدقيقة التي مالت عليها تحدثها و لكن ما أن وقعت عيناها على ذلك الكتاب فى يد إيما حتى ابتعدت وهي تتحدث بلغة غريبة مشيرة بيدها في رفض و عندها ضحكت إيما الجالسة فى فتور وهي تحدث السيدة وتشير للكتاب ،بدأ أن النقاش قائم على ما تحملت ورقات ذلك الكتاب و هنا رفعت إيما الكتاب بيدها وما أن فعلت ذلك حتى تسنى لها رؤية الغلاف بوضوح وشعرت بانقباض قلبها و هي تنظر الى ذلك الغلاف الأ**د اللامع و تلك النجمة الخماسية الأضلاع التي تتوسط الغلاف ، أظلمت المرآة تمام ثم تحولت إلى طبيعتها العا**ة فى براءة ،
حدثت إيما نفسها وهي مازالت تحتضن القطة الصغيرة:
-أيه ده بقى!،لا ما هو مش حلم طبعاً اكيد يعني ولا بيتهيألى،ولا ممكن يكون بيتهيألى مثلاً وأنا مجنونة و مفيش حاجة من كل اللى بيحصل ده حقيقي!
طيب هي مين اللى كانت معايا دى،شكلها مش غريب عليا و حاسة أنى أعرفها و أعرفها كويس جدا كمان بس شكلها مش شبهنا ولا حتى من نفس البلد و اكيد يعنى الملامح بتاعتها دى بتقول انها مش ممكن تكون قريبة ليا وكمان لبسها واللغة اللى كانت بتتكلم بيها بتأكد ده جدا
انشق الحائط من جديد ودخلت ريماس ولكنها اليوم لها مظهر مختلف ،كانت بشرتها البيضاء قد ازدادت صفاء و توردت وجنتيها و انسدل شعرها الذهبي الناعم فى تموجات ناعمة جميلة طويلة تعلوه باقة مجدولة من الأزهار البرية الصغير تلف مقدمة رأسها فى أناقة ،ترتدي رداء طويل الأكمام أبيض اللون ناعم الملمس منسدل حتى أخمص قدميها واسع بلا إفراط
نظرت لها إيما وقالت
-أيه الجمال ده يا ريمي،شكلك زى أميرات الحكايات
ابتسمت ريماس وقالت وهى تحتضن إيما
-اصل النهاردة يوم خاص جداً وعندي مناسبة مهمة ولازم اكون في كامل أناقتي،الله ايه ده يا إيما أنتي خلاص بقيتي انتى و خوفك أصحاب
ثم مدت يدها تملس في حنان على القطة الصغيرة المندسة فى حضن إيما
ضحكت إيما وقالت:
-الحقيقة هي اللي أجبرتنى نكون اصحاب و الغريب أن مشاعري ناحيتها اتغيرت تماما لما قربت مني و فضلت جنبى لقيت نفسي ببص لها و بكتشف أنها جميلة جدا و كل حاجة فيها صغيرة و فكرت في كلامك لقيت أن كل كلامك صح و ان الإنسان علشان يخاف لازم يكون له مبرر للخوف ده والا يبقا خوف مرضي بصراحة لقيت نفسي بحضنها و من وقتها وهي لازقة فيا زى ما اكون مامتها مثلاً و هقولك حاجة غريبة كمان حصلت أول ما حضنتها لقيت المكان كله بيتغير حتى النور بقى موجود ده غير بقى حكاية المرايه اهى دى بقى حكاية تانية لوحدها
ابتسمت ريماس وقالت:
-النور فضل موجود لأنك انتي اللي نورتيه لما واجهتي نفسك و خوفك و حكاية المرايه دى انا اللى هحكيها ليكي
ردت إيما فى سرعة
-يعنى انتى عارفه كل اللى حصل؟
قالت ريماس:
طبعا و قولتلك قبل كده انا هنا علشانك يا إيما وبما انى هنا علشانك يبقى طبيعي اكون عارفة
قالت إيما
-طيب ايه حكاية المرايه و البيت ده اللى شوفته جواها ومين الست اللى كانت بتتكلم معايا ليه خافت من الكتاب؟
قالت ريماس
-البيت ده بيتك يا أيما و الست دى الست اللى ربتك عمرك كله تقريبا و كانت بتحبك جدا و بتعتبر نفسها أمك الثانية ،للأسف مش هينفع اقولك على أسمها لأنك لازم تفتكرى لوحدك،و هتفتكري وقريب كمان و المرايه متقلقيش منها لأنها بتنقل لك حقايق حصلت من حياتك اللى فاتت ومتقدرش تنقل ليكي غير الحقيقة ،مش المفروض بقا نسمي القمر الصالون ده أسم؟
قالتها وهي تشير على القطة الصغيرة التي تحركت وهي تتمطى من حضن إيما و هبطت من على الفراش في خفة و أخذت تلعب فى فراء السجادة المفروشة على أرضية الغرفة
قالت إيما:
ماهو انا مش عارفه اسميها ايه؟لو عندك اقتراح قولي ونشوف
قالت ريماس
-أيه رأيك فى أمونيت أو اقولك باستيت
وعند ذكر الأسم الأخير تحركت القطة بسرعة متسلقة رداء ريماس وقامت بالاقتراب من وجهها وهي تتمسح بها دلالة على الحب
قالت إيما وهي تضحك:
واضح كده إن الأسم الأخير عجبها، يبقي خلاص هي اختارت باستيت
وبمجرد نطق إيما للأسم قفزت القطة فى رشاقة بجانب إيما وقامت بنفس ما فعلت مع ريماس
ضحكت إيما وهي تدغدغ باستيت و تقبلها ثم قالت ريماس:
تعرفي يا ايما أن الاسم ده فرعوني؟
رفعت إيما حاجبيها فى دهشة
أكملت ريماس قائلة:
-باستيت عند الفراعنة هي إلهة النعمة والمحبة والقوة والحرب وعلى فكرة كانت دايما تترسم على جدران المعابد بجسم واحدة ست و راس قطة أو لبوة
ازدادت دهشة إيما وخاصة عندما ربطت بين رد فعل القطة عند سماع الأسم و بين وصفها ومكانتها عند قدماء المصريين ولذلك بادرت إيما بسؤال ريماس:
-مش شايفه الموضوع ده غريب شوية يا ريمي
ردت ريماس:
بالع** يا قلبى،الحياة كلها و من أول الخلق سلسلة،سلسلة مربوطة ببعضها بس الفكرة كلها في أن الإنسان يشوف ويفهم ويفكر علشان يوصل للحقيقة المجردة من كل زيف أو تلفيق
قالت إيما فى شك:
ريماس هو أنا حياتى قبل ما انسي كل حاجة كده و أبقي هنا كانت عامله ازاى ؟
ردت ريماس وهي تنهض :
دى حكاية طويلة و انا دلوقتي معنديش وقت للأسف و مضطره أسيبك و أمشي لكن هرجع لك بسرع متقلقيش ونتكلم كتير جدا،المهم بس خدى بالك من باستيت علشان انا متأكدة إنها هي كمان هتاخد بالها منك،وتابعي المرايه علشان تعرفي وتفكري وتفهمي
ثم أخذت طريقها إلى الحائط كالعادة وقبل أن تدلف من الشق التفتت وقالت:
-ومتنسيش تاكلى و تأكلى باست
قالت لها إيما:
-أكل ايه؟
أشارت ريماس بيدها للطاولة بجانب إيما و التي كانت تحمل كل ما لذ وطاب من الأطعمة و الفاكهة وعلى طرفها وقفت باست تنظر للطعام ول إيما و تمسح فمها بل**نها فى أشارة واضحة للجوع و لكن ما لفت انتباه إيما هو انتظار باستيت رغم جوعها الواضح حتى تأذن لها
******
وقف الطبيب المسؤول عن تسليم جثمان ريماس أمام والدها و بعض الرجال من ذويها و هاتفه المحمول فى أحد جيوبهم لا يتوقف عن الرنين ولكن لم يعطي والد ريماس له الفرصة للنظر الى هاتفه و قال له فى حدة
ياريت نخلص بسرعة من الإجراءات دى و تسلمني تقرير الوفاة قبل ما نطلع تصريح الدفن لأن احنا اللى هتطلع التصريح بنفسنا جاءت كلماته كالصاعقة على رأس الطبيب لأنه لم يتوقع ذلك نظرا لأنه يعلم جيدا ما يدور فى كواليس تلك الحادثة و بشكل مباشر تلقي نفس التهديدات التي تلقاه مدير المستشفى ولكن لا أحد منهم يعلم عن تلقي الأخر لتلك التهديدات أي خبر ،تلجلج الطبيب و هو يحاول إقناع والد ريماس بأن المستشفى قامت باللازم و بأنه قد تم إصدار تصريح الدفن بالفعل وهنا ثارت ثائرة الوالد و أمر الطبيب بشكل مباشر بإحضار التقرير وتصريح الدفن للمقارنة أسباب الوفاة بالأسباب الحقيقة و أسقط فى يد الطبيب الذى شعر بالحصار و حاول التملص ولكن بلا فائدة وهو ما جعله يذعن بالأخير لطلب الوالد و يستسلم تماما للقدر و يحضر الأوراق من درج مكتبه ليأخذ الوالد و يعطيها لأحد الأشخاص خلفه ثم قال للطبيب فى نبرة تحد ممكن ترتاح على المكتب علشان احنا شكلنا كدة ممكن نطول هنا بلع الطبيب ريقه بصوت مسموع وهو يجلس قبالة والد ريماس،أتى صوت الشخص الذي تسلم التقارير من يد والد ريماس غاضباً وهو يقول
-ده تزوير وتدليس واضح يا دكتور ودى بقا حاجه احنا مش هسكت عليها،كنتم فاكرين أن المصيبة هتلهينا و ندفن البنت من غير ما ندور وراء اللى عمل فيها و فينا كده صح؟لا مش هيحصل و ريماس مماتش بالسكتة القلبية قبل الإصابة زي ما سيادتك كاتب فى التقرير لا ريماس ماتت بعد الحادثة و بعد وصول أول عربية إسعاف لمكان الحادث و الحقيقة شهادة الشهود بتقول أن ريماس كانت عايشه لحد ما اتنقلت فى عربية الاسعاف التانية كمان يعنى تقريبا في نص الطريق لهنا لو سمحت رد على مديرك و تطلب منه يجي حالا و الا هتطلع إحنا وقتها بقى أحنا مش مسؤلين عن الشوارع ولا البلبلة اللى هتحصل.
لم يجد الطبيب مناص من فعل ما أمر به خاصة وأن الخطة الموضوع بإت بفشل عظيم،تناول هاتفه وقام بالإتصال بمدير المستشفى والذي رد بلهفه على الطبيب لكن الطبيب لم يعطه الفرصة للاستقبال فى الحديث وقال له فى لهجة رسمية
-لو سمحت يا فندم تنزل هنا بسرعة لأن أهل المتوفاة رافضين استلام الجثة إلا فى حضور حضرتك
رد مدير المستشفى وقد استبد به القلق الشديد
-ليه دكتور ليه رافضين الإستلام و بعدين مش انا كنت طالب من أن التقارير تكون عندى قبل ما اى حد منهم يشوفها ؟
رد الطبيب وهو يحاول التورية فى كلماته
-يا أفندم التقارير كلها مع والد المتوفاة و بقول لحضرتك إنهم بيشككوا فى سبب الوفاة المكتوب و منتظرين حضرتك تنزل و إلا هيطلعوا هما ووقتها اكيد هيبقى فى شوشرة،أرجوك يا أفندم تنزل ثم أغلق المكالمة و هو ينظر بقلق في وجوه الحاضرين،لم يمر الكثير من الوقت حتى سمع الجميع خطوات مدير المستشفي وهو يتقدم فى الممر توجهت أنظار الحاضرين إلى الباب و بمجرد أن دلف منه حتى قال وهو يحاول التماسك موجها حديثه إلى الطبيب ومتجاهلاً والد وأقارب ريماس
-خير في إيه بيحصل عندك يا دكتور
لم ينبث الطبيب ببنت شفاه ووجه نظره الى والد ريماس مما أجبر مدير المستشفى على مواجهة الأب وهو يرغي ويزبد بداخله و يتوعد الطبيب بأشد درجات العقاب،قال له والد ريماس
-أهلا يا دكتور أحب أعرفك بالأستاذ منصور محمد الشرقاوي المحامي المعروف و طبعاً هو غني عن التعريف ،لكن واضح كده إنك متعرفش شكله كويس و إلا كنت وفرت على نفسك وعلينا اللى هيحصل كله
رد مدير المستشفى
-اه اهلاً وسهلاً بالأستاذ غنى عن التعريف طبعا ،بس ممكن افهم هو فى إيه و حضراتكم رافضين استلام الجثمان ليه ؟
هم والد ريماس بالكلام و لكن طلب منه المحامي ال**ت و أنه هو من سيتحدث من الآن وصاعداً،ثم قال بنبرة واثقة قوية
-التقارير دى كلها مزورة يا دكتور و علشان اوفر على حضرتك الكلام الكتير أحب أوضح لك ام التزوير مش معناه انك مزور فى الورق نفسه التزوير هنا فى طمس الحقايق ومحاولة المستشفى التغطية على جريمة سامر الششتاوي بإصدار تقرير وفاة و تصريح دفن يفيد بأن الوفاة جاءت نتيجة السكتة القلبية و إن ساعة الوفاة كانت قبل الحادث بثوانى قليلة و ده طبعاً يخرج سامر الششتاوى من القضية زى الشعرة من العجين ...أو ده اللى كنت متفق مع والده عليه لكن للأسف محدش فيكم عمل حسابه أن كل الشهود معانا و ان التقرير بتاعك ده مش هينفع ببصلة وقت ما تعرف ان مش بس الشهود لا ده كمان فى تسجيل بالصوت و الصورة للحظة وقوع الحادث هو كمان معانا و شهادة كل العاملين فى عربية الاسعاف اللى قامت بنقل ريماس من موقع الحادث لهنا كمان معانا و اللي بتثبت أنها كانت حية لحد نص الطريق لهنا يعنى كده مش بس أبن الششتاوي اللى هيتحاسب